إرادة الله قداستكم |
دروس من رسالتي تسالونيكي
- إرادة الله قداستكم (دروس من رسالتي تسالونيكي)
-
الرسالة الأولى إلى تسالونيكي
- ملخص رسالة تسالونيكي الأولى
- أولاً - التحية
- ثانياً - بولس يمدح أهل تسالونيكي
- ثالثا - سلوك بولس مع أهل تسالونيكي(١تسالونيكي ٢: ١ - ١٢)
- رابعاً - بولس يهتمّ بأهل تسالونيكي ٢: ١٣-٣: ١٣
- خامساً - ضرورة نمو أهل تسالونيكي روحياً (١تسالونيكي ٤: ١ - ١٢)
- سادساً - تعليم عن رجاء القيامة
- سابعاً - تعليم عن يوم الرب (١تسالونيكي ٥: ١ - ١١)
- ثامناً - وصايا عن الحياة المسيحية العملية
- تاسعاً - خاتمة الرسالة
- المسابقة الأولى في دراسة تسالونيكي الأولى
- الرسالة الثانية إلى تسالونيكي
إرادة الله قداستكم (دروس من رسالتي تسالونيكي) | ||
مقدمَة | ||
يحتوي العهد الجديد على ٢١ رسالة كتبها خمسة من الرسل. والرسالة خطاب يرسله الرسول الى شخص أو الى جماعة من الناس بقصد خاص. ونجد في رسائل العهد الجديد:
-
رسالة مُرسَلة الى شخص، مثل رسالة بولس الى تلميذه تيموثاوس أو تيطس أو الى فليمون.
-
الى كنيسة واحدة، مثل رسائل بولس الرسول الى فيلبي أو تسالونيكي. وهي رسائل خاصة تعالج حالات خاصة.
-
رسالة مُرسلة الى عدة كنائس، واسمها رسالة دوريّة، بمعنى أنها تدور على كنائس مختلفة، فتقرأها كنيسة ثم ترسلها إلى كنيسة أخرى، مثل الرسالة التى أرسلها الرسول بولس الى كنيسة أفسس.
والرسالة تردّ على مجموعة أسئلة وجّهها أعضاء الكنيسة الى بولس، وتعالج بعض المشاكل التى نجدها في الكنيسة.
كاتب الرسالتين
كاتب رسالتي تسالونيكي هو بولس الرسول الذي كان قبلاً يحمل اسم شاول الطرسوسي. وشاول معناه «المطلوب أو المرغوب فيه» ،أما بولس فمعناه «صغير». وقد جرى التغيير العظيم في حياة شاول حتى صار بولس في لقاء شخصي مع المسيح، عندما قابله في الطريق الى دمشق وتحدث معه وغيّر حياته. وقد ورد ذكر قصة تجديد شاول وتحّوُله الى بولس، ثلاث مرات في سفر الأعمال في اصحاحات ٩ ، ٢٢ ، و ٢٦.
ويقولون إن شاول الطرسوسي أخذ اسم بولس من اسم أول شخص ربحه الى المسيح، كما يأخذ القائد اسم المدينة التي انتصر عليها أو الموقعة التى كسبها فى الحرب. وكان بولس اسم أول من تجدد على يدي شاول، وهو والي جزيرة قبرص، واسمه الكامل سرجيوس بولس، ولذلك فقد أخذ شاول اسم بولس. ونجد قصة تجديد «سرجيوس بولس» في سفر أعمال الرسل أصحاح ١٣.
مدينة تسالونيكي
في أيام الرسول بولس كانت مدينة تسالونيكي (المعروفة اليوم باسم سالونيك في اليونان) مدينة هامة، وقد جعلها تاريخها كذلك، ففي سنة ٣١٥ ق.م. أعاد اسكندر بن أنتيباتر بناء مدينة ثرما (بمعنى ينابيع ساخنة، لوجود ينابيع ساخنة فيها) وأقامها مدينة عظيمة، اطلق عليها اسم مدينة تسالونيكي، وهو اسم زوجته ابنة فيليب المقدوني، وأختاً غير شقيقة للإسكندر الأكبر. وقد جعل الرومان هذه المدينة عاصمة للمقاطعة الجديدة التي تكّوَنت حول هذه المدينة، مما زاد عدد سكانها حتى بلغ مائتي ألفاً من البشر. وقد أضاف موقع المدينة الى أهميتها الشيء الكثير، فقد كانت من أكبر المدن المقامة على الطريق الإغناطي، وهو الطريق الحربي العظيم الذي يربط روما بالشرق، والذي كان يوازي ساحل البحر، ويتصل بالطريق المؤدي الى كورنثوس. وكانت تسالونيكي تقع في الشمال الغربي من بحر إيجه، ولها ميناء عظيم، فكانت قاعدة للسفن الحربية الرومانية، وهكذا كانت الطرق الحربية وطرق التجارة الهامة تمرُّ بها.
وقد أدَّت الأهمية التجارية لمدينة تسالونيكي الى نتيجتين مهمتين:
-
لقد صارت تسالونيكي مدينة غنية، سكنها أغنى أغنياء الرومان، ولذلك فقد اجتذبت اهتمام التجار اليهود الذين وجدوا فائدة كبيرة في المدينة (أعمال ١٧: ٤). ويُقال إن سُدْس سكانها كانوا من اليهود، قصدوها لجودة متاجرها، وكان فيها نحو عشرين مجمعاً يهودياً.
-
كانت شهرة تسالونيكي كبيرة في الشر، فبما أنها مدينة ساحلية وتجارية كان يزورها الكثيرون جداً من الغرباء عنها، ويسكنها مختلف أنواع البشر، ممّا جعلها مدينة خاطئة، لأن الغريب يتحلل عادة من المبادئ الأخلاقية التي يفرضها عليه مجتمعه - وهكذا شأن معظم المدن الساحلية التجارية.
وكانت مدينة تسالونيكي مدينة حرة، يقوم أهلها بإدارة شئونها الداخلية. وبالرغم من انها كانت محل سكن الحاكم الروماني، إلا أن أهلها كانوا يشرفون عليها تماماً في كل أمورها السياسية، ولذلك فقد كانوا حسّاسين للغاية لإعلان ولائهم للإمبراطور الروماني، وما أن شعروا أن الرسول بولس يهدّد صلتهم بالرومان (أعمال ١٧: ٦) حتى قاموا ضده قومة كبيرة، وكانت التهمة التي وجّهوها الى الرسول بالخيانة العظمى من أكبر التهم الخطيرة التي يمكن أن تُثار ضد إنسان (أعمال ١٧: ٧).
كنيسة تسالونيكي
أنشأ الرسول بولس كنيسة تسالونيكي بمساعدة سيلا (وهو نفسه سلوانس) وتيموثاوس، وذلك أثناء رحلته التبشيرية الثانية سنة ٥٢ ميلادية. وتسالونيكي الكنيسة الثانية التي أنشأها بولس في أوروبا (أعمال ١٧: ١ - ٩). وعندما وصل بولس الى تسالونيكي كان لم يزل يتألم مما قاساه في فيلبي من الجَلْد والسَّجْن، ولذلك فقد بدأ حسب عادته بتبشير اليهود في مجمعهم، لكنهم لم يقبلوه إلا ثلاثة سبوت، فانصرف عنهم الى الأمم. ولا نعلم كم من الزمن صرفه بولس في تسالونيكي، لكننا نعلم أنه بقي وقتاً كافياً لينشئ كنيسة كبيرة، بعض أعضائها من اليهود وأكثرهم من الأمم، بدليل القول: «فَٱقْتَنَعَ قَوْمٌ مِنْهُمْ (أي من اليهود) وَٱنْحَازُوا إِلَى بُولُسَ وَسِيلا، وَمِنَ ٱلْيُونَانِيِّينَ ٱلْمُتَعَبِّدِينَ (أي من الدخلاء) جُمْهُورٌ كَثِيرٌ، وَمِنَ ٱلنِّسَاءِ ٱلْمُتَقَدِّمَاتِ عَدَدٌ لَيْسَ بِقَلِيلٍ» (أعمال ١٧: ٤) ومما يؤيد أن أكثر أعضاء كنيسة تسالونيكي كانوا من الأمم ما نجده في الرسالة نفسها، إذ ليس فيها أي اقتباس من العهد القديم، وليس فيها حجج مبنيَّة على التوراة، ولا إشارة الى شيء من تاريخ اليهود، بل انه يقول لهم: «رَجَعْتُمْ إِلَى ٱللّٰهِ مِنَ ٱلأَوْثَانِ لِتَعْبُدُوا ٱللّٰهَ ٱلْحَيَّ ٱلْحَقِيقِيّ» (١ تسالونيكي ١: ٩).
وقد قبل هؤلاء كلمة الله بسرور وثبتوا على الإيمان في شدائد واضطهادات كثيرة.
ولم يشأ الرسول بولس أن يكلف أهل تسالونيكى شيئاً من أمور حياته، ولذلك كان يشتغل بيديه ليحصل على المال الذي يحتاجه للحياة. كما أن أهل كنيسة فيلبي أرسلوا اليه مالاً مرة ومرتين لمساعدته (فيلبي ٤: ١٦).
وقد حسد اليهود بولس على نجاحه بين الأمم وبين الدخلاء، فهيّجوا عليه الشعب، مُدَّعين أن تبشيره بملكوت المسيح خيانة للامبراطور كلوديوس قيصر، فاضطر الإخوة المؤمنون أن يرسلوا بولس ليلاً الى بيرية (أعمال ١٧: ٥ - ١٠). وقد أراد بولس مرتين أن يزور أهل تسالونيكي وهو في أثينا، لكنه لم يستطع. والأرجح أنه زارهم بعد ذلك وهو يزور منطقة مكدونية.
وقد استمرت كنيسة تسالونيكي مشهورة ناجحة قروناً طويلة، فحملت رسالة الإنجيل إلى أهل بلغاريا والصرب، ونقلتهم من الوثنية الى الإيمان بالمسيح. وسُمَّيت تسالونيكي «المدينة الارثوذكسية» أي المتمسكة بالايمان القويم، لشدة اجتهاد المؤمنين فيها في المحاماة عن حق الإنجيل.
وقت ومكان كتابة رسالتي تسالونيكي
كتب بولس رسالتي تسالونيكي من كورنثوس أثناء إقامته هناك مدة سنة ونصف سنة. كتب الرسالة الأولى في أثناء الفترة الأولى من إقامته في كورنثوس بعد أن رجع تيموثاوس من تسالونيكي بتقرير يشرح تقدُّم الكنيسة. أما الرسالة الثانية فقد كُتبت بعد الأولى بشهور قليلة، أغلب الظن أن الرسالتين كُتبتا في سنة ٥١ ، ٥٢ للميلاد. وأدلة ذلك أن سلوانس (سيلا) وتيموثاوس كانا مع بولس الرسول في كورنثوس حين كتب الرسالتين، ونعلم أنهما أتيا إليه وهو في كورنثوس (أعمال ١٨: ٥).
وأغلب الظن أنَ الرسالة الأولى إلى تسالونيكي هي أقدم سِفْر كُتب في العهد الجديد - فهي أول تسجيل للخبر المفرح.
أهداف كتابة رسالة تسالونيكي الأولى
كتب بولس الرسالة الأولى بعد التقرير العظيم الذي جاءه به تيموثاوس، بعد أن زار مدينة تسالونيكي. ومن أهداف كتابة الرسالة الأولى:
-
أن يعبّر بولس عن شكره لله على إيمان أهل تسالونيكي وأن يشجع المؤمنين هناك.
-
كتب بولس الرسالة الأولى ليدافع عن نفسه ضد اليهود الذين قاوموا المسيحية وتحدثوا ضده، ونعتقد أن أولئك اليهود هاجموا أمانة بولس وشرفه، فقالوا إنه لم يرجع إلى المدينة بالرغم من وعده أن يرجع لزيارتها، وذلك لأن بولس مهتمٌّ بالمكسب الذي يربحه، وليس بتبشير تلك المدينة العظيمة. ولذلك فإن الأصحاحات الثلاثة الأولى من الرسالة الأولى تحتوي على ردود بولس ضد هذه الاتهامات، التي يظهر أن بعض الناس كانوا قد صدَّقوها. ولا شك أن دفاع بولس ضد هذه الاتهامات كان هاماً ليقبل الناس في مكدونية الرسالة التي جاء الرسول بولس بها.
-
وكان الرسول بولس يريد أن يشجّع المؤمنين الجُدد ليثبتوا في الايمان في مواجهة الاضطهادات والضغوط التي كانت قاسية عليهم، بعد أن تحّوَلوا من الوثنية إلى الإيمان المسيحي.
-
كتب الرسول الرسالة الأولى لتسالونيكي ليجاوب على سؤال بخصوص المؤمنين الذين ماتوا قبل مجئ المسيح ثانية، ونجد إجابة بولس هذه في الأصحاح الرابع.
-
وفي الرسالة الأولى لتسالونيكي يعالج الرسول بولس بعض الأمور الخاصة بالعبادة. صحيح أن الديانة المسيحية تحضّ على العطاء والكرم، لكنها تحضّ أيضاً على العمل حتى لا يكون شخص عالة على شخص آخر. كما أن كنيسة تسالونيكي واجهت بعض سوء التفاهم حول موضوع عمل ومواهب الروح القدس، والرسول يعالج هذه الأمور في الرسالة الأولى.
