COH
الصفحة الرئيسية
عربي
English
 

المحبة لا تسقط أبداً

تأملات في أصحاح المحبة 1كورنثوس 13

مقدمة

تشبه كنيسة اليوم كنيسة كورنثوس إلى حدٍّ كبير، فكما احتاجت كنيسة كورنثوس للتنبير على المحبة، كما يصفها أصحاحُ المحبة العظيم (كورنثوس الأولى 13) نحتاج نحن اليوم للفضيلة نفسها، وهي أعظم جميع الفضائل، فضيلة المحبة.

  1. كانت كنيسة كورنثوس منقسمةً إلى فِرقٍ وأحزابٍ، بسبب الاتكال على الحكمة البشرية (1كورنثوس 1: 1-16). فقال لهم الرسول بولس إن الفصاحة والفلسفة لا تحتلان المكانة الأولى في حياته (1كورنثوس 1: 17-2: 16) ولكن غرضه الوحيد هو أن ينادي بالمسيح المصلوب (1 كو 3 و4) الذي بيَّن لنا بصورة ملموسة المحبة السامية الباذلة التي تعطي دون أن تنتظر أخذاً ولا مكافأة.

  2. وتحتاج كنيستنا اليوم لفكر المسيح، الذي هو فكر الصليب، فكر المحبة، لأن قول الرسول يصدُق علينا: «فِيكُمْ حَسَدٌ وَخِصَامٌ وَٱنْشِقَاقٌ» (1كورنثوس 3: 3).

  3. اخطأت كنيسة كورنثوس عندما رحَّبت برجلٍ تزوج من أرملة أبيه، ربما لأنه كان غنياً أو ذا مركز اجتماعي متميِّز (1كو 5). ولو أنهم كانوا يحبونه حقاً لوبَّخوه على خطئه ليرجع إلى الله بالتوبة. فالمحبة توبِّخ المخطئ لأنها تكره الخطية وتحب الخاطئ. ونحن اليوم نحتاج للمحبة التي توبِّخ لتتّوِب، كما قال الحكيم: «أَمِينَةٌ هِيَ جُرُوحُ ٱلْمُحِبِّ وَغَاشّةٌ هِيَ قُبْلاَتُ ٱلْعَدُوِّ» (أمثال 27: 6).

  4. أظهر أهل كورنثوس روحاً مشاكسة تحب المشاكل والقضايا، حتى بلغ الأمر أن أحدهم رفع قضاياه أمام المحاكم المدنية ضد إخوته المؤمنين (1كو 6). والمحبة تثق في الكنيسة وفي المؤمنين. «أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ ٱلْقِدِّيسِينَ سَيَدِينُونَ ٱلْعَالَمَ؟» (1 كو 6: 2). وما أكثر قضايا المسيحيين ضد المسيحيين في المحاكم المدنيَّة اليوم!

  5. كانت كنيسة كورنثوس قد أرسلت رسالةً للرسول بولس تسأله عن الزواج (1كو 7) وعن الطعام الذي يقدمونه للأصنام: هل يأكلون منه أو يمتنعون عنه؟ (1كو 8 - 10). والمحبة هي الحل، وفيها إجابة كل سؤال. فالرجل يجب أن يحب زوجته كما يحب المسيح الكنيسة، والبيت السعيد يقوم على المحبة الصادقة. كما أن المحبة تجعل الإنسان يُحرص على مشاعر غيره من الذين يتَّفقون أو يختلفون معه في الأكل من اللحم المذبوح للوثن أو في الامتناع عن أكله.

  6. ونحن اليوم نحتاج لأصحاح المحبة (1كورنثوس 13) لنبني بيوتنا على المحبة، ولنقيم علاقاتنا الفكرية مع المحيطين بنا على أساس المحبة، ولنصدر أحكامنا على الآخرين من منطلق المحبة.

  7. كما سألت كنيسة كورنثوس بولس عن سلوك النساء في الكنيسة (1كو 11: 1-16). والمحبة هي الجواب، فالذي يحب يخضع لنظام الكنيسة، لأنه يحب رب الكنيسة. والزوجة الصالحة التي تعمّر المحبة قلبها لا ترفع صوتها، ولا تعكر صفو العبادة في بيت الرب.

  8. وسألت كنيسة كورنثوس عن وليمة المحبة التي كانت تسبق التناول من مائدة عشاء الرب (1كو 11: 17-37). والمحبة هي الجواب. فوليمة المحبة تعبير عن وحدة الجسد الذي هو الكنيسة، الذي سيأكل الخبز الواحد ويشرب الكأس الواحد.

  9. وتحدث الرسول بولس عن المواهب الروحية (1كو 12 و14). وقد افتخر بعض أهل كورنثوس بمواهبهم، مع أنها عطية من عند الله وليست من اجتهاد أحد. الموهبة موهوبة وهي هديةٌ من إنعام الروح القدس. وعلى أصحاب المواهب الطبيعية وفوق الطبيعية أن يستخدموا هذه الهدية لخدمة جسد المسيح، بكل محبة. وبين الأصحاحين اللذين يتحدث فيهما بولس عن المواهب يقدم لنا الطريق الأفضل الذي يجب أن نسعى إليه ونجدّ فيه، وهو طريق المحبة (1كو 12: 31). فكل من يشاء أن يُظهر غيرته للمسيح، ورغبته أن يبني كنيسته، يجب أن يكون كاملاً في المحبة.

  10. وفي 1كورنثوس 15 نجد الحديث عن القيامة. لقد أحبَّنا المسيح فجاءنا مولوداً في مذوَد، وعاش على أرضنا متواضعاً، ثم صُلب عنَّا، ومات ودُفن. وقام في اليوم الثالث من الموت ليكون باكورة الراقدين، وليُقِيم كل من يؤمن به من موت خطيته، وليقيمه من القبر في اليوم الأخير (يوحنا 5: 28 و31). وكل من قام من موت خطيته، وينتظر قيامة الأموات وحياة الدهر الآتي، يكون «مُكْثِرِاً فِي عَمَلِ ٱلرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، عَالِماً أَنَّ تَعَبَهُ لَيْسَ بَاطِلاً فِي ٱلرَّب» (1كو 15: 58). فالمحبة هي جوهر الحياة التي نحتاجها اليوم.

والنموذج العظيم للمحبة هو المسيح، المحبة المتجسد. لو أنك قرأت صفات المحبة كما جاءت في أصحاحنا، وحذفت كلمة «المحبة» ووضعت كلمة «المسيح» بدلها، لوجدت المعنى واضحاً وصحيحاً - فنقرأ: «المسيح يتأنّى ويرفُق. المسيح لا يحسد ولا يتفاخر ولا ينتفخ ولا يقبّح ...». وتجد في المسيح المحبة المتجسدة.

كانت المحبة واضحة في حياة المسيح وفي تعاليمه، فقد قال عن محبته الباذلة: «لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هٰذَا أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ» (يوحنا 15: 13). فقد اعتبر أعداءه الخطاة أصدقاءه وأحباءه، فبذل نفسه عنهم، ليجعل منهم فعلاً أحباءه وأصدقاءه. وتراه وهو يغسل أرجل تلاميذه يُظهر الحب الكامل «إِذْ كَانَ قَدْ أَحَبَّ خَاصَّتَهُ ٱلَّذِينَ فِي ٱلْعَالَمِ، أَحَبَّهُمْ إِلَى ٱلْمُنْتَهَى» (يوحنا 13: 1).

وكانت المحبة واضحة في تعليمه وهو يقول: «بِهٰذَا يَعْرِفُ ٱلْجَمِيعُ أَنَّكُمْ تَلاَمِيذي: إِنْ كَانَ لَكُمْ حُبٌّ بَعْضاً لِبَعْضٍ» (يوحنا 13: 35). «هٰذِهِ هِيَ وَصِيَّتِي أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضاً كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ» (يوحنا 15: 12).

وعندما سُئل عن الوصية الأولى والعظمى أجاب: «إِنَّ أَوَّلَ كُلِّ ٱلْوَصَايَا هِيَ: ٱسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ. ٱلرَّبُّ إِلٰهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ. وَتُحِبُّ ٱلرَّبَّ إِلٰهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ، وَمِنْ كُلِّ قُدْرَتِكَ. هٰذِهِ هِيَ ٱلْوَصِيَّةُ ٱلأُولَى. وَثَانِيَةٌ مِثْلُهَا هِيَ: تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ. لَيْسَ وَصِيَّةٌ أُخْرَى أَعْظَمَ مِنْ هَاتَيْنِ» (مرقس 12: 29-31).

والآن تعالوا ندرس أصحاح المحبة، التي «لا تسقط أبداً» وفيه نجد:

  • القسم الأول: أهمية المحبة (آيات 1 - 3)

  • القسم الثاني: صفات المحبة (آيات 4 - 7)

  • القسم الثالث: دوام المحبة (آيات 8 - 13)

الفصل الأول: المحبة أهم الفضائل (1 كورنثوس 13: 1 - 3)

تشبه كنيسة اليوم كنيسة كورنثوس إلى حدٍّ كبير، فالكنيسة اليوم تنقسم لطوائف متعددة ومتنوعة كما كانت كنيسة كورنثوس. وتنبّر كنيسة اليوم على مواهب الروح القدس أكثر من تنبيرها على ثمر الروح القدس الذي يبدأ بالمحبة (غلاطية 5: 22 ، 23). كما أن الكنيسة اليوم تنبرّ على المواهب التي تشدّ انتباه المشاهد، مثل التكلُّم بألسنة، أو الشفاء، أكثر من تنبيرها على المواهب الأكثر أهمّية، مثل الخدمة والتعليم والوعظ والعطاء والتدبير والرحمة والمحبة (رومية 12: 6-9).

وقد ناقش الرسول بولس مواهب الروح القدس في 1كورنثوس 12 و14 وبَيْن هذين الأصحاحين جاء أصحاح المحبة. ونحتاج في هذه الأيام أن نتأمل هذا الأصحاح المتوسط ليضبط مواهبنا، ويوجّه إمكانياتنا، سواء كانت إمكانيات طبيعية أو فوق طبيعية.

يقول الرسول بولس في نهاية أصحاح 12 «جِدُّوا لِلْمَوَاهِبِ ٱلْحُسْنَى. وَأَيْضاً أُرِيكُمْ طَرِيقاً أَفْضَل» (آية 31) ويقصد به طريق المحبة. ونحتاج إلى تطبيق تعاليم هذا الأصحاح لنبرهن أننا تلاميذ المسيح.

تعوَّدنا أن نسمع عن المحبة من رسول المحبة يوحنا، ولقبه «التلميذ الذي كان يسوع يحبه» (يوحنا 13: 23). ويمكن أن نقول نحن أيضاً إنه التلميذ الذي كان يحب يسوع، فمحبة يوحنا للمسيح صدى صادقٌ أمين قوي لمحبة المسيح ليوحنا الذي يقول «نَحْنُ نُحِبُّهُ لأَنَّهُ هُوَ أَحَبَّنَا أَوَّلاً» (1 يوحنا 4: 19). ولكن الرسول بولس يدلي دلوه في بئر المحبة العميق ليُخرج لنا هذا الماء الحيّ الذي نقرأ عنه في 1كورنثوس 13.

كما يُحدّثنا الرسول بولس عن الإيمان الذي يخلِّص، الإيمان العامل بالمحبة، فيقول: «فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ لاَ ٱلْخِتَانُ يَنْفَعُ شَيْئاً وَلاَ ٱلْغُرْلَةُ، بَلِ ٱلإِيمَانُ ٱلْعَامِلُ بِٱلْمَحَبَّةِ» (غلاطية 5: 6).

أولاً - أهمية المحبة

«إِنْ كُنْتُ أَتَكَلَّمُ بِأَلْسِنَةِ ٱلنَّاسِ وَٱلْمَلاَئِكَةِ وَلَكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ فَقَدْ صِرْتُ نُحَاساً يَطِنُّ أَوْ صَنْجاً يَرِنُّ.(2) وَإِنْ كَانَتْ لِي نُبُوَّةٌ وَأَعْلَمُ جَمِيعَ الأَسْرَارِ وَكُلَّ عِلْمٍ، وَإِنْ كَانَ لِي كُلُّ ٱلإِيمَانِ حَتَّى أَنْقُلَ ٱلْجِبَالَ، وَلَكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ فَلَسْتُ شَيْئاً. (3) وَإِنْ أَطْعَمْتُ كُلَّ أَمْوَالِي، وَإِنْ سَلَّمْتُ جَسَدِي حَتَّى أَحْتَرِقَ، وَلَكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ فَلاَ أَنْتَفِعُ شَيْئاً» .

