إفرحوا في الرب كل حين وأقول أيضاً إفرحوا |
تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل فيلبي
- التمهيد لرسالة فيلبي
- 1 - التحيات والبركة الرسولية (1: 1 - 2)
- 2 - صلاة الرسول لأجل الكنيسة (1: 3-11)
- 3 - حالة الرسول في السجن انتشار الإنجيل في روما (1: 12-26)
- 4 - نصائح للوحدة والتواضع (1: 27-2: 18)
- 5 - الأخبار عن سفريات تيموثاوس وأبفرودتس (2: 19-30)
- 6 - جواهر إيماننا الغنية (3: 1-4: 9)
- 7 - شكر الرسول للهبة المالية (4: 10-20)
- 8 - خاتمة الرسالة بالنعمة (4: 21-23)
- المسابقة لرسالة فيلبي
التمهيد لرسالة فيلبي | ||
كتب بولس رسول الأمم هذه الرسالة الفائضة بالفرح إلى أهل الكنيسة في مدينة فيلبي المكدونية سنة 62 م، لما كان سجيناً في روما، ومحبوساً من أجل اسم المسيح، لشكاية اليهود ضده، ينتظر محاكمته النهائية أمام القيصر، التي ستقرر حياته أو موته. وفي غمرة هذا التوتر العصبي وفي انتظار الحكم الفاصل، اختبر الرسول قرب المسيح وقوته المعزية، حتى عزى هو أصدقاءه ودعاهم إلى الفرح الإلهي المتفوق.
وكانت غاية بولس من هذه الرسالة إظهار محبته وشكره للمؤمنين في فيلبي، لأجل الهبة المالية الكبيرة التي قدموها له ليخففوا ضيقه، لأن وجوده في السجن منعه من العمل بيديه ليكفي حاجاته. فشكراً لهذه البادرة الطيبة، كتب الرسول هذه الرسالة الممتلئة بالفرح، وقوى بها المضحين في الكنيسة، مظهراً لهم عواطفه ومفيضاً عليهم لطف اللّه، وطالباً لأجلهم مزيد البركة والمعرفة من القدير.
لقد أسس الرسول هذه الكنيسة في جولته التبشيرية الثانية، كأول كنيسة في أوروبا. واختبر خلال تأسيسها اضطهاداً وآلاماً عنيفة في السجن هناك. ولكن الرب بارك رسوله، ومنحه باكورة شهية، أي التاجرة ليديا والسجان، اللذين أصبحا من أركان الكنيسة الحية.
وفرح الرسول خاصة لأن جميع أعضاء الكنيسة في فيلبي اشتركوا في نشر الإنجيل منذ بداية إيمانهم، ورافقوا رحلات الرسول بصلواتهم، ومّوَلوا خدماته بتبرعاتهم رغم الاتهام والضغط عليهم في بلدتهم الخاصة. فشجعهم الرسول الأسير المربوط بسلاسل بيد أحد حراسه. وأثَّرت بشارته قولاً وسلوكاً في الجند حتى آمنوا بالمسيح وتجددوا. وذاع هذا الخبر إلى بيت القيصر. فاهتم البعض بالسجين وإنجيله، ومالوا إلى المخلص. وأصبح أفراد منهم قديسين.
وسمع الرسول في سجنه أن كنيسة فيلبي كانت عرضة لتجارب متنوعة. حيث كانت مدينة فيلبي مركزاً للمعسكر الروماني في الجبال اليونانية، ليس بعيداً عن تسالونيكي.
ولم يمنع الفرح في الروح بولس أن يحذر كنيسته المحبوبة من خطر الانشقاق الذي يتبع المشاريع المبنيَّة على الكبرياء، فدلهم على سيرة المسيح المركزة على التواضع وبذل النفس، ليتعلم كل عضو أن يتواضع مثله، ويعتبر نفسه أصغر من جميع الإخوة.
وكان خطر آخر مقبل على الكنيسة بتعليم الختان وحفظ السبت، كأن الإنسان يستطيع أن يضيف بمجهوداته الشخصية على نعمة المسيح، ليتقدس إلى التمام. فحذرهم بشدة من الفهم الخاطئ للكمال، وأراهم ينابيع سرمدية للغلبة على الذات والفرح الحقيقي، ليثبتوا في الرب وقدرته الفادية.
وأراد بولس أن يرسل إلى كنيسة فيلبي مرة أخرى تيموثاوس لتقوية المؤمنين. وهذا الشاب كان بعد طرد الرسول خليفته هناك مع لوقا الطبيب، ليعمِّقا الكنيسة في ملء كلمة اللّه، ويقوداها إلى النضوج في الخدمات والمحبة. وتمنى الرسول أن يسمح الرب له أيضاً بزيارة كنيسة فيلبي مرة أخرى، بعد إطلاقه من السجن. فأرسل مسبقاً أبفرودتس المرسل إليه بالهبة المالية، والذي كان قد شُفي من مرض مميت، ليمهد الطريق له. فيكمل فرحهم إذ يجتمعون مرة أخرى مبتهجين.
هذه الرسالة المكتوبة وبولس على مشارف الموت فاضت بالمحبة والغبطة والشكر أكثر من كل الرسائل الأخرى من يد الرسول. فتستطيع أن تملأنا بفرح اللّه، وتريحنا من مشاكل عصرنا. لأن منها تجري قوى عظيمة إذ عاش الرسول قرب ربه، مفارقاً دنيانا وداخلاً إلى الحياة الحقة ولربما كانت هذه الرسالة آخر ما كتبه الرسول إلى المؤمنين. فأصبح «الفرح في الرب».
1 - متى وأين كتب بولس هذه الرسالة؟
2 - ماذا كانت أهم الحوادث عند تأسيس كنيسة فيلبي؟ (إقرأ أعمال الرسل 16: 11 - 40).
3 - ما سبب وغاية هذه الرسالة؟
4 - بما تمتاز هذه الرسالة على رسائل بولس الأخرى؟
1 - التحيات والبركة الرسولية (1: 1 - 2) | ||
|
الأصحاح الأول 1 بُولُسُ وَتِيمُوثَاوُسُ عَبْدَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ، إِلَى جَمِيعِ ٱلْقِدِّيسِينَ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ، ٱلَّذِينَ فِي فِيلِبِّي، مَعَ أَسَاقِفَةٍ وَشَمَامِسَةٍ. |
لم ينفرد الرسول بكتابة رسالته، بل بحثها قبلاً مع رفيقه الأمين تيموثاوس. وصلى معه لأجل الفيليبيين، لتصبح رسالتهما مشحونة بقوة اللّه وبركاته. وكان تيموثاوس خليفة الرسول في رعاية الكنيسة والمسؤول عن مصيرها روحياً وإيمانياً.
وكلاهما لم يسميا نفسيهما أساقفة أو رعاة، بل عبدي المسيح، لأنهما لم يريدا التكبر المستعلي ولا الكتابة بأفكارهما الخاصة، بل كتبا بإرشاد روح المسيح، فلم يريدا الحركة أو الكتابة مستقلين عنه، بل اعتبرا أنفسهما عبديه في كل مراحل حياتهما، حرين كانا أم سجينين.
وكتبت هذه الرسالة إلى المؤمنين بالمسيح، الذين حل فيهم الروح القدس فجعلهم قديسين بكل معنى الكلمة، لا لصلاحهم الشخصي بل لأجل إيمانهم بالحي، الذي تعاهد معهم وشملهم بلطفه، حتى تغيروا جميعاً إلى صورته.
وهكذا دخلوا إلى رحابه، وثبتوا في ملكوته. فأصبحوا «في المسيح» واحداً في الروح القدس، واختبروا يومياً حمايته. فمن يثبت في المسيح يعش كأنه في السماء، رغم المضايقات في دنيانا التي تحيط به.
ووجد في كنيسة فيلبي أساقفة متواضعون وخدام للرب، معينين من الروح القدس للخدمات والأتعاب في تضحية الذات. ولكن أصحاب الرتب لم يعتبروا ذواتهم أعظم وأحسن من بقية أعضاء الكنيسة، عالمين أن الروح القدس واحد والمغفرة واحدة. أما المسيح فيوزع الخدمات حسب اختياره، ويعطي المواهب لمن يشاء. والسر في سلطان الأحبار هو التواضع. كما أن ذكرهم هنا يأتي بعد القديسين، كأن شعب الكنيسة أهم من رعاتها.
وإن تعمقت في الرسالة لأهل فيلبي، ترى أن كلمتين تتكرران هما «يسوع المسيح». وهذه العبارة ليست اسماً بل جملة تامة دالة على معنى، أن يسوع هو المسيح. فمن هو يسوع، وما تعني كلمة المسيح؟ إن الإنسان يسوع مولود من المرأة تحت الناموس. وعاش في المدينة الصغيرة الناصرة من منطقة الجليل. وتعلم القراءة والكتابة واشتغل نجاراً إلى أن صار عمره حوالي ثلاثين سنة. وجُرِّب كما نحن، ولكن بقي بلا خطية. فقد كان الإنسان الوحيد القدوس. وتجلت فيه صورة اللّه. وتوقف كماله على الحقيقة أنه غير مولود من أب دنيوي، بل من الروح القدس مباشرة. فيستحق الاسم «ابن العلي». وفي قوة أبيه السماوي قام بمعجزات كثيرة، وغفر الخطايا، وصالح العالم مع اللّه. فيسوع هو ابن الإنسان، وابن اللّه بنفس الوقت.
أما لقب المسيح فمعناه الممسوح بملء الروح القدس، حتى أن كل صفات اللّه حلت فيه. وأدرك اليهود من نبوات العهد القديم أن اللّه سيرسل مسيحه إليهم. إنما فسروا هذا الوحي بطريقتهم الخاصة، كأن مسيا هو ملك سياسي ينشئ دولة السلام التي مركزها أورشليم، ويقيم الموتى ويجلب العلماء على الأرض.
ولكن عندما دعا يسوع اليهود إلى التوبة، ولم ينصرهم على الرومان ولم ينكر بنوته للّه، سلموه للصلب. أما المسيح فغلب الموت وقام من القبر، وصعد إلى السماء وجلس عن يمين الآب، وأرسل قوة الروح القدس إلى جميع المؤمنين به.
وهكذا دعا مختاريه من العالم وعانقهم لكيلا يكونوا منعزلين فيما بعد، بل «في المسيح يسوع». فاسمه يعني قوة روحية عظيمة تشملنا وتحملنا وتضمننا. ومن يختبر هذا السر في حفظ المسيح يسجد له. ويعتبر نفسه عبداً لمحبته، كما قال بولس وتيموثاوس عن نفسيهما. فهل ثبتَّ في المسيح يسوع وجعلت نفسك عبداً لرحمته؟
السؤال:
5 - ماذا تعني العبارات (يسوع المسيح) و(في المسيح) و(عبد المسيح)؟
|
1: 2 نِعْمَةٌ لَكُمْ وَسَلامٌ مِنَ ٱللّٰهِ أَبِينَا وَٱلرَّبِّ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ. |
بعد التحية الافتتاحية أفاض الرسول بركته على الرعية كخلاصة تعليمه وقوته. فمن يضع نفسه تحت هذه البركة الرسولية ويتمسك بها، لا يبقى إنساناً عادياً فيما بعد، بل يتغير، ويتبرر ويمتلئ نعمة وحقاً. ويثبت في سلام مع اللّه.
فالنعمة في العهد الجديد تعني محبة اللّه المستمرة الشرعية للدنسين غير المستحقين. فهذه النعمة تتوقف على الصليب، لأن بدون موت المسيح نيابة عنا لا توجد نعمة حقة، ولا يحق للّه أن ينعم علينا، بل لمتطلبات قداسته ينبغي أن يهلكنا. ففي المسيح ابتدأ عصر النعمة. وصارت رحمة اللّه حقاً شرعياً لكل مؤمن به.
وإن درست الكلمات الافتتاحية لرسالة بولس إلى أهل فيلبي، تكون قد أمسكت المفتاح لرسالة الفرح كلها.
