أمثال المسيح |
-
الجزء الأول طبيعة ملكوت الله
- هذا الكتاب
- مقدمة
- 1 - الملكوت انتقال إلى حالة جديدة
- (أ) الملكوت حياة جديدة مثلا الرُّقعة والزِّقاق
- (ب) الملكوت تعليم جديد مَثل الكاتب المتعلم
- (ج) دعوتان واستجابتان مَثَل الأولاد الذين يلعبون في السوق
- 2 - تشبيهات لملكوت الله
- (أ) أراضي الملكوت مثل الزارع
- (ب) أعداء الملكوت مثلا الزوان وسط الحنطة والشبكة في البحر
- (ج) نمو الملكوت مثل البذور التي تنمو سراً
- (د) قوة الملكوت مثلا حبة الخردل والخميرة
- (هـ) عظمة قيمة الملكوت مثلا الكنز المخفى واللؤلؤة الثمينة
- 3 - الآب يطلب أبناء لملكوته
- (أ) التفتيش عن الضال مثلا الخروف الضائع والدرهم المفقود
- (ب) انتظار عودة الضال مثل الابنين الأكبر والأصغر
-
الجزء الثاني امتياز أبناء ملكوت الله
- 1 - امتياز غفران الخطايا مثل المديونَين
- 2 - امتياز سكنى المسيح مثل البيت العامر بالمسيح
- 3 - امتياز الحياة ذات التحدِّيات مثلا البرج المُكمَل والملك المستعد للحرب
- 4 - امتياز الحكمة مثل البنّاء الحكيم
- 5 - امتياز الثمر مثل شجرة التين
- 6 - امتياز الصلاة مثلا صديق نصف الليل والأرملة المُلحَّة
- 7 - امتياز الفرح مثل العشاء العظيم
- 8 - امتياز المجازاة
- (أ) المجازاة للجميع مثل العاملين في ساعات مختلفة
- (ب) المجازاة للساهرين مثل العذارى الحكيمات
- (ج) المجازاة للعاملين مثل الوزنات
-
الجزء الثالث مسؤوليات أبناء ملكوت الله
- 1 - ضرورة العمل
- (أ) العمل واجب مثَل العبد العامل
- (ب) الجميع يعملون مثل السامري الصالح
- (ج) الأبناء يعملون مثل الابنين
- (د) العاملون يعملون مثل الكرامين الأردياء
- 2 - ضرورة التواضع
- (أ) تواضع الاعتراف مثَل الفريسي والعشار
- (ب) تواضع السلوك مثل المتكأ الأخير
- 3 - ضرورة الغفران مثل العبد الذي لم يرحم
- 4 - ضرورة الأمانة
- (أ) الأمانة للنفس مثل الغني الغبي
- (ب) الأمانة للرؤساء مثل الوكيل الظالم
- (ج) الأمانة للمحتاجين مثل الغني ولعازر
الجزء الأول طبيعة ملكوت الله | ||
هذا الكتاب | ||
دراسة أمثال المسيح دراسة ممتعة، تنقلنا من واقع الحياة إلى السماويات، ببساطة وعُمق، فالمسيح هو «الراوي الأعظم» صاحب الأسلوب السهل الممتنع، الذي لا يفقد طلاوته مهما نُقل إلى مختلف اللغات، أو انتشر في كل الحضارات، لأن المبادئ الروحية في تعليمه هي الأساس.
وأمثال المسيح بالغة الإعجاز في توضيح كيفية انتشار ملكوت الله في العالم، وفي وصف السعادة التي يحصل عليها الإنسان الذي يُملِّك الله على حياته، وفي شرح نوعية حياة الإنسان الذي ينتمي إلى ملكوت الله.
ولقد اخترت من أمثال المسيح سبعة وثلاثين مثلاً، قدَّمتها بحسب موضوعاتها، فبدأتُ بخمسة عشر مثلاً تشرح طبيعة ملكوت الله، وأتبعتها باثني عشر مثلاً تتحدث عن امتيازات أبناء ملكوت الله، ثم ختمت بعشرة أمثال عن مسؤوليات أبناء ملكوت الله.