تكمُن أهمية المحبة في أنها برهان التلمذة للمسيح، فقد قال: «هٰذَا يَعْرِفُ ٱلْجَمِيعُ أَنَّكُمْ تَلاَمِيذِي: إِنْ كَانَ لَكُمْ حُبٌّ بَعْضاً لِبَعْضٍ» (يوحنا 13: 35).

1 - المحبة أهمّ من الألسنة والفصاحة (آية 1):

يقول الرسول بولس: «إِنْ كُنْتُ أَتَكَلَّمُ بِأَلْسِنَةِ ٱلنَّاسِ وَٱلْمَلاَئِكَةِ وَلَكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ فَقَدْ صِرْتُ نُحَاساً يَطِنُّ أَوْ صَنْجاً يَرِنُّ» (1كورنثوس 13: 1). وربما قصد الرسول بألسنة الملائكة لغةً أسمى من كل لغةٍ يتكلمها الناس أو يعرفونها، كاللغة التي سمعها الرسول بولس عندما اختُطف إلى السماء الثالثة وسمع كلماتٍ لا يُنطق بها ولا يسوغ لأحدٍ أن يتكلم بها (2كورنثوس 12: 4).

وقد تعني «ألسنة الملائكة» اللغة الأجنبية التي تكلَّم بها الذين امتلأوا بالروح القدس يوم الخمسين. ولكن الكلام بأعظم لغةٍ تسمو فوق إدراك الناس (بدون محبة) يشبه النحاس الذي يطنّ، أو الصنوج التي ترنّ، وهي الآلات الموسيقية البدائية للغاية، الرخيصة الثمن، وإيقاعها الموسيقي من أضعف ما يمكن، فلا يحرِّك أحداً.

فالفصاحة العظيمة واللغة السامية مهما علَت، إن كانت بغير محبة، هي كأضعف آلة موسيقية رخيصة لا تعطي لحناً مميزاً.

ولا يتحدث الرسول بولس هنا عن الألسنة المفهومة التي أعطاها الله لرسله يوم الخمسين (أعمال 2: 4). ولكنه يتحدث عن اللغة غير المفهومة التي كانوا يتكلمونها في كورنثوس، والتي قال الرسول بولس عنها: «مَنْ يَتَكَلَّمُ بِلِسَانٍ لاَ يُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ بَلِ ٱللّٰهَ، لأَنْ لَيْسَ أَحَدٌ يَسْمَعُ. وَلٰكِنَّهُ بِٱلرُّوحِ يَتَكَلَّمُ بِأَسْرَارٍ... إِنِّي أُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَكُمْ تَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ، وَلٰكِنْ بِٱلأَوْلَى أَنْ تَتَنَبَّأُوا. لأَنَّ مَنْ يَتَنَبَّأُ أَعْظَمُ مِمَّنْ يَتَكَلَّمُ بِأَلْسِنَةٍ، إِلاَّ إِذَا تَرْجَمَ، حَتَّى تَنَالَ ٱلْكَنِيسَةُ بُنْيَاناً. فَٱلآنَ أَيُّهَا ٱلإِخْوَةُ، إِنْ جِئْتُ إِلَيْكُمْ مُتَكَلِّماً بِأَلْسِنَةٍ، فَمَاذَا أَنْفَعُكُمْ، إِنْ لَمْ أُكَلِّمْكُمْ إِمَّا بِإِعْلاَنٍ، أَوْ بِعِلْمٍ، أَوْ بِنُبُوَّةٍ، أَوْ بِتَعْلِيمٍ؟ اَلأَشْيَاءُ ٱلْعَادِمَةُ ٱلنُّفُوسِ (الجماد) ٱلَّتِي تُعْطِي صَوْتاً: مِزْمَارٌ أَوْ قِيثَارَةٌ، مَعَ ذٰلِكَ إِنْ لَمْ تُعْطِ فَرْقاً لِلنَّغَمَاتِ، فَكَيْفَ يُعْرَفُ مَا زُمِّرَ أَوْ مَا عُزِفَ بِهِ؟ وَلٰكِنْ فِي كَنِيسَةٍ أُرِيدُ أَنْ أَتَكَلَّمَ خَمْسَ كَلِمَاتٍ بِذِهْنِي لِكَيْ أُعَلِّمَ آخَرِينَ أَيْضاً، أَكْثَرَ مِنْ عَشْرَةِ آلاَفِ كَلِمَةٍ بِلِسَانٍ... فَإِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلْكَنِيسَةُ كُلُّهَا فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ، وَكَانَ ٱلْجَمِيعُ يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ، فَدَخَلَ عَامِّيُّونَ أَوْ غَيْرُ مُؤْمِنِينَ، أَفَلاَ يَقُولُونَ إِنَّكُمْ تَهْذُونَ؟» (1كورنثوس 14: 2 و5-7 و19 و23).

فالألسنة، مهما كانت رفيعة، فهي غير مفهومة، ولا تحرِّك أحداً، ولا تنعش أحداً من سامعيها. أما كلمة الوعظ فهي التي تبني.

كان أهل كورنثوس يتكلمون كلمات غير مفهومة لا يدركها أحد. وكانت مشاعرهم أثناء التكلُّم بها خالية من المحبة، لأنهم كانوا يتفاخرون بها على الآخرين. فلم تكن كلماتهم الأعجمية سبب بركة للمستمعين، بل مصدر رِفعة شخصية لأنفسهم، لأن المحبة غابت منها.

عندما يكون الإنسان قليل المحبة يهتمّ بعطية الله له وينسى المعطي، كما يأخذ الطفل الصغير الهدية من أبيه ويجري بها، دون أن يقدم لوالده شكراً، لأن اهتمام الطفل بالهدية أكبر من اهتمامه بأبيه، بسبب بساطة تفكيره. وحب الطفل «للشيء» أكبر من حبه «للشخص». كذلك نجد أن كثيرين يهتمون بالمواهب أكثر من الواهب الذي أعطى المواهب. ولكن المحبة أهم من المواهب، لأنها تربطنا بصاحب المواهب، وتجعلنا نُحسن استخدام الموهبة، مستعدين لخدمة الآخرين. لكن إذا ركزنا على الموهبة وحدها بغير محبة للمُهدي، وبغير تفكير في الهدف الذي من أجله أهدانا الموهبة، تكون موهبتنا، مهما سمَت في نظرنا ونظر الآخرين، نحاساً يطنّ أو صنجاً يرنّ!

وعندما يكون الإنسان قليل المحبة يفتخر بعطية الله له، وهذا يعرّض جماعة المؤمنين للانقسام. فتكون الموهبة التي يجب أن تبني، تهدم، وبدل أن توحّد وتقرّب، تقسم.

فالمحبة أهم من المواهب، لأن المحبة بركة بدون مواهب، أما المواهب بدون محبة فلا تنفع شيئاً.

كان في الكنيسة الأولى فصحاء، نادوا بالإنجيل وكرزوا بالمسيح عن حسدٍ وخصامٍ وتحزُّب، لا عن إخلاص، ظانين أنهم يضيفون إلى وُثق الرسول بولس ضِيقاً (فيلبي 1: 15 و16). لقد كانوا معلِّمين ذوي فصاحة مُقنعة، ولكن بدوافع خالية من المحبة. فلم يكونوا إلا نحاساً يطنّ أو صنجاً يرنّ. أما الرسول بولس فشرح مشاعره من نحو عمل هؤلاء المعلمين بقوله: «غَيْرَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ وَجْهٍ سَوَاءٌ كَانَ بِعِلَّةٍ أَمْ بِحَقٍّ يُنَادَى بِٱلْمَسِيحِ، وَبِهٰذَا أَنَا أَفْرَحُ. بَلْ سَأَفْرَحُ أَيْضاً. لأَنِّي أَعْلَمُ أَنَّ هٰذَا يَؤُولُ لِي إِلَى خَلاَصٍ بِطِلْبَتِكُمْ وَمُؤَازَرَةِ رُوحِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ» (فيلبي 1: 18 و19). وهذه هي المحبة الفصحى الأسمى من كل فصاحة!

2 - المحبة أهمّ من النبوَّة والعِلم (آية 2 أ):

« وَإِنْ كَانَتْ لِي نُبُوَّةٌ وَأَعْلَمُ جَمِيعَ الأَسْرَارِ وَكُلَّ عِلْمٍ، وَإِنْ كَانَ لِي كُلُّ ٱلإِيمَانِ حَتَّى أَنْقُلَ ٱلْجِبَالَ، وَلَكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ فَلَسْتُ شَيْئاً» .

عرَّف الرسول بولس النبوَّة بقوله: «مَنْ يَتَنَبَّأُ يُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ بِبُنْيَانٍ وَوَعْظٍ وَتَسْلِيَةٍ» (1كو 14: 3). فالنبوَّة ليست فقط إنباءً بالمستقبل، لكنها تعليمٌ ووعظٌ للناس. وفي أصحاح المحبة يؤكد أن النبوَّة بدون محبة لا شيء. فالواعظ يجب أن يحب الموعوظين، والذي ينبئ بالبركة القادمة يجب أن يحب الذين ينبئهم، كما أن الذي ينبئ بالعقاب القادم يجب أن يعلن ذلك بكل شفقة على الذين سيحل بهم العقاب، كما قال إرميا: «يَا لَيْتَ رَأْسِي مَاءٌ وَعَيْنَيَّ يَنْبُوعُ دُمُوعٍ، فَأَبْكِيَ نَهَاراً وَلَيْلاً قَتْلَى بِنْتِ شَعْبِي» (إرميا 9: 1).

والعلم هو معرفة الأسرار الروحية العميقة التي نعظ بها. والنبوَّة والعلم مرتبطان، لأن الإنسان الذي يعرف الأسرار هو الذي يعلِّمها في الوعظ. ومن أعظم الأسرار التي تبيّن محبة الله لنا «سر التقوى» لأنه «بِٱلإِجْمَاعِ عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ ٱلتَّقْوَى: ٱللّٰهُ ظَهَرَ فِي ٱلْجَسَدِ» (1تيموثاوس 3: 16). هكذا أحب الله العالم حتى جاء لأرضنا متجسداً في المسيح ليجسّد لنا محبته، ويحمل عنّا عقوبة الخطية، مقدِّماً نفسه ذبيحةً كفارية عن خطايا العالم كله. فكيف يحب الله البشر الخطاة كل هذا الحب؟! هذا هو سرّ السماء، وبرهانه تجسُّد المسيح.

وهناك سرٌّ عظيم آخر، هو أن الله اختارنا نحن الأمم لنكون شركاء في الميراث مع كل الذين قبلوا المسيح من الشعب اليهودي المختار. وهذا هو: «إِعْلاَنُ ٱلسِّرِّ ٱلَّذِي كَانَ مَكْتُوماً فِي ٱلأَزْمِنَةِ ٱلأَزَلِيَّةِ، وَلٰكِنْ ظَهَرَ ٱلآنَ، وَأُعْلِمَ بِهِ جَمِيعُ ٱلأُمَمِ بِٱلْكُتُبِ ٱلنَّبَوِيَّةِ حَسَبَ أَمْرِ ٱلإِلٰهِ ٱلأَزَلِيِّ، لإِطَاعَةِ ٱلإِيمَانِ» (رومية 16: 25 و26). لقد صار الأمم شركاء الميراث، لأنه هكذا أحب الله العالم كله.

ويقول لنا المرنم: «سِرُّ ٱلرَّبِّ لِخَائِفِيهِ» (مزمور 25: 14). فالله يعلن لمتَّقيه أسرار ملكوته، لأنه يحبهم وهم يحبونه. ولو أن إنساناً عرف كل الأسرار السماوية، وعلَّم بها، دون أن يكون قلبه عامراً بالمحبة، فهو ليس شيئاً. لقد عرف رجال الدين اليهود أسرار النبوات عن مجيء المسيح، وولادته في بيت لحم من عذراء. ولما سُئلوا عن مكان الميلاد أجابوا إجابة صحيحة، واقتبسوا النبوَّة الخاصة بذلك وحددوا مكانها في التوراة (متى 2: 5 و6) ليس لأحدٍ حبٌّ أعظم من هذا: أن يضع أحدٌ نفسه لأجل أحبائه. ولكن لم يتحرك منهم أحد ليذهب لبيت لحم ليرى المخلِّص المولود في مدينة داود، ومشتهى كل الأمم. أما الذين أحبّوا الله فقد جاءوا من أبعد البلاد ليسجدوا له، ويقدّموا له هداياهم.

