COH
الصفحة الرئيسية
عربي
English
 

بحثك عن الله

تقديم الكتاب

يسرني أن أقدم هذا الكتاب «بحثك عن الله» لسببين، أولهما شخصي، فأنا أعرف المؤلف، فهو ابنٌ لي في الإيمان، «لَيْسَ لِي فَرَحٌ أَعْظَمُ مِنْ هٰذَا: أَنْ أَسْمَعَ عَنْ أَوْلادِي أَنَّهُمْ يَسْلُكُونَ بِٱلْحَقِّ»(3يوحنا 4). أما السبب الثاني فموضوعي، لأن الدكتور ريتشارد بنيت قام بعمل رائع وهو يوضِّح باختصار وإقناع أساسيات علاقة الإنسان بالله.

يخبرنا الكتاب المقدس أن الله جعل الأبدية في قلبنا (جامعة 3: 11). ولما كان قد خلقنا لغايات أبدية، فإن كل الأمور الزمنية لا يمكن أن تمنحنا الإشباع الكامل المستمر، ففي داخل كل إنسان فراغ لا يمكن أن يملأه إلا الله وحده. قال القديس أغسطينوس: «اللهم لقد خلقتنا لذاتك، فلن تجد نفوسنا راحة إلا إذا استراحت فيك». ويحضُّنا هذا الكتاب للبحث عن الراحة التي نجدها عندما نعرف الله الأبدي معرفة حية وشخصية.

إني أدعو الله أن يقرأ الآلاف الصفحات التالية، وأن يفهموا معاني الرسالة المتضمَّنة فيها، لمجد الله ولخيرهم الأبدي.

الدكتور ستيفن ألفورد مؤسس ومدير معهد الوعظ الكتابي ممفيس تنيسي.

مقدمة

أثناء سفراتنا الطويلة تقابلت أنا وزوجتي دوروثي مع أصدقاء كثيرين من مختلف مشارب الحياة، جاءوا من ثقافات وخلفيات اقتصادية ومستويات تعليمية مختلفة. ونحن لا نؤمن أننا قد تقابلنا معهم مُصادفةً، كما أننا لا نعتقد أن هذا الكتاب الصغير قد وقع بين يديك مُصادفةً.

وعلى مدى السنين كانت أهم مناقشاتنا مع أصدقائنا العديدين تتركز على بحثنا عن الله، وقد سجلتُ بعض أفكار هذه المناقشات في هذا الكتاب.

كانت الطبعة الأولى من هذا الكتاب «بحثك عن الله» (والتي تمَّ تنقيحها مرتين) عبارة عن مشروع شخصي لتقديم الشكر لله، فقد كنتُ وزوجتي نقترب من عيد زواجنا الخامس والعشرين، ففكرنا وبحثنا عن طريقة عملية نعبِّر بها عن شكرنا لله من أجل خيراته علينا، فلم نجد أفضل من أن نكتب ونطبع ونُهدي خمسة وعشرين ألفاً من الناس رسالة تحمل لهم الرجاء والسلام: ألف نسخة عن كل سنة من سني حياتنا الزوجية. وبارك الله عمل المحبة الصغير هذا، فقد وجد الكتاب طريقه بالفعل إلى العالم. وكم كانت فرحتنا غامرة ونحن نقرأ خطابات الذين وجدوا هدفاً جديداً في الحياة نتيجةً لقراءة «بحثك عن الله». لقد وضعتُ هذه الخمسة والعشرين ألف نسخة في أيادي الناس من بلاد كثيرة، فتوالت الطلبات لنترجم هذا الكتاب إلى لغات أخرى. وكنتيجة لذلك قررنا أن ننقِّح محتوياته ليحقِّق هدفنا، مصلّين أن يجد فيه الكثيرون في أوروبا وإفريقيا وسائر قارات العالم ما يساعدهم في «بحثهم عن الله». وقد تمَّ طبع وتوزيع أكثر من مليوني نسخة في سبع وعشرين لغة. ونصلي أن تقدِّم هذه الطبعة المنقَّحة والمزيدة للقراء معونة أكبر.

ولن يكون الفصلان الأوَّلان بذات الأهمية لكل قارئ. فقد كُتب أوَّلهما للّذين يتساءلون عن وجود الله. وكُتب الثاني للّذين تعلّموا أن يضعوا كل شيء موضع البحث والاستفسار، إلا أنه فصل حيوي لكل القراء، لأنه يشجع كل واحد على تقييم معتقداته واتجاهاته.

ومع ذلك يُعتبر هذان الفصلان الإعداديان أساسيين للفكرة العامة للكتاب، لأنهما يساعدان على بناء الثقة في المعلومات الواردة في الفصول 3-10 حيث قدمنا الحقائق الأساسية التي ستساعدك في بحثك عن الله. ونحن نضع هذه الطبعة الجديدة بين يدي الله ليباركها أعظم بركة.

ونودّ أن نسجّل شكرنا لله من أجل محبة وصلوات وبصيرة أصدقاء كثيرين شاركونا في اختباراتهم الشخصية عن الله. لكل هؤلاء الأصدقاء نقول «شكراً». إننا ندعو الله أن تجد في محتويات هذا الكتاب معونة حقيقية لك. وبكل سرور نضع هذا الكتاب الصغير في يدي الله ليبارك كل ما جاء به لخير القارئ الكريم.

الفصل الأول: هل هناك إله؟

ربما مرَّت بك أوقات بدت فيها الأمور بلا أمل، حتى أنك لم تشك في محبة الله فقط، بل تساءلت أيضاً عن وجوده!

لم يشرح لنا الكتاب المقدس وجود الله ولا أثبته، ولكنه ببساطة اعتبره أمراً مسلَّماً به. وتقول أول عبارة فيه: «فِي ٱلْبَدْءِ خَلَقَ ٱللّٰهُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ» (تكوين 1: 1). وهذا تصريح بسيط وعميق يعلن أن الله موجود وأنه سبحانه خالق الكون.

منذ عدة سنوات حصلت زوجتي على وظيفة رئاسية في التمريض في إحدى أشهر المستشفيات النفسية في أوروبا. وذات يوم سخر طبيب أمراض نفسية مشهور من إيمانها، وكان يفتخر بأنه ملحد. فأجابته: «يا دكتور، أنت تعلم أني أحترمك جداً كمتخصّص في مجالك، فأنت مُحاضر جامعي عظيم، واسمك مشهور في مجال العمل الطبي. ولكن هل تسمح لي أن أقترح عليك قبل أن تبدأ في الإعلان ثانية بأنك ملحد أن تقرأ الكتاب المقدس بنفس الجدية التي تميَّزت بها أبحاثك النفسية؟». ثم ذكَّرته بالعديد من مرضاه الذين خرجوا أصحاء من قسم الأمراض النفسية المزمنة بعد التغييرات العجيبة التي أحدثتها قوة الله في حياتهم. وذكرت له اسم مريضين كانا قد تغيَّرا بطريقة درامية، ويعيشان بعد تمام شفائهما حياة مثمرة. وحدَّثته كيف أن هذين المريضين عرفا الله بطريقة شخصية. وكان الطبيب يعلم تماماً أن هذين المريضين لم يتلقَّيا العلاج النفسي بالطرق الحديثة. ولم يكن يقدر، لا كملحدٍ ولا كطبيب نفساني، أن يفسِّر ظاهرة شفائهما وتغيير حياتيهما بطريقة علمية!

وهنا طلب هذا الطبيب (الذي ذكر توّاً أنه لا يؤمن بالله) من زوجتي أن تصلي من أجله، ووعدها أنه لأول مرة في حياته سوف يبدأ قراءة الكتاب المقدس بجديَّة وفكر منفتح.

وبعد سبعة أسابيع من القراءة الدقيقة قال الطبيب النفساني لزوجتي إنه لم يعُد بعد قادراً أن يجاهر بإلحاده. ومع ذلك فقد كانت عنده مشكلة: إن تسليم نفسه لله يتطلَّب منه تغيير أسلوب حياته. وقال: «لم تعُد مشكلتي عقلانية، لكني أجد نفسي عاجزاً عن قبول التغييرات التي قد تحدث في حياتي إن أصبحتُ مؤمناً مُخْلصاً».

وبعد أن صلّينا من أجل صديقنا الطبيب لمدة عشر سنوات استلمنا منه خطاباً يخبرنا عن إيمانه الذي حصل عليه مؤخَّراً، وعن تسليمه الشخصي لله. ففاضت قلوبنا بالفرح، ولكن بدون دهشة، لأننا كنا نعرف «إِذاً ٱلإِيمَانُ بِٱلْخَبَرِ، وَٱلْخَبَرُ بِكَلِمَةِ ٱللّٰهِ» (رومية 10: 17).

لقد أراد الله أن يعرِّفنا نحن البشر بنفسه، فأودع في داخلنا إحساساً عميقاً بوجوده.

ربما اختار بعض الناس أن لا يؤمنوا بالله، ولكن ليس هناك إنسان على كوكب الأرض يستحيل عليه أن يؤمن بالله، فقد أعطانا الله في الكون براهين كثيرة مقنعة بوجوده. وكلما زادت معرفتنا العلمية بأسرار الكون، يستحيل أن نقول إن هذا الكون قد أتى إلى الوجود بدون مصمِّم ومخطط. إن أحداً لا يستطيع أن يدّعي أن مركبة فضائية تسبح عالياً في الفضاء وتدور حول الأرض ثم تهبط في اللحظة والمكان المحدَّدين لها من قبل، بدون العبقرية الخلاّقة والتعاون الكامل بين المصمّمين والفنيين وعلماء الرياضة.

أليس هذا ما نراه في غروب الشمس، وتعاقب الفصول، وحركة المجموعات الشمسية والذرات، وقوة الجاذبية الأرضية، وقدرة المحبة؟ وكل هذه لا يمكن أبداً أن توجد بدون ذلك التخطيط والتصميم من إله خالق.

ويحتاج التصديق «أن الخليقة وُجدت بالصدفة» إلى مجهود أكبر مليون مرة من المجهود الذي نحتاجه لنؤمن أن الله هو الخالق المبدع لكوننا، فلا تصميم بدون مُصمّم، ولا حركة بدون مُحرّك. حتى الحكومة التي تنكر وجود الله، تعلن عن ثقتها في قوانين الكون ونظامه كلما أطلقت ملاّحاً إلى الفضاء. ولا يستطيع ملاحو الفضاء أن يعودوا سالمين إلى الأرض إلا إذا خضعوا لقوانين الطبيعة، التي يُعتمد عليها دائماً!

إننا ندرك القوة المدمِّرة التي تنطلق مع انفجار القنبلة الذرية، ومع ذلك فإن الشمس تطلق كل ثانية مقداراً من الطاقة يعادل خمسة آلاف بليون قنبلة ذرية. وبالمقارنة بالطاقة التي تطلقها النجوم، فإن شمسنا ليست كبيرة جداً، كما أننا لا نعرف بالتحديد عدد النجوم السائرة في الكون.

ورغم أن بلايين النجوم تتراءى على مرمى بصر الإنسان فإن هذه تُعتبر «المنطقة الهدابية» أي الحافة الخارجية للفضاء الواسع المجهول! واليوم، يدرك علماء الفضاء أن الطاقة المنطلقة من بعض المجموعات الشمسية هي أكبر ببلايين الأضعاف من الطاقة المنطلقة من الشمس! فكيف يمكن لهذه القوة أن توجد بغير خالق قوي؟

إن الخليقة تقودنا لنعرف إله التخطيط والتصميم، وإله القانون وإله القوة غير المحدودة. «السَّمَاوَاتُ تُحَدِّثُ بِمَجْدِ ٱللّٰهِ، وَٱلْفَلَكُ يُخْبِرُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ. يَوْمٌ إِلَى يَوْمٍ يُذِيعُ كَلاماً، وَلَيْلٌ إِلَى لَيْلٍ يُبْدِي عِلْماً. لا قَوْلَ وَلا كَلامَ. لا يُسْمَعُ صَوْتُهُمْ. فِي كُلِّ ٱلأَرْضِ خَرَجَ مَنْطِقُهُمْ، وَإِلَى أَقْصَى ٱلْمَسْكُونَةِ كَلِمَاتُهُمْ. جَعَلَ لِلشَّمْسِ مَسْكَناً فِيهَا» (مزمور 19: 1-4). «لأَنَّ مُنْذُ خَلْقِ ٱلْعَالَمِ تُرَى أُمُورُهُ غَيْرُ ٱلْمَنْظُورَةِ وَقُدْرَتُهُ ٱلسَّرْمَدِيَّةُ وَلاهُوتُهُ مُدْرَكَةً بِٱلْمَصْنُوعَاتِ، حَتَّى إِنَّهُمْ بِلا عُذْرٍ» (رومية 1: 20). إذاً ليس هناك عذر لأي إنسان في أي وقت لينكر وجود الله.