وكل ما يرجوه الكاتب هو أن يدرك القارئ روعة الحياة التي يجدها كل من ينتمي إلى ملكوت الله، وتكون كلمات المسيح دستور حياته، وطاعة الله أقصى أمانيه.
مقدمة | ||
تميَّز تعليم المسيح برواية الأمثال «وَبِدُونِ مَثَلٍ لَمْ يَكُنْ يُكَلِّمُهُمْ» (مرقس 4: 34). والمثل قصة أرضية تعبِّر عن حقائق أوحى الله بها، فهو يشبه مسكناً على الأرض وقد فُتحت نافذته نحو السماء. وما أن تقول «أمثال المسيح» حتى تتذكَّر أروع القصص من وقائع الحياة العادية. ولا غرابة، فالمسيح هو «كلمة الله» المتجسِّد، الذي شارك الناس في أحداث حياتهم اليومية.. عندما ولدته العذراء القديسة مريم أضجعته في مذود، وزاره في مهده رعاةُ الأغنام البسطاء، وعاش في الناصرة لا في عاصمة البلاد، وكسب عيشه من أعمال النجارة، واختار تلاميذه من الصيادين البسطاء. غير أنه كان صاحب رسالة محبة الله للبشر جميعاً على اختلاف نوعياتهم ومعتقداتهم، فهو «الكلمة» والمتكلم، وهو الرسالة والرسول والرسالة. وقد جاء إلى العالم برسالة واضحة قوية عن محبة الله، وعدالته، وأعلن هذه الرسالة بطريقة واضحة قوية جذابة، حتى «بُهِتَتِ ٱلْجُمُوعُ مِنْ تَعْلِيمِهِ، لأَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ كَمَنْ لَهُ سُلْطَانٌ وَلَيْسَ كَٱلْكَتَبَةِ» (متى 7: 28 و29).وكانت الأمثال إحدى طرق تعليمه الجذابة.
وتصوِّر الأمثال التي ضربها المسيح حالاتٍ من واقع حياة الناس، ولذلك نطلق عليه «الراوي الأعظم» فهو الذي يُرينا أباً يفيض قلبه حباً وشوقاً إلى ابن ضال نادم راجع من البلد البعيد إلى الأحضان الأبوبة المنتظرة، الواثقة أنه لا بد راجع (لوقا 15: 20)، ويرينا راعي أغنام منحنٍ على طرف هاوية ليرفع حمَلاً له سقط في حفرة (لوقا 15: 4)، ويرينا جريحاً وقع بين اللصوص يسعفه مسافر يختلف عنه في الوطن والدين (لوقا 10: 33). وتنقلنا أمثال المسيح لنرى فلاحاً يبذر بذوره (متى 13: 3) أو يحرث بمحراثه (لوقا 7 :17)،وصياداً يلقي شباكه (متى 13: 48)، وأرملة تستنجد بقاضٍ مرتشٍ (لوقا 18: 3)، وبنّاء يبني قلعة (لوقا 14: 28)، وملكاً يتّجه بجيشه لأرض المعركة (لوقا 14: 31). ولمس المسيح في أمثاله الحياة العائلية كما في مثَل الابنين (متى 21: 28-31)، والحياة الزراعية كما في مثَل التينة غير المثمرة (لوقا 13: 6-9) والحياة التجارية كما في مثَل الوزنات (متى 25: 14-30)، والحياة السياسية كما في مثَل الملك الذي طلب حكماً فانقلب شعبه عليه أثناء سفره (لوقا 19: 11-27).
ولم يكن المسيح أول من استخدم أسلوب التعليم بأمثال، فقد سبقه أنبياء العهد القديم وغيرهم في ذلك. ولكن أمثال المسيح تخلو من القصص الخرافية، وحديث الأشجار والحيوانات، فهو «الطريق والحق والحياة» الذي أعلن الأخبار المفرحة الحقيقية بأسلوب تعامل الله الحقيقي مع البشر, فجاءت أمثاله واقعية تحمل دروس الأبد لكل بشرٍ في كل زمن وفي كل مكان، فقد قال «ٱَلْكَلاَمُ ٱٰلَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ هُوَ رُوحٌ وَحَيَاةٌ» (يوحنا 6: 63).