نقرأ في العهد القديم عن نبيٍّ اسمه بلعام، قال: «وَحْيُ بَلْعَامَ بْنِ بَعُورَ. وَحْيُ ٱلرَّجُلِ ٱلْمَفْتُوحِ ٱلْعَيْنَيْنِ. وَحْيُ ٱلَّذِي يَسْمَعُ أَقْوَالَ ٱللّٰهِ وَيَعْرِفُ مَعْرِفَةَ ٱلْعَلِيِّ» (العدد 24: 15 و16). كان بلعام موحِّداً بالله، ومن وطن إبراهيم الخليل، وذاع صيته فقصده الناس من كل مكان ليُنبئهم بأمورٍ تتعلّق بهم، وليباركهم ويبارك مقتنياتهم. ولكن قلبه خلا من محبة شعب الله، وامتلأ بمحبة المال، فاستأجره الملك بالاق ليلعن بني إسرائيل. ولما عجز عن لعنهم، لأن الله منعه، أفتى بتضليلهم بعبادة الأوثان وبارتكاب النجاسة. وانتهى أمره بأن مات مقتولاً (العدد 31: 16). ووصف الرسول بطرس الضالين بأنهم «ضَلُّوا تَابِعِينَ طَرِيقَ بَلْعَامَ بْنِ بَصُورَ ٱلَّذِي أَحَبَّ أُجْرَةَ ٱلإِثْمِ» (2 بطرس 2: 15). فصار النبي بلعام لا شيء، لأن قلبه خلا من المحبة.

ونقرأ في العهد الجديد أيضاً نبوَّةً من نبي خلا قلبه من المحبة، يصفه الإنجيل بالقول: «فَقَالَ لَهُمْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وَهُوَ قَيَافَا، كَانَ رَئِيساً لِلْكَهَنَةِ فِي تِلْكَ ٱلسَّنَةِ: «أَنْتُمْ لَسْتُمْ تَعْرِفُونَ شَيْئاً، وَلاَ تُفَكِّرُونَ أَنَّهُ خَيْرٌ لَنَا أَنْ يَمُوتَ إِنْسَانٌ وَاحِدٌ عَنِ ٱلشَّعْبِ وَلاَ تَهْلِكَ ٱلأُمَّةُ كُلُّهَا». وَلَمْ يَقُلْ هٰذَا مِنْ نَفْسِهِ، بَلْ إِذْ كَانَ رَئِيساً لِلْكَهَنَةِ فِي تِلْكَ ٱلسَّنَةِ، تَنَبَّأَ أَنَّ يَسُوعَ مُزْمِعٌ أَنْ يَمُوتَ عَنِ ٱلأُمَّةِ، وَلَيْسَ عَنِ ٱلأُمَّةِ فَقَطْ، بَلْ لِيَجْمَعَ أَبْنَاءَ ٱللّٰهِ ٱلْمُتَفَرِّقِينَ إِلَى وَاحِدٍ» (يوحنا 11: 49-52). تنبّأ قيافا بموت المسيح عن العالم كله، وهذه نبوَّة صحيحة ولكنها خالية من المحبة، فتآمر قيافا مع سائر قادة اليهود ليصلبوا المسيح.

يمكن أن يكون هناك واعظ عظيم، يخلو قلبه من المحبة. مثل هذا يمكن أن يوصِّل رسالة محبة الله لشخصٍ يحتاج إليها. كما أن الناس لا يمكن أن يتأثروا بالفصاحة العظيمة التي يعلن بها نبوَّته وعلمه إن كان بلا محبة. فبدون محبة لا نقدر أن نقترب من الله، ولا نقدر أن نقرِّب الناس لله.

والمحبة أعظم من النبوَّة والعلم، لأنه سيجيء وقت لا نكون فيه محتاجين لوعظٍ ولا لعلم، ولكن لن يجيء وقت لا نحتاج فيه للمحبة. وقد وصف الإنجيل الوقت الذي لا نحتاج فيه لوعظٍ، في قول كاتب العبرانيين: «أَجْعَلُ نَوَامِيسِي فِي أَذْهَانِهِمْ، وَأَكْتُبُهَا عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَأَنَا أَكُونُ لَهُمْ إِلٰهاً وَهُمْ يَكُونُونَ لِي شَعْباً. وَلاَ يُعَلِّمُونَ كُلُّ وَاحِدٍ قَرِيبَهُ وَكُلُّ وَاحِدٍ أَخَاهُ قَائِلاً: ٱعْرِفِ ٱلرَّبَّ، لأَنَّ ٱلْجَمِيعَ سَيَعْرِفُونَنِي مِنْ صَغِيرِهِمْ إِلَى كَبِيرِهِمْ» (عبرانيين 8: 10 و11).

3 - المحبة أهمّ من الإيمان والمعجزات (آية 2ب):

«وَإِنْ كَانَ لِي كُلُّ ٱلإِيمَانِ حَتَّى أَنْقُلَ ٱلْجِبَالَ، وَلٰكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ، فَلَسْتُ شَيْئاً» .

في مصر، في القرن العاشر الميلادي، أثناء حكم الفاطميين، ذهب وزيرٌ يهوديٌّ للخليفة وقال: «مكتوب في إنجيل المسيحيين أنه إن كان عند أحدٍ إيمانٌ كحبَّة خردل يحرِّك الجبل». فاستدعى الخليفة العزيز بالله الفاطمي البطريرك المصري وسأله عن صحَّة وجود هذه الآية. وعندما أجابه بوجودها في متى 21: 22 طلب منه تحريك جبل المقطم. ونتيجةً لاستجابة الصلاة المؤمنة تحرك الجبل!

هناك إيمان عقلي يعرف ما جاء في الكتاب المقدس، ويجاوب على الأسئلة الدينية الصعبة، ويعرف أن يحل المشاكل الفقهية. لكنه إيمان العقل الفاهم، وليس إيمان القلب المطمئن. إنه كإيمان الشياطين الذين يؤمنون ويقشعرّون، ولكنهم لا يتغيّرون (يعقوب 2: 19).

والمحبة أعظم من الإيمان الذي يعمل المعجزات، فالإيمان يُجري معجزة كبيرة (كتحريك جبل المقطم) مرة كل حقبة من الزمن. لكن المحبة تُمارَس كل يوم، فهي لذلك أعظم من الإيمان.

ولا يُقلِّل الرسول بولس من أهمية الإيمان ولا من قيمة المعجزة، لكنه ينبّهنا أن المحبة لازمة ومطلوبة كل يوم. الإيمان الذي ينقل الجبال يثير الدهشة، لكن المحبة تكسر القلب القاسي. قد يندهش إنسان ولا يؤمن، كما اندهش شيوخ اليهود من قيامة لعازر بعد موته بأربعة أيام، ولم يقدروا أن ينكروا أن المسيح أجرى المعجزة. ولكن هذا جعلهم يفكرون في قتل لعازر، حتى يختفي الدليل على قدرة المسيح وسلطانه! فالمعجزة لا تحرِّك القلب المنبهر بالمعجزة، لكنها تساعد القلب الذي يحب الله، فيزيد إيمانه!

نقرأ في خروج 7: 11 و12 كيف ألقى موسى عصاه فصارت حيَّة. ولكن السحرة المصريين ألقوا عصيَّهم فصارت حيَّات! هذه معجزة. وفي ذات الأصحاح آية 20 و22 نقرأ كيف حوَّل موسى الماء إلى دم، فحوَّل السحرة الماء إلى دم كذلك. والفرق بين معجزة موسى ومعجزة السَّحرة أن معجزة موسى فيها محبة، لأنها تعلن اهتمام الرب بشعبه. أما سحرة فرعون فأجروا المعجزة ليحطموا معجزة موسى، وليطفئوا برهان الله، لأن قلوبهم الخالية من المحبة أرادت أن تحتفظ بالأسرى عبيداً. أما معجزة الله فهي معجزة محبة تطلِق الأسير حرّاً. وما أعظم الفرق بينهما! ولمثل سحرة فرعون يقول المسيح: «لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لِي: يَا رَبُّ يَا رَبُّ، يَدْخُلُ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ. بَلِ ٱلَّذِي يَفْعَلُ إِرَادَةَ أَبِي ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ. كَثِيرُونَ سَيَقُولُونَ لِي فِي ذٰلِكَ ٱلْيَوْمِ: يَا رَبُّ يَا رَبُّ، أَلَيْسَ بِٱسْمِكَ تَنَبَّأْنَا، وَبِٱسْمِكَ أَخْرَجْنَا شَيَاطِينَ، وَبِٱسْمِكَ صَنَعْنَا قُوَّاتٍ كَثِيرَةً؟ فَحِينَئِذٍ أُصَرِّحُ لَهُمْ: إِنِّي لمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ! ٱذْهَبُوا عَنِّي يَا فَاعِلِي ٱلإِثْمِ» (متى 7: 21-23).

4 - المحبة أعظم من الحماسة والغيرة (آية 3):

«وَإِنْ أَطْعَمْتُ كُلَّ أَمْوَالِي، وَإِنْ سَلَّمْتُ جَسَدِي حَتَّى أَحْتَرِقَ، وَلٰكِنْ لَيْسَ لِي محَبَّةٌ، فَلاَ أَنْتَفِعُ شَيْئاً» .

يقدم كثير من الناس العطاء بغير محبة، ولكن بدافع الرغبة في الحصول على مدح الآخرين، وللافتخار الشخصي. وقد يعطي الإنسان كتكليفٍ واجبٍ مفروضٍ عليه. ولكن ما أعظم الفرق بين عطية التفاخر أو الإجبار وعطية المحبة. نقرأ في مرقس 12: 41-44: «وَجَلَسَ يَسُوعُ تُجَاهَ ٱلْخِزَانَةِ، وَنَظَرَ كَيْفَ يُلْقِي ٱلْجَمْعُ نُحَاساً فِي ٱلْخِزَانَةِ. وَكَانَ أَغْنِيَاءُ كَثِيرُونَ يُلْقُونَ كَثِيراً. فَجَاءَتْ أَرْمَلَةٌ فَقِيرَةٌ وَأَلْقَتْ فَلْسَيْنِ، قِيمَتُهُمَا رُبْعٌ. فَدَعَا تَلاَمِيذَهُ وَقَالَ لَهُمُ: «ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ هٰذِهِ ٱلأَرْمَلَةَ ٱلْفَقِيرَةَ قَدْ أَلْقَتْ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ ٱلَّذِينَ أَلْقَوْا فِي ٱلْخِزَانَةِ، لأَنَّ ٱلْجَمِيعَ مِنْ فَضْلَتِهِمْ أَلْقَوْا. وَأَمَّا هٰذهِ فَمِنْ إِعْوَازِهَا أَلْقَتْ كُلَّ مَا عِنْدَهَا، كُلَّ مَعِيشَتِهَا». فالرب يرى روح العطاء وكيفيته، ولا يقدِّر إلا العطاء الحقيقي، عطاء المحبة.

«إن أطعمْتُ كل أموالي» للفقراء بدون محبة، سينتفع الفقراء، لكن المعطي لا ينال من الله شيئاً!

«إن سلّمت جسدي حتى أَحترِق» فهناك من يقدِّم جسده حتى يحترق كله، حباً في الله، كما شهد نبوخذ نصّر للفتية الثلاثة وقال: «ٱتَّكَلُوا عَلَيْهِ وَغَيَّرُوا كَلِمَةَ ٱلْمَلِكِ وَأَسْلَمُوا أَجْسَادَهُمْ لِكَيْ لاَ يَعْبُدُوا أَوْ يَسْجُدُوا لإِلَهٍ غَيْرِ إِلَهِهِمْ» (دانيال 3: 28). فنجّى الرب أجساد الفتيان الثلاثة من الحريق لأنهم سلَّموها للأتون حباً له. ولكن هناك من يسلِّم جسده حتى يحترق بُغضاً للناس، كما فعل جنود الحروب الصليبية، فماتوا واحترقوا وهم يقتلون ويسفكون الدماء، رغم أن سلاح المسيح هو سيف الروح الذي هو كلمة الله (أفسس 6: 17). ورغم أنه قال: «كُلُّ ٱلَّذِينَ يَأْخُذُونَ ٱلسَّيْفَ بِٱلسَّيْفِ يَهْلِكُونَ» (متى 26: 52).

يعلّمنا الرسول بولس في هذه الآيات الثلاث أن المحبة أعظم الكل. هي أعظم من المواهب، وأعظم من النبوَّة والتعليم، وأعظم من الإيمان والمعجزات، وأعظم من الحماسة والغيرة.

إن مشكلتنا الروحية الأولى هي عدم ترتيب أولويّاتنا. أولويّتنا الأولى هي المحبة، ثم المواهب، ثم النبوَّة والعلم، وبعدها الإيمان والمعجزات، ثم الحماسة والغيرة.

