غذاء الإيمان |
دليل لحياة الأُنس المستمر بالله
- تقديم الكتاب
- مقدمة
- الفصل الأول: الفرح اليومي
- الفصل الثاني: الرأس والقلب
- الفصل الثالث: الاستعداد للصلاة
- الفصل الرابع: الانفراد بالله
- الفصل الخامس: الإيمان العامل
- الفصل السادس: الشهادة في كل وقت
- الفصل السابع: نثمر، أو نحترق!
- الفصل الثامن: تعالوا للوليمة!
- مسابقة الكتاب
تقديم الكتاب | ||
يسرنا أن نقدم كتاباً آخر للدكتور ريتشارد بنيت، يتحدث عن غذاء الإيمان، مكمّلاً لكتابه السابق «بحثك عن الله». وواضح أن الإنسان لا يمكن أن يأتي إلى الله، ولا أن يحيا له بغير الإيمان (عبرانيين 11: 6 ورومية 1: 17). ولا يمكن أن نحصل على هين إلا بتغذية الإيمان باستمرار (رومية 10: 17 و1 بط 1: 2 و3 وعبرانيين 12: 5-14) كما قال المسيح «لَيْسَ بِٱلْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا ٱلإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ ٱللّٰهِ» (متى 4: 4) وكما قال النبي إرميا «وُجِدَ كَلاَمُكَ فَأَكَلْتُهُ، فَكَانَ كَلاَمُكَ لِي لِلْفَرَحِ وَلِبَهْجَةِ قَلْبِي، لأَنِّي دُعِيتُ بِٱسْمِكَ يَا رَبُّ إِلٰهَ ٱلْجُنُودِ» (إرميا 15: 16).
ولكي نحصل على الفائدة القصوى من الغذاء الروحي يجب أن نقدّره حقّ قدره، وأن نخصّصه لأنفسنا بالطريقة المناسبة، وأن نهضمه ونستوعبه. ويشرح د. بنيت في هذا الكتاب كيف يحدث هذا كله أثناء وقت «الانفراد بالله». وستجد شرحاً لكيفية تحقيق هذا نفسك في الفصل الثامن من هذا الكتاب.
هذا الكتاب رسالة خاصة من السماء لنا جميعاً، خاصةً في هذا الزمن الذي يعتقد فيه المؤمنون أنهم يقدرون أن يعيشوا لله بغير اعتماد كامل على الثقة في سكنى المسيح فيهم (غلاطية 2: 20). فليبارك الرب خدمة هذا الكتاب لنا جميعاً.
د. ستيفن أولفورد
مؤسس ورئيس معهد الوعظ الكتابي ممفيس - ولاية تنيسي الأمريكية!
مقدمة | ||
هذا الكتاب تكملة لكتابي السابق «بحثك عن الله» الذي كتبتُه منذ عشر سنوات، وتوزّع منه أكثر من مليوني نسخة. ومنذ ذلك الوقت انفتحت أبوابٌ للإنجيل لم نكن نحلم أن تنفتح، فقررنا أن نصدر كتابنا هذا شكراً لله، ولنساعد الذين وجدوا الحياة الجديدة في المسيح.
وأعتقد أن هذا أيضاً كتاب مستقل، يقدّم العون الحيوي لكل مؤمن ينشد التعمّق في العلاقة مع الله. نقدّمه مصحوباً بصلاة مخلصة، ليجد قارئه عوناً خاصاً وتشجيعاً في حياته المسيحية.
ولم نقصد أن تكون قراءة هذا الكتاب عفوية، ولا أن يُقرأ وينحّى جانباً، بل قصدنا أن يُقرأ بعناية، ويُستخدَم باستمرار كمرجع. وعندما نطبّق المبادئ الواردة في هذا الكتاب بأمانة نتعلم كيف نسلك مع الله بقربٍ ودفءٍ واستمرارية.
يعتقد كثيرون أننا يجب أن نقوم بإجراء فحوص طبية دورية لأجسادنا، وهذا يتطلب وقتاً ومالاً. ويتحتَّم على المسيحي أن يقوم بعمل فحوص روحية لنفسه. وكما يحتاج الطبيب إلى إجابات صادقة من المريض ليتمكن من تشخيص مرضه تشخيصاً صحيحاً، على المسحي أن يكون صادقاً واضحاً مع نفسه عندما يختلي بالله. ولذلك قدّمنا في نهاية كل فصل أسئلة تساعد على فحص الذات. وقد لا تشعرك بعض الأسئلة بارتياحٍ، ولكن نرجو أن تتذكر أنه في الفحص الطبي للجسد تكون أشدّ الأماكن إيلاماً هي أكثرها احتياجاً للعلج، لأن فيها مكمن الداء.
حدّثني أحد أصدقائي أن أحد رجال الدين البارزين دُعي مع بعض زملائه لاجتماع مخصّص للصلاة، فاعتذر عن عدم الحضور بحجَّة أنه مشغول بأمور أخرى. ثم قال إن عنده موعظة هامة عن الصلاة، وإنه يسعده أن يحضر لإلقائها في اجتماع تالٍ. ولقد تعلّمتُأن الحديث عن الصلاة أسهل كثيراً من الصلاة نفسها. وأنا أكتب هذا الكتاب لا كخبيرٍ في الصلاة، بل كجائعٍ يخبر غيره من الجائعين أين يجدون الطعام.
وقد جاء الكثير من أفكار هذا الكتاب مما تعلّمتُه من دراستي للكتاب المقدس، ومما سمعته من أفكار رجال الله الأتقياء الذين وضعني الرب بنعمته في طريقهم، وهم أكثر مما تتسع صفحات هذا الكتاب لذكرهم، وأشكر الله من أجل كل واحد منهم.
وأكتب هذا الكتاب واضعاً أمامي نصيحة الرسول بولس لتلميذه تيموثاوس: «وَمَا سَمِعْتَهُ مِنِّي بِشُهُودٍ كَثِيرِينَ، أَوْدِعْهُ أُنَاساً أُمَنَاءَ، يَكُونُونَ أَكْفَاءً أَنْ يُعَلِّمُوا آخَرِينَ أَيْضاً» (2 تيموثاوس 2: 2).
ومع أن هدف هذا الكتاب هو مساعدة المؤمنين أن يتمتعوا بأُنسٍ مستمر مع الله، إلا أن بعض قرائه لا بد أنهم لم يختبروا بعد فرح غفران خطاياهم وتأكيد حياتهم الأبدية. فإن كنت من هؤلاء، أرجوك أن تقرأ من إنجيل يوحنا القول الكريم «وَأَمَّا هٰذِهِ فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللّٰهِ، وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِٱسْمِهِ» (يوحنا 20: 31).
المؤلف
الفصل الأول: الفرح اليومي | ||
الفرح اليومي | ||
طلب مني مسيحي تقي أن أصلي لأجله لتكون له علاقة أعمق بالرب. وواضح أن هناك درجات مختلفة للعلاقات الإنسانية، وواضح أن الأمر نفسه يصدق على علاقة المؤمن الشخصية بالرب.
وتنمو العلاقة الإنسانية متى وُجدت روابط عاطفية، ورغبات متشابهة، واتفاق في القيم الأخلاقية، ومشاركة في الاهتمامات، وتواصل في الفكر، وتلاقٍ في المنطق. وكنموذج لذلك أذكر رسالة جاءتنا من صديقٍ كيني وزوجته، يخدمان الرب في موقع إستراتيجي في شرق أفريقيا ، قالت الرسالة «اليوم رجعت زوجتي من المستشفى ومعها طفلتنا الجديدة دوروثي التي وُلدت يوم 8 مايو (أيار) في الواحدة ظهراً، ووزنها ثلاثة كيلوجرامات». وكم فرحنا ونحن نشارك أبوين فخورين سعادتهما، وهما يحملان طفلتهما إلى بيتهم، ويراقبانها تنمو أمامهما. ونتخيّل الطفلة تكبر وتبتسم، وتضحك، وتحبو، ثم ترمي كرة، ثم تخطو خطواتها الأولى، ثم تنطق «بابا.. ماما». ولا شك أن نمو طفل صغير معجزة تفوق الإدراك البشري. ولكن نمو وليد جديد في الإيمان هو معجزة أكبر، لأنه خطا أول خطوة في رحلته الروحية، من الميلاد الروحي إلى النضوج الروحي.
على أن الحياة للأسف لا تسير دوماً من ميلاد مبهج إلى نضوج كامل، ففي الأسبوع الذي سمعنا فيه عن ميلاد الطفلة دوروثي في كينيا، سمعنا عن وفاة ابنة شخصين عزيزين علينا، كان عمرها الجسدي 21 سنة، بينما عمرها العقلي كان سنة واحدة لأنها كانت متخلّفة عقلياً. ومع أن والديها أسمياها «كارول جوي» (Carol Joy بمعنى ترنيمة فرح) إلا أنها كانت مصدر حزن لوالديها، لأنها لم تتحدث إليهما يوماً حديثاً مفهوماً، ولا أبهجتهما بمناقشة مفرحة.
وكما أن كارول لم تَنْمُ عقلياً لأكثر من سنة واحدة، هكذا نجد اليوم مؤمنين لم ينموا أكثر من عمر سنة واحدة في الإيمان، مع أنهم قبلوا الرب منذ سنين عديدة. ورغم أنّ الرب قد جهَّز للمؤمنين غذاءً روحياً يشبع ويُنمي لو أن المؤمن هضمه بطرية سليمة. والكتاب المقدس هو الغذاء الروحي الذي دبّره الله لنموّك الروحي، وليمنع عنك سوء التغذية الروحية. فلو «أكلته» بانتظام تنمو من «حب الاستطلاع» الطفولي، إلى اتزان الشباب، وأخيراً إلى نضوج البلوغ. ولا يريد الله منا أن نقرأ كتابه كأداءواجب، بل كجائعين إلى ما ينعشنا ويمنحنا القوة. وستكون لك هذه القوة إن عرفت كيف تهضم كلمة الله لتغذّيك روحياً. ويوجّه الله على لسان نبيّه إشعياء الدعوة لكل الجياع والعطاش روحياً ليشبعوا ويرتووا من مائدة الله الروحية، فيقول: «أَيُّهَا ٱلْعِطَاشُ جَمِيعاً هَلُمُّوا إِلَى ٱلْمِيَاهِ، وَٱلَّذِي لَيْسَ لَهُ فِضَّةٌ تَعَالُوا ٱشْتَرُوا وَكُلُوا. هَلُمُّوا ٱشْتَرُوا بِلاَ فِضَّةٍ وَبِلاَ ثَمَنٍ خَمْراً وَلَبَناً. لِمَاذَا تَزِنُونَ فِضَّةً لِغَيْرِ خبْزٍ، وَتَعَبَكُمْ لِغَيْرِ شَبَعٍ؟ ٱسْتَمِعُوا لِي ٱسْتِمَاعاً وَكُلُوا ٱلطَّيِّبَ، وَلْتَتَلَذَّذْ بِٱلدَّسَمِ أَنْفُسُكُمْ. أَمِيلُوا آذَانَكُمْ وَهَلُمُّوا إِلَيَّ. ٱسْمَعُوا فَتَحْيَا أَنْفُسُكُمْ» (إشعياء 55: 1-3).
ولكن كثيرين لا يعرفون كيف ينالون غذاء إيمانهم من قراءة كلمة الله لأنفسهم، فيعتمدون على قراءة كتب عن الكتاب المقدس، ولا يقرأون الكتاب نفسه. والكتاب الذي بين يديك لا يحاول أن يشرح لك الكتاب المقدس، ولكنه يشجعك أن تقرأه لنفسك، فيوضح الكتاب لك نفسه، وهكذا تتمتع أكثر بحياة أُنس جميل بأبيك السماوي.
كثيراً ما قلتُ للمبتدئين في قراءة الكتاب المقدس كغذاءٍ لأرواحهم.
عندما تقرأ الكتاب المقدس ستجد ما تفهمه، كما ستجد ما لا تفهمه.
استمِر في القراءة، وسرعان ما ستجد أن ما تفهمه سيساعدك تدريجياً لتفهم ما لم تفهمه.