وما أكثر الذين يشعرون بالضآلة والصغر والتواضع كلما تأملوا اتساع ونظام قوة الله الخالقة. ومن هؤلاء نبي الله داود الذي وقف خاشعاً أمام عظمة الله بالمقارنة بضعفه البشري، فتساءل: «إِذَا أَرَى سَمَاوَاتِكَ عَمَلَ أَصَابِعِكَ، ٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ ٱلَّتِي كَوَّنْتَهَا، فَمَنْ هُوَ ٱلإِنْسَانُ حَتَّى تَذْكُرَهُ وَٱبْنُ آدَمَ حَتَّى تَفْتَقِدَهُ؟» (مزمور 8: 3-4).

واليوم وقد زادت معلوماتنا عن سماوات النجوم التي تكبّرها التلسكوبات العملاقة إلى نصف مليون مرة، وحيث ترسل الأقمار الصناعية صوراً إلى كوكب الأرض أثناء رحلاتها في الفضاء الخارجي، قد نسأل نفس سؤال داود: «كيف يمكن لله الذي خلق كل هذا أن ينشغل بي أنا الضئيل؟».

ومع ذلك فإن عالم المجهر عظيم كعالم التلسكوب. فاليوم نعلم أن عالم الأجسام المتناهية في الصِّغر، والتي لا تُرى إلا بالمجهر مثير للدهشة، تماماً كجبروت الفضاء الخارجي. حتى أن الضوء أكبر وأكثر شدة من أن يكشف أسرار عالم «ما دون المجهر». وما قد يفلت من مجهر المعمل التقليدي يمكن التقاطه بواسطة المجهر الإلكتروني الذي يستطيع أن يكشف لنا الروعة، والتصميم، والقانون، والقوة المتجسِّمة في عالمنا الصغير والدقيق جداً بدرجة لا تُقاس.

فإن كنت تتعجب كيف يهتم الله بإنسان ضئيل، فانصِت إلى علماء الطبيعة النووية وهم يخبرونك أن الأجسام المتناهية في الصِّغر هامة جداً لحفظ توازن الكون كله، فنيوترونات ذرَّة حجمها جزء واحد من 12 من الجزء التريليوني من البوصة تجمع المادة لتصبح كتلة صلبة، ولولاها ينفجر العالم ويتبدد في انفجار كوني نووي. نعم إن للصغر والضآلة نفس أهمية الكبر والعظمة، بالنسبة إلى إله الخليقة. وعندما نسأل: «من هو الإنسان حتى تذكره؟» نكون مطمئنين لأننا نعرف أن حجم الإنسان لا يحدِّد قيمته. فهناك عوامل كثيرة جداً تشهد أن لنا قيمة شخصية عظيمة عند الله.

وقد أظهر الله لنا لماذا نحن ذوو قيمة عنده، وكيف أننا أعزاء في عينيه.

ورغم أن الخليقة نفسها تتحدث عن إله التخطيط والقانون والقدرة، إلا أن الله اختار طريقاً آخر ليعلن لنا ذاته كإله المحبة اللامحدودة، الذي يريد خيرنا الأعظم. ولتتعرَّف على هذا الإله ينبغي أن يكون لديك مرشد روحي تثق فيه ثقة كاملة.

وقفة للتفكير

  1. هل يمكن أن يكون الكون المنظم هذا التنظيم المدهش قد وُجد بالصدفة، بدون إله خالق؟

  2. تشهد الخليقة لك عن إله خالق، أعلن عن نظامه وقوانينه وقوته. ولكن هل تقدر الخليقة أن تشرح لك محبة الله ورحمته؟

«يمكن أن يجتاز شخص كهفاً مظلماً بسهولة إن دخله يحمل مشعلاً» (أفلاطون).

«الطبيعة هي الضوء المعتم الذي يدخل من فتحة كهف، أما كلمة الله فهي السراج المنير» (أ. ه. سترونج).

الفصل الثاني: هل مرشدك الروحي موضع ثقة؟

منذ وقت دقَّت الصحف ناقوس الخطر بسبب خسارة مأساوية في الضحايا البشرية عندما تحطمت طائرة بسبب إشارة رادار خاطئة. ومع ذلك فإن هذه الحادثة تبدو ضئيلة إذا قورنت بما يحدث للناس، الذين يضعون ثقتهم في جهاز رادار روحي خاطئ يقودهم إلى كارثة روحية.

واليوم توجد أصوات عديدة متصارعة ومشوَّشة في العالم، يدَّعي كلٌّ منها أنه المرشد إلى الله. فكيف يمكنك أن تميِّز الصوت الذي تثق فيه؟ علماً بأن الخطأ هنا خطير للغاية، لأنه يؤدي إلى كارثة أبدية! قال رئيس الوزراء البريطاني أ. جلادستون: «يتميَّز الكتاب المقدس بخاصية الأصالة، وهناك مسافات شاسعة بينه وبين كل منافسيه». وقال الرئيس الأمريكي إبراهام لنكلن: «أومن أن الكتاب المقدس هو أعظم هدية أعطاها الله للبشر».

ورغم أن عظماء كثيرين في التاريخ شهدوا أن الكتاب المقدس فريد لا نظير له، إلا أن الشهادة العظمى له تنبع من داخله، من محتوياته!

كان الملك داود واضحاً في إمكانية الاعتماد على مرشده الروحي، فقال: «سِرَاجٌ لِرِجْلِي كَلامُكَ وَنُورٌ لِسَبِيلِي» (مزمور 119: 105). وإلى هذا اليوم يجد الناس أن الكتاب المقدس موضع ثقة ليرشدهم إلى الله. ومع أن البعض حاولوا أن يحطموا حقيقة صدقه، إلا أنه يقف صادقاً راسخاً بلا مثيل بين كتب العالم، تضع فيه أرقى شعوب العالم ثقتها.

ولأن الناس تحتاج إلى التأكيد أن الكتاب المقدس هو حق أصيل، فقد ختم الله على صدقه بأختام عديدة تؤكد أنه «كلمة الله». فمن داخل صفحاته، ومن سجلات التاريخ العالمي، يجد الباحث المُخلص أقوى البراهين التي تدعِّم حقيقة أن «كُلَّ ٱلْكِتَابِ هُوَ مُوحىً بِهِ مِنَ ٱللّٰهِ» (2تيموثاوس 3: 16).

ولو أن الكتاب المقدس كتبه كاتب واحدٌ، فلن نندهش إن كانت موضوعاته تتطوَّر بطريقة منظمة ومطَّردة. ولكن «كتاب الكتب» هذا لم يكتبه شخص واحد، بل «تَكَلَّمَ أُنَاسُ ٱللّٰهِ ٱلْقِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ» (2بطرس 1: 21) وهم نحو أربعين، أتوا من ثقافات مختلفة في فترة قرون عديدة. ومع ذلك فهو يحتوي على سجل ثابت ومنظم وفريد عمَّن هو الله، وهذا في حد ذاته معجزي!

أضِف إلى ذلك أن علماء الآثار يكتشفون باستمرار إثباتات تؤكد الدقة التاريخية لما سجله الكتاب المقدس، وقد أكَّدوا صدق كل ما جاء به لمن كانوا يسخرون منه باعتباره أسطورة. فعلى سبيل المثال في سنة 1868 زار رحالة ألماني يُدعى «كلاين» أرض موآب القديمة، وهي اليوم «المملكة الأردنية» وهناك اكتشف حجراً أثرياً نُقش عليه أربعة وثلاثون خطاً بواسطة «ميشا» ملك موآب، وذلك في ذكرى تمرده على ملكي إسرائيل: عُمري وأخآب. وقد جاء ذكر ذلك في 2ملوك 1: 1 حيث قيل إن هذين الملكين استعمرا موآب. فالكتاب المقدس والآثار متوافقان تماماً. وتؤكد حفريات اليوم الدقة التاريخية لما سجله الكتاب المقدس.

إن الكتاب المقدس هو كتاب الله الذي يحتوي على رسالة الله لكل الناس.

ومع أن الكتاب المقدس هو كتاب الله، إلا أن البعض لا يقرأونه بسبب بدعة شائعة هي أن العالم ينقسم إلى مجموعتين: مجموعة العلماء الذين يواجهون الحقائق، ومجموعة المؤمنين الذين لا يريدون أن يدرسوا الحقائق. وتقول تلك البدعة إن العالِم الحقيقي لا يمكن أن يكون مؤمناً! ولكن يوجد اليوم كثير من العلماء العظماء الذين يؤمنون بالله وبكتابه المقدس. ورغم أن الكتاب المقدس ليس كتاباً علمياً، إلا أن الاكتشافات العلمية لا تناقض ما جاء فيه. غير أن أهداف الكتاب المقدس تذهب إلى ما هو أبعد من حدود العِلم، فالعِلم لا يقدر أن يشرح سبب وجودنا على كوكب الأرض، ولا أن يخبرنا إلى أين نحن ذاهبون بعد موتنا. والعِلم لا يستطيع أن يخبرنا ما هي الحياة، ولا ما هي قيمة الإنسان الروحية والفكرية والعاطفية. وعلى هذا فمهما بلغ ذكاؤنا، فإننا نحتاج إلى معونة إلهية لنعرف الحق عن الله، فلا غرابة أن يقول الفيلسوف وعالِم الرياضيات الفرنسي بليز باسكال: «إن أسمى إنجاز للعقل هو أن يرى أن هناك حداً للعقل». فالعقل وحده لا يمكنه أن يعطينا أجوبة يُعتمد عليها بخصوص أسئلة الحياة الأكثر أهمية، ما لم تكن هذه الأجوبة في كتاب الله.

والآن دعنا نتأمل برهانين قويين على أن الكتاب المقدس هو في الحقيقة كتاب الله:

  • البرهان الأول هو الدقة التي تفوق التصديق في نبوَّاته.

  • والبرهان الثاني هو تأثير الكتاب المقدس القوي والإيجابي في حياة كل الذين أخذوا رسالته مأخذاً جدياً.

الدقة النبويَّة للكتاب المقدس

هناك فضول داخلي في معظمنا لأن يعرف ماذا يخبئه لنا المستقبل. والكتاب المقدس يكشف بعض أحداث المستقبل الهامة، ويقدم بعضها في تفصيل موسَّع وخلاب. وقد تتساءل: «كيف يمكنك أن تتأكد؟».

لإجابة هذا السؤال دعنا نتصور أنك في إجازة تزور أثناءها بلداً لم يسبق لك أن زُرتَه، وليس لك من مرشد في ذلك إلا خريطة في يدك، وقد اكتشفتَ بالأمس أنه بإمكانك أن تعتمد على هذه الخريطة، لأن ما أشارت إليه هو ما وجدتَه، سواء كان نهراً أو بلداً قضيت فيها الليلة الماضية. واليوم عليك أن تختار الطريق الذي تسلكه. أمامك منطقة غير معروفة لديك، وتقول الخريطة إنك لو اتجهت يساراً ستجد غابة تؤدي إلى بحيرة واسعة، وأنت تريد أن ترى هذه البحيرة. فماذا تفعل؟ أعتقد أنك سوف تتبع ما توجِّهك إليه الخريطة، لأنها أثبتت بالأمس أنها مرجع دقيق جدير بالاعتماد في منطقة مجهولة لك، وأفادتك بما سوف تجده قبل أن تصل إليه. وكان هذا صحيحاً.

وتبرهن الدقة المتناهية لنبوات الكتاب المقدس عن الأحداث المستقبلية على أن هذا الكتاب هو من عند الله، لأننا نقرأ في صفحاته نبوات كثيرة تحققت تماماً، مع أن التنبّؤ بها سبق تحقيقها بمئات السنين. وهي تغطي دائرة متسعة من البلاد والشعوب، وتتضمَّن تفاصيل محددة جداً عن بني إسرائيل والبلاد المحيطة بهم. أما مئات النبوات الخاصة بمجيء المسيح إلى أرضنا، وميلاده ومعجزاته وموته وقيامته ومجيئه ثانية، فهي أكثر أهمية، لأن كثيراً منها هو الآن تاريخ واقع.

ويحقُّ لنا على أساس سجل الأحداث هذا أن نفترض أن المستقبل سوف يتكشَّف تماماً كما يتنبأ الكتاب المقدس. وتأتينا كل سنة بإثبات جديد يبرهن صدق نبواته، فكأنك وأنت تقرأ الكتاب المقدس تقرأ صحف الغد.