السؤال:
6 - ما هي المعاني البارزة في البركة الرسولية؟
2 - صلاة الرسول لأجل الكنيسة (1: 3-11) | ||
|
1: 3 أَشْكُرُ إِلٰهِي عِنْدَ كُلِّ ذِكْرِي إِيَّاكُمْ 4 دَائِماً فِي كُلِّ أَدْعِيَتِي، مُقَدِّماً ٱلطِّلْبَةَ لأَجْلِ جَمِيعِكُمْ بِفَرَحٍ، 5 لِسَبَبِ مُشَارَكَتِكُمْ فِي ٱلإِنْجِيلِ مِنْ أَّوَلِ يَوْمٍ إِلَى ٱلآنَ. 6 وَاثِقاً بِهٰذَا عَيْنِهِ أَنَّ ٱلَّذِي ٱبْتَدَأَ فِيكُمْ عَمَلاً صَالِحاً يُكَمِّلُ إِلَى يَوْمِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ. |
كان بولس إنساناً مصلياً في سلطان الروح القدس. ففاض من فمه الشكر والتسبيح لأجل نعمة اللّه، المعطاة لأهل فيلبي. إن القدوس نفسه حضر في كنيسته وسط الدنيا المضطربة. وهذه هي المعجزة الكبرى في زمننا اليائس، إن اللّه العظيم يحل في المؤمنين الممسوحين بالروح القدس. فهل تحمده لهذا الامتياز. وتقدم له الشكر على الدوام؟
ذكر بولس في صلاته كل عضو في كنيسة فيلبي. وابتهل لأجلهم فرداً فرداً بالأمانة في أدعيته اليومية. وسبح الآب السماوي لأجل عمل روحه المتشابك في الجميع. إن الكنيسة الخالية من الابتهال المتبادل تموت. فأول ما نلاحظ في رسائل الرسول بولس هو دائماً الصلاة، وبعدئذ التعليم. هذا النظام يغير دروسنا وتقوانا مبدئياً، لأن ليس العلم والفكر والعقائد أساس الكنيسة، بل الشكر والابتهال والصلاة للرب الحي، لأنه هو العامل والمعطي. فلا حركة روحية إلا به.
وقد سمع أهل فيلبي بشارة الخلاص وآمنوا بها.. ولم يسترخوا بعدئذ كسولين في أفراحهم متكلين على معرفة خلاصهم، بل انتعشوا وتحركوا وتقدموا إلى الآخرين وأشركوهم في قوة الإنجيل. ورافقوا الرسول بولس واجتهاداته بصلواتهم وتبرعاتهم المستمرة. فقوة الإنجيل تجعلنا عبيد محبة المسيح، لا منتفخين بالعلم الجاف.
كان أعضاء كنيسة فيلبي مبتدئين في الإيمان والمحبة والرجاء. ولكن حيث يستسلم الأفراد للمسيح وكلمته، فهو الشفيع ويتم خلاصه فيهم. هل وضعت يدك في يد المسيح لعهد أبدي؟ عندئذ يظل هو أميناً لك ويغيرك إلى صورته في التواضع وإنكار الذات والفرح والسرور.
وعندئذ تترقب أهم يوم في التاريخ إذ يأتي الفادي المجيد ليجتذب كنيسته إليه. فمجيء المسيح هو الهدف الواحد لحياتنا. عندئذ يظهر صحة ديننا، ويتجلى الجوهر الموهوب لنا من أبينا السماوي. علماً أن ذلك اليوم ليس يومنا بل يوم يسوع المسيح، الذي أخلى نفسه وصار إنساناً لخلاصنا. وصُلب محتقراً فأعطاه اللّه اسماً فوق كل اسم، لتجثو كل ركبة ليسوع لأنه الرب بالذات.
السؤال:
7 - ما هو مضمون صلاة بولس لأجل أهل فيلبي الأحباء؟
|
1: 7 كَمَا يَحِقُّ لِي أَنْ أَفْتَكِرَ هٰذَا مِنْ جِهَةِ جَمِيعِكُمْ، لأَنِّي حَافِظُكُمْ فِي قَلْبِي، فِي وُثُقِي، وَفِي ٱلْمُحَامَاةِ عَنِ ٱلإِنْجِيلِ وَتَثْبِيتِهِ، أَنْتُمُ ٱلَّذِينَ جَمِيعُكُمْ شُرَكَائِي فِي ٱلنِّعْمَةِ. 8 فَإِنَّ ٱللّٰهَ شَاهِدٌ لِي كَيْفَ أَشْتَاقُ إِلَى جَمِيعِكُمْ فِي أَحْشَاءِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ. 9 وَهٰذَا أُصَلِّيهِ: أَنْ تَزْدَادَ مَحَبَّتُكُمْ أَيْضاً أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ فِي ٱلْمَعْرِفَةِ وَفِي كُلِّ فَهْمٍ، 10 حَتَّى تُمَيِّزُوا ٱلأُمُورَ ٱلْمُتَخَالِفَةَ، لِكَيْ تَكُونُوا مُخْلِصِينَ وَبِلا عَثْرَةٍ إِلَى يَوْمِ ٱلْمَسِيحِ، 11 مَمْلُوئِينَ مِنْ ثَمَرِ ٱلْبِرِّ ٱلَّذِي بِيَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ لِمَجْدِ ٱللّٰهِ وَحَمْدِهِ. |
لا تعني كنيسة المسيح اجتماعات أفراد لإظهار الأزياء الجديدة، ولا مكاناً لعرض الوجوه المتفاخرة. ولا فرصة لانشغال الأفكار أثناء الوعظ فيما عسى أن تعده الزوجات من الطعام اللذيذ، أو سائر الأمور الدنيوية التافهة. بل الكنيسة الحية هي شركة القديسين العاملين في المحبة، المتسابقين في الاحترام والتعاون والتضحية.
وحمل بولس جميع أعضاء رعيته في أحشاء قلبه، لأن له قلباً واسعاً أبوياً وقوة للاحتمال المستمر، إذ محبة اللّه قد انسكبت في ذهنه.
ولم يخجل أعضاء رعيته من إلقاء الرسول في السجن، بل حملوا عوضاً عنه إنجيل الخلاص بجرأة وجسارة إلى محيطهم، عالمين أن بولس كان محبوساً لأجل الدفاع عن الإنجيل الصحيح، وللشهادة أمام الملوك وحتى القيصر نفسه. فلم يخافوا رغم الاضطهاد، إنما اشتركوا جميعاً في الشهادة والصلاة لنشر بشرى السماء. وهكذا برهنوا عن أنفسهم، أنهم شركاء في النعمة والقوة الإلهية. وكل من ينقل الإنجيل لا يبشر بتعليم فقط، بل يقدم قوة العلي للآخرين. فمن يؤمن يخلص. ومن يعترف بيسوع، يسر في مسرته.
واشتاق الأسير بولس إلى شركائه الأحباء ليراهم، وليساهم معهم في خدمة الرب، لأنه وجد فيه نفس الشعور والدوافع، التي أنزلها المسيح سابقاً من السماء. ألا وهي المحبة الإلهية والرثاء والرحمة. فكأنه وهو داخل المسيح وبأحشاء رأفته أحب زملاءه.
وبولس في عزلته التي لم تسمح له بالإشتراك في الجهاد الروحي، ناب عن شهود الخلاص، مصلياً لأجلهم أمام عرش النعمة بحرارة وقوة، ليمنحهم الآب السماوي أهم شيء في التبشير: وهو الامتلاء بالمحبة المقدسة. فينموا في قوة معرفة اللّه، ويحصلوا على موهبة تمييز الأرواح والأحوال، ويستطيعوا كأطباء ماهرين أن يعالجوا أخطاء الضالين وينشئوا خلاصهم، بلياقة وشعور لطيف.
وكان لتفكير الرسول هدف واحد كشعار رئيسي لحياته، وهو مجيء الرب، الذي أعطى لكلماته وصلواته توجيهاً أبدياً. وفي هذا الروح تأكد أن المسيح نفسه سيخلص كنيسته، ويعمل فيها ويحفظها ويثمرها ويكملها. لأن الفضائل الروحية المطلوبة منا تنضح منه شخصياً. وكما أن الرأس يحرك أعضاء جسده، هكذا يرشد المسيح مؤمنيه إلى خدمات لطفه. ليعظم حمد اللّه ويتقدس اسمه الأبوي. فهل أنت عضو في جسد المسيح مجتهد في كنيستك، أو تضيع وقتك خارج الرحاب المقدسة.
السؤال:
8 - كيف أحب بولس أهل فيلبي. وماذا صلى لأجلهم؟
3 - حالة الرسول في السجن انتشار الإنجيل في روما (1: 12-26) | ||
|
1: 12ثُمَّ أُرِيدُ أَنْ تَعْلَمُوا أَيُّهَا ٱلإِخْوَةُ أَنَّ أُمُورِي قَدْ آلَتْ أَكْثَرَ إِلَى تَقَدُّمِ ٱلإِنْجِيلِ، 13 حَتَّى إِنَّ وُثُقِي صَارَتْ ظَاهِرَةً فِي ٱلْمَسِيحِ فِي كُلِّ دَارِ ٱلْوِلايَةِ وَفِي بَاقِي ٱلأَمَاكِنِ أَجْمَعَ. 14 وَأَكْثَرُ ٱلإِخْوَةِ، وَهُمْ وَاثِقُونَ فِي ٱلرَّبِّ بِوُثُقِي، يَجْتَرِئُونَ أَكْثَرَ عَلَى ٱلتَّكَلُّمِ بِٱلْكَلِمَةِ بِلا خَوْفٍ. 15 أَمَّا قَوْمٌ فَعَنْ حَسَدٍ وَخِصَامٍ يَكْرِزُونَ بِٱلْمَسِيحِ، وَأَمَّا قَوْمٌ فَعَنْ مَسَرَّةٍ. 16 فَهٰؤُلاءِ عَنْ تَحَّزُبٍ يُنَادُونَ بِٱلْمَسِيحِ لا عَنْ إِخْلاصٍ، ظَانِّينَ أَنَّهُمْ يُضِيفُونَ إِلَى وُثُقِي ضِيقاً. 17 وَأُولٰئِكَ عَنْ مَحَبَّةٍ، عَالِمِينَ أَنِّي مَوْضُوعٌ لِحِمَايَةِ ٱلإِنْجِيلِ. 18 فَمَاذَا؟ غَيْرَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ وَجْهٍ سَوَاءٌ كَانَ بِعِلَّةٍ أَمْ بِحَقٍّ يُنَادَى بِٱلْمَسِيحِ، وَبِهٰذَا أَنَا أَفْرَحُ. |
شكر الرسول السجين لأجل مؤمني فيلبي، واشتاق إليهم، وصلى لأجلهم بحرارة وأمانة. ورغم قيوده بقي مبشراً، ولم يهمل الناس في محيطه القريب. فكان شاهداً للمسيح في السجن داخل المعسكر. وعلم حراسه بتصرفاته وطول أناته اللطيفة صورة المسيح ونوعية البشرية الجديدة. قد كان تحت ضبط فرقة جنود القيصر المختص بحماية الإمبراطور، فقاد بولس بعضهم إلى تفكير جديد، أن يسوع المسيح هو المخلص ورب العالمين، أعظم من كل محاكم الدنيا.
وكان الشيطان يقصد أن يعزل بولس ويبطل شهادته، عندما أخذه من حريته الجزئية، إذ كان مراقباً في بيته، وغير مسموح له بالخروج منه، ونقله إلى داخل الثكنة. فانفصل عن أصدقائه والعالم. ولكن المسيح استخدم وجود بولس في مركز السلطة، شهادة خارقة للكثيرين، حتى أن بشرى الخلاص وصلت إلى أفراد حاشية القيصر. فتيقنوا من مصدر الإنجيل الإلهي بواسطة الأسير بولس.
واعتبر الرسول نفسه عبد المسيح وأسيره، حراً كان أم محبوساً. وقد سلم نفسه له. وكانت إرادته مقيدة في مشيئته، ولسانه مربوطاً بروح ربه وأخضع عواطفه لإرشاد رأسه يسوع. فلم يولول ولم يحزن للضيقات، بل علم أن المسيح كان معه في السجن، لأن الرب حمل المسؤولية عن حياته.