لا تيأس أبداً، فإن البشر في كل أنحاء العالم، في غرف الدرس وقاعات المحاضرات والمكتبات، يلتهمون المعلومات التي هي «غذاء الفكر». فإذا درسنا الكتاب المقدس كمجرد مصدر للمعلومات حصلنا على مجرد «غذاء للفكر». ولكن الكتاب يحذرنا بقوله إن العلم ينفخ (1 كو 8: 1). فما لم نفهم كيف نهضم كلمة الله بطريقة مناسبة فإن معرفة الحق الكتابي ستنفخنا بالكبرياء العقلية، دون أن تبني حياتنا الروحية. ففي وقت وجودنا في خلوة مع الله، دعونا نهتم بالشبع الروحي الذي يغذي إيماننا من مائدة الله، قبل أن نهتم بتحصيل المعرفة العقلية. وما أعظم الفرق بين من يقرأون الكتاب المقدس كرياضةٍ عقلية وأولئك الفرحين الذين اكتشفوا سر القراءة التي تجعلهم يستخدمون ما يقرأون للتطبيق العملي والحياة النامية، فإنهم يختبرون أُنساً صادقاً بالله، وعبادةً وحيةً مشبعة، وخدمة مثمرة متزايدة. ومن حق كل مؤمن مولود من الله أن يقترب إلى الله بثقة، كل يوم، بكتاب مقدس مفتوح، وبقلب يستقبل البركة.
وقد تسألني ما هي أفضل طريقة لدراسة الكتاب المقدس كي تتغذى نفسي وأتمكن من النمو في محبة المسيح ومعرفته؟
يكمن السر في ما أسميه «الانفراد بالله». وفيه يجري حديث ذو اتجاهين مع الإله الحي يكلّم الله أولاده في الكلمة المقدسة، وهم يجاوبونه بالصلاة بطريقة كتابية، وبإيمان عامرٍ بالتوقُّع. والصلاة «بطريقة كتابية» تعني أننا نستخدم ذات كلمات الكتاب التي قرأناها في صلاتنا، فنتأكد أننا نصلي بحسب مشيئة الله.
وعندما يجعل الروح القدس كلمة الله حيةً بالنسبة لنا، نستخدم كلمة الكتاب ونربطها ذهنياً وقلبياً باهتماماتنا، وهذا ينقذنا من «كليشيهات» صلواتنا المتكررة، ويُدخلنا إلى أُنسٍ ممتع بالله، ويشرح لنا اهتمامات الله وأهدافه لحياتنا.
إن الصلاة الحقيقية تُطوّع إرادتنا لإرادة الله، وليس العكس. فبعدما عبر يشوع ببني إسرائيل نهر الأردن، أثناء فيضانه، بطريقة معجزية، لاقاه شخص لا يعرفه. وكان يشوع يعلم أن الله يريده أن يمتلك الأرض وأن يطهّرها من رجاسات الوثنية، فتقدم ن الشخص الغريب والذي كان بيده سيفٌ مسلول، وسأله «هل لنا أنت أو لأعدائنا؟». فكانت الإجابة الغريبة «كلا». فظنَّ يشوع أن الغريب محايد. ولكن الغريب مضى يقول «أَنَا رَئِيسُ جُنْدِ ٱلرَّبِّ. ٱلآنَ أَتَيْتُ» (يشوع 5: 13 و14). وهنا أدرك يشوع أن الغريب ليس محايداً، لكنه سيد الموقف كله، فسقط على وجهه وسجد، لأنه علم أنه في حضرة رب الجنود، وأن المكان الذي كان يقف عليه مقدس (يشوع 5: 15). وبالطريقة نفسها، عندما نمثل في حضرة الله للصلاة لا يجب أن نملي عليه رغباتنا وطلباتنا، بل يجب أن نسجد أمامه، لنضبط قلوبنا على وقع رغباته وخططه وأهدافه.
الصلاة الكتابية إذاً هي الصلاة المتوافقة مع إرادة الله. واقتباسنا لكلمة الله في صلاتنا يساعدنا على أن تتوافق إرادتنا مع إرادة الله. فعندما تدرس كلمة الله مصلّياً، راغباً في سماع صوته، ستنمو في النعمة وفي معرفة ربنا يسوع المسيح (2بطرس 3: 18). وعندما تُميل أذنك وتأتي إليه (كما قال النبي إشعياء) ستسمعه فتحيا نفسك، وتستمتع وتأكل الطيّب.
اختبار للفحص الروحي
-
كم سنة مضت عليَّ منذ نلت الولادة الثانية؟
-
هل كنتُ أتمتع بعلاقة قريبة من الله في الماضي أكثر مما أتمتع به اليوم؟
-
إن قارنتُ حياتي اليوم بحياتي منذ خمس سنوات
هل أصرف اليوم وقتاً أكثر في الصلاة؟
هل أفرّق أكثر بين إرشاد الله لي ورغباتي الشخصية؟
إلهي الصالح، علّمني أن أصغي.. زماننا عامر بالضوضاء، وأذناي مرهقتان بآلاف النداءات التي تهاجمهما. أعطني أن أكون كالصبي صموئيل الذي قال لك «تكلّم يا رب، لأن عبدك سامع». دعني أسمعك تكلم قلبي. عوِّدني على سماع صوتك فتصبح نبرته معتادة،وتموت أصوات العالم في أذنيَّ، ويصبح كل ما أسمعه موسيقى صوتك السماوي. آمين أ. توزر
الفصل الثاني: الرأس والقلب | ||
الرأس والقلب | ||
منذ بضع سنوات حضرت مع زوجتي مؤتمراً في شمال كينيا ألقيتُ فيه عظات على بعض القسوس الكينيين وزوجاتهم. وكان بعضهم يضطرون لبدء رحلتهم في الرابعة صباحاً سائرين على أقدامهم، تحت أشعة الشمس الحارقة في تلك المناطق الإستوائية، ليبلغوا مكانالاجتماع في السابعة مساءً، تدفعهم إلى ذلك أشواقهم القوية ليعرفوا كتابهم المقدس أكثر. وقد صُعقت لما عرفت أن ما بين 60 و70٪ من هؤلاء القسوس لم يكونوا يمتلكون كتاباً مقدساً، مع أن بعضهم كانوا قد قبلوا المسيح مخلّصاً منذ سنتين أو ثلاثة، وكانت لهم شهادة لامعة بين مواطنيهم، أدَّت إلى قيام كنائس صغيرة كثيرة!
وفي بداية المؤتمر أعطينا كل قسيس كتاباً مقدساً، وبدأت سلسلة مواعظ شعارها «الآن وبين يديك كتاب مقدس، يمكنك أن تحصل على البركة منه إن نقلتَ ما به من يدك إلى رأسك، وهذا سيمنحك بعض البركة التي يريد الله أن يعطيها لك. أما كل البركة فل تحصل عليها إلا عندما تسكن كلمة الله قلبك. ومن الضروري أن تتعلم كيف تنقل الكتاب من يدك إلى رأسك، ثم من رأسك إلى قلبك».
سنحت لي الفرصة مؤخراً لأزور البيت الذي سلّمتُ فيه حياتي للمسيح وأنا في أواخر العشرينات من عمري. وكان هناك عامود نور قريب من البيت وقف تحته صديقٌ لي (اسمه بوب فلنت Bob Flint) وسلَّم حياته للمسيح وعمره 14 سنة. وقد غيَّر المسيح حياة بوب تماماً لأنه كان قد ترك المدرسة واشتغل حمّالاً، وواضح أنه لم يكن من العلماء. وما إن قبل المسيح حتى بدأ يدرس كتابه المقدس يومياً قبل ذهابه للعمل. ومع أنه لم يكن قد ذهب إلى كنيسة قبل تجديده، إلا أنه عرف كيف ينمّي حياته الروحية بالتفاعل مع كلمة الله أثناء انفراده بالله. ولا غرابة أنه في عمر 17 سنة بدأ يدرس الكتاب المقدس بالمراسلة وحصل على أعلى الدرجات في دراسته لنبوَّة النبي دانيال. والتحق بالخدمة العسكرية وعمره 18 سنة، واستمّرت معه غيرته المتقدة في محبة كلمة الرب. وخلال الأسابيع الثمانية الأولى صلى مع كل واحد من زملائه الجنود المتشوّقين إلى معرفة المسيح، وعددهم في معسكره 17 جندياً. وقرب نهاية خدمته العسكرية قرر أن يكون مرسَلاً، ولكنه أُصيب في حادثة سقوط طائرة حربية فوق ألمانيا، ومضى إلى بيته الأبدي. وفي موقع سقوط الطائرة تساقطت المنشورات المسيحية التي كانت في حوزته فوق الأراضي الألمانية. حقاً إن كلمة الله انتقلت من يد بوب إلى رأسه، ثم من رأسه إلى قلبه، وأخيراً من قلبه إلى قلوب الآخرين. وعندما مات انتقلت علاقته بالرب من محدوديتها بالأرض إلى لانهائيتها في السماء، بالوجود في محضر الرب نفسه.
وقد يجد كثيرون سبيلهم بسهولة إلى دراسة الكتاب المقدس والتدريب الروحي الذي يشجعهم على السير في الحياة المسيحية، كما حدث مع بوب. وقد يضطر البعض للسير 15 ساعة تحت الشمس الإستوائية الحارقة كما فعل القسوس الكينيون ليسمعوا شرح الكتاب. وياً كان حالنا، فإن علينا جميعاً أن نتعلّم كيف نحوّل المعرفة الكتابية إلى واقع روحي مُعاش. وكم أشكر الله أنه علّمني في مطلع حياتي الروحية أن أفرّق بين الدراسة الكتابية العقلية والوقت الذي أنفرد فيه بالله. ومع أن الاقتراب من كلمة الله بالعقل والقلب معاً هام جداً، إلا أنه من المهم أن ندرك أن المعرفة العقلية لن تقودنا للنمو الروحي بدون التكريس القلبي.
الرأس والعقل: أهداف الدراسة الكتابية المنهجية ومشاكلها.
قال الرسول بولس لتلميذه تيموثاوس «ٱجْتَهِدْ أَنْ تُقِيمَ نَفْسَكَ لِلّٰهِ مُزَكّىً، عَامِلاً لاَ يُخْزَى، مُفَصِّلاً كَلِمَةَ ٱلْحَقِّ بِٱلاسْتِقَامَةِ» (2 تي 2: 15). ودراسة الكتاب المقدس بطرقة منهجية، ومعرفة محتوياته هي أمر لازم واستثمار صالح لوقت كل مسيحي. وننصح أن تهتم بالاستماع إلى وعّاظ مباركين، وأن تدرس تفاسير للكتاب، لتعرف كتابك معرفة عقلية، فإن هذه المعرفة ستعينك جداً وأنت تنفرد بالله.
إن الوعاظ والمفسرين هم هدية الله لكنيسته، فالواعظ المتعلم من الله يعلّم المؤمنين محتوى كلمة الله وقرائنها وظروف كتابة مختلف الأسفار المقدسة، ثم يتقدم من هذا إلى تشجيع مستمعيه ليحيوا حياة التقوى والطمأنينة والاهتمام بخلاص النفوس الالكة. وقال أحد رجال الله الأتقياء «دعا الله راعي الكنيسة ليطعم الرعية حتى لو لم تكن لها شهية للأكل. وليس مطلوباً منه أن يلقي الطعام للغرباء، فإنك لن تحوّل الغرباء إلى رعية إن أطعمتهم من مرعى الرعية.. ومن أهم واجبات الراعي المثمرة أن يعّم أفراد الرعية، أيّاً كانت خلفياتهم، أن يحيوا معاً في توافق، وأن يعيشوا في العالم وسط الغرباء بدون أن يتشبَّهوا بهم!».
عندما تنال الولادة الجديدة عليك أن تصبح عضواً في كنيسة تتمتع فيها برعاية راعٍ صالح. وقد لا يتوفر لبعض قرّاء هذا الكتاب أن يجدوا رعاة صالحين، ولكن على الذين يجدون مثل هؤلاء الرعاة، ويقرأون تفاسير مفيدة أن يَحْذَروا من الاكتفاء بالمعرفة العقلية، ويهملوا صرف وقت مع الله، فمهما عظُمت المساعدة العقلية التي ننالها من الرعاة، ومن كتب التفاسير العميقة إلا أنها لن تغني عن التغذية الروحية التي يمنحها الروح القدس وهو يطبّق الكلمة على قلوبنا وحياتنا، ونحن ننفرد بالله.
وكما أن الدراسة العقلية لا تأخذ مكان الانفراد بالله، هكذا الانفراد بالله لا يجب أن يأخذ مكان الدراسة المنهجية للكتاب المقدس.