رسالة تسالونيكي إذاً رسالة راعٍ فرحان برعيّته، سعيد بتقدُّمها، ويريد أن يشجّعهم ليستمروا في الإيمان. إنها رسالة تدفئ القلب، وترينا كيف كان الرسول يحب الكنيسة التي أسّسها.
أهداف كتابة الرسالة الثانية إلى تسالونيكي
أما الرسالة الثانية الى تسالونيكي فقد هدف فيها الرسول الى الأمور التالية:
-
كان قد تلقى معلومات عن أن أهل تسالونيكي ثابتون في الإيمان بالرغم من الاضطهاد، ولذلك فانه يمدح إيمانهم.
-
ويعالج الرسول بولس في رسالته الثانية مسألة غمضت على أهل تسالونيكي ولم يفهموها، بخصوص التعليم الذي علَّمه الرسول عن يوم الرب، فقد ظن البعض أن يوم الرب قد بدأ، وأنهم يجوزون في الدينونة التي تكلم عنها الرسول بولس في الرسالة الأولى. والرسول يقول إنهم ليسوا تحت الغضب، ويصحّح لهم مفهومهم الخاطئ.
-
وأخيراً، يقدم الرسول تحذيراً عما جاء في الرسالة الأولى (٥: ١٤) عن السلوك غير المنضبط. ويبدو أن حالة الكنيسة قد زادت سوءاً، ولذلك قدم لهم مزيداً من المعلومات لإصلاح هذا الخطأ.
كان الرسول حريصاً أن يمدح أهل تسالونيكي على الصلاح الذي يستحقونه، لكنه كان جاداً في أن يصلح الخطأ في العقيدة، وفي ممارسة الإيمان المسيحي.
الرسالة الأولى إلى تسالونيكي | ||
ملخص رسالة تسالونيكي الأولى | ||
أولاً : التحية ١: ١
ثانياً : بولس يمدح أهل تسالونيكي ١: ٢ - ١٠
ثالثاً : سلوك بولس مع أهل تسالونيكي ٢: ١ - ١٢
-
سلوك محبة ١ - ٩
-
سلوك طهارة ١٠ - ١٢
رابعاً : بولس يهتم بأهل تسالونيكي ٢: ١٣ - ٣: ١٣
-
بولس يهتم بآلام أهل تسالونيكي ٢: ١٣ - ٣: ٥
-
الاهتمام بسبب الآلام ٢: ١٣ - ٢٠
-
الاهتمام بعلاج الآلام ٣: ١ - ٥
-
-
بولس يهتم بنقائص إيمان أهل تسالونيكي ٣: ٦ - ١٣
خامساً: ضرورة نمو أهل تسالونيكي روحياً ٤: ١ - ١٢
-
النمو في الطهارة ١ - ٨
-
النمو في المحبة ٩ ، ١٠
-
النمو في العمل الجاد ١١ ، ١٢
سادساً: تعليم عن رجاء القيامة ٤: ١٣ - ١٨
سابعاً : تعليم عن يوم الرب ٥: ١ - ١١
-
موعد يوم الرب غير معروف ١ - ٣
-
الحاجة إلى السهر ٤ - ١١
ثامناً : وصايا عن الحياة المسيحية العملية ٥: ١٢ - ٢٤
-
نصيحة بخصوص القادة ١٢ - ١٣
-
نصائح بخصوص جماعة المؤمنين ١٤ ، ١٥
-
نصائح من جهة الحياة الشخصية ١٦ - ٢٤
تاسعاً : خاتمة الرسالة ٥: ٢٥ - ٢٨
أولاً - التحية | ||
|
١ بُولُسُ وَسِلْوَانُسُ وَتِيمُوثَاوُسُ، إِلَى كَنِيسَةِ ٱلتَّسَالُونِيكِيِّينَ، فِي ٱللّٰهِ ٱلآبِ وَٱلرَّبِّ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ. نِعْمَةٌ لَكُمْ وَسَلامٌ مِنَ ٱللّٰهِ أَبِينَا وَٱلرَّبِّ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ (١ تسالونيكي ١: ١). |
كان الكاتب زمن كتابة رسالة تسالونيكي يبدأ الرسالة بكتابة اسمه. لقد تعّودنا نحن أن نكتب اسماءنا في نهاية الرسالة التي نرسلها، وعلى ذلك فإن قارئ الرسالة يبدأ بأن ينظر الى آخرها ليرى اسم الراسل. أما الرسول بولس فقد كتب(حسب عادة أهل زمانه)اسمه واسم شخصين آخرين أرسلا هذه الرسالة الى كنيسة تسالونيكي: «بولس وسلوانس وتيموثاوس الى كنيسة التسالونيكيين».
أحيانا كان الرسول بولس يقول عن نفسه إنه «رسول» (غلاطية ١: ١) وأحياناً «عبد» (رومية ١: ١) لكن هنا يذكر اسمه مجرداً عن كل لقب، ويذكر معه اسمي سيلا (هو نفسه سلوانس) وتيموثاوس، لا لأن سيلا وتيموثاوس اشتركا في كتابة الرسالة معه، لكن لأنهما كانا معه أثناء وجوده في تسالونيكي، ولأنهما ساعداه على تأسيس الكنيسة هناك (أعمال ١٦: ١ - ٣ و ١٧: ١ ، ١٤). ولابد أنهما رفعا كنيسة تسالونيكي بالمحبة في صلواتهما.
أما سلوانس فهو نفسه المذكور في سفر الأعمال باسم سيلا، وسُمّي سلوانس في رسائل بولس. وهو من متنصّرِي اليهود، وعضو في كنيسة أورشليم من الأعضاء المتقدمين (أعمال ١٥: ٢٢) وقد كان واعظاً وكان يتمتع بالجنسية الرومانية (اعمال ١٦: ٣٧). وقد عيَّنه مجمع أورشليم رفيقاً لبرنابا وبولس عندما رجعا الى أنطاكية يحملان حكم مجمع أورشليم الى الكنائس (أعمال ١٥: ٢٢) ثم ذهب سيلا من أنطاكية إلى أورشليم، ولكنه رجع اليها سريعاً، ورافق بولس في رحلته التبشيرية الثانية (أعمال ١٥: ٤٠ ، ١٦: ١٩ ، ١٧: ٤). ولما ذهب بولس إلى بيرية ترك سلوانس فيها مع تيموثاوس. ولا نعلم ماذا فعل بعد ذلك حتى التقى ببولس في كورنثوس (أعمال ١٨: ٥) والمرجح أن سلوانس رجع الى أورشليم مع بولس. ولم يذكر بعد ذلك أنه رافق بولس الرسول.
أما تيموثاوس فإنه تلميذ بولس (أعمال ١٦: ١٠) ويذكره الرسول بعد سلوانس لأنه أصغر من سلوانس سناً، كما أنه أقل منه خدمة في الكنيسة.
أما الذين أرسل الرسول الرسالة اليهم فهم كنيسة التسالونيكيين. ومعنى كلمة كنيسة «مدعوون من» و «مدعوون الى..» فهؤلاء كنيسة «مدعوون من» الله الآب والرب يسوع المسيح. كانوا قبلاً في العالم وفي الظلمة وفي خطاياهم، لكن الله دعاهم ليصيروا فيه، لاتِّحادهم بالمسيح ولإيمانهم به. والرسول بولس ينبّر هنا على الوحدة الموجودة بين الآب والابن، وعلى الوحدة الموجودة مع المؤمنين في الله. هل أنت «في الله»؟
ثم يحيّي الرسول بولس أهل تسالونيكي بقوله «نعمة لكم وسلام من الله أبينا والرب يسوع المسيح». والنعمة هي تحية اليوناني لزميله اليوناني، وهي أمنية بجمال الحياة مجاناً لشخص لا يستحق. أما السلام فهو تحية اليهودي لزميله اليهودي، وهي تعني الخير الأعظم. ويجمع بولس سلام اليونان وسلام اليهود، لأن الكنيسة تضم مؤمنين من خلفية وثنية ومن خلفية يهودية، كانوا يتمنّون لبعضهم النعمة والسلام. لكن هذه الأمنية لا يمكن أن تتحقق إلا في المسيح فقط، ففيه وحده يصبح السلام والنعمة ممكنَينْ، فلا يمكن أن تصبح الأمنية حقيقة إلا في المسيح يسوع ربنا ومن الله أبينا.
عزيزي القارئ، هناك حرب بين الناس وبين الله، وهم يقولون له «ابعُدْ عنّا» ولكن الله يريد أن يُنعم علينا بالسلام. وهذا السلام ممكن فقط في المسيح، وهو الذي يجعلنا نقف من الله موقف الأبناء لا موقف العبيد والغرباء.
بهذا السلام يصبح لنا سلام مع الله، ويتحقق فينا ما جاء في (رومية ٥: ١) «إِذْ قَدْ تَبَرَّرْنَا بِٱلإِيمَانِ لَنَا سَلامٌ مَعَ ٱللّٰهِ بِرَبِّنَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ». ان الله يدعوك إلى سلام معه بإنعام منه. يدعوك بأن تتوحد مع غيرك من المؤمنين بالمسيح، فتكونون معاً جسد المسيح الواحد المنظور في العالم.
النعمة إذاً تسبّب فرحنا، لأنها تمنحنا نعمة الله التي لا نستحقها كهدية مجانية بالخلاص. وموت المسيح من أجلنا هو الذي دفع حسابها. وعندما نقول كلمة «سلام» اليوم فإننا نقصد بها عدم وجود حرب. لكن الكتاب المقدس يقصد بها وجود توافق بين الله والبشر ينتج نجاحاً روحياً. وهذا التوافق بين الله والبشر لا يمكن أن يتم إلا بواسطة كفارة المسيح. ويذكر الرسول النعمة أولاً، ثم يذكر السلام بعد ذلك، لأننا لا يمكن أن نحصل على سلام حقيقي حتى ينعم الله علينا بنعمته في قلوبنا.
آية للحفظ
«نِعْمَةٌ لَكُمْ وَسَلامٌ مِنَ ٱللّٰهِ أَبِينَا وَٱلرَّبِّ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ» (١تسالونيكي ١: ١)
صلاة
أبانا السماوي، نشكرك لأنك تعلّمنا عن وحدانية المؤمنين معك. نصلي أن تجعلنا نعامل غيرنا من المؤمنين بمحبة، وأن نعيش معهم بسلام، ولْيفِضْ في قلوبنا سلامك ونعمتك.
سؤال
1- ما معنى كلمة «كنيسة في الله»؟
ثانياً - بولس يمدح أهل تسالونيكي | ||
|
٢ نَشْكُرُ ٱللّٰهَ كُلَّ حِينٍ مِنْ جِهَةِ جَمِيعِكُمْ، ذَاكِرِينَ إِيَّاكُمْ فِي صَلَوَاتِنَا، ٣ مُتَذَكِّرِينَ بِلا ٱنْقِطَاعٍ عَمَلَ إِيمَانِكُمْ، وَتَعَبَ مَحَبَّتِكُمْ، وَصَبْرَ رَجَائِكُمْ، رَبَّنَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحَ، أَمَامَ ٱللّٰهِ وَأَبِينَا. ٤ عَالِمِينَ أَيُّهَا ٱلإِخْوَةُ ٱلْمَحْبُوبُونَ مِنَ ٱللّٰهِ ٱخْتِيَارَكُمْ، ٥ أَنَّ إِنْجِيلَنَا لَمْ يَصِرْ لَكُمْ بِٱلْكَلامِ فَقَطْ، بَلْ بِٱلْقُّوَةِ أَيْضاً، وَبِالرُّوحِ ٱلْقُدُسِ، وَبِيَقِينٍ شَدِيدٍ، كَمَا تَعْرِفُونَ أَيَّ رِجَالٍ كُنَّا بَيْنَكُمْ مِنْ أَجْلِكُمْ. ٦ وَأَنْتُمْ صِرْتُمْ مُتَمَثِّلِينَ بِنَا وَبِالرَّبِّ، إِذْ قَبِلْتُمُ ٱلْكَلِمَةَ فِي ضِيقٍ كَثِيرٍ، بِفَرَحِ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ، ٧ حَتَّى صِرْتُمْ قُدْوَةً لِجَمِيعِ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ فِي مَكِدُونِيَّةَ وَفِي أَخَائِيَةَ. ٨ لأَنَّهُ مِنْ قِبَلِكُمْ قَدْ أُذِيعَتْ كَلِمَةُ ٱلرَّبِّ، لَيْسَ فِي مَكِدُونِيَّةَ وَأَخَائِيَةَ فَقَطْ، بَلْ فِي كُلِّ مَكَانٍ أَيْضاً قَدْ ذَاعَ إِيمَانُكُمْ بِٱللّٰهِ، حَتَّى لَيْسَ لَنَا حَاجَةٌ أَنْ نَتَكَلَّمَ شَيْئاً. ٩ لأَنَّهُمْ هُمْ يُخْبِرُونَ عَنَّا أَيُّ دُخُولٍ كَانَ لَنَا إِلَيْكُمْ، وَكَيْفَ رَجَعْتُمْ إِلَى ٱللّٰهِ مِنَ ٱلأَوْثَانِ لِتَعْبُدُوا ٱللّٰهَ ٱلْحَيَّ ٱلْحَقِيقِيَّ، ١٠ وَتَنْتَظِرُوا ٱبْنَهُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ، ٱلَّذِي أَقَامَهُ مِنَ ٱلأَمْوَاتِ، يَسُوعَ، ٱلَّذِي يُنْقِذُنَا مِنَ ٱلْغَضَبِ ٱلآتِي (١ تسالونيكي ١: ٢ - ١٠). |
يبدأ الرسول بولس رسالته بأن يمدح أهل تسالونيكي، ويرفع الشكر الى الله من أجلهم، ويقول إنه يصلي من أجلهم دائماً «ذاكرين إياكم في صلواتنا». لقد كان أهل تسالونيكي في قلب الرسول بولس، يفكر فيهم لأنه أبوهم الروحي، وهو يقدم الشكر على ثلاثة أشياء:
-
عمل ايمانهم - العمل الذي نتج عن تصديق الله ومواعيده، وتسليم النفس له.