كان الدكتور ولبر سميث طيلة حياته تلميذاً للكتاب المقدس. وكان يسعده أن يشير إلى دقة نبوَّاته وهو يقارن نبوات التوراة العديدة التي تتكلم عن المسيح بالتعاليم الأخرى التي تدَّعي أن الحق عندها، فقال: «لا يستطيع مؤسِّس أية ديانة أن يجد كتابةً قديمة تنبئ بصورة دقيقة عن ظهوره».

ونعترف أن بعض ما نسميه «نبوَّات» لا يحتاج إلى كثير من الوحي حتى يصبح دقيقاً. فبمساعدة العقول الإلكترونية واستطلاعات الرأي والمعطيات التاريخية تستطيع وسائل الإعلام أن تتنبأ بمن سيفوز في الانتخابات قبل أن تُغلق صناديق الاقتراع. وليس هذا غريباً، فإن عندهم إحصائيات تمكِّنهم من فعل ذلك. لكن إن طلبت من أفضل صحفي أن يحدِّد لك قائمة الداخلين في الانتخاب الذي سوف يُجرى بعد عشر أو خمسين سنة من الآن، ثم سألته من الذي سوف يفوز، وعن تفاصيل الأماكن التي سوف يولد فيها من سيفوزون في الانتخابات وأسلوب حياتهم المستقبلي، والظروف التي سوف تحيط بموتهم، فلن تجد عنده جواباً! ولو سألت هذا الصحفي عما سيحدث بعد ألف سنة من الآن، وأن يحدِّد المدن التي سوف تُدمَّر أثناء هذه الفترة الطويلة، فلن تجده دقيقاً في نبواته!

لكن، لو أن الإله العارف بكل شيء ألهم هذا الصحفي، فسيعرف النهاية من البداية. وفي هذه الحالة فقط نتوقع منه أنه سيعرف الآتيات! لقد أنبأنا الكتاب المقدس بتفاصيل إجابات أسئلة مثل هذه التي اقترحنا أن نوجِّهها لهذا الصحفي، مع تفاصيل أخرى أكثر تعقيداً، وعلى مدى زمني أطول.

إن تاريخ مدينة صور القديمة على سبيل المثال، هو تحقيق يفوق الوصف لما أنبأ به الله أنه سيحدث لهذه المدينة، وذلك في حزقيال 26: 3-21. فإذا قرأت «الموسوعة البريطانية» وما أوردَتْه عن «صور» ستقرأ تاريخاً موثَّقاً لما ورد في سفر حزقيال كنبوَّة مستقبليَّة!

النبوة: قبل أن تجري الأحداث تنبأت التوراة بمستقبل مخيف لمدينة صور. قالت: «هَئَنَذَا عَلَيْكِ يَا صُورُ فَأُصْعِدُ عَلَيْكِ أُمَماً كَثِيرَةً.. فيخربون أسوارك ويهدمون أبراجك. وأَسْحي ترابك عنك، وَأُصَيِّرُكِ كَضِحِّ ٱلصَّخْرِ فَتَكُونِينَ مَبْسَطاً لِلشِّبَاكِ... وَيَضَعُونَ حِجَارَتَكِ وَخَشَبَكِ وَتُرَابَكِ فِي وَسَطِ ٱلْمِيَاهِ» (حزقيال 26: 3 و4 و12 و14).

التاريخ: عندما تقرأ سجلات التاريخ تعرف أن نبوخذ نصر دمَّر مدينة صور القديمة، وخرَّب أسوارها وأبراجها تماماً، فتحقَّقت النبوة حرفياً. وبعد ذلك رمى مهندسو الإسكندر الأكبر خرائب صور القديمة، من أحجار وأخشاب وتراب، في البحر ليصنعوا ممرّاً إلى الجزيرة. وإلى هذا اليوم ما زال حطام صور القديمة مدفوناً تحت مياه البحر. قال الله إنه سوف يحدث، وقد حدث. ورغم أن هناك مدينة معروفة باسم صور في الشرق الأوسط اليوم إلا أنها ليست مدينة صور القديمة التي دُمِّرت نهائياً في سنة 1291م.

فإذا زرت مكان مدينة صور القديمة اليوم، فسترى تحقيقاً فائق الوصف للنبوات. سترى تجمُّع بعض الصيادين معاً في قرية صغيرة، يخرجون بمراكب الصيد إلى البحر، بينما شباكهم تجفّ على الصخور العارية! فكيف تستطيع الحكمة الإنسانية أن تنبئ بهذا المستقبل غير المتوقَّع لمدينة مزدهرة تجارياً كصور القديمة؟!

قارن بيتر ستونر سبع نبوات عن صور القديمة بالسجل التاريخي، وبعد حسابه الاحتمال الحسابي لتحقيق نبوات حزقيال قال: «لو كان حزقيال في أيامه تطلع إلى مدينة صور، ونطق بهذه النبوات السبع بحكمته الإنسانية، فإن التقديرات تؤكد أن لديه فرصة واحدة من 75 مليون فرصة لتتحقَّق نبواته! ولكنها كلها تحققت بأدق التفاصيل».

والآن دعنا ننظر إلى نبوَّة عن ميلاد طفل رضيع، هو المسيح. فقد ذكر البشير متى (جابي الضرائب المتقاعد) أربع نبوات جديرة بالملاحظة عنه، تحقَّقت بولادته. في إحداها، استشهد متى بالنبي ميخا الذي طالما هاجم ظُلم الحكام المخادعين في أيامه. وكان ميخا قد عاش كسير القلب لأن بلاده كانت بلا قائد ذي سلطان، ومع ذلك فقد رأى مستقبلاً أكثر لمعاناً لما أوحى الله له أن حاكماً صاحب سلطان سيُولد في بيت لحم، فقال ميخا بالوحي: «أَمَّا أَنْتِ يَا بَيْتَ لَحْمَِ أَفْرَاتَةَ، وَأَنْتِ صَغِيرَةٌ أَنْ تَكُونِي بَيْنَ أُلُوفِ يَهُوذَا، فَمِنْكِ يَخْرُجُ لِي ٱلَّذِي يَكُونُ مُتَسَلِّطاً عَلَى إِسْرَائِيلَ، وَمَخَارِجُهُ مُنْذُ ٱلْقَدِيمِ مُنْذُ أَيَّامِ ٱلأَزَلِ» (ميخا 5: 2).. وتحققت نبوة ميخا، فلم يولد المسيح في الناصرة مسقط رأس عائلته، بل في بيت لحم أفراتة، بسبب أمر أصدره الإمبراطور الروماني، حتَّم على يوسف ومريم أن يسافرا إلى مسقط رأس جدودهما في بيت لحم.

إن احتمالات تحقيق هذه النبوة ضئيل جداً. ومع ذلك فقد حدث تماماً ما تنبأ به ميخا. وهذه واحدة فقط من مئات النبوات المذهلة عن حياة المسيح، وقد تحقَّقت كلها.

يقول الله إنه «مُخْبِرٌ مُنْذُ ٱلْبَدْءِ بِٱلأَخِيرِ وَمُنْذُ ٱلْقَدِيمِ بِمَا لَمْ يُفْعَلْ، قَائِلاً: رَأْيِي يَقُومُ وَأَفْعَلُ كُلَّ مَسَرَّتِي.. بِٱلأَوَّلِيَّاتِ مُنْذُ زَمَانٍ أَخْبَرْتُ، وَمِنْ فَمِي خَرَجَتْ وَأَنْبَأْتُ بِهَا. بَغْتَةً صَنَعْتُهَا فَأَتَتْ. أَخْبَرْتُكَ مُنْذُ زَمَانٍ. قَبْلَمَا أَتَتْ أَنْبَأْتُكَ، لِئَلاَّ تَقُولَ: صَنَمِي قَدْ صَنَعَهَا، وَمَنْحُوتِي وَمَسْبُوكِي أَمَرَ بِهَا» (إشعياء 46: 10 و48: 3-5). لقد أثبت التاريخ أن هذه النبوات وحيٌ إلهي، ولذلك تحققت تماماً.

تأثير الكتاب المقدس القوي

تأثير الكتاب المقدس القوي إثباتٌ ثانٍ أنه كلمة الله، ورسالته تعطي كرامةً للجنس البشري حيثما وأينما عُلِّمت وأُومن بها، اجتماعياً وثقافياً وشخصياً.

قبيل إرسال الطبعة المنقحة من هذا الكتاب إلى المطبعة زارنا صديق، راجعنا معه المخطوطة، فغالبته دموعُه بينما كنا نقرأ الفصل السابع. ورغم عدم وجود شيء يثير المشاعر، توقَّفنا مرتين لننحني في صلاة وتسبيح أمام الإله الذي كنا نقرأ عن محبته. ثم شكرنا الله معاً من أجل أناته ورحمته، ومن أجل كل لمسةٍ من حبه في حياتنا لا نستحقها. وامتلأت نفوسنا بالفرح ونحن نحس بحضور الله الحي معنا.

كان لهذا اليوم أهمية خاصة لصديقي. فقَبله بسنة واحدة كان جالساً وحيداً في شقة فاخرة. ولكن كل هذا الجمال المحيط به وقتها لم يعطه أي فرح، بل انتابه يأسٌ داخلي حتى أنه فقد الرغبة في الحياة. وكان في بحثه عن السعادة قد أطلق العنان لكل شهواته الحيوانية. كلفه إدمان الكوكايين ثروة! شرب أفخر أنواع الخمور. ولكن هذه كلها كانت سبباً في تزايد شقائه. قضى سنوات يسافر حول العالم. أكل ولائم مع أغنى الأغنياء، ولكنه في تلك الليلة كان وحيداً، ليس له من أنيس! وقرر أن يضع نهاية لحياته التعيسة، وبتصميم صارم أخذ مسدسه ووجَّهه إلى رأسه، وأمسك بالزناد وهو يقول لنفسه: «هي لحظة وأمضي إلى عالم النسيان! عندئذ تنتهي آلامي إلى الأبد». في هذا الجزء من الثانية (صديقي لا يعرف كيف حدث ذلك) تغيَّر برنامج التلفزيون الذي كان مفتوحاً، ووجد نفسه يستمع إلى رسالة من الكتاب المقدس تُقدِّم مستقبلاً عامراً بالرجاء. ولمس ما سمعه قلبَه، فسجد يسأل ربَّه الغفران والرحمة، وآتاه الله ما سأل! وبسبب قوة الله التي غيَّرت حياة صديقي جذرياً، كان يجلس أمامي وكله تسبيح لله وانبهار من محبته. وروى لي أنه قبل ولادته كان أبواه يصلّيان من أجله، ورغم أنه كشابٍّ صغير درس الكتاب المقدس، إلا أنه رفض أن يقبل رسالة الله. وفي عالمه المليء بالغِنى والرفاهية والامتيازات تمرَّد على الله وانغمس في لامبالاة أخلاقية لا يمكن تصديقها.

قبل سبعة عشر عاماً من تلك الليلة المشهودة كان صديقي قد عزم أن يسجل مذكراته، ولكنه لم يجد ما يستحق التدوين خلال تلك الأعوام السبعة عشر من العيش المرفَّه والمسرف. لقد أدار صديقي ظهره لله الحي، وسافر رحلة روحية مزيفة غير مشبعة، بدأت بالانشغال ب «حظك اليوم» ثم الاستعباد الذهني للموسيقى الصاخبة وحفلاتها. وبعد ذلك قاده إعجابه باليوجا إلى دراسة الفلسفة الهندوسية والاندماج الفعلي في أعمال السحر والشعوذة. لم يكن هناك شيء اختبره خلال تلك السنين يستحق أن يدخل في كتاب مذكراته البني اللون المغلَّف بالجلد الفاخر، فبقيت صفحاته بيضاء مع ألم الفراغ، حتى تلك الليلة المشهودة عندما تقابل مع الله، حيث سجَّل صديقي أول حَدَث ذا قيمة في مذكراته. وكم فرحتُ بقراءة ما كتبه. إنه تفسير مقدس وروحي لإنسان محتاج خلَّصه الإله الحي برحمة عظيمة من عماه الروحي، وأنقذه من اليأس والموت بنور حقّه وحبّه العجيب.

أعلن الله لنا ذاته في الكتاب المقدس بسبب ارتباك الإنسان الروحي، مثل عمى صديقي. إن تحوَّلت عن الكتاب المقدس، المرشد الروحي الوحيد الذي يُعتمد عليه ستحبس نفسك في الخديعة والخطأ. ولكن إن كنت في بحثك عن الله تقرأ الكتاب المقدس بعقل منفتح قابل للتعلُّم، فستجد أنه يحتوي على كل النور الروحي والقيادة التي تحتاجها.

ومن خلال كلمة الله وحدها ستكتسب فهماً واضحاً لله كما أعلن لنا ذاته، ففي الكتاب المقدس تتعرَّف على المسيح الحق نفسه، الذي هو كلمة الله ونور العالم.