ونقدّم النصائح التالية لتساعدك على دراسة الكتاب دراسة منهجية
من المهم أن تتأمل ما كُتب في نور الأسئلة التالية:
-
عن من يتكلم هذا الفصل الكتابي؟
-
إلى من يُوجّه هذا الفصل؟
-
ما هي الكلمات الهامة الواردة في هذا الفصل؟
-
متى كُتب هذا الفصل؟
-
من أين كُتب هذا الفصل؟
-
ما هو هدف كتابة هذا الفصل؟
-
في أي الأحوال كُتب هذا الفصل؟
ما هي علاقة هذا الفصل بالفصلين السابق واللاحق له؟
وعندما تكوّن في نفسك عادة توجيه هذه الأسئلة لنفسك، ستُذهَل من الفوائد الجمَّة المتشابهة في الكتاب المقدس. وستبتهج بالنظرة الشاملة للنبوات الكتابية، وقد تحقق بعضها، ولا بد سيتحقق البعض الآخر.
وستفرح وعيناك تنفتحان على إلهك الأزلي الأبدي، وأنت ترى أهدافه من الخَلْق، وعمله في التاريخ، وفداءه وخلاصه، ومجيئه إلى عالمنا في المسيح، ونصائحه التي لا تزال صالحة للمسيحيين من أمثالك وأمثالي إلى يومنا هذا. وعلى كل مؤمن أن يبذل غاي جهده ليصل إلى هذه المعرفة التي تنير العقل والقلب.
القلب والعاطفة: الانفراد بالله يُصلِح وينصح
يريد الله لكل واحد من خاصته أن يتعبّد له بالروح والحق (يوحنا 4: 24) بمعنى أنه يتعبد بعقله وقلبه متّحدَيْن معاً في الأَنس به سبحانه.
فإذا حصلت من دراستك للكتاب المقدس على معارف عقلية فقط تكون قد استفدت القليل، بل إن المعرفة بدون التطبيق الحياتي المُخلِص تشكّل للمسيحيين اليوم مشكلةً كبرى، فمن المؤسف أن كثيرين اليوم يعرفون كلمة الله جيداً، لكنهم لا يعيشون بحسب م يعرفون. إنهم يخزنون المعرفة في عقولهم ويتصرّفون كما يفعل أهل العالم الشرير، فلا تتكيَّف حياتهم وتتوافق مع ما وصلهم من معرفة. والذين يدرسون الكلمة المقدسة كأنها فلسفة أو علم نفس أو تاريخ حضاري يظلمون أنفسهم، ولا يحقّقون ما يريده الله منالوحي الإلهي. لقد دفع المسيح ثمناً غالياً لينقذنا من العالم الحاضر الشرير، وكلمة الله تقودنا إلى قبول التغيير الذي جاءنا المسيح به. إن كلمة الله لا تتوافق مع إرادة العالم. فإذا قرأنا كلمة الله ونحن راغبون أن نكون كما يريدنا الله، سنختبراختباراً ثورياً، وهذا ما يريده الله لنا.
فلم يقُل المرنم «خبأتُ كلامك في عقلي» بل قال «خَبَّأْتُ كَلاَمَكَ فِي قَلْبِي لِكَيْلاَ أُخْطِئَ إِلَيْكَ» (مزمور 119: 11). لقد كان أدولف هتلر يعرف آياتٍ كتابية اقتبسها في بعض خطبه، ولكنها لم تساعده في قراراته الأخلاقية، ولا في مصيره الأبدي، لأن معرفتها لم تسكن فؤاده وقلبه.
وقد تتساءل ماذا قصد داود بقوله إنه خبأ كلمة الله في قلبه؟ لا شك أنه لم يقصد بالقلب ذلك العضو الذي يضخّ الدم، فلا يمكن لإنسان أن يخبئ فيه كلمة الله. لكن قصد به مركز ردود أفعاله السلوكية، فنحن نخبئ كلمة الله في أعماق كياننا، فنختبرالنقاوة الأخلاقية بقوة المسيح الساكن فينا، ونتغذى روحياً بتلك الكلمة. ولذلك لا نجد مفرّاً من أن ننفرد بالله، في الصلاة لنسمع ما يقوله لنا شخصياً من خلال كلمته.
وقد اكتشفتُ أن الجلوس لإصدار أحكام على كلمة الله أسهل من أن أعرف وأتقبَّل حكمها فيَّ! وقد كنا نتندَّر ونحن طلبة ونقول إن تعريف المحاضرة هو أن تنتقل المعارف من مذكرات الأستاذ إلى كرّاساتنا، دون أن تمرّ على عقول أيٍّ منا! ومن المؤل أن الموعظة تمرّ أحياناً من رأس الواعظ إلى رؤوس الموعوظين دون أن تحرك مشاعر أيٍّ منهما. ونذكر هنا القول الإلهي «لَمْ تَنْفَعْ كَلِمَةُ ٱلْخَبَرِ أُولٰئِكَ. إِذْ لَمْ تَكُنْ مُمْتَزِجَةً بِٱلإِيمَانِ فِي ٱلَّذينَ سَمِعُوا» (عبرانيين 4: 2). ولكننا سنستفيد من كلمة الله عندما نجوز اختبار النبي إرميا «فَكَانَ (كلام الرب) فِي قَلْبِي كَنَارٍ مُحْرِقَةٍ مَحْصُورَةٍ فِي عِظَامِي» (إرميا 20: 9). وما أكثر حاجتنا اليوم لاختبار النبي إرميا ليحث التواصل بين ما في عقولنا وما في سلوكنا، فترتبط حياة المؤمن بصوت الله ارتباط التنفيذ والطاعة.
وعندما تحرك كلمة الله قلبك تتغيَّر حياتك، فلا تعتمد في نموّك الروحي على المعونة البشرية مثل طلب نصيحة المشيرين، وحضور المؤتمرات الروحية، لأنك ستجد العون مباشرةً من عند الله الذي سيحقق مواعيده لك، بقوة الروح القدس الساكن فيك، فتقد بسهولة أن تطيع أوامر المسيح الواضحة لك.
أحياناً بعد أن أعظ يجيئني أحد المستمعين ليقول لي «قدَّمتَ لنا اليوم شيئاً لنفكر فيه». عندها أدرك أن موعظتي لم تحقق الهدف المقصود منها في ذلك المستمع، فهناك فرق بين الاستماع لكلمة الله كمحرّكٍ عقلي، وبين الإحساس بها كحقيقةٍ تغيّر لحياة. ويجب أن تحتوي الموعظة على ما يغيّر الحياة وليس على مجرد المعارف العقلية. والوقت الذي نصرفه مع الله يجب أن يؤدي بنا إلى زيادةٍ في الإيمان والطاعة والاعتراف بالخطية والرغبة في التعبُّد. وبهذا يكون وقتاً بنّاءً. وعندما تعمّر كلمة اله قلب المؤمن، وتتحرّك مشاعره بعمل الروح القدس، يتمتع بالأُنس مع المسيح المخلّص، ويفرح بكل ما قصد الله أن يفرح به قلوب المؤمنين.
وعندما أزور طلاب معهد لاهوتي أقول لهم لم تجيئوا هنا لدراسة الكتاب المقدس لمجرد المعرفة، لكن لتتعرَّفوا على إله الكتاب المقدس! ويرجع الضعف الروحي في المؤمنين إلى اكتفائهم بالدراسة العقلية وإهمال وقت الصلاة. فكم نحتاج إلى الانفراد الله شخصياً فيضيء وجهه علينا بالرضى. فإن كنت تقرأ الكلمة في محضر الله فتدفعك للطاعة، فإنك تُشبع روحك وتنمو في معرفة إلهك وإدراك حكمته، وبنوره ترى نوراً (مزمور 36: 9).
إن النور الذي نطيعه يجلب لنا المزيد من النور، أما النور الذي نعصاه فيغرقنا في الظلمات.
ولا بد أنك اكتشفت أن تقديم النصيحة أسهل من طاعتها، كما اكتشفت أيضاً أن المسيح المشير العجيب (إشعياء 9: 6) يقدّم النصيحة ويمنح القوة لطاعتها. وفي مطلع كل يوم عندما تصرف وقتاً مع الله وأنت تقرأ كلمته، ستجهّز نفسك لمسئوليات اليوم. وعدما يقدّم الله لك مشورة في أول اليوم، ستجد المسيح يعاونك على طاعتها وتنفيذها خلال اليوم. فإذا سقطت أو أخطأت ستجده المعين والمرشد ليقيمك وينصرك.
اختبار للفحص الروحي
-
هل يستجيب قلبي لكلمة الله بنفس السرعة التي يستجيب بها عقلي؟
-
هل طريقة صلاتي تشتمل على الاستماع لله والتكلم معه؟
-
في حياتي الإيمانية، أية مشورة أطلب أولاً مشورة الله أم مشورة الإنسان؟ (تحذير «لم ينتظروا مشورته» مزمور 106: 13).
-
عندما أخدم إخوتي المؤمنين، هل تصدر الخدمة من قلبٍ مفعمٍ بمحبة الله، وعقل عامرٍ بكلمته؟ (تحذير «عصوه بمشورتهم» مزمور 106: 43).
خطايا مثل هذه
أعترف بخطايا بلا عدد،
هي خاطئة جداً.
عندي اهتمامات دنيوية في وقت تعبُّدي،
ولديَّ أهدافٌ أنانية أثناء العمل،
وأجد في نفسي الكبرياء،
بينما النفوس تموت في ظلامها.
وبعد أن أتذوَّق أطايب الله،
أفتش عن أطعمة العالم السامة،
وأهجر ينابيع السماء المنعشة،
لأرتوي من زيف البشر.
مثل هذه الخطايا تخدع قلبي،
وأنت، يا من تعرفني، تحزن عليَّ!
كم طار نومي من عينيَّ
لأني كتمت خطايا لم أعترف لك بها،
واستيقظتُ لأقوم بأعمالٍ مقدسة،
بالرغم من أني ملطخ بخطاياي!
ومع ذلك فإن تعزياتك لم تتأخر عني،
وشفاءك هو من نصيبي،
فاقبل يارب حزني على خطاياي،
ولتستُرني مراحمك العظيمة.
اغفر لي يا أبي في شفاعة المسيح،
فقد ارتكبت خطايا حزنت روحك القدوس.
الفصل الثالث: الاستعداد للصلاة | ||
الاستعداد للصلاة | ||
عندما قبلتُ المسيح مخلّصاً لي كانت معلوماتي الكتابية قليلة، وسرعان ما اكتشفت أنه عندما أقرأ الكتاب أجد أقوال الله، وأسمع المسيح يحدّث قلبي. وقد تعلّمت كمسيحي جديد أني عندما أفتح كتابي المقدس يجعله الروح القدس حياً أمامي، وتعّمت أن أصلّي قبل قراءة الكتاب قائلاً «يا روح الله كن معلِّمي، واكشف لي قصد المسيح، وافتح أمامي أبواب المعرفة الروحية لأنطلق بحرية إلى رحابٍ أعلى». وقد وعد المسيح تلاميذه «مَتَى جَاءَ ذَاكَ، رُوحُ ٱلْحَقِّ، فَهُوَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَميعِ ٱلْحَقِّ» (يوحنا 16: 13). وهذا يعني أن هناك أستاذاً واحداً هو الروح القدس. فإذا لم نعطِه الحرية ليعمل في حياتنا ستكون قراءتنا للكتاب المقدس خاوية وبلا فائدة.
كان جون وسلي يعرف قيمة الوقت الذي يقضيه مع الله (وهو البريطاني الذي استخدمه الله بقوة في القرن الثامن عشر، ويعتبره مؤرخون كثيرون منقذ بريطانيا من الثورة). وقد تعلّم درساً نحتاج أن نتعلمه، إذ كان ينام مبكراً ليصحو مبكراً، وكتب في مذكراته يقول «أجلس بمفردي.. الله وحده هنا، وفي محضره أفتح كتابه وأقرأه، وما أقرأه أُعلّمه».