-
تعب محبتهم - وهو المجهود الذى بذلوه باستمرار، محبةً في الله وفي الناس.
-
صبر رجائهم - وهو الأمل في الرب الذي جعلهم يحتملون المتاعب «صابرين في الرجاء».
هذه الثلاثة : الايمان والمحبة والرجاء، اعتبرها الرسول المبادئ الجوهرية الأساسية الدائمة للحياة المسيحية «أَمَّا ٱلآنَ فَيَثْبُتُ ٱلإِيمَانُ وَٱلرَّجَاءُ وَٱلْمَحَبَّةُ، هٰذِهِ ٱلثَّلاثَةُ» (١كورنثوس ١٣: ١٣).
١ - عمل إيمانهم: وهذا أول ما يقدم الرسول الشكر عليه.
وقد يشير هذا إلى عمل الإيمان الذي جاءهم بالخلاص. أو قد يشير إلى عمل الإيمان الذي يتبع الخلاص. وأغلب الظن أن الرسول بولس يقصد به العمل الذي قاموا به بعد أن نالوا الخلاص. لقد سبق أن آمن أهل تسالونيكي بالمسيح، والإيمان يعني الاقتناع. فقد اقتنعوا بخطئهم وبشدة حاجتهم للمسيح الفادي والمخلّص، كما اقتنعوا بصدق رسالة الانجيل.
والإيمان يعني القبول، فبعد أن اقتنعوا بحاجتهم إلى المسيح فتحوا قلوبهم ليقبلوه مخلّصاً «وَأَمَّا كُلُّ ٱلَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَاناً أَنْ يَصِيرُوا أَوْلادَ ٱللّٰهِ، أَيِ ٱلْمُؤْمِنُونَ بِٱسْمِهِ. اَلَّذِينَ وُلِدُوا... مِنَ ٱللّٰهِ» (يوحنا ١: ١٢ ، ١٣) فالمؤمنون باسمه هم الذين قبلوه، وهم الذين وُلدوا من الله.
والإيمان يعني الأمانة، فالذي يقتنع بحاجته الى المسيح، ويقبل المسيح، يعيش أميناً للمسيح.
لقد ظهر «عمل إيمان» أهل تسالونيكي، ولذلك كان الرسول واثقاً أنهم أحباء الله. سبق أن الله أحبهم، وهو يحبهم الآن، ومحبته لهم مستمرة في المستقبل. ونتيجة لهذه المحبة المستمرة اختارهم الله ليكونوا مِلْكاً له، ونتيجة لهذا الاختيار النابع من محبة الله قبل أهل تسالونيكي إنجيل المسيح - الخبر المفرح - الذي جاءهم الله به. ويقدم الرسول بولس خمسة أوصاف لطريقة وصول الانجيل الى أهل تسالونيكي:
-
لم يصِرِ الإنجيل اليهم بالكلام فقط، بمعنى أن إيمانهم لم يكن نتيجة بلاغةٍ واقتناعٍ بكلام، أو بتأثيرٍ في عاطفة - لكن إيمانهم جاء نتيجة قبولهم لما أعلنه الله لهم على فم بولس.
-
بل بالقوة أيضاً، فقد صاحبت الكلمة المقدسة قوة إلهية، لأن الكلمات مهما سمت قوتها لا تقدر أن تغيّر. لكن التغيير يجئ من قوة الله المصاحبة للكلمة.
-
وبالروح القدس، مصدر تلك القوة. فان الروح هو الذي أعطى بولس قدرة على التبشير، فحيث الروح تُوجد القوة، وحيث اللاروح يكون الكلام مجرد كلام في الهواء بدون نتيجة. والروح القدس هو الذي يشهد للمسيح ويقنع السامع بصدق الانجيل.
-
و «بيقين شديد» أى «لِكُلِّ غِنَى يَقِينِ ٱلْفَهْمِ، لِمَعْرِفَةِ سِرِّ ٱللّٰهِ ٱلآبِ وَٱلْمَسِيحِ» (كولوسى ٢: ٢). فالرب الذي قّوَى بولس على التبشير فتح قلوب أهل تسالونيكي ليقبلوا كلمة الله بكل ثقة. كان الرسول في يقين شديد أن ما يقوله صحيح، وكان أهل تسالونيكي في يقين شديد أن ما سمعوه صحيح، لأن الروح القدس شهد لقوة الكلمة وفعاليتها فأثمرت إيماناً عاملاً في قلوب السامعين.
-
«كما تعرفون أيّ رجال كنا بينكم من أجلكم». لقد كانت حياة الرسول بولس سنداً لكلامه. كانت أمانته في التبشير واجتهاده في أن يجعل كلامه مقبولاً بواسطة حياته وسلوكه، سبب تأثير في أهل تسالونيكي، ولذلك فإنه نفذ الوصية التي قالها لأهل كولوسي: «اُسْلُكُوا بِحِكْمَةٍ مِنْ جِهَةِ ٱلَّذِينَ هُمْ مِنْ خَارِجٍ، مُفْتَدِينَ ٱلْوَقْتَ» (كولوسي ٤: ٥).
ونتيجة لهذا الأسباب الخمسة وجد أهل تسالونيكي خلاصهم. لم يطلب بولس في شيء من أعماله مجداً لنفسه أو منفعة لذاته، لكنه عمل بيديه لكى يعظ مجاناً، وقرَنَ وعظه بسيرة مقدسة ليكون بلا عثرة في سبيل الإنجيل.
ويقول الرسول بولس في الآية التاسعة من الأصحاح الأول إنهم في كل مكان يخبرون عن كيف قبل أهل تسالونيكي بولس الرسول حين جاء اليهم، وكيف اهتدوا إلى الله وتركوا الأوثان ليعبدوا الله الحي الحقيقي، وهذا يُظهر عمل إيمانهم الذين كان في قلوبهم، والذي كان واضحاً أمام الجميع.
٢ - ثم يمدح الرسول بولس «تعب محبتهم» والمقصود بتعب محبتهم، هو ما أظهروه من محبة للمسيح باحتمالهم الاضطهاد والشدائد لأجله، وكان ياسون مثلاً طيباً لهم في ذلك (أعمال ١٧: ٦) ثم أنه يقصد به ما احتمله أهل تسالونيكي بعضهم من أجل بعض في وقت المرض والفقر والاضطهاد. فمن صفات المحبة أن صاحبها يخدم الآخرين بكل ما عنده من قوة.
تطلب المحبة دوماً خير الآخرين. ولما كان أعظم خير نقدمه للآخرين هو أن نخبرهم بفرح الإنجيل، فإن كل الذين يحبون الآخرين يتعبون في توصيل رسالة الإنجيل لهم، وهذا ما فعله أهل تسالونيكي، فيقول الرسول لهم إن كلام الرب انتشر من عندهم، لا إلى مكدونية وبلاد أخائية وحدهما، بل في كل مكان حتى لم تعُدْ للرسول حاجة أن يطالبهم بالكرازة، فإن الجميع كانوا يشهدون أنهم يعبدون الله الحي الحقيقي. وكلمة عبادة تعني خدمة (عَبَدَ وعَبْد من أصل واحد في اللغة العربية). لقد خدم أهل تسالونيكي الرب، وخدموا المؤمنين، وخدموا بولس الرسول خدمة مباركة، وهكذا ظهر تعب محبتهم.
٣ - «صبر رجائكم» . هذا هو الموضوع الثالث الذي يمدح بولس أهل تسالونيكي عليه. كانوا صابرين وكان لهم رجاء. ويقصد الرسول بولس بصبر رجائهم ما أظهروه من الأمل، لأنهم بقوا مسرورين وهم يحملون صليب الاضطهاد، لأنهم كانوا يتوقعون المجد الذي يجيئهم بعد المتاعب. كان أعظم موضوع لرجائهم هو المسيح نفسه، وذلك وفق القول: «مُنْتَظِرِينَ ٱلرَّجَاءَ ٱلْمُبَارَكَ وَظُهُورَ مَجْدِ ٱللّٰهِ ٱلْعَظِيمِ وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ» (تيطس ٢: ١٣) والقول: «ٱلْمَسِيحُ فِيكُمْ رَجَاءُ ٱلْمَجْدِ» (كولوسى ١: ٢٧) وعلى ذلك فقد اتكل أهل تسالونيكي على المسيح وانتظروا مجيئه ثانية (آية ١٠) وسط إعلان ملكوته الذي يحقّق التمتُّع بالمجد الذي كانوا يرجونه دون أن ينظروه.
والصبر هنا لا يعني الصبر السلبي على الألم، لكن يعني توقع الانتصار. فالمؤمن لا يقبل الألم ساكتاً لكنه يتوقع الانتصار على الألم، كما قال المرنم: «عِنْدَ ٱلْمَسَاءِ يَبِيتُ ٱلْبُكَاءُ، وَفِي ٱلصَّبَاحِ تَرَنُّمٌ» (مزمور ٣٠: ٥) فالمؤمن يتوقّع دوماً شروق الشمس بعد الغيوم، لأن الله من خلف الغيمة. لقد صار أهل تسالونيكي متمثلين ببولس الرسول، كما أنهم كانوا متمثلين بالسيد المسيح، الذي بنعمة الله ذاق الألم من أجل كل واحد، فقد قبلوا الكلمة في ضيق كثير بفرح الروح القدس.
لم يعِدْنا المسيح أبداً أن يقدم لنا إكليلاً من ورود، ولكنه قال: «في العالم سيكون لكم ضيق» غير أن صبر الرجاء موجود في قوله: «لٰكِنْ ثِقُوا: أَنَا قَدْ غَلَبْتُ ٱلْعَالَمَ» (يوحنا ١٦: ٣٣) كما قال لتلاميذه: «فأنتم كذلك عندكم الآن حزن، ولكني سأراكم ايضاً فتفرح قلوبكم، ولا ينزع أحد فرحكم منكم» يوحنا ١٦: ٢٢). ولقد رأى المؤمنون في مكدونية وأخائية صدى رجاء أهل تسالونيكي، فكانوا لهم قدوة طيبة.
ويقدم الرسول بولس في الآية العاشرة وصفاً لهذا الرجاء الصابر الذي ملأ نفوس أهل تسالونيكي، فيقول: «وتنتظروا ابنه من السماء». لقد ارتفعت قلوبهم إلى أعلى وهم ينتظرون مجيء المسيح ثانية، وكما قام المسيح من بين الأموات، ولم يكن ممكنا أن يمسكه القبر، سيجيء مرة ثانية ليقيم المؤمنين به من بين القبور، وليغيّر حالة المؤمنين به من عذاب الاضطهاد ومتاعبه، ليعطيهم الانتصار. إن انتظارنا ابنه من السماء يرفع عيوننا إلى أعلى. لقد كانوا ينتظرون شخصاً هو المسيح، كمركز لرجائهم لينقذهم من الغضب الآتي الذي هو دينونة الله العادلة لكل من يفعل الإثم. سيعطى يوم مجيء الرب الثواب للأبرار، كما يدين الأشرار.
هذا الحديث عن حياة أهل تسالونيكي في عمل إيمانهم، وتعب محبتهم، وصبر رجائهم، كان علامة عظيمة لكل المحيطين بهم ليروا قوة الإنجيل الذي يعمل في تغيير الحياة، والذي يقّوي الإنسان في وقت التعب، والذي يرفعه ليجاهد جهاداً حسناً.
آية للحفظ
«مُتَذَكِّرِينَ بِلا ٱنْقِطَاعٍ عَمَلَ إِيمَانِكُمْ، وَتَعَبَ مَحَبَّتِكُمْ، وَصَبْرَ رَجَائِكُمْ» ١تسالونيكي ١: ٣)
صلاة
أبانا السماوي، نشكرك لأجل الإيمان الذي هو عطية منك، ولأجل المحبة التي علَّمتها أنت لنا، ولأجل الرجاء الذي تملأ به قلوبنا. يارب اجعل إيماني عاملاً، ومحبتي مثمرة، ورجائي صابراً، وليكن ربنا يسوع المسيح مصدر هذه البركات كلها في حياتي.
سؤال
2- ما معنى كلمة صبر عند المسيحيين؟
ثالثا - سلوك بولس مع أهل تسالونيكي(١تسالونيكي ٢: ١ - ١٢) | ||
قال الرسول بولس في ١: ٥ «كما تعرفون أي رجال كنا بينكم من أجلكم».