ورغم توقيف رسول الأمم أراد المخلص استمرار تبشير العالم الهالك. فاختار الصغار للخدمة. كما أنه اليوم لا يدعو أساقفة ورعاة ومعلمين للخدمة فقط، إنما يدعو أيضاً إخوة وشيوخاً وشباناً ممتلئين بمحبة المخلص يندفعون برأفة على الضالين.
هل دعاك المسيح للخدمة وعيَّنك شاهداً له عند الغوغائيين أو المتعلمين؟ فتقدم إليهم ولا تسكت، بل أعلن خلاص ربك واسمه بتواضع وحكمة في المحبة.
ولم يكن في زمن بولس هؤلاء الشهود كاملين بلا خطية بل كانوا محتاجين يومياً إلى التوبة والغفران. ووجد بينهم الحسد وخطف الخراف والأنانية والكبرياء على الأثمار الموهوبة لهم. وربما مال البعض إلى أفكار ناموسية، كالختان وحفظ السبوت. والبعض الآخر تأثر بالبلاغة أو العبقرية الفلسفية الفارغة، التي كافح الرسول ضدها طويلاً. وهؤلاء المنحرفون فرحوا عندما سجن بولس، لأن الحقل صار لهم مفتوحاً، فقدروا أن يُضلوا الناس بمبادئهم العوجاء. واستهزأوا على الأسير في القيود، قائلين: انظروا، المسيح ليس معه. وقد تركه وهو في السجن. أما نحن فالرب معنا. وإنجيلنا هو الصحيح.
فماذا عمل بولس في هذه الحالة المرهقة المؤلمة؟ لقد وثق بربه، وأعلن خبث الحاقدين. وفرح رغم تخطيطهم الملتوي، لأنه آمن باسم يسوع، فوثق بالقدرة العاملة في اسم يسوع أكثر مما خاف من أخطاء حاسديه، الذين لم يصلبوا حياتهم كاملاً مع المسيح، ولم ينكروا أنفسهم يومياً. وبولس لم يرفض دعوتهم بل كان يصلي لأجلهم لتتقدس حياتهم كلياً وتأتي بثمر كثير.
أما أصدقاء بولس فأدركوا أن الرسول لم يسجن لذنب خاص، بل المسيح أوقفه في هذا المكان العاري ليدافع عن حق الإنجيل. فأدركوا إرشاد اللّه وتقدم ملكوته حتى في السجن وبيت القيصر. وتشجعوا بهذه البصيرة وبشروا بجرأة كل الناس حولهم. ففرح الرسول مرتين. أولاً لغيرة أعدائه، وثانياً لمحبة أصدقائه. اللذين خدما هدفاً واحداً، ليعلنوا المسيح ملك الملوك ورب الأرباب.
السؤال:
9 - لماذا فرح الرسول في السجن؟
|
1: 18... بَلْ سَأَفْرَحُ أَيْضاً. 19 لأَنِّي أَعْلَمُ أَنَّ هٰذَا يَؤُولُ لِي إِلَى خَلاصٍ بِطِلْبَتِكُمْ وَمُؤَازَرَةِ رُوحِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ، 20 حَسَبَ ٱنْتِظَارِي وَرَجَائِي أَنِّي لا أُخْزَى فِي شَيْءٍ، بَلْ بِكُلِّ مُجَاهَرَةٍ كَمَا فِي كُلِّ حِينٍ، كَذٰلِكَ ٱلآنَ، يَتَعَظَّمُ ٱلْمَسِيحُ فِي جَسَدِي، سَوَاءٌ كَانَ بِحَيَاةٍ أَمْ بِمَوْتٍ. |
فرح بولس وسط التوتر وتشابك الأفكار قبيل محاكمته النهائية. وتمنى من كل قلبه أن يمثل أمام القيصر شخصياً ليعلن له اسم الرب يسوع غالب الموت وقاهر الشيطان. وكان بولس متأكداً أن نتيجة الحكم ستكون لصالحه، لأنه لا يمكن أن ينزل عليه حكم إلا بإرادة ربه.
وعلم الرسول أن أهل كنيسة فيلبي صلوا بأمانة لأجله. وتيقن أن الروح القدس شخصياً قواه وخدمه وأرشده وملأه بمواهب وفرح.
وسمى بولس الروح الإلهي في هذه المناسبة «روح يسوع المسيح» لأن وحدة الأقانيم الثلاثة لا ريب فيها. فالروح القدس كان صميم يسوع بالذات. وهو حال في الأسير وسط السجن. فطمأن الرسول، عالماً أنه لا يحدث شيء بدون علم وإرادة ربه الذي هو عبده المطيع.
ولم يرج بولس لنفسه التحرر من السجن بالدرجة الأولى، بل ثبات شهادة سلوكه بلا لوم، وألا يفشل بواسطة الضغط والحيل وإيقاع الآلام عليه، فيقلل من مجد اسم يسوع. فكانت له أمنية واحدة، أن يعظم المسيح بحياته وموته. وهذا تماماً عكس الاستكبار. فما هي نيتك: هل تعظم اسمك أم اسم المسيح؟ الروح القدس يشاء أن يقودك وكل المؤمنين إلى تمجيد المصلوب الحي، لأنه هو الحمل المذبوح المستحق أن يأخذ القدرة والغنى والحكمة والقوة والكرامة والمجد والبركة.
وعزم بولس أن يمجد المسيح بجسده، ليس بإيمانه وأفكاره وعواطفه فقط. فجسده كان محبوساً، ولكن نفسه وأفكاره كانت حرة في المسيح طاهرة ومقدسة. فلم يعتبر بولس جسده كالفلاسفة اليونان شيئاً دنساً ضئيلاً، بل وجد فيه وسيلة لتمجيد اللّه، حتى كتب لأهل رومية الكلمة الشهيرة: أطلب إليكم أيها الإخوة برأفة اللّه أن تقدموا أجسادكم ذبيحة حية مقدسة مرضية عند اللّه، عبادتكم العقلية.
وقد رأى بولس طريقتين لتعظيم المسيح بجسده. إما بثمار حياته أو بشهادة موته. فالحياة تعني لأجل الرسول ملء الثمار بقوة الروح القدس. وموته اعتُبر تتويجاً لسيرة إيمانه بالمقام من بين الأموات. الذي أقامه معه عندما اتحد مؤمناً به. فديننا دين الحياة ولا يخيم علينا تشاؤم الموت. المسيح قد أحيانا بحياته ففقد الموت رعبه أمامنا.
السؤال:
10 -لماذا تيقَّن بولس أنه في المحكمة سيكون له الأفضل، مهما كانت نوعية الحكم؟
|
1: 21لأَنَّ لِيَ ٱلْحَيَاةَ هِيَ ٱلْمَسِيحُ وَٱلْمَوْتُ هُوَ رِبْحٌ. 22 وَلٰكِنْ إِنْ كَانَتِ ٱلْحَيَاةُ فِي ٱلْجَسَدِ هِيَ لِي ثَمَرُ عَمَلِي، فَمَاذَا أَخْتَارُ؟ لَسْتُ أَدْرِي! 23 فَإِنِّي مَحْصُورٌ مِنْ ٱلٱثْنَيْنِ: لِيَ ٱشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ ٱلْمَسِيحِ. ذَاكَ أَفْضَلُ جِدّاً. 24 وَلٰكِنْ أَنْ أَبْقَى فِي ٱلْجَسَدِ أَلْزَمُ مِنْ أَجْلِكُمْ. 25 فَإِذْ أَنَا وَاثِقٌ بِهٰذَا أَعْلَمُ أَنِّي أَمْكُثُ وَأَبْقَى مَعَ جَمِيعِكُمْ لأَجْلِ تَقَدُّمِكُمْ وَفَرَحِكُمْ فِي ٱلإِيمَانِ، 26 لِكَيْ يَزْدَادَ ٱفْتِخَارُكُمْ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ فِيَّ، بِوَاسِطَةِ حُضُورِي أَيْضاً عِنْدَكُمْ. |
يحب بعض الناس سياراتهم أو أمور أخرى في الدنيا. والبعض الآخر يحب إنساناً ويدور حوله ليلاً نهاراً. وكثيرون يحبون أنفسهم وينتفخون. أما بولس، فأحب يسوع، ونسي ذاته. فإرادة الرب كانت هي خطة الرسول. وقوة المسيح كملت في ضعف خادمه. فوحدة المحبة بين المسيح وعبده عظمت بمقدار أنه سكن فيه. فالعهد الجديد ليس عقيدة معقدة، بل تعاهد وارتباط والتصاق واتحاد مع المسيح. فهل يسوع هو حياتك؟ لقد حمل خطاياك، ومات موتك، واحتمل الدينونة عنك، وحررك من غضب اللّه. فمحبته لك عظيمة، حتى أنه عاش حياتك البشرية بضعفاتها، لتبغض وتترك خطيتك في قوته، وتثبت في حياته المقدسة. هل يسكن المسيح فيك؟ وهل ملئه هو معنى حياتك؟ استطاع الرسول بولس أن يوجز جميع مقاصده وأفكاره وأمنياته بعبارة موجزة شهيرة، «لي الحياة هي المسيح». فعبد الرب هذا، مات لنفسه وشهواته. ومحبته للمصلوب أشركته في صلبه. فثبت الروح القدس فيه، ألا وهو حياة يسوع بالذات. فعمل الرب بواسطته بسلطانه. فهل الحياة لك هي المسيح، أو لا تزال عائشاً لذاتك، وفي قدرتك المهلهلة؟ كل حياة في عالمنا بدون المسيح، ليست حياة حقة، بل مسممة بالموت. ولكن الشركة بالمخلص، تجعل حياتك مستحقة أن تسمى حياة.
إن الموت هو للمؤمن سبب فرح. لأن بحصوله تظهر وحدتنا بالمسيح بطريقة مجددة. فلا نخاف من ساعات الوفاة، بل نعرف أننا نثبت في الوحدة مع يسوع بدون انقضاء. وتجرأ بولس للقول إن الموت لأجله أفضل جداً من الحياة. ولو تجاوب مع عواطفه لفضَّل الموت حالاً، ليلتقي بالمسيح، ويكون معه في المجد والمسرة والغبطة. ولم يفكر الرسول بالبرزخ، بل بإظهار وحدته مع الرب، التي هي سر سيرته. أن لنا رجاء عظيماً ومستقبلاً مجيداً. والموت ارتبط بالحياة الغالبة.
وعلم بولس أن الأنانية الروحية هي خطية. فاختار الحياة المتعبة في دنيانا، ليس ليُخدَم بل ليَخدِم، وليعذب نفسه بسفرات وعظات وأشغال يدوية لكسب معيشته، لتنمو جميع الكنائس في محبة يسوع وتزداد معرفتهم العملية للخدمة بواسطة معرفة اللّه المتزايدة والمسببة فرحاً فوق فرح وغبطة على غبطة. وكان بولس متيقناً، أن الرب سيوفره لخدمات جديدة. ورأى في تحريره من السجن انتصاراً ليسوع، الذي سيبين نفسه أقوى من القيصر. فبقاء وكيان بولس بعد المحاكمة سيكون فخراً ليسوع. فيحق للمؤمنين الافتخار به لأجل تدخل يسوع، لأن سلطته تفوق سلطة الإمبراطور. والبرهان هو بولس المتحرر.
هل أدركت كم مرة استخدم الرسول وهو مشرف على الموت إعداماً، كلمة الفرح؟ فضع شحطة تحت هذه الكلمة في كتابك. فتدرك الخيط الأحمر في رسالة الفرح، لأن الابتهاج في المؤمن يتفوق رغم السلاسل والسجن والحكم والموت. فحقيقة المسيح تغلب كل الضيق.