وقد شجّعنا الرسول يوحنا بقوله إن عمل الروح القدس فيه الكفاية ليلمس قلوبنا بكلمة الله، حتى لو لم يكن هناك إنسان يعلّمنا، فقال «وَأَمَّا أَنْتُمْ فَٱلْمَسْحَةُ ٱلَّتِي أَخَذْتُمُوهَا مِنْهُ ثَابِتَةٌ فِيكُمْ، وَلاَ حَاجَةَ بِكُمْ إِلَى أَنْ يُعَلِّمَكُمْ أَحَدٌ، بَلْ كَمَا تُعَلِّمُكُمْ هٰذِهِ ٱلْمَسْحَةُ عَيْنُهَا عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَهِيَ حَقٌّ وَلَيْسَتْ كَذِباً. كَمَا عَلَّمَتْكُمْ تَثْبُتُونَ فِيهِ» (1يوحنا 2: 27). فعندما تعتمد بوعيٍ على إنارة الروح القدس ونت تقرأ الكتاب المقدس، سيجعل حقائقه واضحة لذهنك وقلبك. فإن كنت تريد أن تقضي وقتاً طيباً غنياً مع الله، ففتّش عن مكان هادئ، وحدّد وقتاً معيناً لدرس كتابك ولحديثك مع الله. ولا شك أن الانفراد بالله سيملأ حياتك بالسعادة والتوقُّع، ولكن ستجيك أيام لا تقدر فيها أن تنفرد بالرب في المكان الذي حدّدته، بسبب ارتباطات عائلية أو في محيط العمل. ولكن لا بد أن تجد وقتاً للحديث مع الله أثناء مثل هذه الأيام، لأن في عدم الحديث مع الله خطراً كبيراً على حياتك الروحية. وكما كان بنو إسرائيليجمعون المنَّ كل يوم لإطعام أجسادهم أثناء سفرهم لأرض الميعاد، هكذا يجب أن نجتهد يومياً لدرس الكتاب لتغذية أرواحنا. لذلك ننصح
1 - أن تحني ركبتيك حرفياً أمام الله وأنت تقرأ كتابك مختلياً بالله.
2 - أن تكشف لله قلبك، فهو النور الأبدي الذي لا يمكن أن يخفى عن عينيه أي شيء.
وعندما تتهّيأ للتواجد في محضر الله يصبح الكتاب المقدس حياً لامعاً أمامك، وتنتقل كلمة الله من عقلك إلى قلبك وكل كيانك.
احنِ ركبتيك
يحدّثنا الكتاب المقدس عن كثيرين من الأتقياء الذين عبّروا عن احترامهم وخضوعهم لله بالركوع والسجود أمامه، ولو أن كثيرين يركعون ويسجدون ظاهرياً دون أن تملك خشية الله قلوبهم. ولكن ركوعنا سيساعدنا كثيراً ونحن نجيء إلى إلهنا وخالقنا السمدي.
عندما اقترب المسيح من ساعات الصلب الرهيبة في بستان جثسيماني، رأى تلاميذه نياماً، فابتعد عنهم خطوات «وَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَصَلَّى» (لوقا 22: 41). هكذا يجب أن نفصل أنفسنا عن أصحابنا وعائلاتنا ننفرد بالله، ونجثو على ركبنا للتعبيرعن تبجيلنا له.
عندما أشرفت خدمة الرسول بولس على نهايتها، أراد أن يودّع قادة الكنيسة التي كان قد أسّسها في أفسس، وهناك «جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ مَعَ جَمِيعِهِمْ وَصَلَّى» (أعمال 20: 36). ومرة أخرى، على شاطئ نهرٍ، ودّع تلاميذ الرب مع نسائهم وأولادهم، «فَجَثَوْنَا عَلَى رُكَبِنَا عَلَى ٱلشَّاطِئِ وَصَلَّيْنَا» (أعمال 21: 5). ولم يجد الرسول بولس ولا التلاميذ ولا النساء والأطفال حرجاً من السجود على الشاطئ للصلاة أما النظارة الذين لا يعرفون معنى الإيمان الجديد الذي اعتنقه التلاميذ وعائلاتهم. وهذا ما يجب أن نفعله نحن، فنصلي بغير خجل، سواء كنا في اجتماع صلاة عام أو كنا وحدنا.
ولا يجب أن ننسى أن الأهمية ليست في وضع الصلاة (وقوفاً أو ركوعاً) بل في موقفنا الخاضع لله المستسلم له، والكتاب يعلّمنا «يُقَاوِمُ ٱللّٰهُ ٱلْمُسْتَكْبِرِينَ، وَأَمَّا ٱلْمُتَوَاضِعُونَ فَيُعْطِيهِمْ نِعْمةً. فَٱخْضَعُوا لِلّٰهِ. قَاوِمُوا إِبْلِيسَ فَيَهْرُبَ مِنْكُمْ. اِقْتَرِبُوا إِلَى ٱللّٰهِ فَيَقْتَرِبَ إِلَيْكُمْ» (يعقوب 4: 6-8).
وقد يعجز بعض الناس عن الركوع فترات طويلة لأسباب صحية. وكم نشكر إلهنا لأنه يعرف حالتنا الجسدية والروحية، وهو ينظر إلى القلب قبل أن ينظر للجسد. غير أن الركوع يساعدنا كثيراً على التركيز وصفاء الذهن، عالمين أن الصلاة امتياز عظيم لأننافيها نخاطب الخالق على أنه صديق محبٌّ لنا . وهذا يوجّهنا أكثر إلى طاعة الأمر «ٱتَّضِعُوا قُدَّامَ ٱلرَّبِّ فَيَرْفَعَكُمْ» (يعقوب 4: 10).
اكشف قلبك لله
قبل أن يموت المسيح على الصليب اختار الله، في رحمته العظيمة، أن يموت ابنه البريء ليكفّر عن خطايا البشر الذين ضلّوا، ليعيدهم إلى حياة الأُنس به. وكان الله قد أعلن لشعب العهد القديم أنه «من على الغطاء» رمزاً للرحمة والنعمة والكفّارة يلتقي بشعبه، فقال «وَأَنَا أَجْتَمِعُ بِكَ هُنَاكَ وَأَتَكَلَّمُ مَعَكَ، مِنْ عَلَى ٱلْغِطَاء» (خروج 25: 22). والآن تمَّت كفارة المسيح عنا وسفك دمه من أجل ذلك، وبموته صار لنا طريقاً نتصل به بالله. «فَلْنَتَقَدَّمْ بِثِقَةٍ إِلَى عَرْشِ ٱلنِّعْمَةِ لِكَيْ نَنَالَ رَحْمَةً وَنَجِدَ نِعْمَةً عَوْناً فِي حِينِهِ» (عبرانيين 4: 16).
والرحمة تعني أن الله لا يعطينا ما نستحقه، والنعمة تعني أن الله يعطينا ما لا نستحقه، فما أروع الحياة مع الله في ظل رحمته ونعمته!
من كل ريح عاصفة،
ومن كل مخاوف مرعبة،
توجد راحة مؤكدة،
عند عرش نعمة الله.
هناك يسكب مسيحنا
دهن الفرح على رؤوسنا،
فما أحلى المكان الذي
اشتراه دم المسيح لنا!
هناك تتجمَّع الأرواح،
ويتلاقى الأصدقاء بأفراح
مهما تباعدت المسافات،
فاللقاء عند عرش النعمة آت.
فلنسرع طالبين العون،
عندما نتجرَّب ونحزن،
فتنهزم من أمامنا جنود الشر.
أليس للأتقياء المتألمين عرش نمة يلوذون به؟!
هناك نرتفع على أجنحة النسور،
ويضيع منا الإحساس بالزمان والمكان،
وتتنازل السماء لترحّب بأرواحنا،
من عرش النعمة يتوّج مجدنا!
يظل الطفل ابناً لوالديه العمر كله. إنه لن يفقد الانتماء إليهما. ولكن عندما يعصاهما يفقد التواصل معهما، ويضيع فرح أُنسه بهما. ويا لها من مأساة!
وبالميلاد الثاني يبدأ انتماؤنا الثابت لأبينا السماوي. فإن كان المسيح قد حلَّ بالإيمان في قلوبنا نكون قد صرنا أولاد الله. وهو انتماء يبقى إلى الأبد. ولكن عندما نخطئ يضيع منا فرح الخلاص وبهجة الأنس بالله، فلا نعود نتمتع بما كنا نتمت به من البركة ورضى الله. فإن طال أو قصُر وقت العصيان وضياع الفرح، فذلك ليس بسبب نقص اهتمام الله بنا، ولكن بسبب نقص طاعتنا وعدم نقاء ضمائرنا. إنها مسئوليتنا وحدنا!
الضمير المدنَّس
قال يوحنا بنيان «الخطية تبعدني عن الكتاب المقدس، لكن الكتاب يبعدني عن الخطية». عندما يُحزِن أحدُنا الروحَ القدس بارتكاب الخطية عمداً، فإنه يفقد الشهية لأكل كلمة الله. ولا بد له من ضميرٍ نقي ليتمتع بالإيمان الحي الفعال الذي يتوقع لبركة وهو يدرس الكلمة. لأنه «دُونَ إِيمَانٍ لاَ يُمْكِنُ إِرْضَاؤُهُ، لأَنَّهُ يَجِبُ أَنَّ ٱلَّذِي يَأْتِي إِلَى ٱللّٰهِ يُؤْمِنُ بِأَنَّهُ مَوْجُودٌ، وَأَنَّهُ يُجَازِي ٱلَّذِينَ يَطْلُبُونَهُ» (عرانيين 11: 6). لكن إصرارنا على خطيتنا يطفئ قوة الإيمان فينا، لأن ضمائرنا تفقد قدرتها على تمييز صوت الروح القدس أثناء قراءتنا للكتاب المقدس.
الضمير النقي
عندما نخطئ يجب أن نطهر ضمائرنا حتى تتجدد علاقتنا بالله. وعلى المؤمن أن يكشف خبايا قلبه لله معترفاً بخطاياه، كما قال الرسول يوحنا «إِنِ ٱعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا فَهُوَ أَمِينٌ وَعَادِلٌ، حَتَّى يَغْفِرَ لنَا خَطَايَانَا وَيُطَهِّرَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ» (1 يوحنا 1: 9). وهناك صلاة أرفعها لله عندما أحسُّ بضعفي وخطاياي، فأعترف بكل خطية أمام عرش النعمة، وأقول «ربي وإلهي، لقد أخطأتُ إليك من جديد، وإني حزين جداً لذلك، وأنا أدين نفس، ولكن رحمتك أعظم من خطاياي. بالدم الكريم استُر ذنوبي، واجعلني بالإيمان أن أحتمي بكفارتك العظيمة التي احتمَلْتَ آلامها لأجلي».
ويجب أن يكون اعترافنا بخطايانا بالتفصيل لا بالإجمال، فإننا لم نرتكب خطايانا بالجملة. واعترافنا بالجملة «بكل خطايانا» يجعلنا نهرب من الانكسار أمام الله، ويحفظ لقلوبنا كبرياءها. وهذا لا يطهر القلب من كل الخطايا. فعندما يذكّرك الروح لقدس بخطإٍ ما، عليك أن تسمّي خطيتك باسمها وبوضوح. لا تقُل هذه كذبة بيضاء، بل قُل هذا كذب. لا تقل هذه أحلام يقظة، بل قل هذه أفكار نجسة. لا تقل هي كلمة قلتُها بتسرُّع، بل قل قتلت سمعة إنسان.
وعندما تجيء معترفاً في حضرة الرب، فلا تلتمس لنفسك المعاذير، لكن بكل تواضع وانسحاق اذكر خطيتك، فيستجيب الله صلاة اعترافك برحمته العظيمة، وهذه هي نعمة الله المتفاضلة. لقد جاء داود بعد ارتكابه الخطأ لاجئاً للرب «حَسَبَ كَثْرَةِ رَأْفتِكَ» (مز 51: 1). وكان داود أميناً في اعترافه صادقاً في توبته. وعندما تتوب صادقاً تعلن أنك سرت في طريقك وليس في طريق الرب، وتعلن أنك ترجع إلى طريق الرب. وعندما تعترف للرب تفصيلاً ستفرح بمراحم الرب المتدفّقة عليك بالجملة، فيتطهَّر ضميرك وستعيد علاقتك بالإله القدوس، فتجد لديك الشجاعة لتتقدم مصلياً إلى عرش النعمة . «فَإِذْ لَنَا أَيُّهَا ٱلإِخْوَةُ ثِقَةٌ بِٱلدُّخُولِ إِلَى «ٱلأَقْدَاسِ» بِدَمِ يَسُوعَ... لِنَتَقَدَّمْ بِقَلْبٍ صَادِقٍ فِي يَقِيِ ٱلإِيمَانِ، مَرْشُوشَةً قُلُوبُنَا مِنْ ضَمِيرٍ شِرِّيرٍ» (عبرانيين 10: 19 و22). وهذا الدخول للأقداس ينبع من ضمير طاهر وقلب مكشوفٍ لله، نتيجة الإيمان اليقيني الذي يقدر أن يتمتع بعلاقة أُنسٍ عميق بالله.