لماذا علَّم المسيح بأمثال؟
قبل أن يبدأ المسيح التعليم بالأمثال كان قد وعظ تعليماً صريحاً وقال لمفلوجٍ شفاه: «مغفورة لك خطاياك» (مرقس 2: 9)، ودخل بيوت الخطاة وأكل معهم (مرقس 2: 16)، وشفى صاحب يدٍ يابسة يوم سبتٍ، فرفضه قادة بني إسرائيل وتشاوروا معاً على قتله (مرقس 3: 6)، فغيَّر المسيح طريقة تعليمه إلى الأمثال التي يفهمها البسطاء الراغبون في التعلُّم، لأنهم سيسألون عن معناها. أما الرافضون فسيظنون أن المسيح يضرب أمثالاً، أو يروي حكايات، فيتوقَّفون عن مقاومته، ويتركونه يعظ الجموع الراغبة في المعرفة. ويتَّضح لنا هذا من أنه عندما روى أول أمثاله، وهو مثل الزارع، سأله تلاميذه: «لماذا تكلمهم بأمثال؟» فأجاب: «قَدْ أُعْطِيَ لَكُمْ أَنْ تَعْرِفُوا سِرَّ مَلَكُوتِ ٱللّٰهِ. وَأَمَّا ٱلَّذِينَ هُمْ مِنْ خَارِجٍ فَبِٱلأَمْثَالِ يَكُونُ لَهُمْ كُلُّ شَيْءٍ، لِكَيْ يُبْصِرُوا مُبْصِرِينَ وَلاَ يَنْظُرُوا، وَيَسْمَعُوا سَامِعِينَ وَلاَ يَفْهَمُوا» (مرقس 4: 11، 12). وختم مثل الزارع بقوله: «مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ فَلْيَسْمَعْ!» (مرقس 4: 9)
فالمثل يعطي الراغب في المعرفة مزيداً من المعرفة، لأنه سيفتش عن معناه. أما المشاغب الرافض فسينصرف عن المعنى الكامن في المثَل لأن قلبه مغلق، ولذلك قال المسيح: «فَإِنَّ مَنْ لَهُ (الرغبة في المعرفة) سَيُعْطَى وَيُزَادُ، وَأَمَّا مَنْ لَيْسَ لَهُ (هذه الرغبة) َٱلَّذِي عِنْدَهُ سَيُؤْخَذُ مِنْهُ» (متى 13: 12)
كيف نفسِّر الأمثال؟
عند تفسير الأمثال يجب أن نراعي ثلاثة قوانين:
-
يجب أن نعرف المناسبة التي روى فيها المسيح المثل، فنفسِّره في نور القصد الرئيسي من روايته. وتساعدنا مناسبة رواية المثل على إدراك المعنى الرئيسي المقصود منه.
-
ليس لكل تفاصيل المثل معاني روحية، فلا يجب أن نحمِّل النصَّ أكثر من جوهر التعليم، ولا أن نستقي منه استنتاجات فرعية لا ترتبط بالقرينة، ولا أن نستخرج من كل تفاصيل المثل دروساً. وقد نصحنا القديس يوحنا فم الذهب أن نأخذ المعنى الرئيسي من المثَل: «وألا نشغل نفوسنا كثيراً بالبقية». ففي مثَل السامري الصالح، يكفي أن نرى أن قريبي هو المحتاج لمساعدتي، مهما اختلف عني في الدين والجنسية، دون داعٍ لأن نتساءل عن المقصود بالحمار أو صاحب الفندق أو الدينارين.
-
لا يمكن أن يُؤخَذ المثل وحده أساساً لعقيدة دينية، بل يجب أن نقرن آيات الكتاب معاً قبل أن نكوِّن عقيدتنا (1كورنثوس 2: 13). وقد روى المسيح أمثاله للبسطاء الذين سمعوها بسرور لأنها لمست واقع حياتهم.