وفي هذه الآيات يقدم الرسول بولس شرحاً لمِا قصده بقوله في ١: ٥. وهو يقول لهم إن دخوله اليهم لم يكن باطلاً، وكأنه يقول: «اسألوا أي شخص في تسالونيكي يُقلْ لكم إنني أقول الحق عندما أخبركم أنني سلكتُ بقداسة وبأمانة وبدون عيب، كل الوقت الذي صرفته في بلدكم».
-
سلوك محبة (١ - ٩ )
-
سلوك طهارة (١٠ - ١٢ )
١ - سلوك محبة
|
١ لأَنَّكُمْ أَنْتُمْ أَيُّهَا ٱلإِخْوَةُ تَعْلَمُونَ دُخُولَنَا إِلَيْكُمْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَاطِلاً، ٢ بَلْ بَعْدَ مَا تَأَلَّمْنَا قَبْلاً وَبُغِيَ عَلَيْنَا كَمَا تَعْلَمُونَ، فِي فِيلِبِّي، جَاهَرْنَا فِي إِلٰهِنَا أَنْ نُكَلِّمَكُمْ بِإِنْجِيلِ ٱللّٰهِ، فِي جِهَادٍ كَثِيرٍ. ٣ لأَنَّ وَعْظَنَا لَيْسَ عَنْ ضَلالٍ، وَلا عَنْ دَنَسٍ، وَلا بِمَكْرٍ، ٤ بَلْ كَمَا ٱسْتُحْسِنَّا مِنَ ٱللّٰهِ أَنْ نُؤْتَمَنَ عَلَى ٱلإِنْجِيلِ هٰكَذَا نَتَكَلَّمُ، لا كَأَنَّنَا نُرْضِي ٱلنَّاسَ بَلِ ٱللّٰهَ ٱلَّذِي يَخْتَبِرُ قُلُوبَنَا. ٥ فَإِنَّنَا لَمْ نَكُنْ قَطُّ فِي كَلامِ تَمَلُّقٍ كَمَا تَعْلَمُونَ، وَلا فِي عِلَّةِ طَمَعٍ. اَللّٰهُ شَاهِدٌ. ٦ وَلا طَلَبْنَا مَجْداً مِنَ ٱلنَّاسِ، لا مِنْكُمْ وَلا مِنْ غَيْرِكُمْ مَعَ أَنَّنَا قَادِرُونَ أَنْ نَكُونَ فِي وَقَارٍ كَرُسُلِ ٱلْمَسِيحِ. ٧ بَلْ كُنَّا مُتَرَفِّقِينَ فِي وَسَطِكُمْ كَمَا تُرَبِّي ٱلْمُرْضِعَةُ أَوْلادَهَا، ٨ هٰكَذَا إِذْ كُنَّا حَانِّينَ إِلَيْكُمْ كُنَّا نَرْضَى أَنْ نُعْطِيَكُمْ، لا إِنْجِيلَ ٱللّٰهِ فَقَطْ بَلْ أَنْفُسَنَا أَيْضاً، لأَنَّكُمْ صِرْتُمْ مَحْبُوبِينَ إِلَيْنَا. ٩ فَإِنَّكُمْ تَذْكُرُونَ أَيُّهَا ٱلإِخْوَةُ تَعَبَنَا وَكَدَّنَا، إِذْ كُنَّا نَكْرِزُ لَكُمْ بِإِنْجِيلِ ٱللّٰهِ، وَنَحْنُ عَامِلُونَ لَيْلاً وَنَهَاراً كَيْ لا نُثَقِّلَ عَلَى أَحَدٍ مِنْكُمْ (١تسالونيكي ٢: ١ - ٩). |
يوضح الرسول بولس أن سلوكه مع أهل تسالونيكي كان سلوك محبة. لا محبة الذات ولا محبة الراحة الشخصية. فمع كل ما لقيه في فيلبي من العذاب والإهانة كانت له الجرأة السماوية أن يكلّمهم ببشارة الله في وجه معارضة شديدة. وكانوا يعلمون ذلك معرفة كاملة. لقد كان الاضطهاد والألم الذي لاقاه بولس نتيجة ظلم، فقد ضربوه كما يضربون العبيد مع أنه روماني، وسجنوه وقيَّدوه بلا محاكمة، مع أن هذا يخالف الشريعة الرومانية (أعمال ١٦: ٢٢ - ٢٤). وقد تكرر نفس هذا الأمر في تسالونيكي، إذ اعتدوا عليه وأهانوه، ولكن هذا لم يمنعه من أن يجاهر بإلهه، ويكلّم أهل تسالونيكي بإنجيل الله في جهاد كثير، واثقاً بالله وموقناً أنه هو الذي أرسله واتحد به ويعمل فيه. وهكذا وجد التشجيع ليتكلم بالرغم من مقاومة اليهود الشديدة، ومقاومة الرجال الذين هيَّجهم اليهود ضد بولس وجماعته. ولقد جاءت هذه المجاهرة وهذا الجهاد من أن وعظ بولس ليس «عن ضلال» - أي ليس نتيجة أوهام يخدع بها السامعين - كما قال الرسول بطرس: «لأَنَّنَا لَمْ نَتْبَعْ خُرَافَاتٍ مُصَنَّعَةً إِذْ عَرَّفْنَاكُمْ بِقُّوَةِ رَبِّنَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ وَمَجِيئِهِ، بَلْ قَدْ كُنَّا مُعَايِنِينَ عَظَمَتَهُ» (٢بطرس ١: ١٦) ولم يكن وعظ الرسول «عن دنس» - أي لغايات دنيوية فاسدة. ولم يكن وعظه «بمكر» - أي أن أعمال بولس وأقواله كانت باخلاص واستقامة، فلم يستعمل الحيلة ليصيد الناس للإيمان المسيحي، لأن الإنجيل ليس محتاجاً إلى غش وخداع لإثبات صدقه، فهو يستند على عمل الروح القدس.
وكأن بولس يقول: «نحن لا نعظ عن ضلال ولا دنس ولا خداع، بل نتكلم كلام مَن امتحنهم الله ووجدهم أمناء، فائتمنهم على البشارة، لا لنُرضي الناس بل لنرضِي الله الذي يختبر قلوبنا».
ويعتبر بولس نفسه دائماً وكيل إله الحق والقداسة، فيعلن للناس طريق الخلاص. وهو لا يختار التعاليم التي تُرضي الناس عن أنفسهم، أو تجعلهم يتكلون على صلاحهم الشخصي، لكن يبكتهم على خطيتهم، ويوضح لهم حاجتهم الى التوبة والطهارة والسلوك الطاهر.
ويقدم الرسول بولس في الآية الخامسة برهاناً على محبته لأهل تسالونيكي، فيقول لهم إنه لم يتملقهم بكلمة ولا طمع فيهم - وهم يشهدون بذلك، كما أن الله يشهد به. ولم يطلب مجداً من الناس - لا من أهل تسالونيكي ولا من غيرهم - مع أنه كان يحقّ له أن يحصل على الاحترام منهم لأنه رسول يسوع المسيح. ولكنه في محبة حقيقية يقول: «بل كنا مترفّقين في وسطكم كما تربّي المرضِعة أولادها، حتى أننا تمنّينا لو نشارككم في حياتنا لا في بشارة الله وحدها، لأنكم صرتم أحباء إلينا». كان مستعداً إذا اقتضت الضرورة أن يموت من أجلهم، كما يقول الرسول يوحنا: «بِهٰذَا قَدْ عَرَفْنَا ٱلْمَحَبَّةَ: أَنَّ ذَاكَ وَضَعَ نَفْسَهُ لأَجْلِ ٱلإِخْوَةِ» (١يوحنا ٣: ١٦) وقد صَدَق فيه قول المسيح: «لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هٰذَا أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ» يوحنا ١٥: ١٣). وقد وضح حبُّ الرسول لهم من أنه عاملهم معاملة نزيهة عادلة لا لوم فيها، فقد كان يعمل في الليل والنهار لكي لا يثقل على أحد منهم، لأنه كان يريد أن يوصّل لهم رسالة الانجيل مجاناً بدون أن يتعبهم. لقد تعب بولس بينهم بتضحية وبرفق وبرغبة حقيقية في خدمتهم لأنه كان يحبهم فعلاً.
٢ - سلوك طهارة
|
١٠ أَنْتُمْ شُهُودٌ، وَٱللّٰهُ، كَيْفَ بِطَهَارَةٍ وَبِبِرٍّ وَبِلا لَوْمٍ كُنَّا بَيْنَكُمْ أَنْتُمُ ٱلْمُؤْمِنِينَ. ١١ كَمَا تَعْلَمُونَ كَيْفَ كُنَّا نَعِظُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ كَٱلأَبِ لأَوْلادِهِ، وَنُشَجِّعُكُمْ، ١٢ وَنُشْهِدُكُمْ لِكَيْ تَسْلُكُوا كَمَا يَحِقُّ لِلّٰهِ ٱلَّذِي دَعَاكُمْ إِلَى مَلَكُوتِهِ وَمَجْدِهِ (١تسالونيكي ٢: ١٠ - ١٢) |
في هذا الآيات يذكّرهم بولس بطهارة سيرته بينهم، ويدعوهم أن يشهدوا له بذلك بعد أن رأوا كل تصرفاته بينهم. لقد تصرَّف بينهم «بطهارة» أمام الله القدوس الذي يطلب القداسة في أولاده. وتصرف بينهم «ببر» (بمعنى: بعدالة) فكان يعطي كل إنسان حقه. وتصرف بينهم «بلا لوم» أمام الله والناس، فلم يفعل شيئاً يستحق أن يلومه عليه أحد، لأنه أراد للمؤمنين أن يعرفوا أسلوب حياته وأن يحكموا في أمانته.
كان يعظهم كالأب لأولاده ويشجعهم، بخلاف ما قاله المسيح عن بعض المعلمين انهم يقولون ولا يفعلون، فإنهم يحزمون أحمالاً ثقيلة عسرة الحمل ويضعونها على أكتاف الناس، وهم لا يريدون أن يحركوها بإصبعهم (متى ٢٣: ٤).
على أن بولس وعظهم وشجَّعهم لكى يسلكوا كما يحق لله الذي دعاهم إلى ملكوته ليكونوا أتباع المسيح، كما دعاهم ليشتركوا في مجده الذي كان له قبل كَوْن العالم (يوحنا ١٧: ٥).
آية للحفظ
«كُنَّا مُتَرَفِّقِينَ فِي وَسَطِكُمْ كَمَا تُرَبِّي ٱلْمُرْضِعَةُ أَوْلادَهَا» (١تسالونيكي ٢: ٧)
صلاة
أبانا السماوي، نشكرك من كل القلب لأجل النموذج الصالح في محبة بولس الرسول للمؤمنين وفي طهارة حياته.
ربنا، أعطنا الحياة الطاهرة المليئة بالمحبة لنستطيع أن نخدمك ونكون مترفقين بالآخرين، لا نطلب مجداً من الناس، بل نتعب ونجتهد لتوصيل رسالة محبتك لهم.
سؤال
٣- في آيتي ٧ ، ١١ من أصحاح ٢ يقدم الرسول وصفين لمحبته لأهل تسالونيكي. أذكرهما.