وعندما تعرف أن قلبك طاهر، تفارقك ذكريات خطاياك الماضية التي كانت تذلّك وتعكر صفاء ضميرك. وسيهاجمك إبليس ويكيل لك الاتهامات. فجاوِبه بالإجابات التي جاوبك الله بها عندما غفر لك. قل له إن دم المسيح يطهّر من كل خطية. وقد أدرك القديسون المذكورون في سفر الرؤيا قوة دم المسيح عندما هاجمهم إبليس بذكر خطاياهم الماضية التي غفرها الله لهم، فقيل عنهم «وَهُمْ غَلَبُوهُ (غلبوا الشيطان المشتكي على الإخوة) بِدَمِ ٱلْحَمَل وَبِكَلِمَةِ شَهَادَتِهِمْ...» (رؤيا 12: 11). فقد تمتعوا بالضمير الطاهر، كما تعلّموا سر الحصول على ضمير لا يضطرب.
هناك دوماً سبب كامن وراء نقص رغبة المؤمن في التغّذي بلبن كلمة الله، هو الخطية التي تضيّع الرغبة في الطعام، كمن تصيبه الحمى فتُفقده شهيته مهما كان الطعام شهياً. ويحذرنا الرسول بطرس من بعض الخطايا التي تعطلنا عن أن نشتهي لبن كلمة اله (1بطرس 2: 2) ويقول إننا ننجو من هذه الخطايا بفضل الوقت الذي ننفرد فيه بالله في الصلاة، فنطرح ما يعطل الشهية الروحية، فتتغيّر أفكارنا من جهة الخطايا، وهذا ما ندعوه «توبة». «فَٱطْرَحُوا كُلَّ خُبْثٍ وَكُلَّ مَكْرٍ وَٱلرِّيَاءَ وَٱلْحَسدَ وَكُلَّ مَذَمَّةٍ، وَكَأَطْفَالٍ مَوْلُودِينَ ٱلآنَ ٱشْتَهُوا ٱللَّبَنَ ٱلْعَقْلِيَّ ٱلْعَدِيمَ ٱلْغِشِّ لِكَيْ تَنْمُوا بِهِ» (1 بطرس 2: 1 و2).
ولا يمكن أن نشتهي كلمة الله إلا إذا تخلّصنا من هذه الخطايا، فهي المرض الروحي الذي يضيّع الشهية. فلنتأملها
-
الخبث: وهو كل أشكال السلوك الشرير التي تُؤذي الآخَرين، بغضاً لهم وانتقاماً منهم
تحمّلت كُرّي تِنْ بُوم آلاماً مبرحة في معسكر الاعتقال النازي في أُشوِتز، ورأت بحزن بالغ وفاة أختها في ذات المعسكر وهي عاجزة عن تقديم العون لها. وقد تحدثت في ما بعد عن غلاظة الحراس وعن غفرانها لهم، وقالت «الغفران عمل إرادي، ويمكن للإرادة أن تختار طريقة تصرّفها بغضّ النظر عن مشاعر القلب». فإذا احتفظت في قلبك بعدم غفران نحو شخص أساء إليك، فإن عدم غفرانك لا يؤذيه، ولكنه سيعطل ويخنق نموّك الروحي، وستكون مقيَّداً أمام هذا الشخص حتى تغفر له. ووقتها فقط يمكن أن تصلي كم علّمنا المسيح «اغفر لنا خطايانا لأننا نحن أيضاً نغفر لكل من يذنب إلينا» (لوقا 11: 4). فإن لاحظتَ في قلبك خبثاً وعدم غفران، فاغفر لمن أساءوا إليك، فتقدر أن تعبّر عن محبة الله لهم بغير رياء.
-
المكر: وهو تغطية سقطاتنا بمبررات منطقية، فلا نعترف بخطايانا، فنعيش حياة خداع خالية من الأمانة.
-
الرياء: وهو تقديم أنفسنا بطريقة كاذبة متكبّرة، لنعطي الآخرين صورة أفضل من الحقيقة، فيعرفنا الناس بأفضل مما نحن في الواقع.
-
الحسد: النظر لنجاح الآخرين بضيق، بدل من أن نفرح معهم، متمنّين أن نحصل على كل ما لديهم من خير.
-
المذمَّة: الكلام الذي يؤذي الآخرين، والاستماع إلى كل ما يدمّر سمعة غيرنا، في محاولةٍ لتخفيف شعورنا بالذنب ونحن نخطئ كما يخطئ الآخرون.
هذه هي الخطايا التي يجب أن نطرحها إن كنا نرغب في التمتع بكلمة الله، دون حاجة إلى تشجيعٍ من أحد لنأكل الكلمة. يكفي أن يكون لنا فكر طاهر فنجد أنفسنا جائعين لكلام الله (1 بطرس 2: 2).
تلقّيت رسالة من سيدة تعمل مرسَلةً في اليابان في حقل لا يصل إليه معظم الناس، هو حقل العمل بين الدبلوماسيين وكبار رجال الدولة اليابانية، تقول «ماذا حدث للتعليم الكتابي عن إنكار النفس وحمل الصليب كل يوم؟.. لقد راجعتُ كتباً كثيرة تتحث عن الحياة المسيحية، فانتبهت إلى إشاراتها وتعليمها عن تحسين الحياة بطريقة «افعلها بنفسك». ولكني لا زلت أذكر الكتب الروحية التي طالعتها في بدء معرفتي بالمسيح، وكلها تتحدث عن إنكار الذات، وحمل الصليب كل يوم، والحياة النقية، والثبوت في السيح والسماح له أن يحيا فينا. هل اختفت هذه التعاليم من عندنا تدريجياً، أم هل أنا مخطئة في ظني؟.. ربما هذا ما أوضحه قائد صيني كتب يقول في الغرب والعالم الحر عموماً أرى المسيحيين يتعلقون بفكرة قوة المسيح المقام، وهم يريدون هذه العلاقة بالسيح، ويسعون وراء النجاح والازدهار من المسيح المنتصر. وقليلون هم الذين يشتركون مع المسيح في آلامه. غير أن الحال يختلف في البلاد الأسيوية والمضطهَدة، فهم يقبلون الاشتراك مع المسيح في آلامه، ويرون في ذلك أعظم امتياز وجزاء» .
قال الرسول بولس «لأَعْرِفَهُ (المسيح)، وَقُوَّةَ قِيَامَتِهِ، وَشَرِكَةَ آلاَمِهِ، مُتَشَبِّهاً بِمَوْتِهِ، لَعَلِّي أَبْلُغُ إِلَى قِيَامَةِ ٱلأَمْوَاتِ» (فلبي 3: 10 و11). ويوضح النبي عاموس هذه الفكرة في قوله «هَلْ يَسِيرُ ٱثْنَانِ مَعاً إِنْ لَمْ يَتَوَاعَدَا؟» (عاموس 3: 3). فإن أردنا أن نسلك في قوة قيامة المسيح، يجب أولاً أن نقبل أن نشترك معه في آلامه. فا هو معنى «شركة آلامه»؟
كتب الرسول بولس أن المحبة «ٱلْمَحَبَّةُ تَتَأَنَّى وَتَرْفُقُ... وَلاَ تَطْلُبُ مَا لِنَفْسِهَا» (1 كو 13: 4 و5). وهي المحبة التى نراها في المسيح عندما جاء إلى عالمنا الخالي من المحبة، والتي أظهره بطريقة ملموسة في كلماته وأعماله وأفكاره، وفي خضوعه الكامل لعمل إرادة الآب، فقد جاء لا ليُخدَم بل ليخدِم، وليبذل نفسه فديةً عن كثيرين (مرقس 10: 45). ومنذ ميلاده إلى صلبه لم يستخدم قوته العظيمة وكماله المطلَق لخدمة نفسه. ولمدة 33 سنة «بذل نفسه» (يوحنا 3: 16) لصالح الغير. وعندما واجه الصليب «وَهُوَ عَالِمٌ أَنَّ سَاعَتَهُ قَدْ جَاءَتْ لِيَنْتَقِلَ مِنْ هٰذَا ٱلْعَالَمِ إِلَى ٱلآبِ، إِذْ كَانَ قَدْ أَحَبَّ خَاصَّتَهُ ٱلَّذِينَ فِي ٱلْعَالَمِ، أَحبَّهُمْ إِلَى ٱلْمُنْتَهَى» (يوحنا 13: 1). كانت محبته فعلاً «إلى المنتهى».
فإذا أردنا أن تكون لنا علاقة عميقة بالمسيح يجب أن نسأل أنفسنا
هل أستخدم الامتيازات التي منحها الله لي لمنفعتي الشخصية، أو هل أنا مستعد أن أضع نفسي وأبذلها في محبة حقيقية لخدمة الآخرين، مهما كلّفني هذا من متاعب؟
إن محبة الله تخجلنا ونحن نضع نفوسنا أولاً، ونظن أن الاهتمام بحقوقنا الشخصية فضيلة. ويقول لنا الوحي إن التعبُّد للذات هو صنم هذه الأيام «لأَنَّ ٱلنَّاسَ يَكُونُونَ مُحِبِّينَ لأَنْفُسِهِمْ... مُحِبِّينَ للَّذَّاتِ دُونَ مَحَبَّةٍ لِلّٰه» (2 تيموثاوس 3: 2 و4). وقد قال أحد المفسرين إن الطريق إلى رفعة الجمال الروحي مخضَّب بدماء محبة الذات الجريحة. فالخطية بالعمل أو الفكر أو القول نابعة من تركيز الإنسان على ذاته، لأن الأنانية هي طب «حقوقي لنفسي». وهي خطيرة سواء كانت في دائرة الأخلاقيات أو اللاأخلاقيات. فالأنانية تظهر في السرقة واستغلال الآخرين، كما تظهر في احتلالنا المكان الأول وترك الأماكن الأقل لغيرنا. ولا شك أن الأنانية هي سبب كل توتر اجتماعي ومشاكل كنسية، فالإنسان يقول وقتي. مالي. طريقي. رغبتي. إرادتي. وواضحٌ أن كل ما لا يُظهر محبة الله للآخرين هو أنانية يجب أن نتوب عنها.
المنظور السماوي
والطريقة الوحيدة التي تكشف للإنسان أنانيته هي أن ينظر لنفسه من المنظور السماوي، ومن وُجهة النظر الإلهية. قال الرسول بولس «وَطَالِبِينَ لأَجْلِكُمْ أَنْ تَمْتَلِئُوا مِنْ مَعْرِفَةِ مَشِيئَتِهِ(في وُجهة نظره)، فِي كُلِّ حِكْمَةٍ وَفَهْمٍ رُوحِيٍّ» (كولوسي 1: 9). فعندما نطلب من الله أن ينير بصائرنا لنعرف وجهة نظره نبدأ في إدراك ظروف حياتنا الشخصية إدراكاً سليماً، يختلف عن إدراكنا لها لو نظرنا إلها من وجهتنا الإنسانية فقط. وهنا نرى الأمور كما يراها الله.
كانت لنا صديقة تقية نظرت إلى مشكلة عائلية كبيرة من وجهة النظر الإلهية، فقد استيقظت في الثانية صباحاً على صوت رجل شرطة يسألها «هل تعرفين من كان يسوق سيارتك الليلة؟» فأجابت «ولداي العائدان من مؤتمر ديني». فقال «عندي أخبار محزنة لك لقد نام السائق فاصطدمت السيارة بشجرة، فمات، وحالة الثاني خطيرة». ومات قلبها داخلها وهي تسمع الخبر السيء، وصرخت إلى أبيها السماوي «ماذا تقدر أمٌّ أن تفعل في مثل هذا الموقف؟». وكانت قد تعلّمت كيف تصلي وتفكر بطريقة كتابية، فتذكرت الآية «ٱشْكُرُوا فِي كُلِّ شَيْءٍ» (1تسالونيكي 5: 18). فقالت للرب «ولكنك تعلم أن الشكر الآن مستحيل. إن قلبي بارد كالثلج. إنه فارغ. ولكني سأطيع أمرك، فأَجرِ في قلبي معجزة، حتى عندما أشكرك لا يكون ذلك كذباً. إنها ساعة حزينة، ولا أشعر بالشكر». بهذا مارست إيمانها وبدأت في الصلاة.