السؤال:
11 - لماذا سمى بولس الحياة بالنسبة له أنها المسيح؟
4 - نصائح للوحدة والتواضع (1: 27-2: 18) | ||
ا - السلوك حسب الإنجيل (1: 27-30) | ||
|
1: 27 فَقَطْ عِيشُوا كَمَا يَحِقُّ لإِنْجِيلِ ٱلْمَسِيحِ، حَتَّى إِذَا جِئْتُ وَرَأَيْتُكُمْ، أَوْ كُنْتُ غَائِباً أَسْمَعُ أُمُورَكُمْ أَنَّكُمْ تَثْبُتُونَ فِي رُوحٍ وَاحِدٍ، مُجَاهِدِينَ مَعاً بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ لإِيمَانِ ٱلإِنْجِيلِ، 28غَيْرَ مُخَّوَفِينَ بِشَيْءٍ مِنَ ٱلْمُقَاوِمِينَ، ٱلأَمْرُ ٱلَّذِي هُوَ لَهُمْ بَيِّنَةٌ لِلْهَلاكِ، وَأَمَّا لَكُمْ فَلِلْخَلاصِ، وَذٰلِكَ مِنَ ٱللّٰهِ. 29 لأَنَّهُ قَدْ وُهِبَ لَكُمْ لأَجْلِ ٱلْمَسِيحِ لا أَنْ تُؤْمِنُوا بِهِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضاً أَنْ تَتَأَلَّمُوا لأَجْلِهِ. 30إِذْ لَكُمُ ٱلْجِهَادُ عَيْنُهُ ٱلَّذِي رَأَيْتُمُوهُ فِيَّ، وَٱلآنَ تَسْمَعُونَ فِيَّ. |
هل أدركت فداءك في يسوع المسيح، وقبلته بفرح وثبات؟ هل ملأتك حياة اللّه، مشركة إياك في محبته؟ فعش لمجد ربك، لتصبح سيرتك كلها شكراً لخلاصك. وافتح نفسك لقيادة الروح القدس في كل نواحي حياتك، لتتقدس في أفكارك وأقوالك وأعمالك. فقوة إيمانك تتحقق في سلوكك، فتظهر فيك العفة والطهارة واللطف والفرح.
والروح القدس، لا يتركك وحدك منعزلاً، بل يرشدك إلى شركة الإخوة في كنيستك وجمعيتك، لكيلا تؤمن منفرداً وتصلي انطوائياً فقط، إنما تنضم لجماعة القديسين، وتكون أصغرهم. هل تختص بكنيستك كما تخص المسيح؟ هل ربطتك محبته مع المؤمنين الآخرين إلى فرقة الجهاد الروحي؟
للمؤمنين سلام في قلوبهم، إذ يثبتون متواضعين ومحتملين بعضهم بعضاً في الكنيسة. ولكن الكفاح الروحي يعصف حولهم، إما نتيجة لاشتراكهم في الحملات التبشيرية، أو للدفاع بصبر عن اتهامات كاذبة. فالشرط الأساسي لنجاح الكنيسة، هو الوحدة الروحية والانسجام الفكري.
ورغم الصعوبات تستمر الدعوة للخطاة ليتركوا إهمالهم وتعصبهم، ويلتجئوا إلى المسيح وبره. فلا تتعجبوا إن هاجمتكم جهنم بمكر وتجارب وضيق وسلطة لتسقطكم من وحدة المحبة والإيمان الصحيح، ولتسقطوا إلى اليأس والشكوك والانشقاقات. اثبتوا في المحبة الخالية من الرياء ولا تستكبروا، لأننا لا شيء بنسبة قدرة المسيح العاملة في المتواضعين. ولا تخافوا عدواً أو تقليداً أو جماهير لأن محبتكم البسيطة توحدكم مع اللّه، فالذي معكم أعظم من الذين ضدكم.
أتعيش للمسيح كما يعيش هو لك؟ هل تخدمه عملياً، لأنه حمل خطاياك؟ هل تتألم لأجله بفرح، لأنه تألم بلا تمتمة لأجلك؟ إن يسوع وهب محبته لك، لتستطيع تضحية نفسك في سبيل رحمته. وهذا الجهاد لا يتم بأقوال وأعمال فحسب، بل بآلام وعذاب أيضاً. فهل تعتبر آلامك ليسوع امتيازاً وسبباً للفرح والشكر؟
مثل الرسول بولس للكنيسة حياة التضحية عندما سبح اللّه مع سيلا رفيقه وهما مقيدان في سجن فيلبي، وظهراهما متمزقان من الجلد. ومرة أخرى مثل فرح يسوع وسط الآلام، وهو في سجن روما. ففرح الرب، لا يسقط إلى الأبد، لأن حياتنا مستترة في الحي. فهل تعترف بهذه الحقيقة، أو لا تزال جباناً تنكر محبة ربك؟
السؤال:
12 - كيف أرشد بولس كنيسته إلى الكفاح المسيحي؟
ب - لا بد من الوحدة في الكنيسة (2: 1-4) | ||
|
الأصحاح الثاني 1 فَإِنْ كَانَ وَعْظٌ مَا فِي ٱلْمَسِيحِ. إِنْ كَانَتْ تَسْلِيَةٌ مَا لِلْمَحَبَّةِ. إِنْ كَانَتْ شَرِكَةٌ مَا فِي ٱلرُّوحِ. إِنْ كَانَتْ أَحْشَاءٌ وَرَأْفَةٌ، 2 فَتَمِّمُوا فَرَحِي حَتَّى تَفْتَكِرُوا فِكْراً وَاحِداً وَلَكُمْ مَحَبَّةٌ وَاحِدَةٌ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ، مُفْتَكِرِينَ شَيْئاً وَاحِداً، 3 لا شَيْئاً بِتَحَّزُبٍ أَوْ بِعُجْبٍ، بَلْ بِتَوَاضُعٍ، حَاسِبِينَ بَعْضُكُمُ ٱلْبَعْضَ أَفْضَلَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ. 4 لا تَنْظُرُوا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا هُوَ لِنَفْسِهِ، بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا هُوَ لآخَرِينَ أَيْضاً. |
وهب المسيح للكنيسة موهبة العظة والتعزية في الخلاص. فالناموس يكشف خطاياك، ويدين خبثك. والإنجيل يريحك ويؤكد لك الغفران الأكيد بالمصلوب. وإيمانك به يملأك بقوة المحبة القدوسة، لتسامح وتحب خصومك.
وكل هذه الدوافع هي أعمال الروح، الذي أشركنا بجوهره الخاص، لنخدم بعضنا بعضاً بلطف اللّه في نعمة المسيح. فالكنيسة هي عبارة عن الشركة مع الثالوث الأقدس.
فلا تعرف الكنيسة تخطيطاً بشرياً أو مقاصد سياسية، بل الإصغاء المتبادل بالاحترام واحتمال الصعبين بصبر. ونتجنب المجادلات الغبية حول العقائد المختلفة، ونطلب من الرب أن يغلب الآراء والمعارف المتناقضة، مصلين لينهي الكبرياء والتحزب والأنانية بين المؤمنين.
طلب الرسول بولس عدة مرات وبكلمات حبية شديدة، من أعضاء الكنائس أن يسعوا نحو الوحدة الفكرية والانسجام في المحبة، رغم الاختلافات المتنوعة في الأخلاق والتقاليد. فلا نقرأ أن المسيح مثلاً قص للتلاميذ شعرهم على نمط واحد. ولم يعطهم ملابس معينة رسمية، بل أكد لهم أنه سيسكب في قلوبهم محبته الخاصة، ليستطيعوا هم أيضاً، محبة بعضهم بعضاً، كما أحبهم هو. فلا بد من وحدة الكنيسة مهما كلف الأمر. إلا أننا لا نفقد الحق في محاولتنا لتوحيد الفرقاء المختلفين. فالمحبة بدون الحق كذب، كما أن الحق بدون المحبة قتل. فلنسع لتوحيد حبي بين الكنائس بالاحترام المتبادل، طالبين من الرب ليوحد الأفكار في العقائد والتعاليم والطقوس، ليتجسد هو فينا لأنه هو الحق الواحد.
أتقصد الظهور والشرف والأبهة في جماعة كنيستك؟ فتسقط من إيمانك. ابق صغيراً وخادماً، لأن العبد الأمين هو أفضل الجميع. اعتبر أصدقاءك أهم من نفسك، فتظل ركناً متيناً لجمعيتك. ولا تدن الكنائس الأخرى. بل أحبها واعتبرها أقوى وأمجد من جماعتك.
هل تشتاق للسلطة والمال والملك؟ فيملكك الشيطان. لأن روح المسيح يقودك للتضحية وإنكار النفس. فلا تفكر بنفسك أولاً. بل اشعر بضيقات الآخرين. فالتوبة الحقة، تعني تغيير الفكر من الدوران حول الذات إلى الإهتمام باللّه والناس سواسية. فهل تحب أعضاء كنيستك عملياً؟ فكيف تظهر محبتك؟
السؤال:
13 - كيف نحصل في كنيستنا على وحدة القلوب والأفكار؟
ج - المسيح قدوتنا الحقة (2: 5-11) | ||
|
2: 5فَلْيَكُنْ فِيكُمْ هٰذَا ٱلْفِكْرُ ٱلَّذِي فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ أَيْضاً: 6 ٱلَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ ٱللّٰهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً لِلّٰهِ. 7 لٰكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذاً صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِراً فِي شِبْهِ ٱلنَّاسِ. 8 وَإِذْ وُجِدَ فِي ٱلْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى ٱلْمَوْتَ مَوْتَ ٱلصَّلِيبِ. |
يقصد الإنسان عادة التدرج في سير حياته إلى العلاء. ويتمنى الزيادة في المال والشرف والاعتبار من الجميع. وهذه هي خطيتنا الأصلية أن نشتاق إلى التفوق. فنسقط إلى الأسفل، ونخرب أنفسنا بأنفسنا محاولين الفوز على الآخرين.
أما بولس فيعلمنا عكس ذلك: التنازل والتواضع وإنكار الأنا. فادخل إلى مدرسة الروح القدس. هناك تتعلم التفكير الجديد كما افتكر يسوع نفسه.
حقاً ما كان الرب يسوع مستكبراً أو منتفخاً، رغم أنه كان معادلاً للّه منذ البدء، حاوياً في ذاته ملء اللاهوت حقاً. ولم يرتفع المسيح على أبيه ثانية، كما جرب الشيطان في شهوته إلى الاستقلال، وكما رغب الإنسان الأول في الجنة. بل قد خضع المسيح لأبيه طوعاً ودائماً، رغم أنه في ذاته كان مجيداً وحاملاً كل صفة لاهوتية. ولم يخطئ بكونه ابن اللّه لأنه كان إلهاً حقاً من إله حق، ذا جوهر واحد مع الآب مولوداً غير مخلوق قبل كل الدهور، ومالكاً معه ومع الروح القدس في وحدة المحبة الأبدية.
واختارت مسرة الثالوث الأقدس ليسوع طريقاً منحدراً، لا يقدر العقل البشري المتكبر أن يتصوره. فأخلى المسيح مجده، وترك أباه المحبوب، ونزل من السماء وصار إنساناً محتقراً كعبد، ليبيد افتخارنا وانتفاخنا. وقد احتمل أحمال جسد خطيتنا، ليغلب الشهوات الدنسة في جسمه ودمه. فالمجيد ظهر وديعاً محتاجاً في المذود إلى أقمطة. وشبع في حياته من التعب والحزن والدموع. هكذا أصبح ابن اللّه ابن الإنسان، لكي يصبح أبناء البشر أبناء اللّه. ولكن لا يتم هذا فينا إلا إذا خلعنا كبرياءنا ولبسنا المسيح ذاته. فلا بد من نزولنا إلى أوطى درجة أمام اللّه والناس.
ونزل يسوع لأسفل ضيقتنا، وغلب تمردنا بطاعته لمشيئة أبيه. وحمل في محبته العظيمة خبثنا الشرير وذنوبنا القبيحة، مستعداً أن يشرب كأس الغضب عوضاً عنا. ومات حقاً على خشبة العار، مرفوضاً متروكاً محتقراً من الجميع. ولم يحتقر إنسان كما احتقر المسيح، لأنه احتمل احتقار اللّه على خطايانا. فغضب القدوس على آثامنا أماته، وعصياننا صلب ابن اللّه. لكنه بتواضعه حررنا من استكبارنا، لنوافق على التنازل، ونحب التواضع. فهل يسكن فكر المسيح فيك حقاً؟ عندئذ لا تسعى إلى التدرج المتصاعد نحو العلياء في دنيانا، بل تنكر نفسك وتتنازل، وتتبع المسيح الذي اتضع لمستوى الخطاة، ليشركهم بقدرة محبته.