1 - الملكوت انتقال إلى حالة جديدة | ||
(أ) الملكوت حياة جديدة - مثلا الرقعة والزقاق (لوقا 5: 27-39)
(ب) الملكوت تعليم جديد - مثل الكاتب المتعلم (متى 13: 52)
(ج) دعوتان واستجابتان - مثل الأولاد اللاعبين (لوقا 7: 31-35)
(أ) الملكوت حياة جديدة مثلا الرُّقعة والزِّقاق | ||
|
27وَبَعْدَ هٰذَا خَرَجَ فَنَظَرَ عَشَّاراً ٱسْمُهُ لاَوِي جَالِساً عِنْدَ مَكَانِ ٱلْجِبَايَةِ، فَقَالَ لَهُ: ٱتْبَعْنِي. 28فَتَرَكَ كُلَّ شَيْءٍ وَقَامَ وَتَبِعَهُ. 29وَصَنَعَ لَهُ لاَوِي ضِيَافَةً كَبِيرَةً فِي بَيْتِهِ. وَٱلَّذِينَ كَانُوا مُتَّكِئِينَ مَعَهُمْ كَانُوا جَمْعاً كَثِيراً مِنْ عَشَّارِينَ وَآخَرِينَ. 30فَتَذَمَّرَ كَتَبَتُهُمْ وَٱلْفَرِّيسِيُّونَ عَلَى تَلاَمِيذِهِ قَائِلِينَ: لِمَاذَا تَأْكُلُونَ وَتَشْرَبُونَ مَعَ عَشَّارِينَ وَخُطَاةٍ؟ 31فَأَجَابَ يَسُوعُ: لاَ يَحْتَاجُ ٱلأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيبٍ بَلِ ٱلْمَرْضَى. 32لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَاراً بَلْ خُطَاةً إِلَى ٱلتَّوْبَةِ. 33وَقَالُوا لَهُ: لِمَاذَا يَصُومُ تَلاَمِيذُ يُوحَنَّا كَثِيراً وَيُقَدِّمُونَ طِلْبَاتٍ، وَكَذٰلِكَ تَلاَمِيذُ ٱلْفَرِّيسِيِّينَ أَيْضاً، وَأَمَّا تَلاَمِيذُكَ فَيَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ؟ 34فَقَالَ لَهُمْ: أَتَقْدِرُونَ أَنْ تَجْعَلُوا بَنِي ٱلْعُرْسِ يَصُومُونَ مَا دَامَ ٱلْعَرِيسُ مَعَهُمْ؟ 35وَلٰكِنْ سَتَأْتِي أَيَّامٌ حِينَ يُرْفَعُ ٱلْعَرِيسُ عَنْهُمْ، فَحِينَئِذٍ يَصُومُونَ فِي تِلْكَ ٱلأَيَّامِ. 36وَقَالَ لَهُمْ أَيْضاً مَثَلاً: لَيْسَ أَحَدٌ يَضَعُ رُقْعَةً مِنْ ثَوْبٍ جَدِيدٍ عَلَى ثَوْبٍ عَتِيقٍ، وَإِلاَّ فَٱلْجَدِيدُ يَشُقُّهُ، وَٱلْعَتِيقُ لاَ تُوافِقُهُ ٱلرُّقْعَةُ ٱلَّتِي مِنَ ٱلْجَدِيدِ. 37وَلَيْسَ أَحَدٌ يَجْعَلُ خَمْراً جَدِيدَةً فِي زِقَاقٍ عَتِيقَةٍ لِئَلاَّ تَشُقَّ ٱلْخَمْرُ ٱلْجَدِيدَةُ ٱلزِّقَاقَ، فَهِيَ تُهْرَقُ وَٱلزِّقَاقُ تَتْلَفُ. 38بَلْ يَجْعَلُونَ خَمْراً جَدِيدَةً فِي زِقَاقٍ جَدِيدَةٍ، فَتُحْفَظُ جَمِيعاً. 39وَلَيْسَ أَحَدٌ إِذَا شَرِبَ ٱلْعَتِيقَ يُرِيدُ لِلْوَقْتِ ٱلْجَدِيدَ، لأَنَّهُ يَقُولُ: ٱلْعَتِيقُ أَطْيَبُ (لوقا 5: 27-39). |
(ورد هذان المثلان أيضاً في متى 9: 14-17 ومرقس 2: 13-22)
مناسبة رواية المثَلين:
روى المسيح هذين المثَلين أثناء وليمة أقامها له لاوي العشار (جابي الضرائب). وكان جمع العشور (أو جباية الضرائب) وظيفة محتقرة عند اليهود، لأن الذي يقوم بها لصٌّ، وخائنٌ لوطنه، لأنه يتقاضى ضرائب أكثر مما يحقُّ له، كما أنه كان يأخذ أموال أبناء شعبه ليؤدّيها للسادة المستعمرين الرومان. فكان العشَّار (في نظرهم) يرتكب خيانتين: خيانةً أخلاقية، وخيانة وطنية.