رابعاً - بولس يهتمّ بأهل تسالونيكي ٢: ١٣-٣: ١٣ | ||
بعد أن مدح بولس أهل تسالونيكي على ايمانهم ومحبتهم ورجائهم، وبعد أن أوضح لهم أن سلوكه بينهم كان سلوك المحبة والطهارة، يوضح في هذه الآيات اهتمامه بأهل تسالونيكي في أمرين:
-
اهتمامه بهم في آلامهم (٢: ١٣-٣: ٥)
-
واهتمامه بنقائص إيمانهم (٣: ٦-١٣)
١ - بولس يهتم بآلام أهل تسالونيكي
في اهتمام الرسول بولس بآلام أهل تسالونيكي يذكر أمرين:
الاهتمام (أ) بسبب آلامهم (٢: ١٣ - ٢٠)
والاهتمام (ب) بعلاج آلامهم (٣ : ١ - ٥)
(أ) بولس يهتم بسبب آلام أهل تسالونيكي
|
١٣ مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ نَحْنُ أَيْضاً نَشْكُرُ ٱللّٰهَ بِلا ٱنْقِطَاعٍ، لأَنَّكُمْ إِذْ تَسَلَّمْتُمْ مِنَّا كَلِمَةَ خَبَرٍ مِنَ ٱللّٰهِ، قَبِلْتُمُوهَا لا كَكَلِمَةِ أُنَاسٍ، بَلْ كَمَا هِيَ بِٱلْحَقِيقَةِ كَكَلِمَةِ ٱللّٰهِ، ٱلَّتِي تَعْمَلُ أَيْضاً فِيكُمْ أَنْتُمُ ٱلْمُؤْمِنِينَ. ١٤ فَإِنَّكُمْ أَيُّهَا ٱلإِخْوَةُ صِرْتُمْ مُتَمَثِّلِينَ بِكَنَائِسِ ٱللّٰهِ ٱلَّتِي هِيَ فِي ٱلْيَهُودِيَّةِ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ، لأَنَّكُمْ تَأَلَّمْتُمْ أَنْتُمْ أَيْضاً مِنْ أَهْلِ عَشِيرَتِكُمْ تِلْكَ ٱلآلامَ عَيْنَهَا كَمَا هُمْ أَيْضاً مِنَ ٱلْيَهُودِ، ١٥ ٱلَّذِينَ قَتَلُوا ٱلرَّبَّ يَسُوعَ وَأَنْبِيَاءَهُمْ، وَٱضْطَهَدُونَا نَحْنُ. وَهُمْ غَيْرُ مُرْضِينَ لِلّٰهِ وَأَضْدَادٌ لِجَمِيعِ ٱلنَّاسِ ١٦ يَمْنَعُونَنَا عَنْ أَنْ نُكَلِّمَ ٱلأُمَمَ لِكَيْ يَخْلُصُوا حَتَّى يُتَمِّمُوا خَطَايَاهُمْ كُلَّ حِينٍ. وَلٰكِنْ قَدْ أَدْرَكَهُمُ ٱلْغَضَبُ إِلَى ٱلنِّهَايَةِ. ١٧ وَأَمَّا نَحْنُ أَيُّهَا ٱلإِخْوَةُ، فَإِذْ قَدْ فَقَدْنَاكُمْ زَمَانَ سَاعَةٍ، بِٱلْوَجْهِ لا بِٱلْقَلْبِ، ٱجْتَهَدْنَا أَكْثَرَ بِٱشْتِهَاءٍ كَثِيرٍ أَنْ نَرَى وُجُوهَكُمْ. ١٨ لِذٰلِكَ أَرَدْنَا أَنْ نَأْتِيَ إِلَيْكُمْ أَنَا بُولُسَ مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ. وَإِنَّمَا عَاقَنَا ٱلشَّيْطَانُ. ١٩ لأَنْ مَنْ هُوَ رَجَاؤُنَا وَفَرَحُنَا وَإِكْلِيلُ ٱفْتِخَارِنَا؟ أَمْ لَسْتُمْ أَنْتُمْ أَيْضاً أَمَامَ رَبِّنَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ فِي مَجِيئِهِ؟ ٢٠ لأَنَّكُمْ أَنْتُمْ مَجْدُنَا وَفَرَحُنَا (١تسالونيكي ٢: ١٣ - ٢٠) |
ظل أهل تسالونيكي ثابتين في إيمانهم بالمسيح بالرغم من الاضطهادات التى مرّوا بها. وبولس يحمد الله بغير انقطاع لأن أهل تسالونيكي لما تلقُّوا كلام الله منه قبلوه لا على أنه كلام بشر، بل على أنه بالحقيقة كلام الله الذي يعمل فيهم، فآمنوا به. لقد وقع الاضطهاد على أهل تسالونيكي من الوثنيين الذين هيَّجهم اليهود ضد أولئك المؤمنين الجدد. والرسول يقول لهم إن ما أصابهم يشبه ما أصاب الكنائس التي باليهودية، فقد أوقع اليهود الاضطهاد بالمؤمنين اليهود، وأوقع الوثنيون الاضطهاد بالمؤمنين من الوثنيين.
ويقول الرسول إن اليهود هم الذين قتلوا الرب يسوع، وقتلوا الأنبياء، واضطهدوا بولس وأصحابه، وهم لا يُرْضُون الله، وصاروا أعداء جميع الناس. وفي عداوتهم يمنعون الرسول بولس من تبشير الأمم. وبهذا جاوزوا الحدَّ بخطاياهم، واستحقّوا أن ينزل عليهم في النهاية غضبُ الله.
ويسمح الله أن الاشرار يضطهدون المؤمنين ليُظِهر فساد الطبيعة الانسانية، وليُظهر برَّه عندما يوقع على الاشرار قضاءه وعقابه - كما أن الاضطهادات تلجئ المؤمن للصلاة والقرب من الله، فيتنقى قلبه، ويصير اكثر فائدة لخدمة الله والناس.
وبالرغم من الاضطهادات الكثيرة التي وقعت على أهل تسالونيكي ظلوا ثابتين في وسط الاضطهاد، ولذلك يعبّر بولس عن فرحه الشديد بذلك (آيات ١٧ - ٢٠). لقد انتصر المؤمنون بالرغم من أن بولس كان قد تركهم وافترق عنهم. صحيح أنه كان يريد أن يراهم لأنه أب لهم يحبهم، وقد حاول أن يأتي اليهم مرة ومرتين لكن الشيطان عطله. والمرجح أن الذين عطلوه كانوا الناس الأشرار، لكنه تحقق أن الشيطان هو الذي جعل أولئك الأشرار يعطلون ذهابه إليهم. أو ربما عطله مرض، أو أحوال صعبة سببها الشيطان، فان أهل تسالونيكي هم موضوع رجاء بولس، وسبب كل السرور الذي يتوقعه عند مجيء المسيح. كما أنهم سبب فرحه، لأن حضوره معهم في السماء سيكون من أعظم أفراحه هناك. وهم إكليل افتخاره، فقد كان المنتصرون في الألعاب الرياضية يُكلَّلون بأكاليل ظاهرة، أما هؤلاء المؤمنون فهم إكليل بولس الذى سيناله في يوم الرب.
وهو يقول لهم إن ثباتهم في وسط هذه الآلام مجد له وفرح كخزائن الذهب والجواهر للملوك. وبولس يتساءل: «فمن سيكون رجاؤنا وفرحنا واكليل افتخارنا عند ربنا يسوع المسيح يوم مجيئه؟» ويجاوب: «أليس هو أنتم يا أهل تسالونيكي؟ نعم.. أنتم مجدنا وأنتم فرحنا!».
آية للحفظ
«أَنْتُمْ مَجْدُنَا وَفَرَحُنَا» (١تسالونيكي ٢: ٢٠)
صلاة
أبانا السماوي، نشكرك لأن الاضطهاد الواقع على جماعة المؤمنين يعني أنهم ليسوا من هذا العالم. فلو كانوا من العالم لأحبَّهم العالم. لكن لأنهم منك فإن العالم يبغضهم. ساعدنا لنقف إلى جانبك مهما كلَّفنا ذلك من متاعب. ساعدنا لنحتمل الآلام بالصبر وبالشكر.
سؤال
٤- كيف عطل الشيطان بولس عن زيارة كنيسة تسالونيكي؟
(ب) بولس يهتم بعلاج ألم أهل تسالونيكي
|
١ لِذٰلِكَ إِذْ لَمْ نَحْتَمِلْ أَيْضاً ٱسْتَحْسَنَّا أَنْ نُتْرَكَ فِي أَثِينَا وَحْدَنَا. ٢ فَأَرْسَلْنَا تِيمُوثَاوُسَ أَخَانَا، وَخَادِمَ ٱللّٰهِ، وَٱلْعَامِلَ مَعَنَا فِي إِنْجِيلِ ٱلْمَسِيحِ، حَتَّى يُثَبِّتَكُمْ وَيَعِظَكُمْ لأَجْلِ إِيمَانِكُمْ، ٣ كَيْ لا يَتَزَعْزَعَ أَحَدٌ فِي هٰذِهِ ٱلضِّيقَاتِ. فَإِنَّكُمْ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّنَا مَوْضُوعُونَ لِهٰذَا. ٤ لأَنَّنَا لَمَّا كُنَّا عِنْدَكُمْ سَبَقْنَا فَقُلْنَا لَكُمْ: إِنَّنَا عَتِيدُونَ أَنْ نَتَضَايَقَ، كَمَا حَصَلَ أَيْضاً، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ. ٥ مِنْ أَجْلِ هٰذَا إِذْ لَمْ أَحْتَمِلْ أَيْضاً، أَرْسَلْتُ لِكَيْ أَعْرِفَ إِيمَانَكُمْ، لَعَلَّ ٱلْمُجَرِّبَ يَكُونُ قَدْ جَرَّبَكُمْ، فَيَصِيرَ تَعَبُنَا بَاطِلاً (١تسالونيكي ٣: ١ - ٥) |
كان الرسول بولس يريد أن يزور المؤمنين في تسالونيكي، ولكن الشيطان منعه، فأرسل تيموثاوس ليزورهم حتى يشجعهم، وليُطَمْئن قلب بولس عليهم. وبقي بولس وحده في أثينا - بالرغم من أنه كان محتاجاً لخدمة تيموثاوس معه. كما كان سلوانس (سيلا) لايزال يقيم في بيرية يخدم فيها. وعاد تيموثاوس من تسالونيكي إلى كورنثوس، وسافر سلوانس من بيرية الى كورنثوس، والتقى الثلاثة هناك. ووقتها كتب بولس الرسول هذه الرسالة إلى تسالونيكي. ويقول الرسول إنه استحسن أن يُتَرك في أثينا وحده. وكلمة «يُترك» معناها أن يهجره تيموثاوس، وأن يشعر هو بالوحدة في مواجهة فلاسفة أثينا الذين كانوا يقاومون الكلمة. لكن بولس فضَّل نداء الواجب، فأرسل تيموثاوس إلى تسالونيكي، لأنه كان يحب أهلها كثيراً ويريد أن يطمئن عليهم.
ويصف بولس تيموثاوس بأنه أخوه، مع أن تيموثاوس كان ابنه في الإيمان. وصفه أنه أخوه لأن المحبة تجعلنا نقدّم بعضُنا بعضاً في الكرامة. كما يصفه بأنه «خادم الله». ومع أنه شاب، لكنه كان قادراً على إفادة أهل تسالونيكي في الأمور الروحية. ويسمّيه «العامل معنا في إنجيل المسيح» لأن بولس كان محتاجاً إليه في خدمته التبشيرية، لكنه أرسله الى تسالونيكي ليثبّت المؤمنين هناك إذ يقّوي إيمانهم بالمسيح، ويزيدهم شجاعة ورجاء، وليعظهم لأجل تثبيت إيمانهم.
عندما كان بولس في تسالونيكي كان يشجع المؤمنين هناك، وأعلن لهم أنهم سوف يتضايقون، تماماً كما حصل مع بولس، وتماماً كما حصل مع المسيح، لأننا موضوعون لهذا الضيق. وقد أرسل إليهم تيموثاوس ليذكّرهم بهذا.
كان بولس يحب أهل تسالونيكي، فأرسل اليهم تيموثاوس ليشجعهم وسط ضيقاتهم وآلامهم، ليثبتوا أمام تجربة الشيطان «المجرِّب» - الذي يغربل المؤمنين كالحنطة (لوقا ٢٢: ٣١). ولو أن أهل تسالونيكي وقعوا في تجربة الشيطان وفخِّه، يكون تعب الرسول بولس في سبيلهم تعباً باطلاً. لكن نشكر الله أنهم انتصروا على تجربة المجرب، وكان تعب بولس تعباً مثمراً.
آية للحفظ
«كَيْ لا يَتَزَعْزَعَ أَحَدٌ فِي هٰذِهِ ٱلضِّيقَاتِ» (١تسالونيكي ٣: ٣)
صلاة
أبانا السماوي، نشكرك لأنك تهتم بنا في ضيقتنا، وترسل إلينا الذين يشجعوننا. ساعدنا لنعّزِي آخرين بالتعزية التي أخذناها منك، وساعدنا لنشجع بعضنا بعضاً.
سؤال
٥- أذكر صفتين من الصفات التي وصف بها بولس تيموثاوس، وأعط معناهما.
٢ - بولس يهتم بنقائص إيمان أهل تسالونيكي
|
٦ وَأَمَّا ٱلآنَ فَإِذْ جَاءَ إِلَيْنَا تِيمُوثَاوُسُ مِنْ عِنْدِكُمْ، وَبَشَّرَنَا بِإِيمَانِكُمْ وَمَحَبَّتِكُمْ، وَبِأَنَّ عِنْدَكُمْ ذِكْراً لَنَا حَسَناً كُلَّ حِينٍ، وَأَنْتُمْ مُشْتَاقُونَ أَنْ تَرَوْنَا، كَمَا نَحْنُ أَيْضاً أَنْ نَرَاكُمْ، ٧ فَمِنْ أَجْلِ هٰذَا تَعَّزَيْنَا أَيُّهَا ٱلإِخْوَةُ مِنْ جِهَتِكُمْ فِي ضِيقَتِنَا وَضَرُورَتِنَا بِإِيمَانِكُمْ. ٨ لأَنَّنَا ٱلآنَ نَعِيشُ إِنْ ثَبَتُّمْ أَنْتُمْ فِي ٱلرَّبِّ. ٩ لأَنَّهُ أَيَّ شُكْرٍ نَسْتَطِيعُ أَنْ نُعَّوِضَ إِلَى ٱللّٰهِ مِنْ جِهَتِكُمْ عَنْ كُلِّ ٱلْفَرَحِ ٱلَّذِي نَفْرَحُ بِهِ مِنْ أَجْلِكُمْ قُدَّامَ إِلٰهِنَا؟ ١٠ طَالِبِينَ لَيْلاً وَنَهَاراً أَوْفَرَ طَلَبٍ أَنْ نَرَى وُجُوهَكُمْ، وَنُكَمِّلَ نَقَائِصَ إِيمَانِكُمْ. ١١ وَٱللّٰهُ نَفْسُهُ أَبُونَا وَرَبُّنَا يَسُوعُ ٱلْمَسِيحُ يَهْدِي طَرِيقَنَا إِلَيْكُمْ. ١٢ وَٱلرَّبُّ يُنْمِيكُمْ وَيَزِيدُكُمْ فِي ٱلْمَحَبَّةِ بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ وَلِلْجَمِيعِ، كَمَا نَحْنُ أَيْضاً لَكُمْ، ١٣ لِكَيْ يُثَبِّتَ قُلُوبَكُمْ بِلا لَوْمٍ فِي ٱلْقَدَاسَةِ، أَمَامَ ٱللّٰهِ أَبِينَا فِي مَجِيءِ رَبِّنَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ مَعَ جَمِيعِ قِدِّيسِيهِ (١تسالونيكي ٣: ٦ - ١٣) |
عندما رجع تيموثاوس من تسالونيكي قدَّم لبولس الرسول تقريراً عن إيمان أهل تسالونيكي ومحبتهم للرسول بولس، وقال إنهم يذكرونه بالخير دائماً، ويشتاقون إلى رؤيته كما يشتاق بولس إلى رؤيتهم. وقد شدَّدت هذه الأخبار المفرحة عزيمة بولس وأمدَّتْه بقوة روحية، حتى أنه استطاع أن يقف ثابتاً في الضيق وفي الشدة، بعد أن عرف أن إيمانهم بالله ثابت، وأن محبتهم له وللناس قوية باقية، بالرغم من سفره بعيداً عنهم، فقال لهم: «بل نحن الآن نحيا ما دمتُم يا أهل تسالونيكي ثابتين في الرب». فقد اعتبر بولس الضيقات التي أحاطت به نوعاً من الموت، لأنها قطعت عنه وسائل فرح الحياة. وعندما وصلته أخبارهم المفرحة انتعشت روحه، فرفع شكره لله من أجلهم (آية ٩) وهو يطلب ليلاً ونهاراً أوفر طلب أن يرى وجوههم ليكمل نقائص إيمانهم، لأنهم حديثون في الإيمان وفي معرفة كلمة الله، ويمكن أن ينموا فى فضائل النعمة المختلفة إذا سمعوا مزيداً من التعاليم الروحية التي يمكن أن يقدمها بولس لهم، لو أنه استطاع أن يزورهم.