السؤال:
14 - ماذا يعلمنا تجسد المسيح؟
|
2: 9لِذٰلِكَ رَفَّعَهُ ٱللّٰهُ أَيْضاً، وَأَعْطَاهُ ٱسْماً فَوْقَ كُلِّ ٱسْمٍ 10 لِكَيْ تَجْثُوَ بِٱسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَةٍ مِمَّنْ فِي ٱلسَّمَاءِ وَمَنْ عَلَى ٱلأَرْضِ وَمَنْ تَحْتَ ٱلأَرْضِ، 11 وَيَعْتَرِفَ كُلُّ لِسَانٍ أَنَّ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحَ هُوَ رَبٌّ لِمَجْدِ ٱللّٰهِ ٱلآبِ. |
قبل اللّه ذبيحة ابنه، الذي صالح العالم مع القدوس، واحتمل انسكاب الغضب على نفسه. فاحتمل يسوع عذاب الجحيم عوضاً عنا، ونزل إلى أسفل درجة الكون. ولكن بهذا التواضع كسر سلطة الظلمة، وغلب على غضب اللّه بمحبته الصافية. هذا الخلاص لم يقدر عليه ملاك ولا بار. وحتى اللّه القدوس في شخصيته لم يقدر أن يموت عوضاً عنا ويدين العالم بنفس الوقت. فالمسيح هو الفادي الوحيد والمخلص الفريد، الذي غفر خطاياك حقاً. وهذا الغفران سر عظيم، وحقيقة ملموسة لكل من يؤمن. ولا يوجد اسم آخر في السماء وعلى الأرض يعطيك خلاصاً. فاسم يسوع هو أهم اسم من كل الأسماء. ونرجو ألا يقدر أحد أن يطفئ هذا الاسم من شعورك الباطني لأن اسم يسوع هو المفتاح الوحيد إلى اللّه.
إن كثيراً من الناس لا يعرفون قوة هذا الاسم بعد، لأن غبطة السماء لم تدخل قلوبهم. فبقيت وجوههم حزينة. أسرع وأخبرهم ببشرى الخلاص أن يسوع قد غفر ذنوبهم. والروح القدس يوشك أن يحل فيهم ويفك قيود قلوبهم.
وعرفت الملائكة والشيطان منذ الصليب أن المسيح هو المنتصر، لأن اللّه رفعه إلى يمينه، حيث يجلس حياً ومالكاً مع أبيه، إلهاً واحداً في وحدة الروح القدس. وجماهير الملائكة تحمده وتسبحه ليلاً نهاراً، لأن هبة مصالحة العالم لم يتمها أحد إلا هو والشياطين ترتجف من الفائز، لأنها تعرف أن لها وقتاً قصيراً إلى أمد مجيئه. واسم يسوع يُجبِر كل شيطان أن يجثو أو يهرب، لأن المسيح هو الرب الحق. وعند مجيئه الثاني سيقوم الأموات. فسيسجدون له متعجبين متهللين، مع جماهير الأحياء والأرواح والملائكة، هل ستكون في صفوف الفرحين الساجدين، والمؤمنين بأن يسوع المسيح هو الرب؟
وهذه هي المعرفة والاعتراف في الكنيسة الحقة، والركن اليقين، أن يسوع هو الرب. وليس أحد يستطيع أن يسمي المسيح رباً، إلا بالروح القدس. ولا فيلسوف ولا نبي يقدر أن يدرك سر وحدة الثالوث الأقدس، إلا المولود ثانية من محبة اللّه. والاسم الجديد ليسوع إنما هو عثرة للهالكين. ولكن لنا نحن المخلصين هو قوة اللّه.
لقد أهملنا السجود للرب يسوع، الذي يريد تبشير العالم كله، ويرشد الكنيسة إلى الوحدة. وهو ضابط الكون، ويستحق الاحترام. فمتى تجثو أمامه وتشكره، وتهب حياتك كلها له؟ لأن اللّه القدوس أصبح أباك الحنون لأجل ذبيحته الفريدة.
والسجود للرب يسوع لا يعني التضييق على مجد اللّه الآب. بالعكس فإنه بسجود الابن تظهر أبوة اللّه وبنوتنا له. فمنذ مجيء المسيح ظهر الاسم الجديد للّه أنه أبونا. فليس العلي منفرداً بل له عائلة مؤلفة من المولودين روحياً والمطهَّرين بذبيحة الابن. فكل متجدد عائش في روح يسوع يمجد الآب، كما علمنا يسوع أن نصلي: ليتقدس اسمك الأبوي.
السؤال:
15 - ما هو الاسم الأعلى ليسوع واللقب الفريد للّه اللذان تعترف بهما كل كنيسة بفرح؟
د - خضوعنا لمشيئة اللّه يحررنا للنشاط (2: 12-18) | ||
|
2: 12إِذاً يَا أَحِبَّائِي، كَمَا أَطَعْتُمْ كُلَّ حِينٍ، لَيْسَ كَمَا فِي حُضُورِي فَقَطْ، بَلِ ٱلآنَ بِٱلأَوْلَى جِدّاً فِي غِيَابِي، تَمِّمُوا خَلاصَكُمْ بِخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ، 13لأَنَّ ٱللّٰهَ هُوَ ٱلْعَامِلُ فِيكُمْ أَنْ تُرِيدُوا وَأَنْ تَعْمَلُوا مِنْ أَجْلِ ٱلْمَسَرَّةِ. |
بعد ما رسم بولس الرب يسوع ومجد الآب أمام أعين الفليبيين، فسَّر لهم كيف يتحقق فيهم الخلاص الذي قد تم على الصليب.
فأول شرط هو طاعة روح المسيح، لأن الإيمان لا يعني تفكيراً مجرداً أو إرادة متزمتة أو شعوراً بعقائد وطقوس، بل طاعة وخضوعاً، لأن اللّه القدوس ضحى بابنه لنا. فيدعونا الرسول بالنداء الإلهي: تصالحوا مع اللّه. فالجواب الوحيد لهذه الدعوة هو قبول المصلوب، الذي خلصنا من غضب اللّه.
وإن أطعنا جذب الروح القدس، يكشف لنا خطايانا حين نقترب من اللّه العظيم، ويسبب فينا ارتعاباً وفزعاً وخجلاً وندامة. هل اختبرت ساعات الرعب في حضور القدوس؟ طوبى لك إن انكسرت في كبريائك، وأدركت نفسك الدنسة وصرخت: النجدة النجدة، خوفاً من الديان وهلاكه المبين! وهذا الانكسار لا ينتهي ما دمت حياً. فكلما اقتربت من عظمة اللّه، تدرك أكثر نقائصك في ضوء محبته. فالقديسون هم الذين يعرفون خطاياهم ونعمة اللّه معاً. فاطلب من الرب أن يكشف لك خطاياك تماماً، وامتحن نفسك في ناموس المسيح، فتعرف أصول خبثك، وتتمتم: اللهم ارحمني أنا الخاطئ.
ولكن أكثر من نقصانك تدرك في دراسة الإنجيل محبة اللّه الواسعة الظاهرة في المسيح، الذي ختم صراعه على الصليب بالصرخة: قد أُكمل! فإنه غفر ذنوبك مجاناً وخلص العالمين. فإن آمنت به وارتبطت بمحبته يحل الروح المبارك كمجد اللّه في قلبك المطهر. ولكن هذا الروح، لا يحل فيك بدون إرادتك بل يطلب قبولك للخلاص عمداً وواعياً.
وحيث تضعف إرادتك ويبطل جسدك في تقديس سيرة حياتك، يمنحك روح اللّه شيئين جديدين، إرادة إلهية وقوة أزلية، لإتمام أعمال المحبة المطلوبة منك. إنما بمقدار ما يهب اللّه لك إرادة مصممة وقوة روحية، يريد منك أيضاً استعمالهما. عندئذ تحب الرب بملء إرادتك من كل قلبك وكل قدرتك، وقريبك كنفسك عملياً ودائماً.
والناضج في الإيمان يدرك يومياً هذا التوتر الغريب بين نعمة اللّه المخلصة ومسؤوليتنا الشخصية لإتمام خلاصنا. فالمسيح يطلب منك طاعة الإنجيل، وبذل نفسك للآخرين طوعاً، رغم أنه قد أتم الخلاص على الصليب، ومنحك الفداء هبة. فإن آمنت بهذا السر المزدوج، لا تتكل على برك الذاتي، ولا تحاول تقديس نفسك بتقشف وصوم، بل تقف مسؤولاً أمام اللّه واثقاً بالمسيح رئيس إيمانك ومكمله.
راجع هذه الآية مراراً، واحفظها غيباً، وحركها في قلبك، فتجد كنزاً عظيماً «تمموا خلاصكم بخوف ورعدة، لأن اللّه هو العامل فيكم أن تريدوا وأن تعملوا من أجل المسرة».
السؤال:
16 - لماذا يجب أن نتمم خلاصنا بخوف ورعدة ما دام قد أكمله يسوع على الصليب؟
|
2: 14اِفْعَلُوا كُلَّ شَيْءٍ بِلا دَمْدَمَةٍ وَلا مُجَادَلَةٍ، 15 لِكَيْ تَكُونُوا بِلا لَوْمٍ، وَبُسَطَاءَ، أَوْلاداً لِلّٰهِ بِلا عَيْبٍ فِي وَسَطِ جِيلٍ مُعَّوَجٍ وَمُلْتَوٍ، تُضِيئُونَ بَيْنَهُمْ كَأَنْوَارٍ فِي ٱلْعَالَمِ. |
بعدما علَّم بولس كنيسة فيلبي نظرياً كيف تؤثر وتنظم النعمة الإلهية إيماننا وحياتنا مبدئياً، أوضح لهم كيف يتحقق العيش حسب الإنجيل عملياً. فإن قبلنا عمل قدرة اللّه الآب فينا، فإننا عندئذ ننكسر لكبريائنا ونخضع لإرشاده طوعاً، ولا نعمل شيئاً بدونه. فالتواضع يتوقف على البصيرة، إن اللّه هو القادر على كل شيء. وأنه يحب الخطاة، ويمنحهم الهدى. فندرك أن المسيح المخلص هو ضابط الكل. فلا يحدث شيء في حياتنا بدون إرادته. عندئذ نمارس واجباتنا في كل حين بلا تذمر ولا تقلقل، واثقين أن الرب يهتم بنا كل الاهتمام. ولا يطلب منا إتمام بعض الواجبات بدون تذمر وحسب، بل جميع خدماتنا وتصرفاتنا وأعمالنا بلا معارضة وحقد واختلاف.
فهل تذمرت على الناس والأوضاع في مهنتك المرهقة ومدرستك الظالمة وعائلتك المتعبة، أو سلمت أثقالك ومشاكلك مصلياً إلى المسيح، وانتظرت منه جواباً حالاً وحلاً عملياً وهدى مباركاً؟ فالمؤمنون يغيرون الأوضاع، ليس بفتنة أو شدة، بل بصبر وصلاة.
ولقد أوصى بولس العبيد في رسائله عدة مرات، الذين اشتراهم الأسياد من السوق وأخضعوهم لمشيئتهم وسلبوهم الحرية، أن يمارسوا أعمالهم بلا دمدمة ليبرهنوا للعالم الملحد أنهم «في المسيح» صاروا أحراراً في الروح، لأنه حررهم وكل أتباعه من عبودية الذنوب ومن سجن الكبرياء، ووهبهم وداعة وصبر تواضعه ليعيشوا بلا لوم ككهنة ملوكية مصلين، ومبتهلين في سلام وفرح القلب وسط الكد والشتائم والعذاب. ولا يخدمون بخداع ومرارة بل كأنما يخدمون الرب يسوع بالذات بالمحبة والإخلاص.