وكان المسيح قد مرَّ بلاوي وهو يؤدي عمله، فدعاه: «اتبعني» (لوقا 5: 27)، فأطاع وترك كل شيء وقام وتبعه. وكان لدعوة المسيح له، ولقبوله هو لتلك الدعوة أثرٌ عظيم في نفسه، فقد شعر أنه ذو قيمة كبيرة في نظر الله. وفاض قلبه بأفراح الخاطئ التائب الذي غُفرت خطاياه، وأراد أن يعبِّر عن ابتهاجه، فأقام وليمة للمسيح احتفالاً بالتجديد الذي جرى له، دعا إليها زملاءه وأصدقاءه من العشارين أمثاله.
وفي أثناء الوليمة كانت جماعتان مختلفتان تراقبان المسيح، أولهما جماعة الفريسيين، وهم اليهود المتديِّنون المتزمِّتون، فانتقدوا السيد المسيح والمحيطين به من الذين حضروا وليمة لاوي، وقد اعتبروهم صحابته، وتساءلوا: كيف يقبل معلِّمٌ ديني محترم دعوة الخطاة ويأكل معهم؟ لا بد أنه مثلهم! وأخذوا يراقبون ليروا إن كان لاوي وضيوفه سيراعون مطالب شريعة موسى في الاغتسال قبل الأكل.
أما الجماعة الثانية فكانوا بعض تلاميذ يوحنا المعمدان، المعلِّم المتنسِّك المتقشف الذي كان لفرط تقشُّفه «لاَ يَأْكُلُ خُبْزاً وَلاَ يَشْرَبُ خَمْراً» (لوقا 7: 33). وكان قد قال عن المسيح إنه «ٱلَّذِي يَأْتِي بَعْدِي، ٱلَّذِي صَارَ قُدَّامِي، ٱلَّذِي لَسْتُ بِمُسْتَحِقٍّ أَنْ أَحُلَّ سُيُورَ حِذَائِهِ.. هُوَذَا حَمَلُ ٱللّٰهِ ٱلَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ ٱلْعَالَمِ.. ينْبَغِي أَنَّ ذٰلِكَ يَزِيدُ وَأَنِّي أَنَا أَنْقُصُ» (يوحنا 1: 27، 29 و3: 30). فاندهشوا وهم يرون المسيح يأكل ويشرب ويحضر الولائم ويصادق العشارين والخطاة، وهو أسلوبُ حياةٍ يناقض أسلوب معلّمهم المعمدان!
وبسبب هذه الوليمة طُرح على المسيح وتلاميذه سؤالان، أحدهما من الفريسيين، والآخر من تلاميذ المعمدان. سأل الفريسيون تلاميذ المسيح: «لِمَاذَا تَأْكُلُونَ وَتَشْرَبُونَ مَعَ عَشَّارِينَ وَخُطَاةٍ؟» (لوقا 5: 30). وسألوا المسيح: «لِمَاذَا يَصُومُ تَلاَمِيذُ يُوحَنَّا كَثِيراً... أَمَّا تَلاَمِيذُكَ فَيَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ؟» (لوقا 5: 33). وسأل تلاميذ المعمدان السيد المسيح: «لمَاذَا نَصُومُ نَحْنُ وَٱلْفَرِّيسِيُّونَ كَثِيراً، وَأَمَّا تَلاَمِيذُكَ فَلاَ يَصُومُونَ؟» (متى 9: 14).