وأغلب الظن أن بولس الرسول يقصد بكلمة «نقائص إيمانكم» نقص معرفتهم عن عقيدة مجيء المسيح ثانية، وعن حال الراقدين في المسيح، ولذلك يصلي بولس أن الله أبانا وربنا يسوع المسيح يسهل طريقه إليهم ليزورهم ويكمل تعليمهم.
وفي الآيتين ١٢ ، ١٣ يذكر الرسول بولس الأسباب التي تدفعه إلى زيارتهم:
-
أن ينميهم الرب في محبة بعضهم البعض، ومحبة جميع الناس. وهو يضع محبته لهم مقياساً لمحبتهم للآخرين.
-
أن يثبّت الله قلوبهم في القداسة ليكونوا بلا لوم أمام الله، حتى عندما يجيء ربنا يسوع المسيح ثانية مع جميع قديسيه يجدهم مقبولين مستعدين منتظرين طالبين سرعة مجيء يوم الرب.
آية للحفظ
«وَٱلرَّبُّ يُنْمِيكُمْ وَيَزِيدُكُمْ فِي ٱلْمَحَبَّةِ بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ وَلِلْجَمِيعِ» (١تسالونيكي ٣: ١٢)
صلاة
أبانا السماوي، نطلب أن تزيد محبتنا بعضنا لبعض ولجميع الناس الذين نعرفهم أو لا نعرفهم، ولتكن محبتنا لهم محبة العمل والخدمة. ثبّت قلوبنا في القداسة حتى عندما تنظر الينا تجدنا بلا لوم أمامك. أعطنا أن نكون مستعدين لمجيء المسيح ثانية، ساهرين وطالبين سرعة مجيئك.
سؤال
٦- اذكر شيئاً كان إيمان أهل تسالونيكي فيه ناقصاً.
خامساً - ضرورة نمو أهل تسالونيكي روحياً (١تسالونيكي ٤: ١ - ١٢) | ||
في هذا الجزء يطلب بولس أن ينمو أهل تسالونيكي في ثلاثة ميادين:
-
في الطهارة (آيات ١ - ٨)
-
في المحبة (آيتا ٩ ، ١٠)
-
في العمل الجاد (آيتا ١١ ، ١٢)
١ - النمّو في الطهارة
|
١ فَمِنْ ثَمَّ أَيُّهَا ٱلإِخْوَةُ نَسْأَلُكُمْ وَنَطْلُبُ إِلَيْكُمْ فِي ٱلرَّبِّ يَسُوعَ، أَنَّكُمْ كَمَا تَسَلَّمْتُمْ مِنَّا كَيْفَ يَجِبُ أَنْ تَسْلُكُوا وَتُرْضُوا ٱللّٰهَ، تَزْدَادُونَ أَكْثَرَ. ٢ لأَنَّكُمْ تَعْلَمُونَ أَيَّةَ وَصَايَا أَعْطَيْنَاكُمْ بِٱلرَّبِّ يَسُوعَ. ٣ لأَنَّ هٰذِهِ هِيَ إِرَادَةُ ٱللّٰهِ: قَدَاسَتُكُمْ. أَنْ تَمْتَنِعُوا عَنِ ٱلّزِنَا، ٤ أَنْ يَعْرِفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ أَنْ يَقْتَنِيَ إِنَاءَهُ بِقَدَاسَةٍ وَكَرَامَةٍ، ٥ لا فِي هَوَى شَهْوَةٍ كَٱلأُمَمِ ٱلَّذِينَ لا يَعْرِفُونَ ٱللّٰهَ. ٦ أَنْ لا يَتَطَاوَلَ أَحَدٌ وَيَطْمَعَ عَلَى أَخِيهِ فِي هٰذَا ٱلأَمْرِ، لأَنَّ ٱلرَّبَّ مُنْتَقِمٌ لِهٰذِهِ كُلِّهَا كَمَا قُلْنَا لَكُمْ قَبْلاً وَشَهِدْنَا. ٧ لأَنَّ ٱللّٰهَ لَمْ يَدْعُنَا لِلنَّجَاسَةِ بَلْ فِي ٱلْقَدَاسَةِ. ٨ إِذاً مَنْ يَرْذُلُ لا يَرْذُلُ إِنْسَاناً، بَلِ ٱللّٰهَ ٱلَّذِي أَعْطَانَا أَيْضاً رُوحَهُ ٱلْقُدُّوسَ (١تسالونيكي ٤: ١-٨) |
بكل محبة يطلب بولس الرسول من إخوته في تسالونيكي، باسم الرب يسوع أن يسلكوا سلوكاً يُرضِي الله، ويزدادوا في ذلك أكثر وأكثر، كما سبق أن علّمهم عندما كان بينهم. وهو يذكرّهم بالوصايا التي أعطاها لهم بوحي الرب يسوع وبإرشاده وبأمره. وأول هذه الوصايا هي القداسة «لأن هذه هي ارادة الله: قداستكم». والقداسة هي طهارة القلب والسيرة - «نَظِيرَ ٱلْقُدُّوسِ ٱلَّذِي دَعَاكُمْ، كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضاً قِدِّيسِينَ فِي كُلِّ سِيرَةٍ لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: كُونُوا قِدِّيسِينَ لأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ» (١بطرس ١: ١٥ ، ١٦).
لقد كانت خطية الزنا محيطة بأهل تسالونيكي من كل جانب. اعتادوا على ذلك منذ الصغر، وكان المجتمع ينظر اليها نظرة قبول. ولكن عندما انتقلوا من حياة الخطية والوثنية الى حياة المسيح، كان عليهم أن يذكروا قول الانجيل: «أَمَّا ٱلشَّهَوَاتُ ٱلشَّبَابِيَّةُ فَٱهْرُبْ مِنْهَا، وَٱتْبَعِ ٱلْبِرَّ وَٱلإِيمَانَ وَٱلْمَحَبَّةَ وَٱلسَّلامَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ ٱلرَّبَّ مِنْ قَلْبٍ نَقِيٍّ» (٢تيموثاوس ٢: ٢٢).
ونجد في هذه الآيات فكرتين:
-
(يطلب الرسول أن تسود القداسة العلاقات الزوجية، لأن الله لم يَدْعُنا للنجاسة بل في القداسة. وعلى كل شخص أن يصون جسده في القداسة والكرامة، فلا تستولي عليه الشهوة مثل الوثنيين الذين لا يعرفون الله، ولا يتعدَّى أحدٌ على زوجة أخيه، أو يسيء اليه في هذا الأمر، لأن الرب منتقم لمثل هذه الخطية، ولذلك فان الكتاب يقول: «لا تَشْتَهِ ٱمْرَأَةَ قَرِيبِكَ» (خروج ٢٠: ١٧) ويقول الرسول: «وَأَمَّا ٱلْعَاهِرُونَ وَٱلّزُنَاةُ فَسَيَدِينُهُمُ ٱللّٰهُ» (عبرانيين ١٣: ٤).
-
وتتجلى القداسة في علاقتنا مع الله الذي أعطانا روحه القدوس الذي يفصلنا عن الشر، فلا يجب أن نُحزنه (آية ٨). وجسد المؤمن هيكل للروح القدس ولذلك فان الروح يحزن من تدنيس هيكله، إذا ارتكب أحد خطية الزنا.
آية للحفظ
«هٰذِهِ هِيَ إِرَادَةُ ٱللّٰهِ: قَدَاسَتُكُمْ» (١تسالونيكي ٤: ٣).
صلاة
أنت قدوس، وتحب أن نسلك في القداسة. طهر عينيَّ من النظر الى الشر. قلباً نقياً اخلق فيَّ يا الله. انزع من داخلي كل فكر شرير.
سؤال
٧- ما هي ارادة الله لك كما تراها في آية ٣؟
٢ - النمو في المحبة
|
٩ وَأَمَّا ٱلْمَحَبَّةُ ٱلأَخَوِيَّةُ فَلا حَاجَةَ لَكُمْ أَنْ أَكْتُبَ إِلَيْكُمْ عَنْهَا، لأَنَّكُمْ أَنْفُسَكُمْ مُتَعَلِّمُونَ مِنَ ٱللّٰهِ أَنْ يُحِبَّ بَعْضُكُمْ بَعْضاً. ١٠ فَإِنَّكُمْ تَفْعَلُونَ ذٰلِكَ أَيْضاً لِجَمِيعِ ٱلإِخْوَةِ ٱلَّذِينَ فِي مَكِدُونِيَّةَ كُلِّهَا. وَإِنَّمَا أَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا ٱلإِخْوَةُ أَنْ تَزْدَادُوا أَكْثَرَ (١تسالونيكي ٤: ٩ ، ١٠). |
يعود الرسول مرة أخرى الى موضوع المحبة الأخوية، لما لها من أهمية كبرى في حياة المسيحي، ولكن لم يكن غرضه أن يعظهم بشأن المحبة، فهو يقول: «لا حاجة لكم أن أكتب إليكم عنها» لكنه كان يطلب منهم أن يزدادوا أكثر في المحبة، لأن السلوك المسيحي من شأنه النمّو المستمر، لأنكم أنفسكم متعلمون من الله أن يحب بعضكم بعضاً. إنما أطلب إليكم أيها الإخوة أن تزدادوا أكثر «لأن هذا هو الخبر الذي سمعتموه من البدء: أن يحب بعضنا بعضاً». «وَهٰذِهِ هِيَ وَصِيَّتُهُ: أَنْ نُؤْمِنَ بِٱسْمِ ٱبْنِهِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ، وَنُحِبَّ بَعْضُنَا بَعْضاً كَمَا أَعْطَانَا وَصِيَّةً» (١يوحنا ٣: ١١ ، ٢٣).
آية للحفظ
«لأَنَّكُمْ أَنْفُسَكُمْ مُتَعَلِّمُونَ مِنَ ٱللّٰهِ أَنْ يُحِبَّ بَعْضُكُمْ بَعْضاً» (١تسالونيكي ٤: ٩).
صلاة
أبانا السماوي، علِّمنا أن نحب الآخرين كما أحببتنا وكما تحبهم، وعلمنا أن نزيد في محبتنا بأن نقدّم الخدمة للآخرين وأن نعلّمهم عن محبتك.
سؤال
٨- اكتب آية تبيّن ضرورة محبة الآخرين.
٣ - النمو في العمل الجاد
|
١١وَأَنْ تَحْرِصُوا عَلَى أَنْ تَكُونُوا هَادِئِينَ، وَتُمَارِسُوا أُمُورَكُمُ ٱلْخَاصَّةَ، وَتَشْتَغِلُوا بِأَيْدِيكُمْ أَنْتُمْ كَمَا أَوْصَيْنَاكُمْ، ١٢ لِكَيْ تَسْلُكُوا بِلِيَاقَةٍ عِنْدَ ٱلَّذِينَ هُمْ مِنْ خَارِجٍ، وَلا تَكُونَ لَكُمْ حَاجَةٌ إِلَى أَحَدٍ (١تسالونيكي ٤: ١١ ، ١٢). |
شهد المؤرّخون أن المكدونيين كانوا يميلون الى الاضطراب والكسل، ولذلك فان الرسول بولس يشدّد على ضرورة النشاط والعمل اليومي.