ليعلمنا الله أن نحب، ليس فقط الذين يحبوننا ولكن الذين يسيئون إلينا أيضاً، كما أحبنا المسيح وأسلم نفسه لأجلنا.

صلاة

يا أبانا السماوي علَّمتنا المحبة في كلمتك وفي المسيح لأنك أنت محبة، وقد أحببتنا ونحن أعداء، لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا. وبفضل كفّارته غفرْتَ خطايانا وجعلتنا ورثة الله ووارثين مع المسيح. نلتمس أن تجعل حياتنا حياة المحبة، لنحيا مزمور المحبة بكل القلب والفكر، ولنحب بالطريقة التي تحب أنت بها. في شفاعة المسيح. آمين

الفصل الثاني: «اَلْمَحَبَّةُ تَتَأنَّى وَتَرْفُقُ» (1 كورنثوس 13: 4)

بعد أن رأينا أهمية المحبة، نتأمل صفاتها (آيات 4-7) التي تبدأ بأنها «تتأنى وترفق». ويقدم الرسول بولس خمس عشرة صفة للمحبة، نتأمل في هذا الفصل أول صفتين منها:

(1) المحبة تتأنى: بمعنى أنها طويلة الروح والأناة، بطيئة الغضب، لا تقطع علاقةً مع أحد، وتعطي فرصةً متكررة جديدة للجميع، حتى للمسيئين إليها.

(2) المحبة ترفُق: لأنها رقيقة، ومعناها في اليونانية «حلوة مع الجميع».

أعطانا الله النموذج الأعلى للتأني والرِّفق. فعندما سقط أبوانا الأولان في العصيان جاءهما الله يمدّ يد المحبة، فقال آدم للّه: «سَمِعْتُ صَوْتَكَ فِي ٱلْجَنَّةِ فَخَشِيتُ، لأَنِّي عُرْيَانٌ فَٱخْتَبَأْتُ» (تكوين 3: 10). وألقى آدم اللوم على حواء، وألقته حواء على الحيّة. وبالرغم من هذا رتَّب الله في محبته الخلاص والفداء لأبوينا الأوّلَيْن، فأعطاهما الوعد العظيم أن نسل المرأة يسحق رأس الحيّة (تكوين 3: 15). ثم سترهما بأقمصةٍ من جلدٍ. فما أعظم محبة الله التي تأنَّت وترفَّقت، فوعدت بمجيء المخلِّص، ثم سترت ،وأعطت شريعة موسى وذبائحها الحيوانية، التي كانت رمزاً لحمل الله الذي يرفع خطية العالم، والذي بذبيحة نفسه دخل مرةً واحدة إلى الأقداس فوجد لنا فداء أبدياً (يوحنا 1: 27 وعبرانيين 9: 12).

كان يمكن أن الله يُهلك آدم ويبدأ بداية جديدة بإنسان آخر، لكن الله في رفقه وأناته أعطى آدم فرصة ثانية.

ونرى أناة الله ورفقه واضحة في كل تاريخ بني إسرائيل، وهو يرسل إليهم نبياً بعد نبي، ويعلّمهم درساً بعد درس، رغم أنهم يكرِّرون ارتكاب نفس الخطأ. وفي قصة حياة النبي هوشع نرى الله يدرِّب نبيَّه لتكون له مشاعر مثل مشاعر الله من نحو شعبه، فطلب الله من هوشع أن يرتبط بامرأة ساقطة كما ارتبط الله بشعبٍ ساقط. ولكن السيدة الساقطة عاودت السقوط. في سقوطها الأول قلَّت قيمتها، وفي سقوطها المتكرر ضاعت قيمتها. ولكن الله كلَّف هوشع أن يتزوجها من جديد، لأنه أراد أن يقول لهوشع وللشعب كله إنه يحب شعبه بالرغم من كل خطاياهم، وقال: «لَمَّا كَانَ إِسْرَائِيلُ غُلاَماً أَحْبَبْتُهُ، وَمِنْ مِصْرَ دَعَوْتُ ٱبْنِي... وَأَنَا دَرَّجْتُ أَفْرَايِمَ مُمْسِكاً إِيَّاهُمْ بِأَذْرُعِهِمْ... كُنْتُ أَجْذِبُهُمْ بِحِبَالِ ٱلْبَشَرِ بِرُبُطِ ٱلْمَحَبَّةِ، وَكُنْتُ لَهُمْ كَمَنْ يَرْفَعُ ٱلنِّيرَ عَنْ أَعْنَاقِهِمْ، وَمَدَدْتُ إِلَيْهِ مُطْعِماً إِيَّاهُ» (هوشع 11: 1-4).

فبالرغم من خطية الشعب وخيانته لأوامر الرب، يعبّر لهم عن حبه، وعن مشاعر أبوّته، وهو يدرِّجهم ويعلِّمهم المشي، ويمدُّ لهم يده بالطعام! ثم يقول: «َيْفَ أَجْعَلُكَ يَا أَفْرَايِمُ، أُصَيِّرُكَ يَا إِسْرَائِيلُ؟! كَيْفَ أَجْعَلُكَ كَأَدَمَةَ، أَصْنَعُكَ كَصَبُويِيمَ؟» (هوشع 11: 8) أي: كيف أخرب بلادكم (رغم خطاياكم) فتصيرون كأدمة وصبوييم (تكوين 10: 19) وهما مدينتان من مدن دائرة سدوم وعمورة التي أحرقها الله بسبب خطاياها؟ ثم يقول الرب: «قد انقلب عليَّ قلبي. اضطرمت مراحمي جميعاً!». فالرب لا يحتمل أن يبيدهم، لأن محبته لهم تتأنى عليهم وترفق بهم.

ونرى المحبة نفسها التي تتأنى وترفق في معاملات المسيح مع تلاميذه الذين أحبهم وعلَّمهم وساروا معه ثلاث سنوات. ولكنهم عند الصليب خافوا جميعاً وهربوا. ومع ذلك قال المسيح للمريمتين بعد قيامته: «اِذْهَبَا قُولاَ لإِخْوَتِي أَنْ يَذْهَبُوا إِلَى ٱلْجَلِيلِ، وَهُنَاكَ يَرَوْنَنِي» (متى 28: 10).

وقد أوضح المسيح أناة المحبة التي ترفق في مثَل شجرة التين التي لم تثمر، فقال صاحبها للعامل في أرضه «ثَلاَثُ سِنِينَ آتِي أَطْلُبُ ثَمَراً فِي هٰذِهِ ٱلتِّينَةِ وَلَمْ أَجِدْ. اِقْطَعْهَا. لِمَاذَا تُبَطِّلُ ٱلأَرْضَ أَيْضاً؟ فَأَجابَ: يَا سَيِّدُ، ٱتْرُكْهَا هٰذِهِ ٱلسَّنَةَ أَيْضاً، حَتَّى أَنْقُبَ حَوْلَهَا وَأَضَعَ زِبْلاً. فَإِنْ صَنَعَتْ ثَمَراً، وَإِلاَّ فَفِيمَا بَعْدُ تَقْطَعُهَا» (لوقا 13: 7-9).

وهذا التعامل الإلهي المتأني الرفيق واضحٌ في حياتنا نحن واختباراتنا اليومية، فالله يباركنا ويُنعم علينا، مع أننا نخطئ ونرتدّ عنه ونتذمر عليه. ولكنه في محبته الكاملة يحبنا رغم ضعفنا. وهذا يدفعنا لأن نحيا حياة المحبة التي تتأنى وترفق مع الجميع «مُتَمَثِّلِينَ بِٱللّٰهِ كَأَوْلاَدٍ أَحِبَّاءَ» (أفسس 5: 1).

فلندرس كيف نحيا حياة المحبة، بأن نرى:

1 - صفات التأني والرفق:

أ - المحبة المتأنية الرفيقة طويلة الأناة بغير يأس:

المحبة التي تتأنى وترفق تطيل أناتها، ولا تفقد أملها، وتعطي الآخرين فرصة ثانية، كما أن الله دائماً يعطيها فرصة ثانية عندما تضيِّع فرصة أو تسيء التصرُّف. عندما يسقط المؤمن في الخطأ يعلم أن الله يحبه ويقلب له صفحة جديدة، فيقول: «لاَ تَشْمَتِي بِي يَا عَدُوَّتِي. إِذَا سَقَطْتُ أَقُومُ. إِذَا جَلَسْتُ فِي ٱلظُّلْمَةِ فَٱلرَّبُّ نُورٌ لِي. أَحْتَمِلُ غَضَبَ ٱلرَّبِّ لأَنِّي أَخْطَأْتُ إِلَيْهِ، حَتَّى يُقِيمَ دَعْوَايَ وَيُجْرِيَ حَقِّي. سَيُخْرِجُنِي إِلَى ٱلنُّورِ. سَأَنْظُرُ بِرَّهُ» (ميخا 7: 8 و9). فالرب ينقل المؤمن إلى النور ويُريه البر السماوي. وهذا أعظم دافعٍ للمؤمن الذي متّعه الله بالمواهب الروحية أن يتصرف مع غيره كما يتصرف الرب معه.

لقد تأنى المسيح على تلميذه توما الذي شك في حقيقة القيامة، وقال: «إِنْ لَمْ أُبْصِرْ فِي يَدَيْهِ أَثَرَ ٱلْمَسَامِيرِ، وَأَضَعْ إِصْبِعِي فِي أَثَرِ ٱلْمَسَامِيرِ، وَأَضَعْ يَدِي فِي جَنْبِهِ، لاَ أُومِنْ». وَبَعْدَ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ كَانَ تَلاَمِيذُهُ أَيْضاً دَاخِلاً وَتُومَا مَعَهُمْ. فَجَاءَ يَسُوعُ وَٱلأَبْوَابُ مُغَلَّقَةٌ، وَوَقَفَ فِي ٱلْوَسَطِ وَقَالَ: «سَلاَمٌ لَكُمْ». ثُمَّ قَالَ لِتُومَا: «هَاتِ إِصْبِعَكَ إِلَى هُنَا وَأَبْصِرْ يَدَيَّ، وَهَاتِ يَدَكَ وَضَعْهَا فِي جَنْبِي، وَلاَ تَكُنْ غَيْرَ مُؤْمِنٍ بَلْ مُؤْمِناً». أَجَابَ تُومَا: «رَبِّي وَإِلٰهِي» (يوحنا 20: 24-28).

ب - المحبة المتأنية الرقيقة هي التي تستمر ولا تتوقف:

لا تتوقف المحبة المتأنِّية المترفِّقة أبداً، فهي تستمر في عطائها برغم الإساءات المتكررة.

قام أبشالوم بمحاولة انقلاب فاشلة ضد أبيه الملك داود، وانقسم بنو إسرائيل إلى معسكرين: معسكر في صف أبشالوم والآخر في صف داود. ولكن محبة داود المتأنية على ولده جعلته يوصي أتباعه به ويقول: «تَرَفَّقُوا لِي بِٱلْفَتَى أَبْشَالُومَ» (2 صموئيل 18: 5). لقد رأى في ابنه الثائر عليه «فتى» قليل الخبرة فأشفق عليه مما كان يفعله! وعندما سمع داود أن ابنه قُتل صرخ في ألم: «يا ابني أبشالوم! يا ليتني متُّ عوضاً عنك».

ارتكب شاب عدة جرائم، فسُجن. وكانت أمه تذهب دوماً لتزوره في السجن وتحمل له الهدايا حتى استدانت وتعبت صحتها. واستمرت تفعل هذا رغم أنه كان يستقبلها في كل زيارة بالإساءة. وكان للأم جارٌ نصحها أن تتوقف عن زيارته، لأنها تعبت ولم تلقَ من ابنها أي تقدير. فقالت لجارها: «نعم هو لا يقدِّر ما أفعله، لكني أقدّره. إن له أماً واحدة، لم يَبقَ من عمرها إلا القليل!». هذه هي محبة الأم التي تستمر، لأنها المحبة التي تتأنى وترفق، صاحبة النَّفَس الطويل، القادرة على العطاء الذي لا ينقطع، لأن نبعها في السماء.

ج - المحبة المتأنية الرفيقة تحفظ لصاحبها سلامه الداخلي:

المحبة تتأنى وترفق حتى وسط المتاعب والآلام، فتملأ قلب صاحبها سلاماً عميقاً يستمدّه من الرب الذي قال: «بِصَبْرِكُمُ ٱقْتَنُوا أَنْفُسَكُمْ» (لوقا 21: 19). صحيح أن المحبة تنفع الذين نحبهم، ولكنها قبل ذلك تنفعنا نحن الذين نحب، لأننا بها نقتني أنفسنا.