وعندما قالت لله «أشكرك على شخصك يا رب» كان قلبها لا يزال بارداً وفارغاً. ولكن عندما كررت شكرها أجرى الروح القدس داخلها المعجزة، وملأها بالراحة والشكر الحقيقيين. لقد استجاب الروح المعزي لإيمانها وطاعتها في تلك الساعات السوداء، وأكد لها محبة الله لها ولعائلتها. وعندما أشرق الصباح كانت الدموع ملء عينيها، ولكنها كانت تختبر تعزية الله وسلامه اللذين يلذّذان النفس (مزمور 94: 19). وكانت هذه شهادة حية لنعمة الله التي تفاضلت لسيدة حزينة جداً ارتمت في أحضان محبة الله الأزلية، فاختبرت سلام الله الذي يفوق كل عقل يغمر كل كيانها، وبرهنت أنه في ساعة التجربة يختلف الأمر بين من يرى التجربة من وجهة النظر الإلهية ومن يراها من وجهة نظره الشخصية.
وعندما تختبر الأُنس بالله تكتشف العلاقة العميقة بين الشكر والإيمان. فعندما يملأ شكر الإيمان قلبك تقدر أن ترى ظروفك المختلفة، سواء ظهرت لك خيّرة أو سيئة، من وجهة نظر الله، التي تعلن لك أن كل الأشياء تعمل معاً للخير للذين يحبون الله (رومية 8: 28). وليست هذه الآية شعاراً فارغاً، لكنها واقع مُعاش لمن يتمسك بالوعد، فيحقّقه الله له. وعليك أن تشكر الله عندما يغمرك هذا الإحساس، كما تشكره عندما لا تحسّ به. واستمِر في شكره حتى يصبح الشكر شعورك الحقيقي. ولا يوجد وقتٌ في الحية تمتنع فيه عن الشكر.
تلقيت رسالة من خادم للإنجيل في إحدى بلاد الشرق الأوسط قال فيه «أقدر ويجب عليَّ أن أشكر الرب على أساس ذاته وصفاته، وليس على أساس راحتي الشخصية». والسبب هو إن شكر الله أمرٌ يعتمد على الإرادة التي تشكر الله مستقلّة عن درجة حرارة مشعر القلب والعاطفة. فإن اخترنا بإرادتنا أن نشكره فستلمع وجوهنا بسلامه الكامل وثقتنا الدائمة أن محبته لا تتغير، مهما كانت ظروفنا.
يأمرنا الله أن نشكره على كل شيء. وعندما نرى الأمور من وجهة النظر الإلهية نتخلّص من رثاء الذات. ويتحقق هذا معك سواء كنت في كنيسةٍ أو في مستشفى! فعندما تثور زوابع الحياة يبدأ القلب المنطوي على نفسه في التذمّر والحزن، بينما يقدر القل المنحصر في الله أن يرفع الشكر.
قال أوزوالد تشمبرز في كتابه: My Uttermost For His Highest أقصى ما عندي لأسمى ما عنده «يسقط معظمنا عند أول بادرة ألم، فنجلس عند أعتاب الله نلعق جراحنا ونرثي لذواتنا. وعندما يجيء المؤمنون لتعزيتنا نزيد بكاءً. ولكن الله في محبته يجينا في يد ابنه الحبيب المثقوبة ويقول ادخُل إلى علاقة أعمق معي. قُم وانهض. وإن كان انكسار القلب يحقق قصد الله في حياتك، فمرحباً بانكسار القلب!».
لقد جاءنا الله بتحرير كامل من حب الذات، فعلينا أن نرى أمور الحياة من وجهة نظره هو. ولا يجيء التحرير بالإصلاح ولا بالتعليم، بل بالموت! فعندما تجتذبنا اهتمامات الحياة الأرضية يعيننا الإيمان الحقيقي لنفرح بالحق الأزلي الذي يعلنه اللهلنا «لأَنَّكُمْ قَدْ مُتُّمْ وَحَيَاتُكُمْ مُسْتَتِرَةٌ مَعَ ٱلْمَسِيحِ فِي ٱللّٰهِ» (كولوسي 3: 3). والحياة «المستترة» هي التي اختبرت موت المسيح ودفنه وقيامته (رومية 6: 2-4) فانفصلت عن الاتجاه للأرض لتمتع بنظرةٍ جديدة للحياة كلها. لقد مات المؤمن عن طبيعته القديمة، وبدأ يحيا كخليقة جديدة، وهذا هو الخلاص الإلهي، الذي يجعل المؤمن يقول:
في المسيح متُّ وفي المسيح أقوم،
منتصراً على كل أعدائي.
في المسيح أخذت مكانتي في السماويات،
وفرحت السماء بالنصرة على الجحيم!
فإن أدركت أنك مع المسيح صُلِبت، ستتغير حياتك على الأرض من التركيز على الذات إلى التركيز على المسيح، فيكون المسيح هو المحور، وتكون لك علاقة عميقة معه تعاونك على مواجهة مصاعب الحياة بانتصار.
مشكلتي الأرضية
والآن يواجهنا السؤال هل حياتي على الأرض مركّزة في الله، أو على ذاتي؟
واضحٌ أن الحياة المتمركزة في الذات تغضب وتكره كل إنسان وكل حالة تهدد أمنها أو مسرَّاتها. إنها أساس الخطية وقلب الكراهية، ومصدرها الجحيم.
سمعتُ ذات ليلة سيدة تصلي صلاة مُخْلِصةً إخلاصاً عظيماً تقول «ربي يسوع، أَحِطني بذراعي محبتك، وارفعني على الصليب، وأَمِتني معك. لا أريد أن أحيا أنا بل أن يحيا المسيح فيَّ». وكم تأثَّرتُ من صلاتها. لقد كانت تعلم أن المسيح قد أسكنها في السماويات، بفضل موته وقيامته، ولكنها كانت تدرك أن جسدها لا يزال في العالم، فكانت تطلب حلاً من الله لتنتصر على طلبات جسدها الأناني هنا على الأرض، وهذا يعني رغبتها القوية لعلاقة أُنسٍ أكبر وأعمق مع الله. وقدَّم الرسول بولس لنا أساس طلب هذه السيدة في قوله «إِنْ كُنْتُمْ بِٱلرُّوحِ تُمِيتُونَ أَعْمَالَ ٱلْجَسَدِ فَسَتَحْيَوْنَ» (رومية 8: 13). وأرجو أن يجد القارئ في ملاحظاتي التالية عوناً ليدرك عمق معنى كلمات الرسول بولس، وكيف يتحقق وله في حياتنا
-
إن أردتُ أن أتخلّص من أعمال الجسد فيجب أن أتعاون بإيجابية كاملة مع الله.
-
يدبّر الروح القدس لي كل ما أحتاجه لأنتصر على الأنانية المتوافقة مع رغبات الجسد. صحيحٌ أني يجب أن أتعاون مع الروح مصلّياً بإيجابية، ولكني بنفسي عاجزٌ أن أُميت أعمال الجسد فيَّ، فالروح القدس وحده هو الذي يقدر أن يفعل ذك فيَّ.
-
هذه الآية (رومية 8: 13) مكتوبة في صيغة المضارع، وهذا يعني أني يجب أن أمارس تعاوني الإيجابي بالصلاة، باستمرار، وهذا لا يكون مرة واحدة ثم تصبح ماضياً. فحيثما رفعت خطية الأنانية رأسها القبيح يجب أن أتعاون فوراً مع الروح القدس العامل فيَّ، فأعتمد على قوته التي تُميت أعمال الجسد. وهكذا يكون عمل الإيمان فيَّ مستمراً دائماً كل يوم وكل ساعة.
ولندرك هذه الحقيقة، لنتخيَّل أننا في قاعة محكمة حيث يُحاكم أحد القتلة الذي ثبتت عليه تهمة القتل، ويوشك القاضي أن يعلن حكم الإدانة. ويسود الصمت القاعة، ويقف القاضي ليقول «ثبتت تهمة القتل على هذا الرجل وصدر عليه حكم الإعدام». وهنا نتهي عمل القاضي بإعلان الحكم، وهو لن يأخذ مسدساً ليقتل الرجل. ولو فعل لصار قاتلاً. لكن القاضي يسلّم الحكم للسلطة التنفيذية للتنفيذ.
وعلى نفس القياس نعترف أننا جسديون مبيعون تحت الخطية، ونعلن حكم الإعدام على كل أعمال الجسد فينا. ولكننا لا نقدر أن ننفذ الحكم، فلا سلطة تنفيذية لنا. ولكن الله أقام الروح القدس سلطةً تنفيذيةً ليُميت فينا أعمال الجسد. وعندما نتيح الفصة للروح القدس أن يعمل فينا بصورة منتظمة ومستمرة نختبر الحياة المتحرّرة المتمركزة في المسيح. وكم صلّيت قائلاً:
يا رب، ارفعني على الصليب،
وأَمِت فيَّ الحياة المتمركزة في الذات،
فلا أريد أن أحيا أنا، بل أن يحيا المسيح فيَّ.
وقد نظن لأول وهلة أن هدف تغذيتنا بكلمة الله هو وصولنا إلى الاكتفاء بالشبع الروحي. كلا!.. فلماذا كان كهنة بني إسرائيل يسمّنون أفضل الحملان؟ هل ليعرضوها في مسابقة؟ كلا! بل ليقدموها ذبائح على المذبح، فمنذ مولدها كانوا يُعدّونها للموت.
وقد يظن بعض المؤمنين أنهم يتدربون ليرنموا أمام مجموعة من أعضاء الكنيسة الذين يحبون الترنيم لينتشوا، ثم يصفقون للمرنمين. والحقيقة هي أن المسيح يجهّزنا لنضع أجسادنا على مذبح التكريس ذبيحة حية مقدسة مرضيَّة عند الله! وقبل أن نصير ذبائح حية يجب أن نموت عن رثاء الذات، والاكتفاء بالذات، والتركيز على الذات، وإرضاء الذات، والدفاع عن الذات. وقد ذكر الرسول بولس بألم أنه فيما عداه هو وتيموثاوس، لم يكن هناك أحدٌ يهتم بكنيسة فيلبي، إذ الجميع يطلبون ما هو لأنفسهم، لا ما هو ليسوع المسيح (فيلبي 2: 21). فأين هم المسيحيون الذين يهتمون بالمضطهَدين؟ إننا نهتم براحتنا ورفاهيتنا، وننسى الذين يحتاجون إلى اهتمامنا، ونحب الذين يحبوننا فقط. لا تنسَ أن محبة الله هي الطويلة الأناة، والتي لا تهتم بما هو لنفسها. وكما أن الكوبالمليء بالخل اللاذع يجب أن يُفرَغ قبل أن نملأه بعصير البرتقال الحلو، هكذا يجب أن تموت حياة الذات الأنانية فينا قبل أن نمتلئ من محبة الله الحلوة. وكم نشكر الله لأن هاتين الخدمتين هما من عمل الروح القدس. فلنطلب منه أن يُميت أعمال الجسد فيا، ويملأنا بمحبة الله الفياضة «لأَنَّ مَحَبَّةَ ٱللّٰهِ قَدِ ٱنْسَكَبَتْ فِي قُلُوبِنَا بِٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ ٱلْمُعْطَى لَنَا» (رومية 5: 5).
وعندما تبدأ هذه الحقائق في اللمعان أمامك وقت صلاتك، سيفتح الروح القدس حقائق الكتاب المقدس المنعشة أمام عينيك.. وعلى كل مؤمن أن يعطي حساباً عن نفسه أمام الله، حتى لا يوجد فينا شيء يعطل علاقتنا به.
ملحوظة هامة الموت في الكتاب المقدس لا يعني «انقراضاً» بل يعني انفصالاً، فالموت الجسدي هو انفصال الروح عن الجسد، والموت الأبدي هو انفصال الروح عن الله. والإماتة الروحية هي الانفصال عن أعمال الجسد لأنانية وأنماط السلوك الخاطئة. وهذا ما يحدث فينا بقوة الروح القدس.