ومن يثبت في مشيئة اللّه الآب، وأنكر نفسه الخاصة وأمات أنانيته، فقد تغير وصار ابناً للّه مختاراً من جيل دنيانا الملتوي إلى ملكوت السماوات.
عادة ينفذ الإنسان إرادته الخاصة بعنف وحيلة. ويشترك مع اليهود، الذين تذمروا في البرية وثاروا ضد طرق اللّه. فلم يدخلوا إلى الراحة. وأما بولس فعلمنا الثبات في هدى محبة اللّه في كل مراحل حياتنا، لكيلا نفلس كأهل العهد القديم.
هل تعيش راضياً وقنوعاً في إرشاد اللّه ومحبته، أو تخدم أمنياتك وشهواتك كعبد لأنانيتك؟ هل أصبحت خادماً للّه والناس، شاكراً لهذا الامتياز الإلهي، أو تتذمر بمرارة وتعارض طرق الرب؟ الجواب على هذه الأسئلة يقرر نوعيتك. فأما تلمع ككوكب متلألئ في عالم البغضاء، مفعم بقوة الروح القدس. أو تشبه الظلمة في عالمنا الظالم حاقداً منتقماً خداعاً.
السؤال:
17 - لماذا طلب بولس إلى الناس أن يعملوا كل شيء بلا دمدمة ولا مجادلة؟
|
2: 16مُتَمَسِّكِينَ بِكَلِمَةِ ٱلْحَيَاةِ لٱفْتِخَارِي فِي يَوْمِ ٱلْمَسِيحِ بِأَنِّي لَمْ أَسْعَ بَاطِلاً وَلا تَعِبْتُ بَاطِلاً. 17 لٰكِنَّنِي وَإِنْ كُنْتُ أَنْسَكِبُ أَيْضاً عَلَى ذَبِيحَةِ إِيمَانِكُمْ وَخِدْمَتِهِ، أُسَرُّ وَأَفْرَحُ مَعَكُمْ أَجْمَعِينَ. 18 وَبِهٰذَا عَيْنِهِ كُونُوا أَنْتُمْ مَسْرُورِينَ أَيْضاً وَٱفْرَحُوا مَعِي. |
يعلمنا الكتاب المقدس أن الإنسان الطبيعي، ليس عنده قوة روحية إيجابية، فلا يقدر أن يطيع اللّه حقاً. وحتى المؤمن ما كان في وسعه أن يعيش متواضعاً بدون نظر يومي إلى المسيح والثبات فيه. ويتم استمداد هذه القوة عملياً بتعمق في الإنجيل وصلوات متواصلة. فلقد خلق الخالق عالمنا بكلمة قدرته. والمسيح هو الكلمة المتجسد بالذات، المانح لنا الحياة الأبدية. فمن يفتكر أن فلسفة ما أو ديناً أو علماً ينيره في معرفة اللّه ويمنحه قوة بناءة، فهو مسكين خادع نفسه. لأن كلمة المسيح وحدها وشهادة رسله، هي التي تخلق فينا الحياة الأبدية. أصغ يومياً إلى الإنجيل الشريف، فتحيا إلى الأبد. اعكف على كلمة اللّه، فتحل فيك قوة من العالم الغير المنظور تغير قلبك الشرير إلى محبة وحنان.
وهذا هو فخر الرسل، أنهم نقلوا إلينا بتعب كلمة اللّه الصحيحة كما بشرنا المسيح شخصياً. وبدون شهادتهم، لا نحصل على الحياة الأبدية. فسفرياتهم المتعبة واضطهاداتهم المرة، حملت لنا الخلاص.
ولكن شهاداتهم لا تعني كلمات وتعليمات فقط. إنها مبنية على التضحية وشهادة الموت. لأن من يخدم الإنجيل، ينكر نفسه ويموت للأنا وسط الاستهزاء والرفض العام. وعندئذ تحب أعداءك، وتصلي لأجل المتمردين، لأن رئيس الكهنة يسوع دعاك لممارسة الشكر والابتهال لأجل كل العصاة والخطاة. وهذه الخدمة تعتبر الذبيحة الإيمانية اليومية والتسابيح المرضية عند اللّه. فاشهد للبعيدين عن الخلاص، وأدخلهم إلى رحاب المسيح. فتمارس الطقوس المقبولة عند اللّه.
واعتبر بولس موته وسفك دمه بالسيف والحكم عليه بالإعدام متوقع الحدوث. لكن سمى قتله ذبيحة صغيرة بسيطة. كذبائح الشرب المنسكبة على المذبح في العهد القديم، بجانب المحرقات الرسمية الكبيرة. فاعتبر الذبيحة الكبرى هي موت المؤمنين عن الأنانية وكفاح إيمانهم في فيلبي. وأما موته فلا شيء. ما أعظم التواضع.
وقد فرح بولس لبذل المؤمنين حياتهم للمسيح في خدمة المحبة. كما سره موته الخاص لمجد الرب. فطلب إليهم الفرح والغبطة، وليس البكاء واللطم إذا قتل عن قريب. فهذا النظر إلى الموت يختلف كل الاختلاف عن العادات والتقاليد في أكثرية الناس، الذين يولولون عند الوفاة. فبولس يحرضنا جميعنا على تسليم كامل لإرادة الآب السماوي ولخدمة المسيح أثناء حياتنا الدنيوية. ويؤكد لنا أن مناسبة الموت تتيح الفرح والإبتهاج لا الحزن.
السؤال:
18 - كيف اعتبر الرسول قتله بالسيف بالنسبة لخدمة الكنيسة؟
5 - الأخبار عن سفريات تيموثاوس وأبفرودتس (2: 19-30) | ||
|
2: 19عَلَى أَنِّي أَرْجُو فِي ٱلرَّبِّ يَسُوعَ أَنْ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ سَرِيعاً تِيمُوثَاوُسَ لِكَيْ تَطِيبَ نَفْسِي إِذَا عَرَفْتُ أَحْوَالَكُمْ. 20 لأَنْ لَيْسَ لِي أَحَدٌ آخَرُ نَظِيرُ نَفْسِي يَهْتَمُّ بِأَحْوَالِكُمْ بِإِخْلاصٍ، 21 إِذِ ٱلْجَمِيعُ يَطْلُبُونَ مَا هُوَ لأَنْفُسِهِمْ لا مَا هُوَ لِيَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ. 22 وَأَمَّا ٱخْتِبَارُهُ فَأَنْتُمْ تَعْرِفُونَ أَنَّهُ كَوَلَدٍ مَعَ أَبٍ خَدَمَ مَعِي لأَجْلِ ٱلإِنْجِيلِ. 23 هٰذَا أَرْجُو أَنْ أُرْسِلَهُ أَّوَلَ مَا أَرَى أَحْوَالِي حَالاً. 24 وَأَثِقُ بِٱلرَّبِّ أَنِّي أَنَا أَيْضاً سَآتِي إِلَيْكُمْ سَرِيعاً. |
في الألفي سنة الماضية أرسل المسيح مرة تلو المرة خدامه المجتهدين إلى كنائسه. كما كان عنده تلاميذ متنوعون أثناء وجوده على الأرض، فدربهم وعلمهم وقواهم وأرسلهم إلى تبشير العالم. ولكن ليس كلهم أمناء، ولا يضحون بأنفسهم كاملة. وكثيرون في تاريخ الكنيسة حاولوا خدمة اللّه والآن معاً. وهذا يشبه الانفصام في الذات. فكيف أنت؟ هل تعتبر المال والكتب والشهادات وتقدم نفسك وأمنك أهم أو بذات الأهمية التي تعتبر بها المسيح وملكوته، أو تقصد تعظيم مخلصك وحده؟ لا تقدر أن تخدم سيدين. فأما تحب الواحد وتبغض الآخر، أو تحتقر الواحد وتلازم الآخر. لا تستطيع خدمة اللّه والمال.
وقد منح المسيح لرسوله بولس نعمة خاصة. فأعطاه زميلا في الخدمة، كان أميناً في القليل والكثير. فأقامه بولس عدة مرات نائباً عنه في الأماكن التي كان مطروداً منها. وأرسله بالتتالي كسفير المسيح إلى الكنائس، ليحل المشاكل المتعددة. وهذا السفير هو تيموثاوس ابن رجل أممي وسيدة يهودية، آمنت بالمسيح. لهذا كان له امتياز معرفة لغتين مختلفتين. كما أنه عاش في تقاليد حضارتين متنافرتين. وأهم شيء أنه كان ممتلئاً بالروح القدس وموافقاً عليه من شيوخ الكنائس، ومعتبراً بالنسبة لبولس كابن روحي. فخدم الرسول كأب له في المسيح بحنان وأمانة مستمرة وبانسجام تام. وبنفس الوقت اهتم بالكنائس، واعتنى بها بمواظبة، لأن له قلباً شفوقاً. فأشفق على الأفراد، وفهم الضرورات في الجميع. وحمل مشاكل الشيوخ، وعاش مع الشبيبة ونبههم وعزاهم وقواهم للحياة في القداسة والخدمة.
وثبت تيموثاوس في المسيح، حتى صار عبد محبته كبولس تماماً. فخرجت منه أنهر قوى روحية، لأن يسوع ملأ قلبه. فلم يطلب تيموثاوس ما هو لنفسه، بل عاش وتألم لأجل فاديه المصلوب الحي. هل سلمت نفسك ومالك للمسيح، أو لا تزال عائشاً في تيارات شهواتك؟ الكنيسة اليوم بحاجة ماسة إلى خدام أمناء. فهل أنت أحدهم؟
السؤال:
19 - ما هي الصفات البارزة في تيموثاوس؟
|
2: 25وَلٰكِنِّي حَسِبْتُ مِنَ ٱللازِمِ أَنْ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ أَبَفْرُودِتُسَ أَخِي، وَٱلْعَامِلَ مَعِي، وَٱلْمُتَجَنِّدَ مَعِي، وَرَسُولَكُمْ، وَٱلْخَادِمَ لِحَاجَتِي. 26 إِذْ كَانَ مُشْتَاقاً إِلَى جَمِيعِكُمْ وَمَغْمُوماً، لأَنَّكُمْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ كَانَ مَرِيضاً. 27 فَإِنَّهُ مَرِضَ قَرِيباً مِنَ ٱلْمَوْتِ، لٰكِنَّ ٱللّٰهَ رَحِمَهُ. وَلَيْسَ إِيَّاهُ وَحْدَهُ بَلْ إِيَّايَ أَيْضاً لِئَلا يَكُونَ لِي حُزْنٌ عَلَى حُزْنٍ. 28 فَأَرْسَلْتُهُ إِلَيْكُمْ بِأَوْفَرِ سُرْعَةٍ، حَتَّى إِذَا رَأَيْتُمُوهُ تَفْرَحُونَ أَيْضاً وَأَكُونُ أَنَا أَقَلَّ حُزْناً. 29 فَٱقْبَلُوهُ فِي ٱلرَّبِّ بِكُلِّ فَرَحٍ، وَلْيَكُنْ مِثْلُهُ مُكَرَّماً عِنْدَكُمْ. 30 لأَنَّهُ مِنْ أَجْلِ عَمَلِ ٱلْمَسِيحِ قَارَبَ ٱلْمَوْتَ، مُخَاطِراً بِنَفْسِهِ، لِكَيْ يَجْبُرَ نُقْصَانَ خِدْمَتِكُمْ لِي. |
اختارت كنيسة فيلبي رجلاً رصيناً من أعضائها، وكلفته بتوصيل المال الذي جمعته لمساعدة الرسول في سجن روما. وهذا الرجل المختار اسمه أبفرودتس. وكان ماهراً في اللغات والسفريات والعلاقة بالجمارك. وبنفس الوقت أميناً موثوقاً به ومؤمناً بالمسيح.
وقد دعاه بولس أخاه في الروح، لأن اللّه كان أباهم الحقيقي. فعلينا أن نتخاطب بالكلمة أخ في كنائسنا وجمعياتنا بحذر، لأن هذا اللقب يدل على أحد الصفات العليا، التي تربطنا باللّه أبينا.