د - المحبة المتأنية الرفيقة تتلقّى الصدمات:

هناك نصحية حكيمة تقول: «لا تتوقَّع كثيراً من الناس لكيلا يخيب أملك. ولكن كن عند حُسن ظنّ الناس الذين يتوقّعون الخير منك». ولا يمكن أن تنفِّذ هذه الوصية إلا المحبة الرفيقة لأنها ينبوعٌ متدفق فائض يستمدّ فيضه من مصادر دائمة الجريان، هي نهر محبة الفادي الذي لا يُحدّ. وصاحب المحبة المتأنية لا يتوقف عن المحبة حتى لو صدموه. وهو يتصرف كالمسيح الذي شفى أذن ملخس، مع أن ملخس جاء ليلقي القبض عليه. فقد تلقّى المسيح الصدمة من ملخس بغير أن تصدمه، بل إن المسيح أحسن إليه.

قال الرسول بولس لقسوس كنيسة أفسس: «اِحْتَرِزُوا اِذاً لأَنْفُسِكُمْ وَلِجَمِيعِ ٱلرَّعِيَّةِ ٱلَّتِي أَقَامَكُمُ ٱلرُّوحُ ٱلْقُدُسُ فِيهَا أَسَاقِفَةً، لِتَرْعُوا كَنِيسَةَ ٱللّٰهِ ٱلَّتِي ٱقْتَنَاهَا بِدَمِهِ.. لِذٰلِكَ ٱسْهَرُوا، مُتَذَكِّرِينَ أَنِّي ثَلاَثَ سِنِينَ لَيْلاً وَنَهَاراً، لَمْ أَفْتُرْ عَنْ أَنْ أُنْذِرَ بِدُمُوعٍ كُلَّ وَاحِدٍ» (أعمال 20: 28 و31).

2 - اعتراضات على التأني والرِّفق

يَشْكو كثيرون من شريك الحياة أو من الأبناء، أو من رئيس العمل أو الشريك فيه، أو من الجيران. وعندما تنصحهم بعدم ردّ الإساءة بإساءة يعترضون.

وأذكر ثلاثة اعتراضات على التأني والرفق، ثم أورد الردود عليها:

أ - قال أحدهم:

«الإساءة التي أُسئت بها إساءة بالغة للغاية. أساءوني جداً، وأنا لا أستطيع أن أتأنى وأرفق، لأني جُرحت جُرحاً بليغاً».

ولهذا الشخص نقدم ثلاث نصائح:

٭ لا يمكن أن تكون الإساءة التي أساء الناس بها إليك أكبر من إساءتك أنت للرب ولغيرك من الناس، ومع ذلك احتملك الرب. فنحن عادةً ننسى ما نسيء به إلى غيرنا، ولكننا نتذكر ما يسيء به الآخرون إلينا. وعلينا أن نتذكر النصيحة الرسولية: «كُونُوا لُطَفَاءَ بَعْضُكُمْ نَحْوَ بَعْضٍ، شَفُوقِينَ مُتَسَامِحِينَ كَمَا سَامَحَكُمُ ٱللّٰهُ أَيْضاً فِي ٱلْمَسِيحِ» (أفسس 4: 32).

ولنا في الصلاة الربانية، وفي تعليق المسيح عليها، ما يساعدنا على أن نكون ذوي محبة متأنية رفيقة. فقد علّمنا المسيح أن نصلي: «ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ أَيْضاً لِلْمُذْنِبِينَ إِلَيْنَا... وَإِنَّهُ إِنْ غَفَرْتُمْ للنَّاسِ زَلاَّتِهِمْ، يَغْفِرْ لَكُمْ أَيْضاً أَبُوكُمُ ٱلسَّمَاوِيُّ. وَإِنْ لَمْ تَغْفِرُوا لِلنَّاسِ زَلاَّتِهِمْ، لاَ يَغْفِرْ لَكُمْ أَبُوكُمْ أَيْضاً زَلاَّتِكُمْ» (متى 6: 12 و14 و15).

لقد سامح المسيح المسيء والمُساء إليه. فلنسامح كما سامحنا الرب، ولنصلِّ أن يتعامل الرب مع المسيء إلينا ويسامحه كما تعامل الرب معنا وسامحنا.

٭ وهناك نصيحة ثانية لمن يقول إن الإساءات ضده بالغة، هي أن المسيح يحمل معك الإساءة التي صدرت ضدك. والدليل على ذلك أنه عندما مدّ شاول الطرسوسي يده ليسيء للمؤمنين قال له المسيح: «شَاوُلُ، شَاوُلُ، لِمَاذَا تَضْطَهِدُنِي؟... أَنَا يَسُوعُ ٱلَّذِي أَنْتَ تَضْطَهِدُهُ» (أعمال 9: 4 و5). ونقرأ في نبوَّة زكريا: «مَنْ يَمَسُّكُمْ يَمَسُّ حَدَقَةَ عَيْنِهِ» (زكريا 2: 8) والمعنى أن من يسيء إلينا يؤذي نفسه، أو أنه يسيء لله نفسه. فالمسيح في آلامنا يحس بنا ويتألم معنا، كما يقول الله بفم إشعياء النبي: «فِي كُلِّ ضِيقِهِمْ تَضَايَقَ وَمَلاَكُ حَضْرَتِهِ خَلَّصَهُمْ. بِمَحَبَّتِهِ وَرَأْفَتِهِ هُوَ فَكّهُمْ، وَرَفَعَهُمْ وَحَمَلَهُمْ كُلَّ ٱلأَيَّامِ ٱلْقَدِيمَةِ» (إشعياء 63: 9).

لقد دعاك المسيح لتحمل نيره الهيِّن والخفيف، وهو نير طاعة وصاياه. فإن كنت تحمل نير المسيح، طاعةً لأمره: «اِحْمِلُوا نِيرِي عَلَيْكُمْ» (متى 11: 29) فسيحمل هو النير معك!

٭ وهناك نصيحة ثالثة لمن يقول إن الإساءات ضده بالغة، هي قول المسيح: «كُنْ أَمِيناً إِلَى ٱلْمَوْتِ فَسَأُعْطِيكَ إِكْلِيلَ ٱلْحَيَاةِ» (رؤيا 2: 10). صحيح أن الإساءة بالغة ولكن أمانتنا مع الرب تجعلنا نحتمل ونحب المحبة المتأنية الرفيقة، لنستحق لقب «أمناء إلى الموت» فننال «إكليل الحياة».

ب - وقال صاحب الاحتجاج الثاني:

«المسيئون لا يتوقَّفون عن إيقاع الأذى بي، ولا يتوبون، ولا يبدو أنهم سيغيّرون موقفهم معي».

٭ والسؤال: هل إساءاتهم ترجع إلى خطإٍ ارتكبه صاحب الاحتجاج، أم لأنهم هم مخطئون؟ لنستمع إلى نصيحة الرسول بطرس: «أَيُّهَا ٱلْخُدَّامُ، كُونُوا خَاضِعِينَ بِكُلِّ هَيْبَةٍ لِلسَّادَةِ (لرئيس العمل)، لَيْسَ لِلصَّالِحِينَ ٱلْمُتَرَفِّقِينَ فَقَطْ، بَلْ لِلْعُنَفَاءِ أَيْضاً. لأَنَّ هٰذَا فَضْلٌ إِنْ كَانَ أَحَدٌ مِنْ أَجْلِ ضَمِيرٍ نَحْوَ ٱللّٰهِ يَحْتَمِلُ أَحْزَاناً مُتَأَلِّماً بِٱلظُّلْمِ. لأَنَّهُ أَيُّ مَجْدٍ هُوَ إِنْ كُنْتُمْ تُلْطَمُونَ مُخْطِئِينَ فَتَصْبِرُونَ؟ بَلْ إِنْ كُنْتُمْ تَتَأَلَّمُونَ عَامِلِينَ ٱلْخَيْرَ فَتَصْبِرُونَ، فَهٰذَا فَضْلٌ عِنْدَ ٱللّٰهِ، لأَنَّكُمْ لِهٰذَا دُعِيتُمْ. فَإِنَّ ٱلْمَسِيحَ أَيْضاً تَأَلَّمَ لأَجْلِنَا، تَارِكاً لَنَا مِثَالاً لِكَيْ تَتَّبِعُوا خُطُواتِهِ. ٱلَّذِي لَمْ يَفْعَلْ خَطِيَّةً، وَلاَ وُجِدَ فِي فَمِهِ مَكْرٌ، ٱلَّذِي إِذْ شُتِمَ لَمْ يَكُنْ يَشْتِمُ عِوَضاً وَإِذْ تَأَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يُهَدِّدُ بَلْ كَانَ يُسَلِّمُ لِمَنْ يَقْضِي بِعَدْلٍ. ٱلَّذِي حَمَلَ هُوَ نَفْسُهُ خَطَايَانَا فِي جسَدِهِ عَلَى ٱلْخَشَبَةِ، لِكَيْ نَمُوتَ عَنِ ٱلْخَطَايَا فَنَحْيَا لِلْبِرِّ» (1بطرس 2: 18-24).

لنمتحن أنفسنا: هل نتألم بسبب خطإٍ ارتكبناه؟ إن كان الأمر كذلك، فلنتُبْ إلى الرب فيرحمنا وإلى إلهنا لأنه يكثر الغفران (إشعياء 55: 7). أما إن كنت تتألم وأنت فاعلٌ خيراً، فنِعِمّا لك. أرجوك أن تثبِّت نظرك على المسيح، الذي تألم وهو يخدم ويطلب ويخلِّص ما قد هلك، فأنت تتشبَّه به، وهو يعطيك النجاة.

ج - وقال صاحب الاحتجاج الثالث:

«لو تأنَّيتُ عليهم أو كنتُ رفيقاً معهم، فإنهم يزيدون مضايقاتهم وإساءاتهم».

وللرد نقول:

٭ من أين تعرف أن الأعداء سيزيدون مضايقاتهم لك غداً؟ لا يستطيع أحد منا أن يتنبّأ بما يأتي به الغد، فالغد في يد الرب. «ٱلْغَدُ يَهْتَمُّ بِمَا لِنَفْسِهِ. يَكْفِي ٱلْيَوْمَ شَرُّهُ» (متى 6: 34). سيتدخل الرب في الوقت المناسب ليغيِّر المضايقة إلى خير، كما قال يوسف لإخوته: «أَنْتُمْ قَصَدْتُمْ لِي شَرّاً، أَمَّا ٱللّٰهُ فَقَصَدَ بِهِ خَيْراً» (تكوين 50: 20).

٭ وهناك حقيقة أخرى: إن الله يقف دوماً إلى جانب الذين يطيعون وصاياه. قال القديس أغسطينوس: «اعمل إرادة الله كأنها إرادتك، يعمل الله إرادتك كأنها إرادته». عندما تطيع الله يتحمّل هو سبحانه كل ما ينتج عن طاعة أوامره. يأمرنا الرسول بولس: «جِدّوا للمواهب الحسنى، وأيضاً أريكم طريقاً أفضل .. المحبة تتأنى وترفق». فلو أننا أطعنا هذا الأمر المبارك يصبح الرب وليّ أمرنا، والمسئول عنا، والبركة دائماً على رأس المطيع.

٭ وهناك حقيقة ثالثة: ما أعظم الوصية الرسولية: «لاَ تُجَازُوا أَحَداً عَنْ شَرٍّ بِشَرٍّ. مُعْتَنِينَ بِأُمُورٍ حَسَنَةٍ قُدَّامَ جَمِيعِ ٱلنَّاسِ. إِنْ كَانَ مُمْكِناً فَحَسَبَ طَاقَتِكُمْ سَالِمُوا جَمِيعَ ٱلنَّاسِ. لاَ تَنْتَقِمُوا لأَنْفُسِكُمْ أَيُّهَا ٱلأَحِبَّاءُ، بَلْ أَعْطُوا مَكَاناً لِلْغَضَبِ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «لِيَ ٱلنَّقْمَةُ أَنَا أُجَازِي يَقُولُ ٱلرَّبُّ. فَإِنْ جَاعَ عَدُوُّكَ فَأَطْعِمْهُ. وَإِنْ عَطِش فَٱسْقِهِ. لأَنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ هٰذَا تَجْمَعْ جَمْرَ نَارٍ عَلَى رَأْسِهِ». لاَ يَغْلِبَنَّكَ ٱلشَّرُّ بَلِ ٱغْلِبِ ٱلشَّرَّ بِٱلْخَيْرِ» (رومية 12: 17-21).