يا رب كلمتك لا تهتز وخطوات قدميَّ بها تعتز خليقتك تصدق الحق فيها نوراً وفرحاً تهديها.

وقفة للتفكير

  1. هل توجد مخطوطات أو «كتابات مقدسة» يمكن مقارنتها بالكتاب المقدس من حيث صحة إنبائها بالمستقبل؟

  2. هل تعرف شخصاً تغيَّرت حياته لأنه قبِل رسالة الكتاب المقدس؟

  3. هل حدث مرة أنك أنقصت من قيمة تعاليم الكتاب المقدس الفريدة، في وقت كنت فيه تهمل قراءته بفكر منفتح؟

«لو واجهنا جميعنا كل ما في السماء والأرض من مشاكل، لَمَا قورنت بالتساؤلات: من هو الله؟ وبمن نشبِّهه؟ وما هو موقفنا منه كمخلوقات عاقلة» (أ. و. توزر).

الفصل الثالث: بمَن نشِّبه الله؟

في وقت ما من الحياة يتساءل معظم الناس: «بمن نشبِّه الله؟». ومع أن الله أعدّ جواباً لهذا السؤال، إلا أن هناك من يفضّلون الاعتماد على تصوُّرهم وتخمينهم لله، بدلاً من أن يقرأوا ما قاله عن نفسه في كتابه، فقد قال: «نَعْمَلُ ٱلإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا» (تكوين 1: 26). فالإنسان على صورة الرحمان. ولكن كأنهم يقولون: «لنعمل الله على صورتنا». وبهذا «أَبْدَلُوا مَجْدَ ٱللّٰهِ ٱلَّذِي لا يَفْنَى بِشِبْهِ صُورَةِ ٱلإِنْسَانِ ٱلَّذِي يَفْنَى» (رومية 1: 23). وكل إله اخترعه خيال إنسان جاء إلهاً عاجزاً مغايراً للحقيقة!

ومهما بلغ اجتهاد الإنسان، فهو لا يقدر بحكمته الذاتية أن يكتشف الله الحي، لأن العالم لا يعرف الله بالحكمة البشرية بل بالإعلان الإلهي (1كورنثوس 1: 21). فلو كان ممكناً أن نكتشف الله بالاجتهاد الإنساني فإنه يكون (حاشا لله) أقل من عقل الإنسان. ليس هذا فقط، بل إن كان الاجتهاد الإنساني ضرورياً لاكتشاف الله، فماذا يفعل البسطاء من البشر؟! والأمر غير ذلك، فالحكمة الروحية مُتاحة لكل إنسان، وبنفس القدر، لسيِّدة أُمِّية تتوكأ على عكاز كما لأستاذ جامعي، ولا تُكتسب الحكمة الروحية في المدارس، لكنها مُتاحة لكل من يتَّضعون بالكفاية حتى يدركوا احتياجهم لمساعدة الله في بحثهم عنه. «إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ تُعْوِزُهُ حِكْمَةٌ فَلْيَطْلُبْ مِنَ ٱللّٰهِ ٱلَّذِي يُعْطِي ٱلْجَمِيعَ بِسَخَاءٍ وَلا يُعَيِّرُ، فَسَيُعْطَى لَهُ» (يعقوب 1: 5). وهذا النوع من الحكمة ليس دنيوياً بل سماوياً. إنها الحكمة «ٱلَّتِي لَمْ يَعْلَمْهَا أَحَدٌ مِنْ عُظَمَاءِ هٰذَا ٱلدَّهْرِ (أي قادة نظامنا العالمي) وَنَحْنُ لَمْ نَأْخُذْ رُوحَ ٱلْعَالَمِ، بَلِ ٱلرُّوحَ ٱلَّذِي مِنَ ٱللّٰهِ، لِنَعْرِفَ ٱلأَشْيَاءَ ٱلْمَوْهُوبَةَ لَنَا مِنَ ٱللّٰهِ»(1كورنثوس 2: 8-12).

وليس الكتاب المقدس مجرد أحاديث دينية، لكنه سجلّ يعلن الله ذاته فيه للإنسان. والله وحده يعطيك الحكمة الروحية التي تحتاجها لتفهم من هو، وما الذي يريد أن يجريه في حياتك. فإذا سألته فإنه قريب يجيب دعوة الداعي، وسيعلن لك ذاته من خلال كلمته المقدسة.

في سفرياتنا وجدنا اشتياقاً وبصيرة روحيين عميقين في كل مكان، ووسط أناس قد يظن البعض أن الأمور الروحية لا تعنيهم. ذات يوم قابلنا مجموعة أولاد أفريقيين في أدغال كينيا. وبينما كنا نتحدث معاً أظهروا شغفهم العظيم بالأمور الروحية، وأرادوا أن يحدِّثونا عن إيمانهم، وأن يتعلّموا أكثر عن الله. ولما غابت الشمس الاستوائية وراء الأفق، وانتهى يومٌ طويلٌ مليء بالعمل، جلستُ على صخرة بجانب زقاق كينيٍ مُترِب لأستريح، فسمعت حركة في الأدغال. ولما التفتُّ رأيت في ضوء القمر عينين سوداوين واسعتين لصبي في العاشرة، سرعان ما جاء وجلس بجانبي، فجعلنا نتحدث. وبسرعة أصبحنا صديقين. وانضمّ إلينا أولاد آخرون سمعوا صوتنا. وأذهلتني معرفتهم بالكتاب المقدس. وسألني صديقي الجديد الصغير: «لماذا لم يسمح الله لموسى أن يرى وجهه؟». وأجبتُه بأن سألتُه إن كان يستطيع أن يتذكر صلاة موسى قبل قول الله له: «ثُمَّ أَرْفَعُ يَدِي فَتَنْظُرُ وَرَائِي. وَأَمَّا وَجْهِي فَلا يُرَى» (خروج 33: 23). ولكنه لم يتذكر. فقلت له إن موسى قال لله: «أَرِنِي مَجْدَكَ» (خروج 33: 18). أي أن موسى طلب من الله أن يعرف ماذا يشبه الله. وهذا السؤال يمثِّل مشكلة، لأن مجد الله أبعد جداً من أن يقدر موسى على استيعابه أو فهمه، فقداسة الله ونوره أشبه بنار آكلة، حتى أن الله حذَّر «ٱلإِنْسَانَ لا يَرَانِي وَيَعِيشُ» (خروج 33: 20).

لم يعلم موسى تماماً عظمة مجد الله، ولكن الله المحب الذي يعلن عن نفسه للبشر ليجتذبهم إليه، أعلن نفسه لموسى على قدر ما استطاع النبي أن يحتمل. ولو أن الله أظهر كل مجده لموسى لَفَنِي موسى تماماً من لمعان حضوره! فأخفى الله ملء مجده عنه، ومرَّ مجد الله حيث كان موسى، وموسى مختبئ في نقرة من الصخرة (خروج 33: 22).

وفهم أصدقائي الصغار الفكرة. إنهم لا يقدرون أن يحملقوا في ضوء الشمس اللامع دون أن يغطوا عيونهم، كما كانوا يعلمون أن الفراشات تطير حول النور، لكنها تحترق إن اقتربت منه أكثر من اللازم!

وقدمت لهم مثلاً آخر: كانوا يعرفون القماط الذي تلف فيه أمهاتهم إخوتهم الرُّضع، والذي يعطي الرُّضَّع أماناً بالقرب من قلوب أمهاتهم المليئة بالمحبة والعناية الرقيقة. عندئذ حدَّثتهم عن القماط الذي لفَّه الله حول الأرض (أيوب 38: 9)، ويسميه العلماء طبقة الأوزون، وهو غطاء رقيق من الأوكسجين يصفّي أشعة الشمس فوق البنفسجية التي تسبِّب السرطان. ومعروف أنه بدون الشمس لن توجد حياة على كوكب الأرض. ولكن عناية الله الرقيقة حمَتْنا من جرعة زائدة من الطاقة الشمسية ومن آثارها المسبِّبة للسرطان.

بدا على أصدقائي الصغار شغفهم بالقماط الذي صنعه الله، والذي يحمينا من كل الحروق المتعِبة. واستجابت قلوبهم الصغيرة برقَّة إلى حب الله، وقضينا وقتاً طيباً في الصلاة معاً. لقد عرفوا فعلاً وبطريقة شخصية نفس الحماية التي تمتع بها موسى في سؤاله عن الله.

وقد أعطانا الله فهماً أكمل لذاته لما أخبرنا بأسمائه. والأسماء في الكتاب المقدس هامة جداً، لأن معناها يعلن ملامح شخصية حاملها. وكل اسم يُشير لله له معنى خاص، ويكشف جانباً فريداً لشخصه الإلهي.

وتقدم التوراة ثلاثة أسماء أساسية لله هي: يهوه وإلوهيم وأدوناي. وكل اسم له معنى خاص. فإلوهيم في العبرية هو نفسه «الله» في العربية. وهو أول اسم استعمل لله في التوراة، وورد أكثر من ألفي مرة. ويتكون من ثلاثة مقاطع «أل - إيل - هيم». و «أل» هي أل التعريف، و «إيل» اسم الله الشخصي وتعني قوة. أما «هيم» فهي في محل خبر لمبتدأ. (المبتدأ إيل والخبر هيم). ومن المهم أن نلاحظ أن الاسم «إلوهيم» جاء في صيغة الجمع. وواضح أن اللغة العبرية، ومثلها العربية، فيهما المفرد والمثنَّى والجمع. والاسم «إلوهيم» ليس مفرداً ولا مثنى، بل في صيغة الجمع! ومع ذلك فهناك حقيقة أخرى واضحة في كل الكتاب المقدس، وهي أن الرب إلهنا رب واحد (تثنية 6: 4).

وهكذا ففي أول آية من الكتاب المقدس يعلن فيها الله نفسه للإنسان، نتقابل مع الله «ثلاثة في واحد» وواحد في ثلاثة وذلك في القول الكريم: «فِي ٱلْبَدْءِ خَلَقَ ٱللّٰهُ (إلوهيم) ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ» (تكوين 1: 1) وهذه الوحدة المثلثة هي ما نسميه «الثالوث» وهذا يعني أن وحدانية الله جامعة مانعة.

بعد هذه الملاحظة الأولى عن الوحدة المثلثة لله نقرأ: «وَقَالَ ٱللّٰهُ: نَعْمَلُ ٱلإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا» (تكوين 1: 26). وواضح أن كلمتي «صورتنا» و «شبهنا» هما في صيغة الجمع. ولكن في الجملة التي تليها فوراً نقرأ: «ذَكَراً وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ»(تكوين 1: 27). وليس «خلقوهم» فالخالق واحد. وهكذا نقرأ عن «واحد» هو «أكثر من واحد»!

إن إلهاً كهذا أبعد جداً من أن تفهمه الحكمة الدنيوية، ولهذا أعطانا الله «ٱلرُّوحَ ٱلَّذِي مِنَ ٱللّٰهِ، لِنَعْرِفَ ٱلأَشْيَاءَ ٱلْمَوْهُوبَةَ لَنَا مِنَ ٱللّٰهِ» (1كورنثوس 2: 12) بداية من هذه المؤشرات الأوَّلية عن ذاته الإلهية. وتدريجياً أعلن لنا مجده الأبدي ووحدته المثلثة.

إن فهم هذا المضمون عن الله «ثلاثة في واحد» و «واحد في ثلاثة» سيساعدك فيما بعد لتدرك بعض عرض وطول وعمق وعلو محبة الله لك، الذي في محبته يكشف لك نفسه بالتدريج من خلال بقية آيات الكتاب المقدس، لتتعرَّف على الله الآب الذي خلقك، والله الابن الذي فداك، والله الروح القدس الذي يقدِّسك. ومع ذلك فهو الله الواحد.

إن عقولنا الإنسانية لا تستوعب إلا جزءاً ضئيلاً من هذا المعنى، لأنه من المستحيل أن نكتشف الله الحي وندركه في كماله، ولذلك أخذ الله بنفسه زمام المبادرة وعرَّفنا بنفسه. إن الإعلان الكامل لمجد الله وقداسته كان مخفياً عن عيني موسى. وقد تحنَّن الله علينا في المسيح، وكشف «إلوهيم» لنا نفسه على قدر ما نحتمل. والله «ٱلَّذِي قَالَ أَنْ يُشْرِقَ نُورٌ مِنْ ظُلْمَةٍ، هُوَ ٱلَّذِي أَشْرَقَ فِي قُلُوبِنَا، لإِنَارَةِ مَعْرِفَةِ مَجْدِ ٱللّٰهِ فِي وَجْهِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ» (2كورنثوس 4: 6). وعندما تأمل يوحنا في وجه المسيح أعلن: «وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْداً كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ ٱلآبِ» (يوحنا 1: 14). ثم سجَّل يوحنا اختباره الشخصي مع الله الذي التقى به في شخص المسيح، وعاش ليروي لنا اختباره مع الله الأبدي، إله الخليقة - إله موسى. وكان لقاؤه هذا مسموعاً مرئياً ومحسوساً، فكتب يقول: «اَلَّذِي كَانَ مِنَ ٱلْبَدْءِ، ٱلَّذِي سَمِعْنَاهُ، ٱلَّذِي رَأَيْنَاهُ بِعُيُونِنَا، ٱلَّذِي شَاهَدْنَاهُ، وَلَمَسَتْهُ أَيْدِينَا» (1يوحنا 1: 1).