اختبار للفحص الروحي
-
وأنا في محضر الله، هل أتجاوز عن خطايا لم أعترف بها، ولم أتُب عنها؟
-
هل لديَّ مشكلة في
-
عدم الغفران؟
-
عدم محبة الذين لا أميل إليهم؟
-
أني أخدع الناس لأظهر أمامهم في صورة أفضل؟
-
أشتهي ما هو عند غيري من أشياء أو من مواهب؟
-
التذمُّر وانتقاد الغير؟
-
-
هل أحيا حياة الإيمان الحي لأن لي ضميراً طاهراً؟
-
هل حياتي على الأرض متمركزة في المسيح، أم هل لا زلت متمركزاً على ذاتي؟
ربما تحتاج إلى الرجوع للصلاة الواردة في أول هذا الفصل لتساعدك.
عندما نسير مع الرب،
في نور كلمته،
سيضيء نوره طريقنا!
وعندما نعمل إرادته الصالحة يثبت فينا ونحن فيه،
وفي كل من يثقون فيه ويطيعونه.
لن تسود حياتنا ظلال،
ولن تسوِّد سماءنا غيوم،
لأن ابتسامة رضاه تبددها جميعاً.
لا شكَّ ولا مخاوف، لا أنين ولا دموع
يبقى الرب معنا ما دمنا نثق فيه ونطيعه.
ولن نقدر أن نبرهن أفراح محبته،
حتى نضع الكل على مذبحه. لأن الخير الذي يمنحه والفرح الذي يعطيه،
هما لمن يطيعه ويثق فيه.
فتكون لنا به العلاقة الحلوة،
فنجلس عند قدميه،
أو نسير إلى جواره في الطريق.
ما يقوله ننفذه، وحيث يرسلنا نذهب،
لن نخاف، بل نثق فيه ونطيعه.
الفصل الرابع: الانفراد بالله | ||
الانفراد بالله | ||
يظن الإنسان في كبريائه أنه يقدر أن يقابل تحديات يومه بدون الاعتماد على قوة الرب التي يستمدُّها من الانفراد بالله في قراءة الكلمة والصلاة. وقد أوضح لنا داود سرَّ الحصول على هذه القوة التي تجعل الحياة ناجحة ومثمرة في وصفه للمؤمن الذ في شريعة الرب مسرّته، وفيها «يلهج» نهاراً وليلاً، فيكون كالشجرة المثمرة على المياه الجارية، التي تعطي ثمرها في أوانه، وورقها لا يذبل (مزمور 1: 2 و3). وأؤكد للمؤمنين الجدد أن «قراءة أصحاح واحد من كلمة الله يومياً تطرد الشيطان إلى بعيد». ارأ كلمة الله وعاود قراءتها، فتتأملها وتلهج فيها آية بعد آية. وكلمة «يلهج» في الأصل العبري تعني أيضاً «يجتر» كالحيوان المجتر الذي يبلع طعامه، ثم يسترخي ليستخرجه ويجتره مستمتعاً به.
أعرف رجلاً فتح قلبه للمسيح في السبعين من عمره، وكان قليل معرفة بالكتاب المقدس، ولم يكن يذهب لكنائس، ولا كانت له رغبة في التعلُّم. ولكن ما أن قبل المسيح حتى أراد أن ينمو في النعمة وفي محبة معرفة المسيح. وعندما بلغ الثالثة والثمانينمن العمر كان قد قرأ الكتاب المقدس من الغلاف إلى الغلاف 13 مرة. ومهما كان عمرك أو درجة تعليمك فإنك تقدر أن تقرأ الكتاب كل يوم.
وإن كان عندك كتاب مقدس مفتوح، وقلب نقي، وروح منكسرة ساجدة لله، وصلاة النبي داود «ٱكْشِفْ عَنْ عَيْنَيَّ فَأَرَى عَجَائِبَ مِنْ شَرِيعَتِكَ» (مزمور 119: 18) تكون مستعداً لقضاء وقت ممتع منفرداً بالله.
ولقد ذكرنا أن الانفراد بالله هو وقت حوار، نسمع فيه الله وهو يكلمنا ونحن نتأمل ونلهج في كتابه المقدس، ثم ينتظر هو منا أن نردَّ عليه ونكلّمه بالصلاة، مستخدمين ذات العبارات التي قرأناها في كلمة الله، فتصبح الكلمة جزءاً من فكرنا، ثم نبّق ما تعلّمناه فيكون جزءاً من واقع حياتنا.
وقد تسأل كيف يكلّمني الله وأنا أقرأ كتابه؟.. لقد وجدت أني كلما أثرتُ أسئلة حول ما أقرأه أستفيد أكثر، مع أن بعض هذه الأسئلة كان يجول بخاطري من قبل. ووجدت أن أسئلتي ترشدني وأنا أتحدث مع الله، ولذلك أدعوك أن تشاركني في ما اختبرته حو إثارة الأسئلة، التي ستجد بعضها يحضُّك على الطاعة، وبعضها يطالبك بتخصيص ما تقرأه لنفسك، وبعضها يحذّرك من أخطار، وبعضها يدفعك للتسبيح والشكر، وبعضها يوضّح لك خطط إبليس عدوّك فتفهم كيف تنتصر عليه.
الحضّ على الطاعة
يجب أن نعطي الله حساباً عما نفعله، وأن نحاسب أنفسنا ونحن نصغي لصوته، فنستجيب لكلمة كتابه بالطاعة.
كلما قرأت آية أو أصحاحاً وقت اختلائك بالله، اسأل نفسك
هل أجد في هذه الآية:
-
أمراً أطيعه؟
-
خطية أتحاشاها؟
-
مثالاً صالحاً أتَّبعه؟
-
مثالاً سيئاً أتَّقيه؟
وهذه الأسئلة تقودك إلى علاقة حوار مع الله، فلا تكتفي بمجرد التفكير في الحقائق التي قرأتها، لأن الأسئلة تطالبك بتقديم حساب لله عما قرأت. ولا تنسَ أن الروح القدس هو رفيقك أثناء القراءة، فإن كنت تعتمد على قوته ستكتشف أنه نقل كلمة الل من عقلك إلى قلبك.
العالم من حولنا يجري نحو عصيان مستمر وثورة ضد أوامر الله، فإن كنا نريد أن ندعوه للتوبة يجب أن نكون مطيعين لله بكل القلب، لأننا بالطاعة نفتح منابع قوة الله لتفيض من خلالنا إلى العالم المحتاج. وإليك اقتباساً من كلمات أوزوالد تشمبرز: أقصى ما عندي لأسمى ما عنده My Uttermost for His Highest
«إن أَطعت الله في ما يعلنه لك، يفتح أمامك أمراً جديداً. قد تقول سأفهم هذا في ما بعد، ولكني أؤكد لك أنك يمكن أن تفهمه الآن، فأنت لا تستنير من الدراسة، بل من الطاعة! إن أقل طاعة تبديها تفتح لك كوى السماء فتفهم أعمق الحقائق الإلهية وراً. ولكن الله لن يعلن لك المزيد من الحق عن نفسه حتى تطيع الحق الذي تعرفه الآن عنه».
قضى رجلان تقيان الليل في غرفة واحدة (هما تشارلس ستدّ Studd وهدسون تيلور Taylor). واستيقظ تيلور بعد ستدّ ليراه وقد أضاء شمعة ليقرأ كتابه المقدس، فسأله عما يفعل، فأجاب
«استيقظت في منتصف الليل على كلمات الرب لي «إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي فَٱحْفَظُوا وَصَايَايَ» (يوحنا 14: 15) فسألت نفسي إن كنت قد عبَّرت عن محبتي لله بطاعتي؟ وأخذت كتابي المقدس وقضيت بقية الليل أقرأ الأناجيل الأربعة، أفتش عن كل أمر ووصية من المسيح. وحيثما وجدتُ أمراً تمكّنتُ بنعمة الله من طاعته، وضعت عليه علامة (صح) وكتبت إلى جواره هللويا! وحيثما وجدت عصياناً اعترفت بخطيتي، وبنعمة الله تعهدت أن أطيع لأكون قادراً أن أقول للمسيح إني أحبه» .
عندما تسير مع الله في نور كلمته ستجد أنك تعلمت أن تثق فيه وأن تطيعه.
تخصيص ما تقرأه لنفسك
عندما تقرأ الكتاب المقدس أثناء انفرادك بالله اسأل نفسك:
-
هل أجد في هذه الآية
-
وعداً من الله أطالبه به؟
-
تحذيراً أنتبه له؟
إن الكتاب عامرٌ بالمواعيد الإلهية التي يجب أن نطالب بها. كما أن به تحذيرات يجب أن ننتبه إليها. فإذا طالبنا بالمواعيد دون طاعة التحذيرات، لا نكون في حياة الإيمان، بل في حياة الرياء والنفاق.
عندما تقرأ الكتاب فتش عن المواعيد واطلب من الله أن يخصصها لك، فتكفيك نعمة المسيح في كل ما تحتاجه، وتعطيك قوة أكبر للطاعة، وتصبح المواعيد اختبارك الشخصي، وحقائق الحياة اليومية العادية لك، فيتقوى إيمانك أكثر، لأن الإيمان بالخبر، والبر بكلمة الله (رومية 10: 17).
هل سألتَ ما هو نقيض الإيمان؟.. ليست الإجابة سهلة.. فقد يقول قائل إن نقيضه هو الشك. ولكن لنتخيَّل ثلاثة أبناء عمومة الإيمان، والاتكال، والتواضع. ونقيضهم الشك، والاستقلال، والكبرياء. فالمؤمن يتكل على المسيح ليقوم له بما يعجز هو ع القيام به لنفسه، وعندما يقرأ الكتاب سيجد المواعيد التي يخصصها الله له، مثل قول المسيح «بِدُونِي لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئاً» (يوحنا 15: 5). فقبل أن يثق أن الله سيعمل من خلاله شيئاً يجب أن يقتنع أنه لن يقدر أن يفعله لنفسه، فيتواضع.
أما غير المؤمن فهو الاستقلالي، الذي يظن أنه يقدر أن يفعل الكثير دون حاجة إلى كبير عون الله. ومن المؤسف أن هناك اليوم ملايين لا يعتمدون على المسيح في خلاص نفوسهم، كما أن هناك ملايين المسيحيين الذين لا يعتمدون على سكنى المسيح فيهم لحيوا حياتهم الإيمانية. وهذه كبرياء روحية من قلوب لم تخضع بعد لفكر الله.
ولذلك نقول إن الكبرياء عكس الإيمان، وإن التواضع عكس عدم الإيمان، وإن الثقة بالنفس وتعظيم الذات يعطلان سيادة الإيمان على قلب الإنسان، فكل ما ينفخ الذات الإنسانية يُنقِص الثقة في قوة المسيح المقام، كما أن مواعيد الرب العظيمة لم تترك لاعتماد الإنسان على نفسه أي مكان.
قال أحد الأتقياء «نعاني اليوم من التواضع في غير مكانه، فقد تواضع فينا الإيمان ونقص، الأمر الذي لم يقصده الله مطلقاً. لقد قصد الله أن يشك الإنسان في قدراته، دون أدنى شك في الحق الموحى به من الله. ولكن الناس عكسوا الأمر!». وكل من يع ثقته في مشورة البشر أو يضعها في نفسه دون الرب، لن يدخل دائرة بركات الله الغنية، فكما تجري المياه للأماكن المنخفضة يملأ روح الله المتواضعين الذين يعترفون باحتياجهم لقوة المسيح، فالروح القدس هو الماء الحي، بحسب قول المسيح «إِنْ عَطِشَ أَحَدٌ فَلْيُقْبِلْ إِلَيَّ وَيَشْرَبْ. مَنْ آمَنَ بِي كَمَا قَالَ ٱلْكِتَابُ تَجْرِي مِنْ بَطْنِهِ أَنْهَارُ مَاءٍ حَيٍّ. قَالَ هٰذَا عَنِ ٱلرُّوحِ ٱلَّذِي كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ بِهِ مُزْمِعِينَ أَنْ يَقْبَلُوُ» (يوحنا 7: 37-39). ولن يفيض روح الله في صاحب النفس المنتفخة (حبقوق 2: 4).