المحبة التي تتأنى وترفق تغيِّر حياة المحب والمحبوب. إنها تردّ الضال البعيد إلى بيت الآب. وكما أن محبة الله المتأنية الرفيقة تقودك لتفتح قلبك للمسيح المخلِّص ليملك على قلبك بمحبته، قدِّم أنت المحبة نفسها لمن يسيء إليك، لتردّ نفسه وتهديه إلى سبل البر.

صلاة

يا صاحب الأناة والرفق، علِّمني طول الأناة والرفق كما أنك طويل الأناة معي. وقد احتملتني حتى فتحتُ قلبي لك. ساعدني لأحتمل الذين يسيئون إليَّ، من أجل خاطرك، ومن أجل خاطرهم هم، ليعرفوك، فنقتني أنفسنا بصبرنا. ساعدني ليكون لي الإيمان العامل بالمحبة. اغفر لي تذمُّري وضيق صدري، وتوِّبني إليك لأحبَّك وأحب الذين تحبهم. فنكون تلاميذ يسوع. في شفاعته استجبنا. آمين.

الفصل الثالث: «اَلْمَحَبَّةُ لا تَحْسِدُ»(1 كورنثوس 13: 4)

الإيمان الحقيقي هو الإيمان العامل بالمحبة، أما الإيمان الخالي من العمل فهو إيمان الشياطين الذين يؤمنون ويقشعرّون (يعقوب 2: 19). ولا بد أن تظهر ثمار الإيمان الحقيقي في حياة المؤمن كل يوم. وعلينا كمؤمنين نحب يسوع، أن نقرأ أصحاح المحبة كثيراً، أكثر مما تعوّدنا أن نقرأه، لندرك نوعيّة حياة المحبة التي يريدنا الرب أن نحياها.

ونتأمل في هذا الفصل الصفة الثانية من صفات المحبة، وهي «اَلْمَحَبَّةُ لا تَحْسِدُ» .

الحسد هو إحساسٌ بالضيق عند رؤية شخصٍ يملك ما نعتقد أننا لا نملكه. وقد يكون الحسد مجرد موقفٍ فكري (كما يقول القديس توما الأكويني) نحزن فيه من نجاح الآخرين. وربما كان هذا حال مؤمني كورنثوس، لأن أصحاب «المواهب» منهم كانوا ينظرون نظرة تحقيرٍ لمن ليس لهم مواهب، أما الذين لا يملكون «مواهب» فقد نظروا نظرة حسدٍ لأصحاب المواهب! مجرد موقف فكري.

ولكن قد يتصعَّد الحسد من مجرد موقف فكري، ليصبح عُنفاً يُوقِع الأذى والضرر بالمحسود، كما فعل إخوة يوسف لما رأوه يلبس قميصاً ملوّناً ليس عندهم مثله. وتصعَّد حسدهم حتى ألقوه في البئر الخالية من الماء، ثم باعوه للإسماعيليين.

والحسد دوماً يؤذي الحاسد ويدمّر سلامه النفسي، لأن الحاسد يركز نظره على ما يملكه الآخرون، فلا يرى ما عنده هو، ولذلك لا يتمتع بما أنعم الله به عليه. وهذه النظرة الكئيبة لِما عند الناس تجعله دائماً في بؤس.

رسم فنان إيطالي اسمه جيوتو Giotto (وهو صديق لدانتي) على حائط كنيسةٍ في بادوا Padua بإيطاليا صورةً للحسد. رسم شخصاً له أذنان طويلتان ليسمع بهما أية إشاعة سيئة تضرّ الآخرين. ورسم له لساناً على شكل حيَّة ليسمّم سمعة الآخرين. ويتكوَّر اللسان حتى يلدغ الحاسد عيني نفسه! فقد أراد الفنان أن يقول: إن الحاسد يُصيب نفسه بالعمى ويضيِّع نور عينيه، حتى لا يعود يرى ما عنده، فيُسيء للآخرين.

ونقتبس آيتين كتابيتين من عهدي الكتاب المقدس (القديم والجديد) تنهياننا عن الحسد:

الأولى: «لاَ تَغَرْ مِنَ ٱلأَشْرَارِ وَلاَ تَحْسِدْ عُمَّالَ ٱلإِثْمِ» (مزمور 37: 1).

والثانية: «لاَ نَكُنْ مُعْجِبِينَ نُغَاضِبُ بَعْضُنَا بَعْضاً، وَنَحْسِدُ بَعْضُنَا بَعْضاً» (غلاطية 5: 26). أي لا نصرف وقتنا في النظر إلى ما عند غيرنا فلا نشكر الله على ما أعطانا.

ومن الغريب أن المؤمن قد يحسد الشرير الناجح في حياته المادية! يقول آساف: «غِرْتُ مِنَ ٱلْمُتَكَبِّرِينَ، إِذْ رَأَيْتُ سَلاَمَةَ ٱلأَشْرَارِ» (مزمور 73: 3). وهذا يبرهن لنا أنه لا يوجد إنسانٌ خالٍ من الخطية، ولا توجد حياة خالية من التجربة. وعلى المؤمنين دوماً أن يكونوا يقِظِين لتجارب إبليس حتى لا يقعوا في خطايا حقيرةٍ كالحسد، وليمتلئوا بسلام الله حتى يَنْعموا بسلامة الروح في الرب.

أربعة أمور تنصرنا على الحسد

(1) الشكر ينصرنا على الحسد، فالمحبة تشكر بينما الحسد يتذمَّر:

عندما قتل داود جليات هتفت نساء بني إسرائيل: «ضَرَبَ شَاوُلُ أُلُوفَهُ وَدَاوُدُ رَبَوَاتِهِ». فتضايق الملك شاول وقال: «أَعْطَيْنَ دَاوُدَ رَبَوَاتٍ وَأَمَّا أَنَا فَأَعْطَيْنَنِي ٱلأُلُوفَ! وَبَعْدُ فَقَطْ تَبْقَى لَهُ ٱلْمَمْلَكَةُ!» (1صموئيل 18: 7 و8).

لقد قتل داود ربواته فعلاً، فهرب الأعداء واستراح شعب الرب منهم فترة طويلة. ولم يقتل شاول ألوفاً، فقد وقف الأعداء أمامه أربعين يوماً، يسخرون منه ويهزأون به، دون أن يقدر شاول على عمل شيء! كانت أغنية الشكر صادقةً بالنسبة لداود، وكريمة أكثر من اللازم مع شاول. ولكن الحسد في نفس شاول حرمه من الفرح بالنصر. وكانت نتيجة حسده أنه دمَّر ذاته، فترك قصره وعرشه وأُبَّهة المُلك، ليجري من بلد لأخرى سعياً وراء داود ليقتله. كان دواد مجرد جندي عند شاول الملك صاحب العرش. لكن مرض الحسد في قلبه جعله دائم التذمر، فدمَّر حياته، وأشقى شعبه، وأرهب داود، بغير فائدة. وأخيراً مات شاول منتحراً، وصار داود ملكاً. ولو فكَّر شاول بعقلٍ لاعتبر داود أحد أسلحة الرب. إنه جندي من جنوده، أعطى الربُّ نصراً على يديه. ولكن الحسد أعمى عيني شاول عن الحق.

وعلى العكس من شاول نرى داود الذي يشكر، فالمحبة تشكر ولا تتذمر. ويقول داود: «بَارِكِي يَا نَفْسِي ٱلرَّبَّ، وَكُلُّ مَا فِي بَاطِنِي لِيُبَارِكِ ٱسْمَهُ ٱلْقُدُّوسَ. بَارِكِي يَا نَفْسِي ٱلرَّبَّ، وَلاَ تَنْسَيْ كُلَّ حَسَنَاتِهِ. ٱلَّذِي يَغْفِرُ جَمِيعَ ذُنُوبِكِ. ٱلَّذِي يَشْفِي كُلَّ أَمْرَاضِكِ. ٱلَّذِي يَفْدِي مِنَ ٱلْحُفْرَةِ حَيَاتَكِ. ٱلَّذِي يُكَلِّلُكِ بِٱلرَّحْمَةِ وَٱلرَّأْفَةِ. ٱلَّذِي يُشْبِعُ بِٱلْخَيْرِ عُمْرَكِ، فَيَتَجَدَّدُ مِثْلَ ٱلنَّسْرِ شَبَابُكِ» (مزمور 103: 1-5). فلنحوِّل نظرنا عمَّا عند الآخرين، ولنشكر على ما عندنا، فنستريح إلى الأبد من خطية الحسد.

(2) التأمل في ما عندنا ينصرنا على الحسد، فالمحبة ترى ما عندها، بينما الحسد يرى ما ينقصه:

نقرأ في سفر العدد عن النتيجة السيئة التي حلَّت ببني قورح لما حسدوا موسى وهارون على خدمتهما. «وَأَخَذَ قُورَحُ بْنُ يِصْهَارَ بْنِ قَهَاتَ بْنِ لاَوِي، وَدَاثَانُ وَأَبِيرَامُ ٱبْنَا أَلِيآبَ، وَأُونُ بْنُ فَالَتَ بَنُو رَأُوبَيْنَ يُقَاوِمُونَ مُوسَى مَعَ أُنَاسٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ... فَٱجْتَمَعُوا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ وَقَالُوا لَهُمَا: «كَفَاكُمَا! إِنَّ كُلَّ ٱلْجَمَاعَةِ بِأَسْرِهَا مُقَدَّسَةٌ وَفِي وَسَطِهَا ٱلرَّبُّ. فَمَا بَالُكُمَا تَرْتَفِعَانِ عَلَى جَمَاعَةِ ٱلرَّبِّ» (العدد 16: 1-3).

وفي تأمُّل هذه الشكوى، نرى أن نصف كلام أصحابها صحيح، فالجماعة فعلاً مقدسة لأن الرب في وسطها. ولكن النصف الثاني هو السيء: «ما بالكما ترتفعان على جماعة الرب؟». فقد كانت قيادة موسى وهارون لجماعة الرب تعييناً من الله، لا كبرياءً، فقد دعاهما الله وكلّفهما وأرسلهما لفرعون، واستخدمهما بركة للشعب، فأخرجاه من العبودية. وكان على بني قورح أن يكونوا عقلاء يشكرون على البركة التي أعطاها الله لهم ولشعبهم على يد موسى وهارون. لكن الحسد الذي ملأ قلوبهم حرمهم من البركة، ثم حرمهم من الحياة، لأن الأرض فتحت فاها وابتلعتهم وكل ما لهم، فهبطوا أحياء إلى الهاوية! (عدد 16: 31).

أما المثل الأكبر للحسد فهو حسد رؤساء اليهود للمسيح. لقد جاءهم مخلِّصاً، وهو انتظار الأجيال، ومحقّق النبوَّات. ولكنهم رفضوه، وسلَّموه إلى الوالي الروماني بيلاطس ليصلبه. وعرف بيلاطس بعد فحص دعواهم أن المسيح بريء، وأنهم أسلموه له حسداً (متى 27: 18). لقد حسدوه لأن الشعب تبعه حبّاً له، وهتف له ثقةً به: «أُوصَنَّا لٱبْنِ دَاوُدَ! مُبَارَكٌ ٱلآتِي بِٱسْمِ ٱلرَّبِّ! أُوصَنَّا فِي ٱلأَعَالِي» (متى 21: 9). ومعنى «أوصنا»: «يا رب خلِّصنا» وهذه صلاةٌ، كما أنها تعبيرٌ عن الفرح والترحيب بالمسيح القادم. وقال شيوخ اليهود لبعضهم: «ٱنْظُرُوا! إِنَّكُمْ لاَ تَنْفَعُونَ شَيْئاً! هُوَذَا ٱلْعَالَمُ قَدْ ذَهَبَ وَرَاءَهُ!» (يوحنا 12: 19). وقرروا أن يقتلوه. ولما لم يكن لهم الحق في تنفيذ ذلك لجأوا إلى بيلاطس لينفّذه.

غريب أمرهم! كان يجب أن يفرحوا بالمسيح المعلّم العظيم، صانع المعجزات، المسيا المنتظَر. ولكن قلوبهم الخالية من المحبة امتلأت بالحسد، فأسلموه لبيلاطس.

وما أعظم الفرق بينهم وبين يوحنا المعمدان، الذي أحب الله وأحب المسيح، وشهد للمسيح أنه «حمل الله» وقاد تلاميذه ليتبعوا المسيح، وقال عنه: «يَنْبَغِي أَنَّ ذٰلِكَ يَزِيدُ وَأَنِّي أَنَا أَنْقُصُ» (يوحنا 3: 30). حقاً المحبة لا تحسد.