فمن يخص عائلة اللّه، يصبح عاملاً مجتهداً حسب طبيعته الجديدة، وخادماً متواضعاً ومتجنداً مع المسيح وسفيره إلى العالم الملحد. لأن كل أعضاء عائلة اللّه ممتلئون بروح محبة المسيح، الذي يريد أن جميع الناس يخلصون، وإلى معرفة وحدة الثالوث القدوس يقبلون. هل أنت أخونا بيسوع؟ فبأي دوافع تظهر قرابتك للّه؟ هل تكون عاملاً ومجنداً لخدمة يسوع، أو كسولاً مهتماً بنفسك؟
وأثناء خدمته لبولس في رومية، مرض أبفرودتس وشارف على الموت. إن خدام المسيح عرضة للتجارب قبل كل الآخرين، وليس المرض دائماً نتيجة خطية ما. بل العكس ممكن عند المؤمن. هذا ما أراد بولس أن يفهمه للكنيسة، لكي لا يظن البعض أن سفيرهم قد اختلس شيئاً من الأمانة، فلذلك عاقبه اللّه، فحمد الرسول أبفرودتس بألقاب شريفة سامية روحية.
والرب القدوس شفى المريض، واعتبره مستحقاً لخدمات أخرى. فكان على أهل فيلبي أن يستقبلوه بشرف، ويشتركوا مع بولس بالفرح والشكر للّه لأجل الشفاء العجيب لخادم الرب هذا.
إن كل المشاكل والتجارب والآلام، توحّد أعضاء الكنيسة ببعض بالصلاة لكي يحفظوا معاً في محبة يسوع. وصلاة البار تقتدر كثيراً في فعلها.
السؤال:
20 - ما هي الألقاب التي منحها بولس لأبفرودتس؟
6 - جواهر إيماننا الغنية (3: 1-4: 9) | ||
ا - وجودنا في المسيح أبطل بر الناموس (3: 1-11) | ||
|
الأصحاح الثالث1 أَخِيراً يَا إِخْوَتِي ٱفْرَحُوا فِي ٱلرَّبِّ. كِتَابَةُ هٰذِهِ ٱلأُمُورِ إِلَيْكُمْ لَيْسَتْ عَلَيَّ ثَقِيلَةً، وَأَمَّا لَكُمْ فَهِيَ مُؤَمِّنَةٌ. |
لخص بولس رسالته، مبرزاً شعارها مرة أخرى. قائلاً: «افرحوا معاً في المسيح». وهذا السرور يبثه الإنجيل فينا دائماً. فلا يمكن أن المؤمن يمشي كامداً متمرمراً، بل مسروراً وفرحاناً، لأن اللّه صالحه وغفر ذنوبه القبيحة، فيفيض منه الشكر والغبطة. فمن يقل: اللّه لا يحب الفرحين يكذب، لأن العكس صحيح. المسيح منحنا فرحه الخاص، ويقصد اكتمال فرحنا. كما أن إلهنا ليس حجراً صلباً بلا شعور وعواطف، بل ممتلئ المسرة والفرح. فإيمانك بالمسيح يحررك من كل عقد وحقد، لأن إلهنا محبة.
منذ قبول الغفران لا يفصلنا شيء من الخطأ والذنب أو الغضب أو الدينونة عن القدوس. لأنه أصبح أبانا بالروح والحق. فللمسيحي الاستحقاق للفرح، حتى في الضيق والموت. لأن حياته مستترة في المسيح الحي. فاقبلوا وصية الرسول، وافرحوا في الرب. لأن المؤمنين متضامنون ومضمونون فيه.
وحتى في أوقات الحروب الفتاكة والتشاؤم العام، ينبغي أن نفرح ونقول للبشر المساكين: ليتكم تعرفون دواء اللّه لأمراض مجتمعنا، إنه الإنجيل الذي يقدر على شفاء كل علة وخطية وهموم. ودم المسيح يطهرنا من كل إثم. والروح القدس يمنحك الغلبة على خطاياك. فلست متروكاً بدون رجاء. وليس الشر في أخلاقك أقوى من ربك. أنه يجعلك من صانعي السلام وسط الجيل الملتوي الكاذب. آمن إن اللّه شخصياً يحررك من قيود الظلمة وشهواتك القبيحة، آمن ولا تيأس، فيجري الفرح من إيمانك في قلبك.
إن المسيح هو المنتصر على الشر وسلطان جهنم المتصاعد في أيامنا. فاحفظ كلمة الرسول: افرحوا «في الرب». لأن فيه تجد قوة عظيمة، وحماية من هجومات إبليس. امتحن نفسك هل تعيش «في المسيح»؟هل دخلت رحابه وثبتَّ فيه؟ أهو مصدر انتصارك؟ هل ابتدأ فرحه فيك بنعمته المفرحة؟ وعندئذ ترنم وترتل وتسبح وتبتهل في فؤادك، متجنباً أغاني الحب الخداعة وأناشيد الحرب الصلبة، معترفاً بأن المسيح هو المخلص وينبوع أفراحنا. فمن يؤمن به يعش في غبطة، ومن يتمسك به لن يموت.
السؤال:
21 - كيف يستطيع الرسول أن يأمرنا إفرحوا في الرب؟
|
3: 2اُنْظُرُوا ٱلْكِلابَ. ٱنْظُرُوا فَعَلَةَ ٱلشَّرِّ. ٱنْظُرُوا ٱلْقَطْعَ. 3 لأَنَّنَا نَحْنُ ٱلْخِتَانَ، ٱلَّذِينَ نَعْبُدُ ٱللّٰهَ بِٱلرُّوحِ، وَنَفْتَخِرُ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ، وَلا نَتَّكِلُ عَلَى ٱلْجَسَدِ. |
أثناء إملاء هذه الرسالة ربما استخبر الرسول أو سمع أن بعض المسيحيين الذين من الأصل اليهودي اندسوا ككلاب برية في قطيع الغنم، مفترسين ومبلبلين الحظيرة. فأخذوا يؤذون المسرورين في المسيح ويزعجون الكنائس كلها. فعندئذ انفجر رسول الأمم، وقطع رسالة الفرح وهاجم بأشد الكلمات مخربي الكنيسة. والمسيح سمى هؤلاء المرائين ذئاباً في لباس حملان. لأنهم يضرون المختارين أكثر من الأعداء الكاشفي عداوتهم والهاجمين للقتل. فأعداء الكنيسة يوحدونها، ويقوونها ويرسخونها. ولكن المرائين من الداخل يفسدون ويمزقون الوحدة والمحبة.
فما هو العمل الشرير والتعليم السام في رسل جهنم، الذين يغيرون فرح المؤمنين إلى آلام مرة؟ إنهم علَّموا أن الختان مع حفظ الناموس والفرائض المتنوعة، هو الطريق الوحيد إلى اللّه، وليس الإيمان بالمسيح المصلوب وحده. فرفعوا أعمال الإنسان فوق النعمة، وخلطوا الخلاص في المسيح بالبر الذاتي.
أما بولس فما اعترف بفداء آخر، إلا المبني على الصليب والروح القدس. لأن الغفران والولادة الثانية أوجدت فينا أفقاً إلهياً جديداً. لقد اختبرنا حقيقة نعمة اللّه، وفاز المسيح في أنفسنا. فعرف بولس أن كل صلاة وصوم وزكاة وحج وتقوى مبنية على الفرائض الكنسية، لا تخلص الإنسان البتة. ولا تصلحه قليلاً، ولا تملأه محبة. فكل أديان وكنائس تقوم على الشرائع والتعاليم الإنسانية، بعيدة عن روح الصليب ومضادة له. فهي معدة من أكاذيب الشيطان، لأنها تجعل أفراداً متكلين على ذواتهم.
المسيح وحده مخلصنا، الذي منح لنا بر اللّه وقوته مجانا. فكل عمل بشري وإرادة دنيوية باطلة بجانب خلاصه. لا يخلصك اللّه لأنك بار أو مضح أو مصل أو متدين محترم، بل لأنه يحبك أنت الخاطئ. واختارك بفرط مسرته وضحى بابنه لأجلك. مكافأة لإنسانيتنا الموهوبة عند اللّه، لأنه يبررنا لأجل الإيمان وليس لأجل الأعمال. ويل للذي يبني رجاءه على اجتهاداته وتقشفه وحسناته، فيسقط معها إلى جهنم. أما نحن فنصلي:
| دم المسيح زينتي | وبره قداستي |
| ولستُ أدخل السما | إن كنت لم أنهلها |
| أيضاً عزائي في الحياة | كذاك من بعد الممات |
| فليكن الدم الثمين | رجاي في الرب الأمين |
السؤال:
22 - لماذا سمى بولس معلمي الختان كلاباً؟
|
3: 4مَعَ أَنَّ لِي أَنْ أَتَّكِلَ عَلَى ٱلْجَسَدِ أَيْضاً. إِنْ ظَنَّ وَاحِدٌ آخَرُ أَنْ يَتَّكِلَ عَلَى ٱلْجَسَدِ فَأَنَا بِٱلأَوْلَى. 5 مِنْ جِهَةِ ٱلْخِتَانِ مَخْتُونٌ فِي ٱلْيَوْمِ ٱلثَّامِنِ، مِنْ جِنْسِ إِسْرَائِيلَ، مِنْ سِبْطِ بِنْيَامِينَ، عِبْرَانِيٌّ مِنَ ٱلْعِبْرَانِيِّينَ. مِنْ جِهَةِ ٱلنَّامُوسِ فَرِّيسِيٌّ. 6 مِنْ جِهَةِ ٱلْغَيْرَةِ مُضْطَهِدُ ٱلْكَنِيسَةِ. مِنْ جِهَةِ ٱلْبِرِّ ٱلَّذِي فِي ٱلنَّامُوسِ بِلا لَوْمٍ. 7 لٰكِنْ مَا كَانَ لِي رِبْحاً فَهٰذَا قَدْ حَسِبْتُهُ مِنْ أَجْلِ ٱلْمَسِيحِ خَسَارَةً. |
كان بولس يهودياً أصيلاً. فوالداه ما كانا دخيلين في دين العهد القديم، بل عبرانيين هاجرا من فلسطين إلى طرطوس. وحفظا الناموس والأحكام والتقاليد بشدة مثالية فسميا ابنهما باسم الملك الأول الذي من سبطهم بنيامين «شاول» الذي رفع معنويات الأسباط الاثني عشر بالسيف والعنف. وقصدا بتلك التسمية أن يعطيا لابنهما شعار الزعامة لحياته. وختناه في اليوم الثامن، ليبني بره من البداية على أساس الجسد والناموس. فكان بولس شرعاً ودماً يهودياً أصيلاً.
ومن جهة موقفه الخاص كان مثالياً. لأنه لم يختر كفارة الذبائح ولا الحرية المحدثة كطريق هين لإراحة الضمير، بل درس الشريعة وحفظ أحكام الناموس بشدة، وقصد بغيرة متحمسة وضبط الجسد إنشاء بر كامل في ذاته وفي المجتمع، مهما كلف الأمر.
فلهذا جن الشاب المتعصب تقريباً لما سمع أن المسيحيين من الأصل اليهودي آمنوا بالإنسان يسوع واعتبروه المسيح المنتظر. في حين اعتبره المجلس اليهودي مضلاً ومحكوماً عليه بالإعدام. فهاجم بآخر عنف وشدة، وكافح للّه بلا شفقة ليعيد شرف أمته ويحفظها بلا عار. وهكذا لمع في البر الذاتي أكثر من كل الفقهاء الآخرين. ولكن عندما أراد دخول دمشق متكبراً ومرتفعاً على فرس، أسقطه المسيح من عُلا فخره، واخترق بواسطة مجده البهي خداع ذاته، فأشرق شخص المسيح في ظلمة شاول الحاقد، وأظهر له أن تقواه المتزمتة هي وهم وتجديف واضطهاد وجريمة. فكان خادم اللّه بالحقيقة عدوه.