هل المقصود من نشاطنا وشغلنا اليومي هو خدمة أنفسنا والعالم، أم خدمة الله؟
يقدّم لنا الرسول بولس نفسه مثلاً، لأنه كان يصنع خيام. وكان هذا العمل في نظره خدمة محبة مثل خدمة الكرازة بالانجيل، فان الحياة الهادئة الشريفة، وممارسة أمورنا الخاصة، وقيامنا بعملنا اليومي، هي شهادة للعالم كله أننا مُخِلصون للمسيح. وهي تظهر في روح الهدوء التي تتجلّى في الأشغال اليومية المتواضعة. هناك الروح الوديع الهادئ الذي هو قدام الله كثير الثمن (١بطرس ٣: ٤). علينا اذاً أن نسلك بلياقة عند الذين هم من خارج (أي من غير أهل الكنيسة) وعلينا أن نشتغل لنكسب خبزنا بعرق وجوهنا، كما يقول الكتاب: «كُلُّ مَا تَجِدُهُ يَدُكَ لِتَفْعَلَهُ فَٱفْعَلْهُ بِقُّوَتِكَ» (جامعة ٩: ١٠) و «غَيْرَ مُتَكَاسِلِينَ فِي ٱلٱجْتِهَادِ» (رومية ١٢: ١١).
ومن هذا نرى أن الانسان الذي يمارس أموره الخاصة ولا يتداخل في أمور غيره، والذي يشتغل بيديه، هو الذي يكون هادئاً، لأنه يجد سلام نفسه، وهو الذي يسلك بلياقة عند الذين هم من خارج، ولا تكون له حاجة عند أحد، فهو يساعد نفسه ويساعد غيره. ان الرسول هنا يؤكد ضرورة العمل الجاد. فلنشتغل بأيدينا.
ومن الأمور الهامة التي ينبّر عليها الرسول هنا أن لا نتدخّل فى أمور غيرنا «تمارسوا أموركم الخاصة». لا تخرج القذى من عين أخيك قبل أن تخرج الخشبة من عينك. ولا تدينوا لكى لا تُدَانوا.
آية للحفظ
«وَأَنْ تَحْرِصُوا عَلَى أَنْ تَكُونُوا هَادِئِينَ (١تسالونيكي ٤: ١١).
صلاة
أبانا السماوي، باركنا لكي نعمل. ساعدنا لكي نجتهد. أعطنا نعمة لكي نعيش حياتنا في هدوء، أبعدنا عن التدخُّل في الأمور التى لا تعنينا، وساعدنا لنكون صورة طيبة لغير المؤمنين.
سؤال
٩- أذكر فائدة من فوائد العمل الجاد.
سادساً - تعليم عن رجاء القيامة | ||
|
١٣ ثُمَّ لا أُرِيدُ أَنْ تَجْهَلُوا أَيُّهَا ٱلإِخْوَةُ مِنْ جِهَةِ ٱلرَّاقِدِينَ، لِكَيْ لا تَحْزَنُوا كَٱلْبَاقِينَ ٱلَّذِينَ لا رَجَاءَ لَهُمْ. ١٤ لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا نُؤْمِنُ أَنَّ يَسُوعَ مَاتَ وَقَامَ، فَكَذٰلِكَ ٱلرَّاقِدُونَ بِيَسُوعَ سَيُحْضِرُهُمُ ٱللّٰهُ أَيْضاً مَعَهُ. ١٥ فَإِنَّنَا نَقُولُ لَكُمْ هٰذَا بِكَلِمَةِ ٱلرَّبِّ: إِنَّنَا نَحْنُ ٱلأَحْيَاءَ ٱلْبَاقِينَ إِلَى مَجِيءِ ٱلرَّبِّ لا نَسْبِقُ ٱلرَّاقِدِينَ. ١٦ لأَنَّ ٱلرَّبَّ نَفْسَهُ سَوْفَ يَنْزِلُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ بِهُتَافٍ، بِصَوْتِ رَئِيسِ مَلائِكَةٍ وَبُوقِ ٱللّٰهِ، وَٱلأَمْوَاتُ فِي ٱلْمَسِيحِ سَيَقُومُونَ أَّوَلاً. ١٧ ثُمَّ نَحْنُ ٱلأَحْيَاءَ ٱلْبَاقِينَ سَنُخْطَفُ جَمِيعاً مَعَهُمْ فِي ٱلسُّحُبِ لِمُلاقَاةِ ٱلرَّبِّ فِي ٱلْهَوَاءِ، وَهٰكَذَا نَكُونُ كُلَّ حِينٍ مَعَ ٱلرَّبِّ. ١٨ لِذٰلِكَ عَّزُوا بَعْضُكُمْ بَعْضاً بِهٰذَا ٱلْكَلامِ (١تسالونيكي ٤: ١٣ - ١٨) |
عندما كان الرسول بولس في تسالونيكي تحدث عن مجيء المسيح ثانية (اعمال ١٧: ٣ ، ٧). وتوقع مؤمنو تسالونيكي أن المسيح سيأتي سريعاً، ولذلك فقد تركوا أعمالهم اليومية من زرع وتجارة ولم يجتهدوا فيها، فوبّخهم الرسول وطلب منهم العمل الجاد (كما رأينا في ٤: ١١ ، ١٢).
وقد حدث أن بعض الذين آمنوا بالمسيح ماتوا، فحدث اضطراب في الكنيسة: ماذا يحدث لهؤلاء الذين ماتوا قبل مجيء المسيح ثانية؟ هل ضاع رجاؤهم في القيامة؟.... لا شك أن المؤمنين في تسالونيكي كانوا لا يعرفون حقيقة القيامة، وكانت معلوماتهم عن مجيء المسيح ثانية غير كافية، لأن إقامة بولس بينهم لتعليمهم كانت إقامة قصيرة، ولم يكن عندهم من كتب التوراة إلا العدد القليل، وكان فلاسفة الوثنيين المحيطين بهم ينكرون حقيقة القيامة ويضحكون منها. ولذلك كتب الرسول هذه الآيات ليوضح لهم حقيقة رجاء قيامة المؤمنين، وهو يُسمّي أولئك الذين ماتوا «الراقدين». وهناك وجه شبه بين النوم وبين موت المؤمن:
-
موت المؤمن والنوم أمر وقتي، وليس أبدياً.
-
الشخص الذي ينام يستريح.
-
الشخص الذي ينام لابد أن يستيقظ متجدد القوة، سعيداً.
ولذلك فإن المؤمنين الذين رقدوا في الرب سيرقدون الى فترة محدودة، الى أن يجيء المسيح ثانية ليقيمهم وقد استراحوا من أتعابهم. ولابد أن يقوموا في سعادة عظيمة (رؤيا ١٤: ١٣).
ويكتب الرسول هذا الجزء للمؤمنين لكى لا يحزنوا كالباقين. إنه لا يمنع الحزن تماماً، فقد بكى المسيح عند قبر لعازر، وهناك حزن على فراق الأحباء. لكنه يمنع الإفراط في الحزن. وغير المؤمنين بالمسيح لا رجاء لهم في قيامة الأموات، ولذلك فإنهم يحزنون حزناً قاتلاً، أما المؤمنون فانهم يحزنون حزناً يسيراً عامراً بالرجاء.
ويقول الرسول بولس في الآية ١٤ إن قيامة المسيح برهان على صدق قيامة المؤمنين به. لقد مات المسيح لكنه قام، وقد رآه تلاميذه بعد أن قام من الاموات، ولابد أن كل من يرقد بيسوع سيقوم مرة أخرى مع المسيح، فكلما نؤمن بقيامة المسيح نؤمن بقيامة شعبه. فالراقدون بيسوع الذين ماتوا وهم مؤمنون به واستودعوا نفوسهم بين يديه، هؤلاء الآن في راحة، يتوقّعون القيامة بناءً على وعد المسيح. وعند مجيئه ثانيةً لابد أنه سيُحضر الراقدين معه: يحضِر أرواحَهم من الفردوس، ويحضِر أجسادهم من القبور.
وفي آية ١٥ يقدّم الرسول وعداً بناءً على كلمة الرب، وهو أن الاحياء الباقين عند مجيء المسيح ثانية لا يسبقون الراقدين - أي لا يدخلون حضرة الرب ويتمتعون ببركات مجيئه قبل الذين ماتوا - وفي هذا تعزية للأحياء بشأن أحبّائهم الذين انتقلوا الى العالم الآخر قبل مجيء المسيح ثانية.
ويوضّح الرسول كيف سيحدث ذلك، فان المسيح نفسه سينزل من السماء، وسيعلن عن نزوله هتافُ ونداءُ رئيس الملائكة - فقائدُ الجند السماوي الذي يحيط بالمسيح عند مجيئه سيعلن هذا المجيء بصورة محسوسة، كما قال المسيح : «وَمَتَى جَاءَ ٱبْنُ ٱلإِنْسَانِ فِي مَجْدِهِ وَجَمِيعُ ٱلْمَلائِكَةِ ٱلْقِدِّيسِينَ مَعَهُ، فَحِينَئِذٍ يَجْلِسُ عَلَى كُرْسِيِّ مَجْدِهِ» (متى ٢٥: ٣١). وسيصاحب مجيء المسيح ثانية صوتُ البوق، الذي يخترق آذان الجميع، حتى آذان الموتى، لذلك يسمّيه «بوق الله» المختص بإعلان الحقيقة العظيمة وهي مجيء المسيح ثانية. وعندما يسمع المؤمنون هتاف رئيس الملائكة، وعندما يسمعون صوت بوق الله، سيجدون المسيح نازلاً نزولاً ظاهراً ومجيداً، والأموات في المسيح سيقومون أولاً قبل أن يتغيّر المؤمنون الأحياء ليُخطَفوا في السحاب. وبعد قيامة الموتى من المؤمنين، يُخطف الأحياء الباقون بسرعة، فإن كلمة «يخطف» تعني سرعة انتقالهم. ويجتمع الأحياء والأموات معاً في السحب، كما حدث في صعود المسيح (أعمال ١: ٩) ويلتقي أولئك المؤمنون بالرب النازل من السماء، في الهواء، وهو محل الاجتماع مع المسيح، استعداداً للذهاب الى حيث يشاء المسيح، وهكذا نكون كل حين مع الرب.
والذي يؤكده الانجيل فى هذه العبارة هو الاتحاد الكامل بين المسيح وشعبه، فانه يعطيهم من حياته الخالدة، ويمنحهم السعادة الحقيقية وعدم الافتراق، فان الوجود في محضر الله هو أعظم مسرات المؤمن. ولذلك يطالبنا الرسول أن نعزي بعضنا بعضاً بهذا الكلام. فإنْ كان عند أحدٍ شك أنه خسر حبيبه الذي رقد، فان عليه أن يجد تعزية في اعلان الله، وعلينا أن ننقل هذه الأفكار الروحية العظيمة للذين انتقل أهلهم الى حضرة الرب، قبل مجيء المسيح ثانية.
ولا يقول الانجيل هنا شيئاً عن الصلاة من أجل الموتى، ولا عن تقديم الرحمات من أجلهم، لكنه يطلب منا أن نمتلئ بالرجاء من نحوهم، لأن المسيح الذي أكمل خلاصهم في السماء، سيقيمهم من بين الأموات من غير حاجة الى مجهود يقوم به أهلهم على الأرض.
عزيزي القارئ، ان ما جاء في الانجيل هنا عن اجتماع الأحبّاء في السماء ليكونوا مع المسيح الى الأبد، له شرط: أن تكون أنت مؤمناً متحداً مع المسيح الآن. هل أنت مستعد لمجيء المسيح ثانية؟ هل أنت ثابت في الرب؟
افتح قلبك للمسيح لتجد حياتك الأبدية فيه، وهكذا تنتظر مجيئه ثانية من السماء لتنال المجد الأبدي.
آية للحفظ
«لِكَيْ لا تَحْزَنُوا كَٱلْبَاقِينَ ٱلَّذِينَ لا رَجَاءَ لَهُمْ» (١تسالونيكي ٤: ١٣).
صلاة
نشكرك يارب لأنك تملأنا بالرجاء بالمسيح الحي الذي قام من بين الأموات، والذي سيقيم الأموات المؤمنين به، والذي سيجيء ليأخذهم سريعاً ليكونوا كل حين معك. أعطنا تعزية بهذا الحق الالهى، واملأ نفوسنا به.