(3) الفرح ينصرنا على الحسد، فالمحبة تفرح بالخير، بينما الحسد يتضايق منه:

من النماذج الرائعة للمحبة التي تفرح بخير الآخرين محبة يوناثان ابن الملك شاول لداود. عندما قتل داود جليات «قَطَعَ يُونَاثَانُ وَدَاوُدُ عَهْداً لأَنَّهُ أَحَبَّهُ كَنَفْسِهِ. وَخَلَعَ يُونَاثَانُ ٱلْجُبَّةَ ٱلَّتِي عَلَيْهِ وَأَعْطَاهَا لِدَاوُدَ مَعَ ثِيَابِهِ وَسَيْفِهِ وَقَوْسِهِ وَمِنْطَقَتِهِ» (1صموئيل 18: 3 و4). ولما حسد شاول داود وأراد أن يقتله، حذّر يوناثان داود من المؤامرة ودافع عن داود أمام أبيه (1صموئيل 19: 2 و20: 32). وطلب يوناثان من داود أن يصنع خيراً لنسله لما يتولى داود المملكة (1صموئيل 20: 15). لقد أحبَّ يوناثان داود، وفرح بالخلاص الذي أعطاه الله لشعبه على يديه، حتى لو كان في هذا ضرر لمصالح يوناثان!

المحبة تفرح لما يزيد الخير، فيعمّ الجميع، لأنها تعلم أن الإنسان لا يزيد عندما ينقص غيره.

يخبرنا سفر دانيال عن الكرامة التي نالها دانيال في عهد الملك داريوس، حتى أنه «حَسُنَ عِنْدَ دَارِيُوسَ أَنْ يُوَلِّيَ عَلَى ٱلْمَمْلَكَةِ مِئَةً وَعِشْرِينَ مَرْزُبَاناً (رئيساً) يَكُونُونَ عَلَى ٱلْمَمْلَكَةِ كُلِّهَا. وَعَلَى هَؤُلاَءِ ثَلاَثَةَ وُزَرَاءَ أَحَدُهُمْ دَانِيآلُ، لِتُؤَدِّيَ ٱلْمَرَازِبَةُ (الرؤساء) إِلَيْهِمِ ٱلْحِسَابَ فَلاَ تُصِيبَ ٱلْمَلِكَ خَسَارَةٌ. فَفَاقَ دَانِيآلُ هَذَا عَلَى ٱلْوُزَرَاءِ وَٱلْمَرَازِبَةِ، لأَنَّ فِيهِ رُوحاً فَاضِلَةً. وَفَكَّرَ ٱلْمَلِكُ فِي أَنْ يُوَلِّيَهُ عَلَى ٱلْمَمْلَكَةِ كُلِّهَا. ثُمَّ إِنَّ ٱلْوُزَرَاءَ وَٱلْمَرَازِبَةَ كَانُوا يَطْلُبُونَ عِلَّةً يَجِدُونَهَا عَلَى دَانِيآلَ مِنْ جِهَةِ ٱلْمَمْلَكَةِ، فَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَجِدُوا عِلَّةً وَلاَ ذَنْباً، لأَنَّهُ كَانَ أَمِيناً وَلَمْ يُوجَدْ فِيهِ خَطَأٌ وَلاَ ذَنْبٌ. فَقَالَ هَؤُلاَءِ ٱلرِّجَالُ: «لاَ نَجِدُ عَلَى دَانِيآلَ هَذَا عِلَّةً إِلاَّ أَنْ نَجِدَهَا مِنْ جِهَةِ شَرِيعَةِ إِلَهِهِ» (دانيال 6: 1-5).

ألم يدرك أولئك الرؤساء أن نجاح دانيال ليس له وحده، بل للدولة كلها، ولهم هم؟ كان يجب أن يشكروا لوجود رئيس وزراء يتمتع بالذكاء والروح الفاضلة والأمانة لتسير جميع أمور الدولة بنجاح وسلام. لكن الحسد أصابهم بالعمى، فلم يروا في دانيال إلا الرئيس الذي يتولى مسئولية مشرّفة، حسبوا أنفسهم أكثر استحقاقاً لها منه، فدبَّروا له مكيدة. ولكن الرب أنقذه منها (دانيال 6).

(4) السلام ينصرنا على الحسد، فالمحبة تحيا في سلام، بينما الحسد يحيا في قلق:

كلما أحبّ الإنسان إلهه أحب إخوته البشر. وكلما أحب الناس امتلأ قلبه بسلامٍ نابعٍ من السماء، يشبه السلام الذي غمر قلب المسيح وهو ماضٍ إلى الصليب، فقال لتلاميذه: «سَلاَماً أَتْرُكُ لَكُمْ. سَلاَمِي أُعْطِيكُمْ. لَيْسَ كَمَا يُعْطِي ٱلْعَالَمُ أُعْطِيكُمْ أَنَا. لاَ تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ وَلاَ تَرْهَبْ!» (يوحنا 14: 27).

أما الذي يحسد فإنه يضيّع سلامه الروحي وطمأنينته النفسية، لأنه دائم التطلّع إلى ما عند غيره، ودائم الإهمال للشكر على ما عنده. وما أجمل النصيحة الرسولية: «فَٱلْبَسُوا كَمُخْتَارِي ٱللّٰهِ ٱلْقِدِّيسِينَ ٱلْمَحْبُوبِينَ أَحْشَاءَ رَأْفَاتٍ، وَلُطْفاً، وَتَوَاضُعاً، وَوَدَاعَةً، وَطُولَ أَنَاةٍ، مُحْتَمِلِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً، وَمُسَامِحِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً إِنْ كَانَ لأَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ شَكْوَى. كَمَا غَفَرَ لَكُمُ ٱلْمَسِيحُ هٰكَذَا أَنْتُمْ أَيْضاً. وَعَلَى جَمِيعِ هٰذِهِ ٱلْبَسُوا ٱلْمَحَبَّةَ ٱلَّتِي هِيَ رِبَاطُ ٱلْكَمَالِ. وَلْيَمْلِكْ فِي قُلُوبِكُمْ سَلاَمُ ٱللّٰهِ ٱلَّذِي إِلَيْهِ دُعِيتُمْ فِي جَسَدٍ وَاحِدٍ، وَكُونُوا شَاكِرِينَ» (كولوسي 3: 12-15).

قارِنْ بين السلام الذي ملأ نفس يوسف وهو يكرم أباه وإخوته، وبين القلق الذي عصف بقلوب إخوته، وهم يقولون لبعضهم البعض: «حَقّاً إِنَّنَا مُذْنِبُونَ إِلَى أَخِينَا ٱلَّذِي رَأَيْنَا ضِيقَةَ نَفْسِهِ لَمَّا ٱسْتَرْحَمَنَا وَلَمْ نَسْمَعْ. لِذٰلِكَ جَاءَتْ عَلَيْنَا هٰذِهِ ٱلضِّيقَةُ» (تكوين 42: 21). ثم قارن سلام يوسف وهو راجع من دفن أبيه بكل إكرام، وبين القلق الذي كاد يمزق صدور إخوته وهم يقولون: «لَعَلَّ يُوسُفَ يَضْطَهِدُنَا وَيَرُدُّ عَلَيْنَا جَمِيعَ ٱلشَّرِّ ٱلَّذِي صَنَعْنَا بِهِ» (تكوين 50: 15). وهذه الكلمات تُظهر أن القلق كان كامناً داخل نفوسهم يؤرق بالهم طيلة وجودهم في مصر أثناء حياة أبيهم. المحبة تعطي السلام، والحسد يورّث القلق! فلنطلب من الله أن تسود على قلوبنا محبته «التي لا تحسد».

صلاة

أبانا، نشكرك لأنك أعطيتنا وأكرمتنا بسخاءٍ ولم تعيِّرنا أبداً. هَبْنا أن نرى كيف فتحتَ يدك فشبِعْنا بالخيرات. فِضْ في قلوبنا بفرح الروح القدس فنفرح بشخصك وبعطاياك. عمِّق محبتك فينا، وانزع الحسد من دواخلنا، واعطنا أن نكرم انتماءنا إليك بسيرتنا وجهادنا لنحيا الإيمان الذي نعتنقه. في شفاعة المسيح. آمين.

الفصل الرابع: «اَلْمَحَبَّةُ لا تَتَفَاخَرُ وَلا تَنْتَفِخُ» (1 كورنثوس 13: 4)

يتعرَّض صاحب المواهب الروحية (أكثر من غيره) لتجربة التفاخر بما عنده. فقد يتفاخر الواعظ المشهور بقدراته الوعظية، وقد يتكبَّر المحسِن بأنه أطعم الفقراء. أما المحبة الحقيقية الصادقة فإنها لا تتفاخر بما تفعل لأنها تفعله لأجل اسم المسيح، وبقوة منحها المسيح.

كان التفاخر أحد عيوب كنيسة كورنثوس، فانقسموا أحزاباً، يفتخر كل حزبٍ بالرسول الذي ينتمي الحزب له، فافتخر البعض ببولس والبعض بأبلّوس، فقال لهم الرسول بولس: «لاَ يَنْتَفِخَ أَحَدٌ لأَجْلِ ٱلْوَاحِدِ عَلَى ٱلآخَرِ (بمعنى: لا تنتفخوا من الكبرياء تحزُّباً لأحدٍ) لأَنَّهُ مَنْ يُمَيِّزُكَ؟ (بمعنى: من جعلك متميِّزاً عن غيرك؟) وَأَيُّ شَيْءٍ لَكَ لَمْ تَأْخُذْهُ؟ (بمعنى: كل شيء عندك أخذتَه هبةً) وَإِنْ كُنْتَ قَدْ أَخَذْتَ، فَلِمَاذَا تَفْتَخِرُ كَأَنَّكَ لَمْ تَأْخُذْ؟» (1كورنثوس 4: 6 و7). فالرسول يطلب أن لا يتحيّزوا له أو لأبلوس، لأنْ لا أحد يملك ويُميَّز. وإن مَلَك وتميَّز فهذا نعمة وهبة من عند الله، وليس من مكسبه الشخصي.

ويقول الرسول بولس أيضاً: «ٱلْعِلْمُ يَنْفُخُ، وَلٰكِنَّ ٱلْمَحَبَّةَ تَبْنِي» (1كورنثوس 8: 1). فالإنسان الذي يعرف ربما ينتفخ بعلمه، ولكنه لا ينمو ويرقى إنسانياً وروحياً بما تعلَّم إلا إذا أشرقت أنوار المحبة على قلبه.

لماذا لم يقل بولس: «المحبة تتواضع» بدل قوله: «المحبة لا تتفاخر ولا تنتفخ»؟ لماذا لم يصف المحبة بأسلوبٍ إيجابي بدلاً من الأسلوب السلبي؟ والإجابة: لعل أهل كورنثوس افتخروا بتواضعهم، وحوَّلوا فضيلة التواضع إلى افتخار، فصارت فضيلتهم رذيلة. فشرح الرسول بولس لهم الفضيلة بضدّها.

هناك وصيتان عظيمتان تتلخّص فيهما كل الوصايا: «تحب الرب إلهك من كل قلبك، وتحب قريبك كنفسك». والذي يحب الله من كل قلبه لا يمكن أن يتفاخر أو ينتفخ، لأنه يدرك أن كل ما عنده هو من عند الله مصدر كل نعمة. ومن يحب إخوته البشر لا يمكن أن ينتفخ عليهم، بل يقف منهم موقف التواضع، لأنه خادم الله المحب، الذي يعطي من نفسه ومما عنده، متمثِّلاً بالمسيح الذي لم يأتِ ليُخدم بل ليخدم وليبذل نفسه فديةً عن كثيرين (مرقس 10: 45).

ثلاثة أسباب من أجلها لا تتفاخر المحبة

1 - المحبة تدرك أن التفاخر سلوك جسداني:

هناك سلوك «حسب الجسد» وسلوك «حسب الروح». والجسد يشتهي ضد الروح ويقاومه حتى نفعل ما لا نريد. لذلك جاءت النصيحة الرسولية: «ٱسْلُكُوا بِٱلرُّوحِ فَلاَ تُكَمِّلُوا شَهْوَةَ ٱلْجَسَدِ» (غلاطية 5: 16). ولذلك نرى المحبة لا تتفاخر لأن الروح القدس يحكمها، كما قال الرسول بولس: «ٱلَّذِينَ هُمْ حَسَبَ ٱلْجَسَدِ فَبِمَا لِلْجَسَدِ يَهْتَمُّونَ، وَلٰكِنَّ ٱلَّذِينَ حَسَبَ ٱلرُّوحِ فَبِمَا لِلرُّوحِ» (رومية 8: 5). هذه المحبة الخاضعة للروح القدس لا تتصرف التصرُّف الجسداني الذي ينتفخ.