إن ما سجله يوحنا لا ينتمي إلى علم اللاهوت المجرَّد، بل هو شهادة اختبار شخصي عن معرفته بالله الحي. وربما تتساءل: «كيف يمكن لذلك أن يساعدني؟» ويسرع يوحنا ليجيبك بقوله: «وَنَكْتُبُ إِلَيْكُمْ هٰذَا لِكَيْ يَكُونَ فَرَحُكُمْ كَامِلاً» (1يوحنا 1: 4).

وهذا الكتاب بين يديك الآن لأن هناك صديقاً يشتاق أن يكون لك أنت أيضاً ملء الفرح. إن فرحاً كاملاً كهذا سيغمر حياتك، كنتيجة لاختبار شخصي وصداقة حيَّة مع الله، كما قال يوحنا: «ٱلَّذِي رَأَيْنَاهُ وَسَمِعْنَاهُ نُخْبِرُكُمْ بِهِ، لِكَيْ يَكُونَ لَكُمْ أَيْضاً شَرِكَةٌ مَعَنَا. وَأَمَّا شَرِكَتُنَا نَحْنُ فَهِيَ مَعَ ٱلآبِ وَمَعَ ٱبْنِهِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ. وَنَكْتُبُ إِلَيْكُمْ هٰذَا لِكَيْ يَكُونَ فَرَحُكُمْ كَامِلاً» (1يوحنا 1: 3 و4).

وكجاذبية النور في ليلة مظلمة، هكذا نور مجد الله ما زال يجذب البشر إليه اليوم. فإذا رغبت أن تعرف بمَن نشبِّه الله، تستطيع أن تصلي مع موسى: «أرني مجدك».

وقفة للتفكير

  1. هل فكرت أن تقرأ الكتاب المقدس بتفكير واعٍ وأنت تبحث عن الله؟

  2. هل تسأل الله أن يعلن لك ذاته وأنت تقرأ الكتاب المقدس؟

    صلاة مقترحة: «اللهم، إن كنت أنت الإله الذي خلق الكون، وإن كنتَ تحبُّني، فاكشف لي عن ذاتك، وعرِّفني إن كان يسوع المسيح هو ابنك، وإن كان هو المخلِّص الوحيد».

  3. هل أدركت أنك إن كنت تريد أن تعبد الله بالحق، فإنه يجب أن يكون:أعظم من قدرتك على اكتشافه بالبحث الإنساني، وأعظم من قدرتك على فهمه الكامل بعقلك البشري.

«أظن أني أفهم الطبيعة الإنسانية بعض الشيء، وأقول إن كل الأبطال القدماء كانوا رجالاً، وأنا رجل. ولكن ليس للمسيح نظير. إنه أكثر من إنسان» (نابوليون).

الفصل الرابع: ما الذي يمِّيز الناس؟

وُصف العالَم بأنه «قرية عالمية» ولأنه مسكون بجيران عدوانيين، فقد أصبح مكاناً مُتزايد الخطورة على ساكنيه. ويبدو أن المشاكل التي تقسم الإنسانية تغطي مساحة عريضة من القضايا السياسية والاقتصادية والعائلية وحتى الصناعية، وهي تقسم الناس بطريقة متزايدة ومُقبِضة. إلا أن هناك انقساماً أكثر خطورة في الإنسانية، وهو أخطر من كل انقسام معروف في عالمنا.

والآن دعنا نذكر باختصار الأسباب الواضحة التي تقسم الناس، ثم نركز على السبب الرئيسي:

انقسامات ظاهرة

سياسياً: يواجه السياسيون بعضهم البعض بالخوف وعدم الثقة. وعندما يعرضون وجهات نظر غير مقبولة، يأملون أن تضمن قوتهم العسكرية أمن أُمَّتهم في المستقبل. وفي الوقت نفسه يرفع بعض المواطنين أصواتهم من أجل السلام وعدم التسليح النووي. والذين شاهدوا بعض مظاهرات السلام على شاشات التلفزة يستطيعون أن يروا القائمين بالمظاهرة وهم يحاربون المختلفين معهم في الرأي! وهم يذكّروننا بتحذير الله: «لأَنَّهُ حِينَمَا يَقُولُونَ: «سَلامٌ وَأَمَانٌ» حِينَئِذٍ يُفَاجِئُهُمْ هَلاكٌ بَغْتَةً، كَٱلْمَخَاضِ لِلْحُبْلَى، فَلا يَنْجُونَ» (1تسالونيكي 5: 3).

اقتصادياً: تمثل الكوارث الطبيعية مثل الجفاف والمجاعات والزلازل مشاكل متزايدة النمو، خصوصاً في العالم الثالث. وتزيد هذه الكوارث من الفجوة الاقتصادية المؤلمة بين الأمم الغنية والفقيرة. وبالرغم من النوايا الطيبة وتضحيات أناس كثيرين يحاولون مساعدة الفقراء، إلا أنه في أغلب الأحيان يزداد الأغنياء غنى والفقراء فقراً.

عائلياً: وصل انهيار الزواج والحياة العائلية اليوم إلى نسب وبائية. قال لي صديقي الإفريقي لتسوئيل، والدموع في عينيه: «خرب بيتي». وظننتُ أنه يعني أن كوخه قد احترق. ولكن «الخراب» كان أن زوجته تركته! واليوم «خربت بيوت» كثيرة جداً لأن الأنانية دمرت الحب الحقيقي. ولكن (كما سنرى في فصل قادم) فإن محبة الله متاحة لكل زوجين يريدان أن يحفظا زواجهما في اتحاد دائم.

صناعياً: تعوَّدنا أن نسمع عن الإحباط والتوتر في مكان العمل. في أوائل سنة 1985 انتهت أصعب أزمة صناعية في القرن العشرين في بريطانيا. ومع أن الاضطرابات والمواجهات العنيفة في الشوارع قد انتهت، إلا أن مشاعر الاستياء والمرارة استمرت لتكون جرحاً لم يلتئم بعد في علاقات أصحاب العمل بالعمال. وما أعظم الفرق بين ما جرى في «ويلز» عام 1985 وما جرى هناك بين أصحاب العمل والعمال سنة 1904 في مناجم الفحم أيضاً. وقد روى لي عامل مناجم متقاعد اسمه «جون باري» كان في الحادية والتسعين من عمره ما جرى عام 1904. وكان قد فقد بصره، ولازمه مرضٌ مزمن في الرئتين يسمُّونه «مرض عُمّال المناجم». ولكنه كان يضحك من القلب وهو يحكي لنا ما فعله الله في «ويلز» بواسطة الروح القدس في النهضة الروحية سنتي 1904 و1905. عندئذ تقابل عمال المناجم وأصحاب العمل مع الله الحي، وكنتيجةٍ لذلك اتفقوا معاً بسهولة، وبدون مرارة، في ثقة متبادلة.

تكلم «جون باري» بفرحة متناهية وهو يذكر أيام تلك النهضة الروحية. تذكر أن عشرات الحانات أفلست إذ لم يكن هناك من يطلب الخمور. وذكر أيضاً نزوله مع زملائه إلى المناجم يرتلون بصوت واحد تسابيح الله. وضحك برزانة وهو يقول: «ما زال الناس يأتون ليروني وليسألوا: أين كانت النهضة؟». ويجيب وهو يضع يده على صدره: «أقول لهم: إنها هنا». نعم بدأت في قلبه وقلوب زملائه ورؤسائه، فانتهت مشاكل العمل والعمال! وهذا هو الحل الذي يقدمه الله.

الانقسام الحقيقي

ومع أن ما ذكرته من عوامل يسبِّب الانقسام بين البشر، إلا أن هناك سبباً أكبر من هذه كلها، يشكل خطراً على سلام دول عديدة. إنه إدراكهم الناقص لمن هو الله.

لما أعلن الله ذاته للبشر جاء إعلانه كاملاً، فقبل ولادة المسيح وعد أنه سيرسل نوراً عظيماً يساعد الذين لا يعرفونه حتى يعرفوه، وقال: «اَلشَّعْبُ ٱلسَّالِكُ فِي ٱلظُّلْمَةِ أَبْصَرَ نُوراً عَظِيماً» (إشعياء 9: 2). ثم أعطى الله التفاصيل عن كيفية معرفة هذا النور إذ قال «لأَنَّهُ يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ وَنُعْطَى ٱبْناً» (إشعياء 9: 6).

فما هو معنى هذا الإعلان؟ ألا يولد الأولاد دائماً؟!.. المعنى هو أن هذا الميلاد مرتبط أيضاً بالوعد «نُعطى ابناً». فقد وُلد لنا ولدٌ على الأرض، فيه أُعطينا ابناً من السماء! وُلد في الأرض طفل إلهي، وبولادته وعطية هذا الابن أرسل الله نوراً إلى أناسٍ كانوا سالكين في الظلمة. ويقدر هذا النور أن يطرد الظلمة والشك اللذين يطمسان عيوننا فلا نرى الله.

ولكي يميّز البشر ميلاد ابن الله الوحيد واختلافه عن كل ميلاد آخر، قال الله إن ميلاده سيتبرهن بعلامة معجزية: «هَا ٱلْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ٱبْناً وَتَدْعُو ٱسْمَهُ «عِمَّانُوئِيلَ» (إشعياء 7: 14). وكم هو رائع أن معنى عمانوئيل هو «الله معنا» .

وكل ديانة تعلِّم أتباعها محاولة الوصول إلى الله، لكن المسيحية تعلمنا أن الله سبحانه هو الذي نزل إلى الإنسان، في المسيح. وهكذا بنى الله الجسر الذي يربط السماء بالأرض عندما حبلت به العذراء. لقد اتَّضع خالق الكون ودخل نطاق الوقت والمكان، و «إِذَا مَلاكُ ٱلرَّبِّ قَدْ ظَهَرَ لَهُ (ليوسف) فِي حُلْمٍ قَائِلاً: «يَا يُوسُفُ ٱبْنَ دَاوُدَ، لا تَخَفْ أَنْ تَأْخُذَ مَرْيَمَ ٱمْرَأَتَكَ، لأَنَّ ٱلَّذِي حُبِلَ بِهِ فِيهَا هُوَ مِنَ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ» (متى 1: 20). وبعدما وُلد يسوع وبلغ الرشد أعلن ألوهيته في حضور متشككين عدوانيين وقال لهم: «قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ» (يوحنا 8: 58) وقال أيضاً: «أَنَا وَٱلآبُ وَاحِدٌ» (يوحنا 10: 30).

كتب رجل الفضاء جيم إروين الذي كان في مركبة الفضاء أبولو 15: «أن يسير الله على الأرض أكثر أهمية من أن يسير الإنسان على القمر!». صَدَق إروين! فلا يمكن لإنجاز إنساني مهما بلغ أن يُقارَن بمعجزة التجسُّد التي حققت نبوات أعظم الأنبياء، فوُلد من العذراء ذاك الذي «وَيُدْعَى ٱسْمُهُ عَجِيباً، مُشِيراً، إِلَهاً قَدِيراً، أَباً أَبَدِيّاً، رَئِيسَ ٱلسَّلامِ. لِنُمُوِّ رِيَاسَتِهِ، وَلِلسَّلامِ لا نِهَايَة..» (إشعياء 9: 6 و7). في هذا الشخص العجيب اجتمعت القوة والمحبة. فهو يريد العمل الصالح الذي هو خلاص البشر، ويقدر على ذلك لأنه «ٱللّٰهُ ظَهَرَ فِي ٱلْجَسَدِ» (1تيموثاوس 3: 16). إنه الحاكم النموذجي الذي نحتاجه لعالم اليوم المنقسم المضطرب. إنه يعرف الحاجة. وهو صادق الهدف، وهو قادر على الإنجاز! لذلك جاء لقبه «رئيس السلام» صاحب المعرفة والقوة ليعطي سلاماً دائماً لهذا العالم. وسيعود يوماً إلى أرضنا ليحكمها، فيغلق كل مصانع السلاح، وينزع فتيل الانفجار من كل قنبلة لم تنفجر، ويعيد كل جندي إلى بيته.