وفي إمكانك أن تخرَّ عند قدمي المسيح كل يوم وتشرب الماء الحي، فلا تكون إنجازاتك نابعة من إمكانياتك ومواهبك وتدريبك، بل من فيضان روح الله في كل كيانك الداخلي، لأن المسيح يسكن القلب الذي يمتلكه، فيجعل كل مؤمن وسيلةً لدخول ملكوت الله لى العالم، بالرغم من أن العالم يرفض هذا الملكوت. ومن خلال كل مؤمن مستعد للخدمة يمتد عمل الروح القدس في العالم لخلاص الناس فيتحقَّق القول «أَنْتُمْ هَيْكَلُ ٱللّٰهِ ٱلْحَيِّ، كَمَا قَالَ ٱللّٰهُ: إِنِّي سَأَسْكنُ فِيهِمْ وَأَسِيرُ بَيْنَهُمْ، وَأَكُونُ لَهُمْ إِلٰهاً وَهُمْ يَكُونُونَ لِي شَعْباً» (2كورنثوس 6: 16).
أنت إذاً هيكل الروح القدس الذي يريد الله بك أن يُظهِر قداسته ومجده «فَإِذْ لَنَا هٰذِهِ ٱلْمَوَاعِيدُ أَيُّهَا ٱلأَحِبَّاءُ لِنُطَهِّرْ ذَوَاتِنَا مِنْ كُلِّ دَنَسِ ٱلْجَسَدِ وَٱلرُّوحِ، مُكَمِّلِينَ الْقَدَاسَةَ فِي خَوْفِ ٱللّٰهِ» (2كورنثوس 7: 1).
التعبُّد الحقيقي
من المهم أن نسأل أنفسنا الأسئلة الآتية لتساعدنا على تسبيح الله في الوقت الذي نصرفه معه هل أجد في هذه الآية:
-
فكراً جديداً عن الله الآب؟
-
فكراً جديداً عن الله الابن؟
-
فكراً جديداً عن الله الروح القدس؟
يحب المؤمنون أن يتعبَّدوا لله، وقد شجَّعنا المسيح على ذلك بقوله «اَللّٰهُ رُوحٌ. وَٱلَّذِينَ يَسْجُدُونَ لَهُ فَبِالرُّوحِ وَٱلْحَقِّ يَنْبَغِي أَنْ يَسْجُدُوا» (يوحنا 4: 24). وهذا يعني أن التعبُد يجب أن يكون بإرشاد الروح القدس، وحسب الحق المعلَن في كلمة الله، فهذه هي العبادة التي تسرُّ قلب الله. فعندما ينبّهنا الروح القدس لعظمة الله في محبته وقوته وقداسته ومجده ونعمته وصلاحه، ندرك جمال شخصه الكريم، فننجذب إليه ونرنم له ترنيمةجديدة، تسبيحة لإلهنا. وعندما نأخذ وضع السجود أمامه يكون لنا الموقف السليم في الصلاة. ولكنك ستكتشف أحيانا أنك مهما سجدت وسجدت، فلن تقدر أن تعبّر عما يجول بخاطرك من حب وتسليم لله. وكان هذا اختبار الرسول يوحنا الذي ما أن رأى المسيح في مجدهحتى سقط عند رجليه كميت (رؤيا 1: 17).
وعلى كل مؤمن أن يدرك أنه كلما اختبر اختباراً ثميناً، يلاقي هجوماً مضاداً يقاومه. فلنحذر من العبادة الباطلة التي تتَّخذ شكل العبادة الصحيحة. لقد طالب المسيح المرأة السامرية أن تعبد الله «بالروح والحق» كما أنه حذَّرها بالقول «أَنْتُمْ تَسْجُدُونَ لِمَا لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ» (يوحنا 4: 22).
يتطلَّب التعبُّد أكثر من مجرد العواطف، لأنه يجب أن يتركز عقلياً وإرادياً على المسيح. فليست العبادة إثارةً عاطفية، بل هي التفاف حول المسيح. وهناك ما هو أكثر من الحماس في التسبيح لله.
العبادة الحقيقية هي تركيز العقل والقلب بتواضع حول المسيح الحي، كما أعلن لنا نفسه في الكتاب المقدس. وعندما يتم هذا نسجد أمامه في تسليم وتسبيح.
سلاح الكلمة
سلاح المؤمن هو كلمة الله، سيف الروح. فإن كنت قد نفَّذتَ النصائح التي قدَّمناها لك حتى الآن، فقد بدأ الله يبارك وقت وجودك في محضره، وصار ضميرك نقياً، وأنت الآن تعترف بما فعله المسيح المصلوب لأجلك، وقد رفضت أن تجعل حقوقك الشخصية واميازاتك وممتلكاتك موضوع اهتمامك الأول، وقد حصلتَ على بُعد جديد في العبادة والتسبيح. فهل بلغت بذلك قمة ما يريد الله أن يمنحه لك من بركات في محضره؟.. ليس بعد! عندما تقرأ كتابك المقدس هناك أسئلة أخرى تساعدك لتهزم عدوَّك، مثل:
هل أجد في هذه الآية
-
فكرة جديدة عن إبليس؟
-
فكرة جديدة عن أهدافه الشريرة؟
-
فكرة جديدة عن وسائله الماكرة؟
ذهب صبي إلى مدرسة الأحد، وفي مساء ذلك اليوم ركع ليصلي، فسألته أمه «ماذا تفعل؟» فأجاب بسرعة «أنا أُرعِب الشيطان، فقد قالت لنا المدرِّسة إن الشيطان يرتعب وهو يرى أصغر قديس راكع، فركعتُ لأُرعبه». ولكن ليس بالسجود وحده نرعب إبليس، فا بد لنا (بقوة اسم يسوع) أن نرفض إعطاءه مكاناً في حياتنا، ثم نختطف منه بقوة الروح القدس النفوس الثمينة التي اقتنصها- عندها يرتعب.
يعتقد بعض المؤمنين أنهم لو تركوا الشيطان لحاله لتركهم لحالهم، ولكنهم مخطئون. فمثلاً هل لاحظتَ أنك أحياناً وأنت تصلي بسرور تتذكّر سقطةً كنتَ قد اعترفت بها وغفرها الله لك؟ إن إبليس يذكّرك بالخطايا التي سومحت بها عند الصليب ووعد الل ألاّ يعود يذكرها. فلماذا يثيرها أمامك في وقت ابتهاجك؟.. إنه يريد أن يشكّكك في محبة الله وغفرانه! إنه يستخدم الخوف والارتباك واليأس والتردد ليعطّل علاقتك بالله، ويجتهد أن يسلبك السلام والفرح. وكم نشكر الله أنه دوماً يمنحك الحكمة لتميّز كائد إبليس. فإن رفعتَ نظرك إلى عرش النعمة ستقدر أن تستعمل سلاح الله الكامل لتهزمه. أَغلق كل باب يتسلّل منه الشيطان إليك.
وفي ميدان الحرب هناك أسلحة دفاعية وأخرى هجومية، ولم يربح أحدٌ حرباً بسلاح دفاعي فقط، إذ لا بد من استخدام أسلحة الهجوم. وسلاح المؤمن الهجومي هو سيف الروح الذي هو كلمة الله. فعندما تواجه إبليس اقتبِس الكلمة المقدسة، فهي سلاح دفاعك كا أنها سلاح هجومك. فإن كنت قد اختليتَ بالله وصلّيت ودرست الكلمة، وتجاوبت مع صوت الله بالصلاة، ستكون صلواتك «كتابية» متوافقة مع إرادة الله، وتنتصر على كل محاولات إبليس لتدمير حياتك الروحية.
أسلحة دفاعية | ||
قضى المسيح في البرية أربعين يوماً في علاقة عميقة بالله، يقرأ سفر التثنية. بعدها هاجمه إبليس بتجاربه الثلاث، فاقتبس كلمات التثنية ثلاث مرات «مكتوب.. مكتوب.. مكتوب» (متى 4: 4 و7 و10) فكانت سلاحاً هجومياً قتّالاً جعل إبليس يهرب بعيدا.
فعندما تستخدم كتابك المقدس كسلاح روحي تهزم الشيطان الذي يهاجمك. احتمِ في كلمة الرب عندما تهاجمك نجاساته. وكلما انفردت بالله بانتظام يضمن لك أن كلمته ستعمّر قلبك لتنتصر في مثل هذا الهجوم.
وإليك كلمات تتحدَّث عن أسلحة المؤمن، مبنية على ما جاء في أفسس 6
واجهَتني اليوم معركةٌ شرسة في مخدع الصلاة،
فقد ذهبت لأتحدث مع الله، ولكني وجدت إبليس هناك،
فهمس في أذني لن تقدر اليوم أن تصلي، فقد انهزمتَ منذ زمن.
قد تكرر كلماتٍ وأنت راكع، ولكنك تعلم أنها ليست صلاةً!
فسحبتُ خوذة خلاصي إلى أسفل حتى غطَّت أذنيَّ،
فخمد صوتُه العالي، وتبدَّدت مخاوفي،
وفحصتُ سائر أسلحتي، فوجدت رجليَّ في سلام،
وكان الحق يمنطق وسطي، وكان سيفي كلمة الله.
وكان درع بري يغطي صدري وظهري، ليحمي المحبة في قلبي،
وكان ترس إيماني بيدي لأدفع به السهام الملتهبة.
ودعوت باسم المسيح، محتمياً في قوة دمه الكريم،
فتسلَّل إبليس في خجل، وتركني أقضي وقتاً جميلاً مع الله.
الحرب الروحية الهجومية | ||
على أن الانتصارات الكاملة لا تكفيها الأسلحة الدفاعية، فإبليس أسر البلايين من النفوس الغالية التي مات المسيح لأجلها، فأوقع بهم الأذى وأعمى عيونهم. ولما كان إبليس يعلم أن وقته قصير فإنه يبذل كل جهده لتضليل الناس وإهلاكهم. صحيحٌ أن اله جهَّز البحيرة المتقدة بالنار لإبليس وجنوده، ولكنه لم يجهزها للبشر الذين أرسل إليهم المسيح ليفديهم. ولكن إبليس الذي يكره كل ما هو مقدس وصالح يريد أن يأخذ معه أكبر عدد من الناس ليلقوا نفس مصيره، والمسيح أيضاً لا زال يطلب ويخلّص ما قد هك (لوقا 19: 10) مستخدماً في ذلك المسيحيين الذين اختبروا خلاصه.
هل تساءلت إذاً لماذا لا يفهم كثيرون من الأذكياء أخبار الإنجيل المفرحة؟.. لأن العدو يطمس العيون فلا يُقبِل الناس إلى الإيمان «وَلٰكِنْ إِنْ كَانَ إِنْجِيلُنَا مَكْتُوماً، فَإِنَّمَا هُوَ مَكْتُومٌ فِي ٱلْهَاِكِينَ، ٱلَّذِينَ فِيهِمْ إِلٰهُ هٰذَا ٱلدَّهْرِ قَدْ أَعْمَى أَذْهَانَ غَيْرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ، لِئَلاَّ تُضِيءَ لَهُمْ إِنَارَةُ إِنْجِيلِ مَجْدِ ٱلْمَسِيحِ، ٱلَّذِي هُوَ صُورَةُ ٱللّٰهِ» (2 كورنثوس 4: 3 و4).
من ذا الذي يعطل وصول الاستنارة الروحية ونور محبة الله إلى عقل غير المؤمن؟ إنه إبليس! فهل تنتبه لهذه الحقيقة وأنت تصلي من أجل الضالين؟ إننا نصلي باسم يسوع لتتحررعقول غير المؤمنين من أوهام إبليس. واسم يسوع هو الاسم المرتفع فوق الجمي! يخرّ الملائكة والبشر له ساجدين، وترتعب الأبالسة منه وتهرب.
لقد ضمن المسيح المصلوب المقام النصرة على كل قوى إبليس «لأَجْلِ هٰذَا أُظْهِرَ ٱبْنُ ٱللّٰهِ لِكَيْ يَنْقُضَ أَعْمَالَ إِبْلِيسَ» (1يوحنا 3: 8) وعلى هذا فنحن لا نحارب معركة خاسرة، بل معركة مضمونةالنتيجة منذ ألفي سنة! وكما أن لاعب الشطرنج يقوم بحركة بارعة تضمن هزيمة غريمه مهما حاول، هكذا فعل المسيح المصلوب المقام. ولكن الغريم المعاند يحاول جاهداً أن يربح ما لا يمكن أن يُربَح، وبهذا يؤجل فقط إعلان النتيجة المحسومة!.. إن إبليس لا مكن أن يربح، لكنه يحاول تأ