٭ لقد كان الجسد من وراء تصرُّف الملك نبوخذنصر، فقال هذا المسكين: «أَلَيْسَتْ هَذِهِ بَابِلَ ٱلْعَظِيمَةَ ٱلَّتِي بَنَيْتُهَا لِبَيْتِ ٱلْمُلْكِ بِقُوَّةِ ٱقْتِدَارِي وَلِجَلاَلِ مَجْدِي؟» (دانيال 4: 30). لم يبْنِ نبوخذنصر بابل بنفسه، ولا دفع من جيبه نفقات البناء، بل تمتّع بثمرة ما قام به الشعب الذي دفع الجزية، وما قام به المهندسون المقتدرون من رسمٍ وتأسيسٍ وبناء. أما قوله: «بقوة اقتداري ولجلال مجدي» فيدل على أن عقله قد أصابه الجنون!

٭ ولقد كان الجسد من وراء تصرُّف سالومة أم يوحنا ويعقوب ابني زبدي، فقالت للمسيح: «قُلْ أَنْ يَجْلِسَ ٱبْنَايَ هٰذَانِ وَاحِدٌ عَنْ يَمِينِكَ وَٱلآخَرُ عَنِ ٱلْيَسَارِ فِي مَلَكُوتِكَ» (متى 20: 21). ولم يَعِدْها الرب بشيءٍ مما طلبت، ومع ذلك اغتاظ باقي التلاميذ من طلبها، وكأن المسيح وعدها أن يحقِّق لها ما طلبته! وفي طلبها، وفي غيظ التلاميذ نرى انتفاخ سالومة بولديها، وانتفاخ وكبرياء التلاميذ الآخرين الذين لا بدَّ حسبوا نفوسهم أفضل من ابني زبدي! لعل كل واحد منهم قال: لئِنْ جلس يوحنا ويعقوب عن يمينه وعن يساره، فأين أجلس أنا؟! والمسيح يقول للجميع: هل تستطيعون أن تصطبغوا بالصبغة التي أصطبغ بها أنا؟ كانت صبغة المسيح ولون حياته التواضع والمحبة، وهي الصبغة ولون الحياة الذي يريده لنا، لأنه وديعٌ ومتواضع القلب.

٭ ولقد كان الجسد من وراء مشاجرة التلاميذ: من منهم يُظَن أنه يكون أكبر (لوقا 22: 24). لقد ظنوا ملكوت المسيح سياسياً أرضياً، ولكن المسيح أصلح فكرهم الجسداني، وقال لهم: «ٱلْكَبِيرُ فِيكُمْ لِيَكُنْ كَٱلأَصْغَرِ، وَٱلْمُتَقَدِّمُ كَٱلْخَادِمِ... أَنَا بَيْنَكُمْ كَٱلَّذِي يَخْدِمُ» (لوقا 22: 26 و27).

واضح أن البشر بحسب تفكيرهم العادي يميلون إلى التفاخر والانتفاخ، فهم يعتزُّون بعائلتهم باعتبار أنها أفضل العائلات، ثم يعتزُّون بأنفسهم باعتبار أنهم أفضل أفراد عائلتهم! ولكن المحبة سلوك سماوي، لذلك فهي لا تتفاخر ولا تنتفخ. ولقد تجرَّب شعب الله القديم بالتفاخر بعد معجزات الخروج، فقال الله لهم محذراً: «لَيْسَ مِنْ كَوْنِكُمْ أَكْثَرَ مِنْ سَائِرِ ٱلشُّعُوبِ ٱلْتَصَقَ ٱلرَّبُّ بِكُمْ وَٱخْتَارَكُمْ، لأَنَّكُمْ أَقَلُّ مِنْ سَائِرِ ٱلشُّعُوبِ. بَلْ مِنْ مَحَبَّةِ ٱلرَّبِّ إِيَّاكُمْ، وَحِفْظِهِ ٱلْقَسَمَ ٱلَّذِي أَقْسَمَ لِآبَائِكُمْ، أَخْرَجَكُمُ ٱلرَّبُّ بِيَدٍ شَدِيدَةٍ وَفَدَاكُمْ مِنْ بَيْتِ ٱلْعُبُودِيَّةِ مِنْ يَدِ فِرْعَوْنَ مَلِكِ مِصْرَ. فَٱعْلَمْ أَنَّ ٱلرَّبَّ إِلٰهَكَ هُوَ ٱللّٰهُ، ٱلإِلٰهُ ٱلأَمِينُ، ٱلْحَافِظُ ٱلْعَهْدَ وَٱلإِحْسَانَ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ وَيَحْفَظُونَ وَصَايَاهُ إِلَى أَلْفِ جِيلٍ» (تثنية 7: 7-9). لقد اختار الله شعبه لأنهم أقل من سائر الشعوب ليحفظ لهم تواضعهم. فأمرهم موسى بعدم التفاخر، وأوصاهم بالتواضع، وعلمهم أن يقولوا: «أَرَامِيّاً تَائِهاً كَانَ أَبِي، فَٱنْحَدَرَ إِلَى مِصْرَ وَتَغَرَّبَ هُنَاكَ فِي نَفَرٍ قَلِيلٍ، فَصَارَ هُنَاكَ أُمَّةً كَبِيرَةً وَعَظِيمَةً وَكَثِيرَةً. فَأَسَاءَ إِلَيْنَا ٱلْمِصْرِيُّونَ وَثَقَّلُوا عَلَيْنَا وَجَعَلُوا عَلَيْنَا عُبُودِيَّةً قَاسِيَةً. فَلَمَّا صَرَخْنَا إِلَى ٱلرَّبِّ إِلٰهِ آبَائِنَا سَمِعَ ٱلرَّبُّ صَوْتَنَا، وَرَأَى مَشَقَّتَنَا وَتَعَبَنَا وَضِيقَنَا» (تثنية 26: 5-7).

لقد تاه إبراهيم خليل الله، وجاء لاجئاً إلى مصر. ولما تضايق فيها صرخ إلى الرب فأنقذه. ولم تنقذه مكانته الشخصية أو قوته أو تفكيره البشري (تكوين 12: 10-20). وهذا يمنع المؤمنين الذين يقدّرون فضل الله من الافتخار الجسدي.

وعاد الله على فم النبي إشعياء يحذّر الشعب القديم من التفاخر، فقال لهم: «اِسْمَعُوا لِي أَيُّهَا ٱلتَّابِعُونَ ٱلْبِرَّ ٱلطَّالِبُونَ ٱلرَّبَّ. ٱنْظُرُوا إِلَى ٱلصَّخْرِ ٱلَّذِي مِنْهُ قُطِعْتُمْ وَإِلَى نُقْرَةِ ٱلْجُبِّ ٱلَّتِي مِنْهَا حُفِرْتُمُ» (إشعياء 51: 1). والمقصود بالصخر هو إبراهيم الخليل، والمقصود بنقرة الجب زوجته سارة، فقد كان إبراهيم في التاسعة والتسعين من عمره، وسارة في التاسعة والثمانين لما حبلت بإسحق. لم يكن هناك أملٌ في الإنجاب في هذا العمر الكبير، لكن على خلاف الرجاء البشري حقَّق الله وعده لإبراهيم الخليل (رومية 4: 18). وهكذا قال إشعياء إن الله أخرج من «الصخر» ومن «نقرة الجُبّ» شعباً له. فلا فخر هنا، ولكن تواضع أمام معجزة الله حتى «تَقَوَّى (إبراهيم) بِٱلإِيمَانِ مُعْطِياً مَجْداً لِلّٰهِ» (رومية 4: 20). وقد حذَّر المسيح بطرس من ثقته الزائدة بنفسه، وقال له إنه سينكره ثلاث مرات (لوقا 22: 24). ولا بد أن المسيح استشعر أن تلاميذه سيتجرّبون بأن يفتخروا بأنه اختارهم تلاميذ له، فقال لهم: «لَيْسَ أَنْتُمُ ٱخْتَرْتُمُونِي بَلْ أَنَا ٱخْتَرْتُكُمْ، وَأَقَمْتُكُمْ لِتَذْهَبُوا وَتَأْتُوا بِثَمَرٍ، وَيَدُومَ ثَمَرُكُمْ» (يوحنا 15: 16). إذاً الفضل للنعمة التي حملت الغصن في الكرمة، وغذَّته بعُصارتها الكريمة فجاء بالثمر. ونلاحظ أن الغصن الذي لا يحمل ثمراً يكون مرتفع الرأس، ولكن عندما يتثقّل بالثمر ينحني. وقليلو الثمر هم الذين يتفاخرون!

2 - المحبة تدرك فضل من أعطاها، فلا تنتفخ:

الإنسان جسد، هو تراب من الأرض. والإنسان روح، هو نفخة من الله. ولا يستطيع التراب أن ينتفخ، لأنه عندما تخرج منه النفخة يعود إلى التراب. لذلك نكرر مع الرسول بولس: «إِنْ عِشْنَا فَلِلرَّبِّ نَعِيشُ، وَإِنْ مُتْنَا فَلِلرَّبِّ نَمُوتُ. فَإِنْ عِشْنَا وَإِنْ مُتْنَا فَلِلرَّبِّ نَحْنُ» (رومية 14: 8). فمحبتنا للرب تجعلنا ندرك أننا به نحيا ونتحرك ونوجد (أعمال 17: 28) فنُرجِع الفضل لصاحب الفضل، ونقدم المجد لمن يستحق المجد.

نريد أن نقيِّم أنفسنا تقييماً سليماً صحيحاً، كما قال الرسول بولس: «لاَ يَرْتَئِيَ (أحدٌ) فَوْقَ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَرْتَئِيَ، بَلْ يَرْتَئِيَ إِلَى ٱلتَّعَقُّلِ، كَمَا قَسَمَ ٱللّٰهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِقْدَاراً مِنَ ٱلإِيمَانِ» (رومية 12: 3).

ونقدم مَثَلين مِن شخصين كان تقييمهما لنفسيهما «إلى التعقُّل» هما يعقوب أب الأسباط، وداود صاحب المزامير. قال يعقوب لله: «صَغِيرٌ أَنَا عَنْ جَمِيعِ أَلْطَافِكَ وَجَمِيعِ ٱلأَمَانَةِ ٱلَّتِي صَنَعْتَ إِلَى عَبْدِكَ. فَإِنِّي بِعَصَايَ عَبَرْتُ هٰذَا ٱلأُرْدُنَّ، وَٱلآنَ قَدْ صِرْتُ جَيْشَيْنِ. نَجِّنِي مِنْ يَدِ أَخِي، مِنْ يَدِ عِيسُوَ، لأَنِّي خَائِفٌ مِنْهُ» (تكوين 32: 10 و11). يعترف يعقوب أن عند عبوره الأردن لم يكن يملك غير عصاه. ولكن عند رجوعه كان معه جيشان، والفضل كله يرجع لله. ولكن الجيشين يمكن أن يضيعا في لحظة، ويأخذهما عيسو، أو يقتلهما. فاعترف أنه صغير يحتاج لمعونة الرب.

وصلّى نبي الله داود: «مَنْ أَنَا يَا سَيِّدِي ٱلرَّبَّ، وَمَا هُوَ بَيْتِي حَتَّى أَوْصَلْتَنِي إِلَى هٰهُنَا؟ وَقَلَّ هٰذَا أَيْضاً فِي عَيْنَيْكَ يَا سَيِّدِي ٱلرَّبَّ فَتَكَلَّمْتَ أَيْضاً مِنْ جِهَةِ بَيْتِ عَبْدِكَ إِلَى زَمَانٍ طَوِيلٍ. وَهٰذِهِ عَادَةُ ٱلإِنْسَانِ يَا سَيِّدِي ٱلرَّبَّ. وَبِمَاذَا يَعُودُ دَاوُدُ يُكَلِّمُكَ وَأَنْتَ قَدْ عَرَفْتَ عَبْدَكَ يَا سَيِّدِي ٱلرَّبَّ؟ فَمِنْ أَجْلِ كَلِمَتِكَ وَحَسَبَ قَلْبِكَ فَعَلْتَ هٰذِهِ ٱلْعَظَائِمَ كُلَّهَا لِتُعَرِّفَ عَبْدَكَ. لِذٰلِكَ قَدْ عَظُمْتَ أَيُّهَا ٱلرَّبُّ ٱلإِلٰهُ، لأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُكَ وَلَيْسَ إِلٰهٌ غَيْرَكَ حَسَبَ كُلِّ مَا سَمِعْنَاهُ بِآذَا