لقد اكتشف الإنسان أنه بدون أمل في السلام، ولكن الأمل يجيئنا من فوق. إن سلاماً وعدلاً ينتظران الجميع عندما يأتي «رئيس السلام» نفسه ماسكاً بصولجان الحكم «فَيَقْضِي بَيْنَ ٱلأُمَمِ وَيُنْصِفُ لِشُعُوبٍ كَثِيرِينَ، فَيَطْبَعُونَ سُيُوفَهُمْ سِكَكاً وَرِمَاحَهُمْ مَنَاجِلَ. لا تَرْفَعُ أُمَّةٌ عَلَى أُمَّةٍ سَيْفاً وَلا يَتَعَلَّمُونَ ٱلْحَرْبَ فِي مَا بَعْدُ»(إشعياء 2: 4). في هذا اليوم السلمي نفرح «لأَنَّ ٱلأَرْضَ تَمْتَلِئُ مِنْ مَعْرِفَةِ مَجْدِ ٱلرَّبِّ كَمَا تُغَطِّي ٱلْمِيَاهُ ٱلْبَحْرَ» (حبقوق 2: 14). ولا يمكن أن تكون هناك نهاية للتاريخ غير هذه يرضى بها لنا الإله الأبدي!

ولكن قبل مجيء المسيح ثانية ليرسي هذا الحكم سنرى بوضوح الانقسام العميق بين الناس. وسيتمركز حول: من هو المسيح؟ فمن المهم جداً أن تكون متأكداً: من هو؟ ولماذا أتى؟ وماذا فعل من أجلك عندما كان على أرضنا؟ وسيساعدك على إجابة هذه الأسئلة أن تلاحظ أن سفر التكوين وإنجيل يوحنا متشابهان في مطلعيهما. يقول مطلع التكوين: «في البدء خلق الله السموات والأرض». ويقول مطلع إنجيل يوحنا: «فِي ٱلْبَدْءِ كَانَ ٱلْكَلِمَةُ، وَٱلْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ ٱللّٰهِ، وَكَانَ ٱلْكَلِمَةُ ٱللّٰهَ. كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ»(يوحنا 1: 1-3). فالخالق المدعوّ «إلوهيم» في التكوين مدعوٌّ «الكلمة» في إنجيل يوحنا. إلوهيم هو الكلمة وقد لبس رداء الجسد ليسير بين خلائقه. ولأنه الله استطاع أن يفعل ذلك. «وَٱلْكَلِمَةُ صَارَ جَسَداً وَحَلَّ بَيْنَنَا..»(يوحنا 1: 14). «كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ.. كَانَ فِي ٱلْعَالَمِ، وَكُوِّنَ ٱلْعَالَمُ بِهِ، وَلَمْ يَعْرِفْهُ ٱلْعَالَمُ. إِلَى خَاصَّتِهِ جَاءَ، وَخَاصَّتُهُ لَمْ تَقْبَلْهُ. وَأَمَّا كُلُّ ٱلَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَاناً أَنْ يَصِيرُوا أَوْلادَ ٱللّٰهِ، أَيِ ٱلْمُؤْمِنُونَ بِٱسْمِهِ» (يوحنا 1: 1-12).

وأراد تلميذ المسيح فيلبس أن يعرف ماذا يشبه الله، وهو ما أراد موسى أن يعرفه قبل ذلك بقرون، وكما يريد كل واحد أن يعرف، فقال للمسيح: «يَا سَيِّدُ، أَرِنَا ٱلآبَ وَكَفَانَا» (يوحنا 14: 8) فأجابه: «اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى ٱلآبَ» (يوحنا 14: 9). وهذه الإجابة المدهشة تجعل المسيح يبدو إما أنه مختل أو مخادع، أو أنه هو الله نفسه. ولكن أحداً لا يقدر أن يتَّهمه بإحدى الصفتين الأوليين. فلا بديل أمامنا إلا أن نوافق أن المسيح هو الله!

قال المسيح: «أَنَا وَٱلآبُ وَاحِد» (يوحنا 10: 30) ليجد الناس فيه ما يبحثون عنه بخصوص الله. وهنا يبدأ الناس يختلفون من جهة هُويَّته، فالبعض يرفضون فكرة تواضع الله تماماً. اجتذب المسيح البعض، وابتعد عنه البعض الآخر. تبعه البعض، وتآمر غيرهم ليقتلوه. وانقسم السامعون لما سمعوا إعلانه أنه واحد مع الآب، وصاروا بين مؤمن وكافر! ولكنه قال: «مَنْ لَيْسَ مَعِي فَهُوَ عَلَيَّ» (متى 12: 30). ومع ذلك فإن ردّ فعلك الأول بخصوص المسيح لا يعني بالضرورة أنه سيكون نفس ردِّك الدائم.

والآن دعنا نتأمل شخصاً تحوَّل من عدو للمسيح إلى تابع له، هو شاول الطرسوسي الذي كان فقيهاً يهودياً، وله مستقبل ديني وسياسي لامع. وفي أيامه المبكرة كان يكره المسيحيين جداً حتى أنه اضطهدهم ووافق على قتلهم. ولكن حياته تغيَّرت تماماً، فقضى ما تبقَّى منها يخدم المسيح إلهه وسيده، الذي سبق أن اضطهد أتباعه. وعانى الطرسوسي بسرور كبير كل مشقَّة عظيمة بسبب ولائه للمسيح. فما الذي صنع التغيير؟

كان شاول يعرف الترجمة اليونانية للعهد القديم، والتي ترجمها سبعون عالِماً يهودياً في الإسكندرية، ولذلك سُميت بالترجمة «السبعينية». ولأن شاول كان ضليعاً في الفقه الديني، فقد عرف أن الكلمة العبرانية «يهوه» تُرجمت إلى الكلمة اليونانية «كيريوس» بمعنى «رب» أو «سيد».

وبينما كان شاول في طريقه إلى دمشق ليلقي القبض على المسيحيين رأى «نوراً عظيماً» لامعاً جداً حتى أصابه العَمى لفترة مؤقتة. وأدرك أنه ماثلٌ في حضرة الله، فقال لمحدِّثه السماوي: «مَنْ أَنْتَ يَا سَيِّدُ؟» (أعمال 9: 5) مستخدماً الكلمة اليونانية «كيريوس» المترجمة من «يهوه» العبرية. فأجابه محدّثه: «أَنَا يَسُوعُ ٱلَّذِي أَنْتَ تَضْطَهِدُهُ» (أعمال 9: 5). في ذلك اليوم اكتشف شاول أن يهوه ويسوع هما واحد. وقد غيَّرت هذه المعرفة شاول من عدو للمسيح إلى تابع أمين له. من ذلك اليوم كرّس بولس حياته بالتمام للمسيح. ونتيجة لذلك عانى الكثير بسبب إيمانه، إلا أنه قضى بقية حياته ينشر الخبر السار أن الله قد افتقد كوكب الأرض في المسيح. وكتب بولس أربع عشرة رسالة للكنائس مليئة بإيمانه الثابت أن كل الأشياء قد خُلقت بالمسيح وله (كولوسي 1: 16).

وهكذا نرى أن يسوع الناصري لم يكن مجرد نبي، ولا هو مجرد ابنٍ لله مثلما يؤمن المورمون وشهود يهوه وآخرون. ولا هو الشخصية التي يحاول «الموفِّقون بين الديانات» أن يختلقوها. لكنه الكلمة الخالق، ويهوه قد ظهر في الجسد. لقد حاول «الهندوس» على سبيل المثال أن يعترفوا به ويضيفوه إلى بقية آلهتهم الأخرى الكثيرة. ولكن من المهم أن نتذكر أنه عندما واجه «يهوه» داجونَ صنمَ الوثنيين طرحه أرضاً (1صموئيل 5: 3 و4). وبذات القوة يجب أن يسقُط كلُّ إلهٍ من صُنع البشر أمام المسيح الذي هو الله الابن الأبدي مع الله الآب ومع الروح القدس.

وبمجرد أن نفهم أن المسيح هو الله، لا تبقى لدينا صعوبة في تصديق ولادته العجيبة، ومعجزاته الكثيرة، وموته الفدائي، وقيامته الظافرة، وصعوده العجيب إلى السماء، التي منها ننتظر عودته ثانية إلى أرضنا في قوة ومجد.

ينقسم العالم حول شخص المسيح إلى عائلتين أساسيتين. وقد قال المسيح: «لَوْ كَانَ ٱللّٰهُ أَبَاكُمْ لَكُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي، لأَنِّي خَرَجْتُ مِنْ قِبَلِ ٱللّٰهِ وَأَتَيْتُ. لأَنِّي لَمْ آتِ مِنْ نَفْسِي، بَلْ ذَاكَ أَرْسَلَنِي. لِمَاذَا لا تَفْهَمُونَ كَلامِي؟ لأَنَّكُمْ لا تَقْدِرُونَ أَنْ تَسْمَعُوا قَوْلِي. أَنْتُمْ مِنْ أَبٍ هُوَ إِبْلِيسُ، وَشَهَوَاتِ أَبِيكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَعْمَلُوا. ذَاكَ كَانَ قَتَّالاً لِلنَّاسِ مِنَ ٱلْبَدْءِ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي ٱلْحَقِّ لأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حَقٌّ. مَتَى تَكَلَّمَ بِٱلْكَذِبِ فَإِنَّمَا يَتَكَلَّمُ مِمَّا لَهُ، لأَنَّهُ كَذَّابٌ وَأَبُو ٱلْكَذَّابِ»(يوحنا 8: 42-44).

من الغريب أنه كما أن هناك إخوة من المؤمنين أبوهم هو الله. هناك إخوة من البشر أبوهم هو الشيطان! لا ينتمي كل إنسانٍ لله. هناك عائلة الله وعائلة إبليس. ولا يوجد إلا هذين البديلين الأبديين المتاحَيْن لك ولي.

مهما كان إيمانك عن الله مُخْلصاً، فيمكن أن تكون مخطئاً، ولو أنك مُخْلص! ولن يقبل الله القول: «لا يهم ما يؤمن الإنسان به ما دام مُخْلصاً في إيمانه» فقد تتجرع سُماً معتقداً بإخلاص أنه دواء، لكنك رغم إخلاصك ستقتل نفسك.

قلنا إن الجنس البشري ينقسم إلى عائلتين، ينتمي كلّ شخصٍ في العالم إلى واحدةٍ منهما. ومن المهم جداً أن تعرف إلى أيّ عائلةٍ منهما تنتمي. وأول خطوة لتصبح عضواً في عائلة الله هي أن تفهم من هو الله، وتتّخذ الموقف الصائب من المسيح.

الاسم «يسوع» يعني «يهوه هو خلاص». هكذا قال الملاك ليوسف: «تَدْعُو ٱسْمَهُ يَسُوعَ، لأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ»(متى 1: 21).

وقفة للتفكير

  1. ما دمت مُخْلصاً، فهل يكون اعتقادك في الله غير ذي أهمية؟

  2. ما هو السبب الرئيسي الذي يُحدث الفرق بين الناس؟ هل هو سياسي أم اقتصادي أم عائلي أم صناعي؟ أو هل هو فرق روحي أبدي؟

  3. ذكر المسيح عائلتين: إلى أي منهما تريد أن تنتمي؟

«معرفة الله الخلاصية تمتد إلى كل موقف، مهما كانت حالة الفساد الأخلاقي» (دكتور أرنولد)

الفصل الخامس: ما هي المشكلة الحقيقية؟

مع بداية هذا القرن كان كثيرون في غاية التفاؤل بخصوص مستقبل العالم، لأنهم ظنّوا أن العالم سيدخل عصراً ذهبياً من السلام والرفاهية. واعتقد كثيرون أن كل البلدان سترى بركات هذه الحقبة الجديدة، حتى في البلاد التي أحدث فيها الجهل والمرض والفقر معاناة هائلة. ولكن في سنة 1914 دوت صفارات الإنذار تعلن حرباً طاحنة في أوروبا! واليوم، بالرغم من الطفرات العلمية الفائقة التي نشهدها، لا يتكلم الناس عن غدٍ لامع، لكنك تجد الملايين في قلق بسبب قدرة مخازن الأسلحة النووية على تدمير العالم كله في لحظات. ويقول المراقبون السياسيون العارفون إنه بسبب المشاكل العالمية والقومية المعقدة فإن العالم اليوم يعيش أكثر سنواته حَرجاً وخطورة في تاريخ البشرية.