سؤال
١٠- كيف سيُعلَن عن مجيء المسيح ثانية؟
سابعاً - تعليم عن يوم الرب (١تسالونيكي ٥: ١ - ١١) | ||
كان المؤمنون في تسالونيكي مشغولين بشأن المؤمنين الذين ماتوا قبل مجيء المسيح ثانية، كما كانوا مشغولين بسؤال آخر وهو: متى سيجيء المسيح ثانية؟ وكان تلاميذ المسيح قد سألوا عن الموعد (مرقس ١٣: ٣ ، ٤) ولكن المسيح قال لهم : «لَيْسَ لَكُمْ أَنْ تَعْرِفُوا ٱلأَزْمِنَةَ وَٱلأَوْقَاتَ ٱلَّتِي جَعَلَهَا ٱلآبُ فِي سُلْطَانِهِ» (أعمال ١: ٧) والرسول بولس في هذا الجزء يطلب من المؤمنين أن ينتظروا بصبر موعد يوم الرب، دون تحديد لذلك الموعد. ويحاول الرسول في هذه الآيات أن يوضح للمؤمنين أن الاستعداد لمجىء يوم الرب هو أكثر أهمية من معرفة موعد مجيء يوم الرب. وفي هذا الجزء نجد فكرتين:
-
موعد يوم الرب غير معروف (آيات ١-٣)
-
ضرورة السهر انتظاراً ليوم الرب (آيات ٤-١١)
١ - موعد يوم الرب غير معروف
|
١ وَأَمَّا ٱلأَزْمِنَةُ وَٱلأَوْقَاتُ فَلا حَاجَةَ لَكُمْ أَيُّهَا ٱلإِخْوَةُ أَنْ أَكْتُبَ إِلَيْكُمْ عَنْهَا، ٢ لأَنَّكُمْ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ بِٱلتَّحْقِيقِ أَنَّ يَوْمَ ٱلرَّبِّ كَلِصٍّ فِي ٱللَّيْلِ هٰكَذَا يَجِيءُ. ٣ لأَنَّهُ حِينَمَا يَقُولُونَ: «سَلامٌ وَأَمَانٌ» حِينَئِذٍ يُفَاجِئُهُمْ هَلاكٌ بَغْتَةً، كَٱلْمَخَاضِ لِلْحُبْلَى، فَلا يَنْجُونَ (١تسالونيكي ٥: ١ - ٣). |
يبدأ الرسول بالقول إنه لا يوجد ما يدعو أن يكتب لهم عن موعد مجيء يوم الرب، فقد سبق أن قال لهم عندما زارهم إن هذا الموعد غير معروف. وهو هنا يقدم تشبيهاً أن يوم الرب يشبه مجيء لص في الليل، لا يعرف صاحب البيت متى يجيء. وقد ذكر المسيح هذا التشبيه (متى ٢٤: ٤٣).
ويوم الرب هو مجيء المسيح الذي أشار اليه بطرس في موعظته يوم الخمسين (أعمال ٢: ٢٠). وهو يوم يجيء بغتةً بلا تنبيه ولا انتظار، وسيندهش العالم كله لأن أهله غير مستعدين لهذا اليوم العظيم، فإذا بهم يقولون: «سلام وأمان». بمعنى لا داعي للخوف فلا يُوجَد ما يدلّ على سرعة مجيء المسيح، وإذا بذلك اليوم يفاجئهم بغتة، تماماً كما فاجأ الطوفان قوم نوح غير المؤمنين، وكما فاجأت النار أهل سدوم وعمورة. يشبه يوم الرب وقت المخاض للحبلى، واذا بهؤلاء البشر غير المستعدين لا ينجون. ويقول الرسول إنه بالرغم من عدم معرفتنا لموعد المجيء، إلا أننا يجب أن نكون مستعدين له حتى لا نُؤخذ على غِرّة، الأمر الذي سيحدث مع الأشرار الذين يقولون: «أَيْنَ هُوَ مَوْعِدُ مَجِيئِهِ؟ لأَنَّهُ مِنْ حِينَ رَقَدَ ٱلآبَاءُ كُلُّ شَيْءٍ بَاقٍ هٰكَذَا مِنْ بَدْءِ ٱلْخَلِيقَة!» (٢بطرس ٣: ٤).
يُسمِّي الرسول اليوم الأخير «يوم الرب» وليس «يوم الدِّين» - لأن يوم الرب مصدر سعادة للمؤمنين، لأنه «لا شَيْءَ مِنَ ٱلدَّيْنُونَةِ ٱلآنَ عَلَى ٱلَّذِينَ هُمْ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ، ٱلسَّالِكِينَ لَيْسَ حَسَبَ ٱلْجَسَدِ بَلْ حَسَبَ ٱلرُّوحِ» (رومية ٨: ١)
آية للحفظ
«يَوْمَ ٱلرَّبِّ كَلِصٍّ فِي ٱللَّيْلِ هٰكَذَا يَجِيءُ» (١تسالونيكي ٥: ٢).
صلاة
أعطنا يارب نعمة لننتظر مجيء يوم الرب، يوم السعادة لأولادك المؤمنين، الذي سيكون بهجة لكل نفسٍ مؤمنة، وحزناً لكل نفس خاطئة. وساعدنا لنكون دوماً مستعدين له.
سؤال
١١- ما هو التشبيه الذى يصف به الإنجيل موعد مجيء يوم الرب؟
٢ - الحاجة للسهر
|
٤ وَأَمَّا أَنْتُمْ أَيُّهَا ٱلإِخْوَةُ فَلَسْتُمْ فِي ظُلْمَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكُمْ ذٰلِكَ ٱلْيَوْمُ كَلَِصٍّ. ٥ جَمِيعُكُمْ أَبْنَاءُ نُورٍ وَأَبْنَاءُ نَهَارٍ. لَسْنَا مِنْ لَيْلٍ وَلا ظُلْمَةٍ. ٦ فَلا نَنَمْ إِذاً كَٱلْبَاقِينَ، بَلْ لِنَسْهَرْ وَنَصْحُ، ٧ لأَنَّ ٱلَّذِينَ يَنَامُونَ فَبِاللَّيْلِ يَنَامُونَ، وَٱلَّذِينَ يَسْكَرُونَ فَبِاللَّيْلِ يَسْكَرُونَ. ٨ وَأَمَّا نَحْنُ ٱلَّذِينَ مِنْ نَهَارٍ، فَلْنَصْحُ لابِسِينَ دِرْعَ ٱلإِيمَانِ وَٱلْمَحَبَّةِ، وَخُوذَةً هِيَ رَجَاءُ ٱلْخَلاصِ. ٩ لأَنَّ ٱللّٰهَ لَمْ يَجْعَلْنَا لِلْغَضَبِ، بَلْ لٱقْتِنَاءِ ٱلْخَلاصِ بِرَبِّنَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ، ١٠ ٱلَّذِي مَاتَ لأَجْلِنَا، حَتَّى إِذَا سَهِرْنَا أَوْ نِمْنَا نَحْيَا جَمِيعاً مَعَهُ. ١١ لِذٰلِكَ عَّزُوا بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَٱبْنُوا أَحَدُكُمُ ٱلآخَرَ، كَمَا تَفْعَلُونَ أَيْضاً (١تسالونيكي ٥: ٤ - ١١). |
يوم الرب رعب للأشرار، ويوم سعادة للمؤمنين. سيكون كمجيء لصٍ لأشخاص غير مستعدين، لكنه سيجيء للمنتظرين كسعادة حقيقية لأنهم كانوا ينادون المسيح قائلين: «تعال أيها الرب يسوع».
وفي هذه الآيات يوضّح الرسول بولس ضرورة السهر والاستعداد لمجئ يوم الرب. ونجد في هذه الآيات ثلاثة أفكار:
-
مجيء يوم الرب مجيء فاحص، مثل الامتحان (آيتا ٤ ، ٥)
-
مجيء يوم الرب يحضُّنا على اليقظة (آيات ٦ - ٨)
-
وهذا المجيء يشجّعنا (آيات ٩ - ١١)
(أ) يوم الرب يوم امتحان، يفصل بين أبناء النور وأبناء الظلمة (آيتا ٤ ، ٥)
وعلينا أن نفحص أنفسنا لنعرف لأي فريق ننتمي. لقد كانوا في الظلمة قبل التعرُّف على المسيح، أما الآن فإنهم نور في الرب (أفسس ٥: ٨) وعليهم أن يسلكوا كأبناء نور، ساهرين وصاحين منتظرين مجيء الرب بانتباه، كما يقول لنا الرسول بطرس: «نِهَايَةُ كُلِّ شَيْءٍ قَدِ ٱقْتَرَبَتْ، فَتَعَقَّلُوا وَٱصْحُوا لِلصَّلَوَاتِ» (١بطرس ٤: ٧). وكما يقول المسيح: «اِسْهَرُوا وَصَلُّوا لِئَلا تَدْخُلُوا فِي تَجْرِبَةٍ» (متى ٢٦: ٤١). وكما قال: «ٱحْتَرِزُوا لأَنْفُسِكُمْ لِئَلا تَثْقُلَ قُلُوبُكُمْ فِي خُمَارٍ وَسُكْرٍ وَهُمُومِ ٱلْحَيَاةِ، فَيُصَادِفَكُمْ ذٰلِكَ ٱلْيَوْمُ بَغْتَةً. لأَنَّهُ كَٱلْفَخِّ يَأْتِي عَلَى جَمِيعِ ٱلْجَالِسِينَ عَلَى وَجْهِ كُلِّ ٱلأَرْضِ. اِسْهَرُوا إِذاً وَتَضَرَّعُوا فِي كُلِّ حِينٍ، لِكَيْ تُحْسَبُوا أَهْلاً لِلنَّجَاةِ مِنْ جَمِيعِ هٰذَا ٱلْمُزْمِعِ أَنْ يَكُونَ، وَتَقِفُوا قُدَّامَ ٱبْنِ ٱلإِنْسَانِ» (لوقا ٢١: ٣٤ - ٣٦).
(ب) ويوم الرب يحضُّنا على السهر (آيات ٦ - ٨)
علينا أن نسهر وعلينا أن نكون صاحين، فالذين ينامون هم الذين لا يهتمّون، لأنهم يسلكون في ظلمة الليل، ويشتركون مع المتسيّبين الذين يسكرون. ويؤكّد الرسول لأهل تسالونيكي أنهم أبناء نهار، ولذلك فعليهم أن يكونوا صاحين، وأن يلبسوا درع الإيمان ودرع المحبة.
والدرع ثوب معدني يلبسونه على الصدر ليحمي الشخص الذي يلبسه من ضربات السهام. وهناك شيئان يحميان صدر المسيحي: (١) الإيمان الذي هو الثقة بالله وعنايته. (٢) المحبة من نحو الله والناس. ويطالبنا الرسول أن نلبس خوذة هي رجاء الخلاص. والخوذة هي ما يلبسه الجندي على رإسه ليحميه من الخطر. والخوذة هنا هي رجاء المؤمن في أن الله يخلّصه من الخطية ومن الهلاك. وهكذا نجد الفضائل المسيحية الثلاث: الايمان والمحبة والرجاء.
عزيزي القارئ، هل امتلأ قلبك بهذه الفضائل الثلاث؟ ان الرسول يحضُّك على أن تصحو وأن تسهر وأن تلبس سلاحك الكامل.
(ج) ويوم الرب يوم يشِّجع المؤمنين (آيات ٩ - ١١)
لم يعيّن الله المؤمنين منذ الازل لاحتمال نتائج غضبه، لأن نتائج الغضب تحلّ بأبناء المعصية. لكن الله عيَّن المؤمنين لاقتناء الخلاص، كما يقول: «تَمِّمُوا خَلاصَكُمْ بِخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ» (فيلبي ٢: ١٢). وهذا الخلاص هو بربنا يسوع المسيح، الوسيط الوحيد لخلاص الخطاة، الذي دفع أجرة خطيتهم في فدائه، والذي يقول لهم: «بِدُونِي لا تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئاً» (يوحنا ١٥: ٥).
هذا المسيح الذي مات لأجلنا فدفع أجرة خطيتنا، هو الذي يضمن لنا خلاصنا، سواء «سهرنا أو نِمْنا» أي سواء كنّا أحياء أو أمواتاً عند مجيئه ثانية، لأننا «إِنْ عِشْنَا فَلِلرَّبِّ نَعِيشُ، وَإِنْ مُتْنَا فَلِلرَّبِّ نَمُوتُ. فَإِنْ عِشْنَا وَإِنْ مُتْنَا فَلِلرَّبِّ نَحْنُ» (رومية ١٤: ٨).
والأحياء والأموات عند مجيء المسيح ثانية سيحيون جميعهم معه، لأنهم متحدون بالمسيح الذي قال: «إِنِّي أَنَا حَيٌّ فَأَنْتُمْ سَتَحْيَوْنَ» (يوحنا ١٤: ١٩).
ويختم الرسول حديثه عن يوم الرب بقوله: «عّزُوا بعضكم بعضاً» بمعنى: شجعوا بعضكم بعضاً بالكلام عن هذه الأمور، لتكون واسطة لتثبيت إيمانكم، وزيادة طاعتكم للرب. ويطلب منهم أن يبنوا بعضهم بعضاً، الأمر الذي يفعلونه فعلاً.
عزيزي القارئ، سيكون يوم الرب يوم رعب على الخطاة، وسيكون يوم بركة للمؤمنين. ونسألك الآن: مِن أيّ فريق أنت، الى أية جماعة تنتمي؟ إنْ كنتَ بعيداً عن الرب نطالبك باسم الرب أن تفتح قلبك للمسيح لتنتمي لفريقه، فتنتظر مجيئه بفرح وتمتلئ نفسك بالتعزية والرجاء.
آية للحفظ
«جَمِيعُكُمْ أَبْنَاءُ نُورٍ وَأَبْنَاءُ نَهَارٍ. لَسْنَا مِنْ لَيْلٍ وَلا ظُلْمَةٍ. فَلا نَنَمْ إِذاً كَٱلْبَاقِينَ، بَلْ لِنَسْهَرْ وَنَصْحُ» (١تسالونيكي ٥: ٥ ، ٦).
صلاة
أبانا السماوي، نشكرك لأنك لم تحددْ لنا موعد