ففي كفاحه مع الروح القدس، انقلبت حياته. فأدرك هذا الأعمى المنكسر، نعمة المسيح المنعمة عليه. وفهم أن القدوس لا يرفضه ولا يبيده بل أعلن له اسمه، وكلمه وأرشده ودعاه إلى الخدمة بسلطان روحه. إنها لعجيبة كبرى أن المسيح اختار عدوه ومضطهده لإنارة العالم. عندئذ ألقى بولس كل شرفه وتقواه القديمة بعيداً عن نفسه. وبنى حياته ومستقبله على المسيح ونعمته وحده.
فما هو أساس حياتك؟ استقامتك وتقواك، أو دم المسيح ونعمته العظيمة؟
السؤال:
23 - ماذا كان بولس قبل ظهور المسيح له وبعد ظهوره؟
|
3: 8 بَلْ إِنِّي أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ أَيْضاً خَسَارَةً مِنْ أَجْلِ فَضْلِ مَعْرِفَةِ ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّي، ٱلَّذِي مِنْ أَجْلِهِ خَسِرْتُ كُلَّ ٱلأَشْيَاءِ، وَأَنَا أَحْسِبُهَا نُفَايَةً لِكَيْ أَرْبَحَ ٱلْمَسِيحَ 9 وَأُوجَدَ فِيهِ، وَلَيْسَ لِي بِرِّي ٱلَّذِي مِنَ ٱلنَّامُوسِ، بَلِ ٱلَّذِي بِإِيمَانِ ٱلْمَسِيحِ، ٱلْبِرُّ ٱلَّذِي مِنَ ٱللّٰهِ بِٱلإِيمَانِ. 10 لأَعْرِفَهُ، وَقُّوَةَ قِيَامَتِهِ، وَشَرِكَةَ آلامِهِ، مُتَشَبِّهاً بِمَوْتِهِ، 11 لَعَلِّي أَبْلُغُ إِلَى قِيَامَةِ ٱلأَمْوَاتِ. |
عرف بولس كثيراً من الناس والفلسفات والأديان والدول والجيوش والملوك وأسرار الشرائع. وكان مفتخراً بمعلوماته. ولكن عندما عرف المسيح، رمى كل هذه المعاني تماماً ورفضها، ليربح ويعيش في كلمة وحيدة: يسوع المسيح هو ربي. لأن معرفته تفوق كل عقل وعلم. وقد أدرك الرسول في المصلوب محبة اللّه المتجسدة، وعرف أن المقام من بين الأموات هو المنتصر الحقيقي في عالمنا.
فكيف نتمسك بعد بأشياء دنيوية، واللّه قد وهبنا في إبنه كل شيء؟ ففي يسوع تكمن جميع كنوز الحكمة والمعرفة والبر والقداسة والفداء والمحبة. فبدون المسيح، لا معنى لحياتك. إنما هو قيمتك لا غير.
فبجانب عظمة المسيح يظهر كل مخلوق نفاية. فاترك كل ما أحببته في دنيانا لتربح المسيح حقاً. استسلم له ليصبح هو ربك ليس اسمياً فقط، بل عملياً أيضاً. إنك مدعو لتربح المسيح اليوم بإيمانك.
وإن وقفت أمامه منكسراً نادماً يرحمك ويغفر خطاياك، ويضمك إلى صدره. ويتحد معك في روحه، لتصبح عضواً لجسده «فتوجد فيه». ما أعظم العبارة، التي تصف تماماً جوهر إيماننا.
عندئذ لا ترجو شيئاً من برك الذاتي، وتضحك على ما كنت تحسبه شرفك قبلاً. وترفض كل أجرة ومكافأة متصورة. وتدرك فسادك الشامل في ضوء بر اللّه. الذي وهبه لك يسوع بواسطة سفك دمه، لتتبرر وتتقدس إلى الأبد. فالمؤمن بالمسيح ينال جوهر بر اللّه مجاناً بواسطة الإيمان. وهذا البر الجديد يلاشي البر الناموسي القديم، ويبطل تقوانا المنتفخة وإنسانيتنا المتخيلة. فكل من تحرر من جودته الكاذبة يعرف المسيح ربه ومخلصه أكثر فأكثر، ويشترك في قوة قيامته، فتجري حياة اللّه فيه. عندئذ يموت الأنا القديم في المؤمن المسلّم، وتبقى خطيته مصلوبة في المصلوب. إن كيان المسيحي يعني كفاحاً عنيفاً ضد الخطية، وإماتتها يومياً، ليس في قوة الأدب أو الصوم بل بالإيمان وبالشركة مع المسيح، الذي لا يحتمل أن يظل فيك نجاسة أو كذب أو بغضة، إنما يغلبك ويطهرك ويقويك إلى الحياة الأبدية.
وكل من يعيش مع المسيح وفيه، يمتلئ من مقاصده ويعمل معه لفداء العالم. ويشهد لحقيقة الخلاص، حتى تحت الضغط والاضطهاد والآلام. لأن المسيح نفسه اختبر الإحتقار والرفض والموت لأجل عمله الخلاصي. فمن يتبعه يتبعه في الآلام أيضاً. لأن لا خلاص إلا بالصليب، كما قال يسوع «إن أراد أحد أن يتبعني فلينكر نفسه ويحمل صليبه كل يوم ويتبعني».
وفي هذا الكفاح ضد الخطية في أخلاقنا والمصارعة مع الأرواح النجسة والاضطهاد من أعداء المسيح، نشتاق إلى مجيء مخلصنا، لتظهر شركتنا معه في المجد. فنبلغ القيامة إلى الحياة. مع العلم أن بولس لم يكن متيقناً كسولاً بنسبة خلاص نفسه الخاصة، بل عاش حسب قوله تمموا خلاصكم بخوف ورعدة.
السؤال:
24 - ماذا يتضمن إيماننا بالمسيح؟
ب - سباق المتبررين إلى الكمال (3: 12-16) | ||
|
3: 12لَيْسَ أَنِّي قَدْ نِلْتُ أَوْ صِرْتُ كَامِلاً، وَلٰكِنِّي أَسْعَى لَعَلِّي أُدْرِكُ ٱلَّذِي لأَجْلِهِ أَدْرَكَنِي أَيْضاً ٱلْمَسِيحُ يَسُوعُ. 13 أَيُّهَا ٱلإِخْوَةُ، أَنَا لَسْتُ أَحْسِبُ نَفْسِي أَنِّي قَدْ أَدْرَكْتُ. وَلٰكِنِّي أَفْعَلُ شَيْئاً وَاحِداً: إِذْ أَنَا أَنْسَى مَا هُوَ وَرَاءُ وَأَمْتَدُّ إِلَى مَا هُوَ قُدَّامُ. 14 أَسْعَى نَحْوَ ٱلْغَرَضِ لأَجْلِ جَعَالَةِ دَعْوَةِ ٱللّٰهِ ٱلْعُلْيَا فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ. 15 فَلْيَفْتَكِرْ هٰذَا جَمِيعُ ٱلْكَامِلِينَ مِنَّا، وَإِنِ ٱفْتَكَرْتُمْ شَيْئاً بِخِلافِهِ فَٱللّٰهُ سَيُعْلِنُ لَكُمْ هٰذَا أَيْضاً. 16 وَأَمَّا مَا قَدْ أَدْرَكْنَاهُ، فَلْنَسْلُكْ بِحَسَبِ ذٰلِكَ ٱلْقَانُونِ عَيْنِهِ، وَنَفْتَكِرْ ذٰلِكَ عَيْنَهُ. |
يقول بولس لكل المتجددين المعتدّين بأنفسهم إنه هو نفسه ما زال غير كامل. بل إنه يجد ذاته على الطريق إلى الشركة الظاهرة مع اللّه، التي ستتحقق عند مجيء المسيح ثانية. فهذا الهدف التاريخي هو مهم له بمقدار أن شبَّه نفسه برياضي في سيرك ملعب كبير، وهو يستعد بين المتسابقين للانطلاق. وينطلق بكل قوة ليصل إلى الهدف، وينال الجائزة الثمينة.
لذلك لا يجلس المسيحيون في الظل، متخيلين كسالى، ومتكلين على اللّه بدون اجتهاد. بل يتحركون، ولهم هدف واضح، فيبذلون آخر قوة ويسرعون إلى اللّه العظيم. وهم لا ينظرون إلى الوراء، ولا يهتمون بما كان من تخطيطات ومشاكل وذنوب ماضية، لأن الكل دُفن في موت المسيح. فالمؤمن الساعي ينال من اللّه القوة والحكمة ليستمر في السباق الروحي. فيصبح قديساً في المحبة ومتواضعاً في الطهارة وأميناً في خدماته.
وهذا السباق إلى اللّه قد ابتدأ، لما أوقف المسيح المؤمنين به على خط السباق الأبدي. فدعاهم من جماهير التافهين المتفرجين المسترخين لكي يركضوا، غير مبالين بما يقولونه عنهم، وينتقدونهم به. والراكضون إن سقطوا، فلا يبقون في سقوطهم، بل يقومون وينهضون فوراً، ويجرون حتى الهدف، ألا وهو الرب بالذات. إلى الأمام سر. أركض لكي تصبح الأول في كنيستك بالمحبة والصدق والتواضع والطهارة.
يسمّي الرسول كل المشتركين في السباق الروحي كاملين لأن المسيح طهرهم حقاً، والروح القدس ملأهم بجوهره. فهل تركض في الطريق إلى اللّه؟ وهل يدفعك الروح القدس بهداه؟ عندئذ تشترك في كمال اللّه، ليس لصلاحك بل لفضل دم المسيح وبره الكامل.
هل ترتقب القيامة من بين الأموات؟ أنها تتحقق في ظهور مخلصك الذي سيعطيك إكليل الحياة، إن ثبتَّ في سبيل النعمة. عندئذ يظهر كمال اللّه فيك. كما قال يسوع «كونوا كاملين كما أن أباكم في السماء هو كامل».
السؤال:
25 - ماذا يعني فكر الكمال عند المسيحيين؟
ج - رجاؤنا المجيد يشمل أجسادنا كذلك (3: 17-21) | ||
|
3: 17كُونُوا مُتَمَثِّلِينَ بِي مَعاً أَيُّهَا ٱلإِخْوَةُ، وَلاحِظُوا ٱلَّذِينَ يَسِيرُونَ هٰكَذَا كَمَا نَحْنُ عِنْدَكُمْ قُدْوَةٌ. 18 لأَنَّ كَثِيرِينَ يَسِيرُونَ مِمَّنْ كُنْتُ أَذْكُرُهُمْ لَكُمْ مِرَاراً، وَٱلآنَ أَذْكُرُهُمْ أَيْضاً بَاكِياً، وَهُمْ أَعْدَاءُ صَلِيبِ ٱلْمَسِيحِ، 19 ٱلَّذِينَ نِهَايَتُهُمُ ٱلْهَلاكُ، ٱلَّذِينَ إِلٰهُهُمْ بَطْنُهُمْ وَمَجْدُهُمْ فِي خِزْيِهِمِ، ٱلَّذِينَ يَفْتَكِرُونَ فِي ٱلأَرْضِيَّاتِ. |
ليس تبشير بلا تقديس المبشر، لأن كل كلامك عن المسيح لا ينفع ما لم يطابق سلوكك. إن تصرفاتك وأعمالك تتكلم أوضح من كلمات شهاداتك.
كان بولس في المسيح قدوة صالحة. لأن قوة المقام من بين الأموات، غيرت حياته، وجبلت سيرته إلى محبة عملية. فبولس لم يبشر بعظاته فقط، بل أيضاً بأتعابه في المهن. فيداه تورَّمتا. وكان يسلم لرب العمل شغله متقناً أميناً، كما علمنا أن كل ما نعمله فلنعمله من القلب كأنه للرب وليس للناس. فبهذه القاعدة المهنية، يصبح كل شغل في المهن أو المدرسة أو المطبخ خدمة للّه وعبادة مقدسة، وليس لمجرد كسب المال.
وأكثر من هذا فقد أشرق من الرسول الفرح وقوة المسيح. وبدون كلمات شعر الذين حوله ببشارته. لأن الرسول مات لبره الخاص، وأنكر أمنياته البشرية والتصق بربه وتعلق