فما هو الخطأ؟

في محاولةٍ للإجابة على هذا السؤال يجتمع قادة العالم البارزون ليتناقشوا في أروقة الأمم المتحدة. وبينما هم يُنصتون لنظريات وافتراضات وآراء، ينتقل العالم من أزمة إلى أخرى. وبالرغم من أن مقداراً عظيماً من الطاقة والنفقات والمناقشات مستمر، إلا أن أحداً لا يبدو قادراً على تغيير الاتجاه الذي يسير إليه العالم. كما أن علماء وأطباء ورجال أعمال مرموقين يقدِّمون نصائحهم لإصلاح العالم، دون فائدة!

ومن النادر، إن لم يكن من المستحيل، أن نجد بين هؤلاء السياسيين الكبار من يرجع إلى ما قاله الله عن مشكلة الإنسان الفعلية. مع أن المعلومات الأوَّلية في الكتاب المقدس يمكن أن تمدّ يد العون لهؤلاء السياسيين. ولأننا يجب أن نعرف المشكلة الأساسية قبل أن نوجِد لها الحل، فإن الله في محبته أعلن لنا أولاً أسباب مشكلتنا.

عندما خلق الله الإنسان قال: «نَعْمَلُ ٱلإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا»(تكوين 1: 26). وربما تسأل: «كيف خُلق الإنسان على صورة الله؟». بالطبع لا يعني هذا تشابهاً طبيعياً جسمانياً، لأن «اَللّٰهُ رُوحٌ» (يوحنا 4: 24) ليس له جسد مثلنا، وهو «سَاكِنٌ فِي نُورٍ لا يُدْنَى مِنْهُ، ٱلَّذِي لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلا يَقْدِرُ أَنْ يَرَاهُ» (1تيموثاوس 6: 16). ولم يحدث أن رأينا إنساناً بدون جسد.. فلا بد أن يكون في الناس ما هو أعظم من مجرد أجسادهم التي يعيشون فيها. إنها أرواحهم الخالدة. ولن يجد الإنسان المعنى الحقيقي لحياته إلا عندما يسلّم نفسه وروحه لله في خضوع وحب وطاعة.

يوضح الكتاب المقدس إن لله عقلاً وعواطف وإرادة، وهكذا خُلق الإنسان على صورة الله. ولأنه هو الله الذي خلق الإنسان فإن تفكيره وعواطفه وإرادته هي لا نهائية بلا حدود. فهذه هي طبيعته. ولكن الإنسان مهما كان عظيماً فهو محدود. حتى أينشتين العلاّمة له عقل محدود. ليس هناك إنسان يعرف كل شيء، ويحب بلا حدود. وليست إرادة الإنسان هي التي تسيّر الكون. وليس الإنسان سيد مصيره ولا هو قائد نفسه.

ومع ذلك فشخصية الإنسان لها قدرة على المعرفة الروحية، وهو يقدر أن يعيش في أُنسٍ مع الله. والإنسان روح ونفس وجسد (1تسالونيكي 5: 23). بروحه يقدر أن يتصل اتصالاً وثيقاً بخالقه، وبجسده ونفسه يقدر أن يتصل بالعالم المادي. ويضع الكتاب المقدس التنبير الأول على الروح، والثاني على النفس، والثالث على الجسد. وسنُحسن التصرُّف كلما راعينا هذا.

وما دام الإنسان يعطي الروح موضع الاهتمام الأول، والنفس ثانياً والجسد ثالثاً، يبقى كل شيء على ما يرام! ولكن خطأً يصيب تفكير الكثيرين فيعكسون الترتيب، ويعطون الجسد الأولوية الأولى، ويعطون نفوسهم المرتبة الثانية، وأخيراً تجيء أرواحهم! ولذلك تجد الرغبات الطبيعية والمادية والحسيَّة مسيطرة على تفكير وحديث وأمزجة كثيرين، بينما طاقاتهم الروحية ترقد خامدة أو ميتة. وبدل أن يسمحوا لله أن يُغني شخصياتهم التي خلقها ويسيطر عليها، يستبعدونه من حياتهم، فيضلّون لأنهم يفقدون الاتصال بخالقهم. والإنسان الذي يتغافل الله ويعيش بعيداً عنه هو إنسان ميت روحياً. أما الذي يتمتع بعلاقة فعلية معه فهو الإنسان الحي بالحق والتمام، لأن «اَللّٰهَ ٱلَّذِي هُوَ غَنِيٌّ فِي ٱلرَّحْمَةِ، مِنْ أَجْلِ مَحَبَّتِهِ ٱلْكَثِيرَةِ ٱلَّتِي أَحَبَّنَا بِهَا، وَنَحْنُ أَمْوَاتٌ بِٱلْخَطَايَا أَحْيَانَا مَعَ ٱلْمَسِيحِ» (أفسس 2: 4 و5).

بدأت مشكلات هذا العالم من إرادة الإنسان. فقد خلقنا الله أصحاب إرادة حرة، ولم يخلقنا دُمى يحرِّكها من على بُعد، وسمح لنا أن نتصرف كما نختار. ولكن مع هذه الإرادة الحرَّة تجيء مسؤوليتنا عن القرارات التي نتَّخذها.. كانت جنة عدن مليئة بالأشجار المثمرة، وأهمها شجرتان: «شَجَرَةَ ٱلْحَيَاةِ» والأخرى «شَجَرَةَ مَعْرِفَةِ ٱلْخَيْرِ وَٱلشَّرِّ» (تكوين 2: 9). ولأن الله احترم إرادة آدم وحواء فقد أعطاهما الفرصة أن يأكلا من شجرة الحياة، ولم يمنعهما إلا عن الأكل من شجرة معرفة الخير والشر. وللأسف اختارا أن يأكلا من الشجرة الممنوعة! كان القرار قرارهما وحدهما، فقد كانت لديهما الحرية الكاملة ليختارا ما يأكلان. كان لهما الحق أن يختارا طاعة الله من عدمها. لو كانا قد أكلا من شجرة الحياة لكانا قد أعطيا الجنس البشري بُعداً جديداً من الحياة مع الله. لكنهما للأسف تمرّدا ضد الأصلح لهما ولنا من بعدهما. وسمح الله لهما أن يختارا ما يريدان، وهو عالمٌ بالمجد الذي سيُتاح بعد ذلك لآخرين يتَّخذون الاختيار الصحيح.

واستخدم الشيطانُ الكذّاب قدرته في الإقناع ليجرب آدم وحواء ليتَّخذا القرار الخطأ، فأضفى بكلامه سحراً على الثمرة المحرَّمة، واقترح أنهما لو أكلا منها سيصيران مثل الله. ولا زال الشيطان يقترح على الإنسان أن يصبح إله نفسه وقائد مسيرة حياته. ولكن سيبقى الله هو الله، لا يُنقِص من جلاله شيء، وسيبقى الإنسان إنساناً لا يقدر أن يزيد على قامته ذراعاً واحدة!

أغوى الشيطان آدم وحواء ليستخدما إرادتيهما ضد إرادة الله. ونتيجة لذلك انقطع كل البشر عن الشركة الحية الشخصية الوثيقة مع الخالق، لأن الكل ساروا في إثر خطوات آدم. «بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ ٱلْخَطِيَّةُ إِلَى ٱلْعَالَمِ، وَبِٱلْخَطِيَّةِ ٱلْمَوْتُ، وَهٰكَذَا ٱجْتَازَ ٱلْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ ٱلنَّاسِ، إِذْ أَخْطَأَ ٱلْجَمِيعُ» (رومية 5: 12).

كل مدفن وكل مستشفى وكل جيش وكل سجن عرفه العالم، هو نتيجة اختيار خاطئ اتَّخذه إنسان. لقد أصاب هذا الوبأُ الوراثيُّ المميتُ الجنسَ البشريَّ كله. يكفي أن تنظر حولك لتتحقَّق من صِدق ذلك. ولم تقطع الخطية شركة الإنسان الحقيقية مع الله فحسب، بل أيضاً فصلته عن أخيه الإنسان.

أنت وأنا خطاة بالولادة وأيضاً خطاة بالفعل. لقد ضلَّ آدم فضلَّت ذريته! وعبَّر نبيُّ الله داود عن هذه الحقيقة في مزمور اعترافه المشهور، بعد أن اغتصب نعجة جاره، فقال: «بِٱلإِثْمِ صُوِّرْتُ وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي» (مزمور 51: 5). لكن هذا ليس عذراً لأعمال الخطية التي ارتكبناها. فالكتاب المقدس يقرر أننا: «أَبْنَاءِ ٱلْمَعْصِيَةِ عَامِلِينَ مَشِيئَاتِ ٱلْجَسَدِ وَٱلأَفْكَارِ، وَكُنَّا بِٱلطَّبِيعَةِ أَبْنَاءَ ٱلْغَضَبِ كَٱلْبَاقِينَ أَيْضاً»(أفسس 2: 2 و3). إننا مذنبون أمام الله في ما ارتكبناه، ولا يمكن أن نلقي اللوم على زوجة ولا صديق ولا والد ولا حتى على البيئة التي نعيش فيها. كلنا مسؤول عن خطيته، وخطية كل واحد منا هي السبب الفعلي في كل ما نراه حولنا من العدوانية والأنانية. كلنا خطاة، يتساوى في ذلك الملحد والمؤمن، اليهودي والعربي، أهل العالم الثالث وأهل العالم الصناعي، الشيوعي والرأسمالي رجل الشرطة والمجرم. «ٱلْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ ٱللّٰهِ» (رومية 3: 23). والخطية هي السبب الأساسي لكل التوتُّرات بين الناس. والمسيح وحده هو رجاء الخاطئ، فهو القائل: «لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَاراً بَلْ خُطَاةً إِلَى ٱلتَّوْبَةِ» (متى 9: 13). وكلمة «خطية» تعني: عدم إصابة الهدف. ويستوي الأمر إذا لم تُصب الهدف بمسافة كبيرة أم صغيرة! فأنت وأنا لم نُصب هدف حياتنا، وهو الوصول إلى القداسة التي يطلبها الله منا. ونحن عاجزون من تلقاء أنفسنا أن نعمل شيئاً يصحِّح ذلك. ولا فائدة من أن تظن أنك ستجد سلاماً مع الله بأن تكون صالحاً أو أن تفعل الصلاح، فإنه: «لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاحاً لَيْسَ وَلا وَاحِدٌ. كَمَا هُوَ مَكْتوبٌ: «أَنَّهُ لَيْسَ بَارٌّ وَلا وَاحِدٌ» (رومية 3: 10 و12).

وفهمنا الحقيقي لرحمة الله هو الذي سيبعث في نفوسنا الأمل، فكلنا مقيّدون بسلاسل خطايانا، لكن الله «غني في الرحمة» (أفسس 2: 4) وفي رحمته يريد أن يمنحك عطيته المجانية إن طلبتها «لأَنَّكُمْ بِٱلنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِٱلإِيمَانِ، وَذٰلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ ٱللّٰهِ» (أفسس 2 8). وبهذه العطية المجانية فتح المسيح الباب للخاطئ ليدخل إلى حضرة الله القدوس.

مرة أخرى أتاح الله، إله الرحمة، ثمار «شجرة الحياة» مجاناً ليتمتع الناس بها. ولكن لأنه أعطاك إرادة حرة، فهو لا يجبرك على أن تأكل. واستجابتك لعرض عطية الله المجانية هو أمر مُلّح وعاجل. يقول الرب: «هُوَذَا ٱلآنَ وَقْتٌ مَقْبُولٌ. هُوَذَا ٱلآنَ يَوْمُ خَلاصٍ»(2كورنثوس 6: 2). الآن، وليس في وقتٍ ما في المستقبل. لا تحاول أن تصلح أمورك بنفسك، لكن تذكَّر أن المسيح قال: «لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَاراً بَلْ خُطَاةً إِلَى ٱلتَّوْبَةِ» (متى 9: 13).

يجب أن تكون أميناً مع نفسك من جهة أكبر مشكلة تواجهك الآن، وهي مشكلة الخطية. وهذه الأمانة الشخصية هي أول خطوة لحلِّها. إن ذراعي المسيح مفتوحتان لاستقبالك اليوم، أينما توجد، ومهما كانت حالتك. إنه يريد أن يسمع منك الآن صلاتك: «ٱللّٰهُمَّ ٱرْحَمْنِي أَنَا ٱلْخَاطِئَ»(لوقا 18: 13).

وقفة للتفكير

  1. هل تشعر اليوم أن هناك خطأ مؤسفاً في المجتمع؟

  2. عندما تكون مريضاً، هل سيكون تشخيص الطبيب للمرض قبل وصف العلاج لك أمراً حيوياً؟

  3. كيف يشخِّص الكتاب المقدس مشكلتك؟ وما هو العلاج الذي تقترحه أنت لحلّها؟

«وَكَانَ قَبْلاً فِي ٱلْمَدِينَةِ رَجُلٌ ٱسْمُهُ سِيمُونُ، يَسْتَعْمِلُ ٱلسِّحْرَ وَيُدْهِشُ شَعْبَ ٱلسَّامِرَةِ، قَائِلاً: «إِنَّهُ شَيْءٌ عَظِيمٌ!». وَكَانَ ٱلْجَمِيعُ يَتْبَعُونَهُ مِنَ ٱلصَّغِيرِ إِلَى ٱلْكَبِيرِ قَائِلِينَ: «هٰذَا هُوَ قُوَّةُ ٱللّٰهِ ٱلْعَظِيمَةُ» (أعمال الرسل 8: 9 و10).

الفصل السادس: لماذا يظل الناس مخدوعين هكذا؟

عشتُ كصبي في بريطانيا. وكانت قاذفات القنابل الألمانية تطير فوق منطقتنا في طريقها إلى أهدافها في منطقة شمال إنجلترا الصناعية. ولقد تعلمنا أنا وأصدقائي أن نميّز بين أزيز قاذفة قنابل العدو وزئير طائراتنا المحاربة. وعندما كنا نرى الأضواء الكاشفة تنير طائرة العدو في السماء كنا نصل إلى قمة الإثارة، لأننا كنا نعرف أن قاذفة العدو ستسقط نتيجة إصابتها من مدفع أرضي أو من طلقة من طائرة «دوج فايت» محلِّقة في الجو. ومع سقوط طائرة للعدو كان هناك دائماً احتمال أن بعض طياريها قد يهبطون بالمظلات الجوية. وأرادت السلطات البريطانية أن تصعِّب عليهم الهروب، حتى لا يعودوا في قاذفات أخرى محمَّلة بالقنابل، فنزعت كل علامات الطرق عند التقاطعات، حتى لم تبقَ أية علامة أو لافتة.

ومع ذلك فقد علمنا نحن الصبيان أن خارج المدينة، في «غابات ووتن» ما زالت هناك علامة طريق صغيرة باقية على تقاطع غير مهم، فأدرناها لتشير نحو الاتجاه الخطأ، ونحن نحسب أننا بعملنا هذا نساعد المجهود الحربي. كنا مثل السلطات، نريد أن نحيِّر هؤلاء الضيوف الذين لا نرحب بهم على شواطئنا.

بالطبع لو أن شخصاً أمسك بخريطة، لَمَا سبَّب له غياب علامات الطريق أية مشكلة. حتى عملنا الصبياني بتدوير علامة الطريق ما كان يمكن أن يحيِّر العدو، إلا إذا اختار العدو أن يتجاهل المعلومات على خريطته.

ولقد حذّرنا الله من أن الشيطان سيحاول أن يخدع كل من يبحث عنه، وذلك بتزييف الحقائق. وكل من يتجاهل حقيقة أن وجود هذا الكون العجيب يشير إلى الله خالقه، ستصيبه الحيرة «وَبَيْنَمَا هُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ حُكَمَاءُ صَارُوا جُهَلاءَ... وَكَمَا لَمْ يَسْتَحْسِنُوا أَنْ يُبْقُوا ٱللّٰهَ فِي مَعْرِفَتِهِمْ، أَسْلَمَهُمُ ٱللّٰهُ إِلَى ذِهْنٍ مَرْفُوضٍ» (رومية 1: 22 و28). والعقل المرفوض هو المخدوع الذي يعبد الأعمال المخلوقة دون الخالق. أما صاحب «الذهن المقبول» فيعبد خالقه. فإن رفضت أن تؤمن أن الله خلق الكون، يُسلِمك إلى ذهن مرفوض، فتظن الظنون الخاطئة حول خلق الكون! ويحذِّر الله الذين يرفضون كلمته من أنهم يسيرون في طريق ضلال يقود إلى الخراب. وكل الذين لا يحبون كلمة الله ينزلقون في مخاطر «لأَنَّهُمْ لَمْ يَقْبَلُوا مَحَبَّةَ ٱلْحَقِّ حَتَّى يَخْلُصُوا. وَلأَجْلِ هٰذَا سَيُرْسِلُ إِلَيْهِمُ ٱللّٰهُ عَمَلَ ٱلضَّلالِ، حَتَّى يُصَدِّقُوا ٱلْكَذِبَ» (2تسالونيكي 2: 10 و11). وكل من يتجاهل الحق أو يرفضه يتبع الزيف باختياره.

أتذكر جيداً محاولتي أن أجد طريقي للبيت خلال ضباب لندن الكثيف، عندما كان مجرد وصولي إلى حدّ الطريق يتطلب كل معونة ممكنة. وكان ضوء مصباحي الكشاف لا يكشف لي أكثر من مسافة ذراع واحد! ويحذرنا الله من الضباب الفكري الذي يحجب عنا الرؤية الصحيحة، وبالأسف فإن هذا ما سيصاحب نهاية نظامنا الحاضر على كوكب الأرض، لأن الناس سيرفضون حق كلمة الله. لقد سأل التلاميذ المسيح: «مَا هِيَ عَلامَةُ مَجِيئِكَ وَٱنْقِضَاءِ ٱلدَّهْرِ؟»(متى 24: 3). فأجاب: «سَيَقُومُ مُسَحَاءُ كَذَبَةٌ وَأَنْبِيَاءُ كَذَبَةٌ وَيُعْطُونَ آيَاتٍ عَظِيمَةً وَعَجَائِبَ، حَتَّى يُضِلُّوا لَوْ أَمْكَنَ ٱلْمُخْتَارِينَ أَيْضاً» (متى 24: 24).

وربما تقول: «لستُ مخدوعاً». وربما تفتخر بأنك تستطيع أن تميز المخلِّص المزيف والنبي الكذاب بسهولة. لكن ما لم تكن تحب الحق، فإنك ستنخدع دون أن تكون واعياً لذلك.

هناك نوعان من الناس يقاومون الحق عندما يقرأون الكتاب المقدس، أحدهما هو الذي يفتخر بفكره ويبدو مكتفياً بذاته. والآخر هو الذي يعصى الله أخلاقياً. أما كل من يريد أن يفعل مشيئة الله، فقد وعده المسيح بقوله: «إِنْ شَاءَ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَلَ مَشِيئَتَهُ يَعْرِفُ ٱلتَّعْلِيمَ»(يوحنا 7: 17). فإن كنت فعلاً تريد أن تفعل مشيئة الله فلتطمئن أنه من خلال الكتاب المقدس سيعلّمك الله ما يجب أن تقبله وما يجب أن ترفضه من تعاليم ومن تصرفات. ويجب أن نحترس من المعلّمين الكذَبة الذين لا يعلّمون كلمة الله الصادقة، ويخدعون الناس ليصدّقوا الكذب ويمارسوا الخطأ!

وفي جيلنا هذا ظهر بعض وكلاء الشيطان الذين يقودون الناس إلى تعاليم الضلال عن الله، فهم ينكرون الله الآب والله الابن والله الروح القدس. الثلاثة في واحد والواحد في ثلاثة. ويستشهدون بآيات من الكتاب المقدس معزولة عن سياق النص الكتابي، ليضللوا المستمع. ويمكن بسهولة أن نكتشف الكذب من الضلال عندما نسأل: «من هو المسيح؟» فإذا أتتك الإجابة أنه الله الذي ظهر في الجسد، وأنه مات مصلوباً ليخلِّصنا من خطايانا، ثم قام في اليوم الثالث من الأموات، وصعد للسماء، وهو آتٍ ثانية ليدين الأحياء والأموات، وهو الطريق والحق والحياة، ولا يأتي أحدٌ إلى الآب إلا به (يوحنا 14: 6) يكون صاحب الإجابة من عند الله. أما إذا أتتك إجابة غير قاطعة عن من هو المسيح، فإن صاحبها ليس من عند الله.

واليوم نرى نمواً خطيراً في الديانات الكبرى التي تنكر الله كما يعلنه الكتاب المقدس، وهناك مجموعات هندوسية مختلفة تجذب الناس في شكل تأملي تيهاني، أو في أحد أشكال الشعوذات مثل اليوجا وتعذيب الجسد. هذه تتعبَّد لآلهة مخلوقة، ولكنها لا تعبد إله الخليقة!

وهناك من ينكرون ألوهية المسيح وصليبه، ويرفضون التثليث والفداء، محاولين أن يحققوا هدفاً كبيراً، هو نشر معتقداتهم، الأمر الذي كان يبدو حتى وقت قريب أنه مستحيل! هؤلاء ينكرون البشارة المفرحة: «لأَنَّهُ هٰكَذَا أَحَبَّ ٱللّٰهُ ٱلْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ٱبْنَهُ ٱلْوَحِيدَ، لِكَيْ لا يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ ٱلْحَيَاةُ ٱلأَبَدِيَّةُ» (يوحنا 3: 16).

وليست الخديعة الروحية شيئاً جديداً على العالم الديني، فهناك من ينادون بفلسفة إنسانية تعلن أن الإنسان هو مركز الكون، وأن الهدف الأعلى للمجتمع هو تطوُّر الإنسان، وشعارهم: «انغمِس فيما تحبه لنفسك» وهو الشعار المعروف في عالم الدعاية والإعلان. وهذه ليست بالفلسفة الجديدة كما يظن البعض، فقد قال الوحي: «عَبَدُوا ٱلْمَخْلُوقَ دُونَ ٱلْخَالِقِ» (رومية 1: 25). ويسأل الله أصحاب الفلسفات الإنسانية: «أَيْنَ كُنْتَ حِينَ أَسَّسْتُ ٱلأَرْضَ؟ أَخْبِرْ إِنْ كَانَ عِنْدَكَ فَهْمٌ» (أيوب 38: 4). لكنها القصة القديمة عندما قال الشيطان لأبوينا الأوَّلين، مفترضاً أن المستحيل ممكن: «تَكُونَانِ كَٱللّٰهِ»(تكوين 3: 5). وحتى يومنا هذا يكمل الشيطان خداعه للبشر من خلال تعاليم الإنسانية العالمية الخادعة.

وربما تكون شاباً عصرياً لا يهمُّك الموقف السياسي أو الديني. فبالنسبة لك الساسة هم محل شك، والدين كلام فارغ! وربما تفضِّل أن تلحق برفقائك لتفتشوا عن مكان آخر لتحقيق الذات، حيث الموسيقى الصاخبة التي تسحب الإنسان من وجوده الذي لا قيمة له إلى عالم من العنف المزيَّف، حيث يشجع الشباب أنفسهم على تدمير الذات وتدمير أنفسهم. ولاشك أنك تعرف الكلمة التي تسمعها وترقص لها، فهي مزيج شيطاني من الجنس والتلذُّذ بتعذيب الآخرين. هناك يحطم الشباب أنفسهم ويحطمون بعضهم البعض.

لقد تبع الملايين علامات خاطئة، والآن وهم عند النهاية صار الوقت متأخراً جداً على تغييرهم. وقد رأيت في مدينة لوس أنجلس ثلاجة أموات فيها 600 جثة لشباب مجهولي الهُويَّة، يبقون في الثلاجة ثلاثة شهور لعل أحداً يتعرَّف عليهم، وسيُدفن معظمهم في مقابر الفقراء المجهولين. ومعظم هؤلاء ضحايا المخدرات التي حاولوا بها أن يهربوا من بؤسهم ومتاعبهم، فتبعوا النصائح الخاطئة. يا ليتهم سمعوا والتفتوا إلى كلمات المسيح الذي قال: «أَتَيْتُ لِتَكُونَ لَهُمْ حَيَاةٌ وَلِيَكُونَ لَهُمْ أَفْضَلُ»(يوحنا 10: 10).

وبالإضافة إلى كل هذه الفوضى تأتي ظاهرة الاهتمام المتزايد ب «الفنون السوداء» وأعمال السحر والشعوذة التي انتشرت كما كانت منتشرة في العصور المظلمة، مع أننا اليوم نعيش في ما نسميه «عصر التنوُّر العلمي». وهناك أعداد متزايدة من عبدة الشيطان الذين يجتمعون ليحتفلوا ب «القدَّاس الأسود» ويمارسون عبادة الأجداد المأخوذة من أفريقيا. وكل هذه بالطبع نتيجة فضول روحي سطحي، يتحوَّل أصحابها عن نور الله إلى ظلمة السحر والشعوذة ليحصلوا على نوع من الاكتفاء الروحي المزيف والفارغ. ولقد حذَّرنا المسيح من الأنبياء الكذبة والآيات والعجائب المزيفة التي يمكن أن يقوموا بها ليج