وأجاب المسيح على سؤال الفريسيين بقوله: «لاَ يَحْتَاجُ ٱلأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيبٍ بَلِ ٱلْمَرْضَى. لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَاراً بَلْ خُطَاةً إِلَى ٱلتَّوْبَةِ» (لوقا 5: 31 و32). وقد أوضحت إجابة المسيح هذه خمسة أمور:
-
أوضحت طبيعة رسالة المسيح، فهي رسالة الحب الكامل لأنه الطبيب الذي يحب الخطاة، ويتعامل معهم ويختلط بهم، لا لأنه مثلهم، بل لأنه يقدم لهم الشفاء المجاني. إنها رسالة المحبة ذات العرض الذي يشمل كل أمم الأرض، وذات الطول الذي يطول كل العصور، وذات العمق الذي يصل إلى الخاطئ حيثما يكون لينتشله من أعماق سقوطه، وذات العلو الذي يرفع التائب إلى سماء المجد والعظمة. إنها المحبة الفائقة المعرفة، لأنها مجانية، ومتأنية، ودائمة (أفسس 3: 18 و19).
-
أوضحت طبيعة خلاص المسيح، فهو هبته المجانية لمرضى الخطية، ففي المسيح لنا الفداء، «بِدَمِهِ غُفْرَانُ ٱلْخَطَايَا، حَسَبَ غِنَى نِعْمَتِهِ» (أفسس 1: 7). فخلاص المسيح هو الشفاء من مرض الخطية، وهو عطية الطبيب لمرضاه، كما يقول الوحي: «لأَنَّ أُجْرَةَ ٱلْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ، وَأَمَّا هِبَةُ ٱللّٰهِ فَهِيَ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ بِٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا» (رومية 6: 23). ونحن نخلص برحمة الله ونعمته، فالرحمة تمنع عنا العقاب الذي نستحقه، والنعمة تمنحنا البركات التي لا نستحقها.
-
وأوضحت طبيعة البشر الذين جاء ليخدمهم، فهُم مرضى يحتاجون إلى الطبيب، وهم خطاة يحتاجون إلى التوبة. أما الذين يظنون أنفسهم أبراراً فلا نصيب لهم في شفاء المسيح وخلاصه المفرح.
-
وأوضحت طبيعة الخطية، فهي عصيان يُغضب الله، ويحجب وجهه عن الخاطئ، ويفصل الخاطئ عنه.
-
وأوضحت طبيعة التوبة، فهي رجوع الضال عن ضلاله وتغييره تغييراً كاملاً، لأن روح الله ينيره فيدرك سوء مصيره، ويبكته فيعزم أن يترك خطاياه، فإن «مَنْ يَكْتُمُ خَطَايَاهُ لاَ يَنْجَحُ، وَمَنْ يُقِرُّ بِهَا وَيَتْرُكُهَا يُرْحَمُ»(أمثال 28: 13). كان لاوي مريضاً بحب المال، وكان خائناً لبلده. ولما فتح قلبه وبيته للمسيح نال الشفاء من الجشع، وأقلع عن خيانة بلده.. بل إنه أصبح مبشراً لزملائه الخطاة والضالين، فدعاهم ليلتقوا بالمسيح المخلِّص الذي أنقذه وفرَّح قلبه، ليتمتعوا بما تمتَّع هو به. كما أنه أرادهم أن يشاركوه فرحه، فالسماء تفرح بالخاطئ التائب، كما يفرح التائب بخلاص نفسه.
كان اليهود، ومنهم الفريسيون، يصومون لأن شريعة موسى طالبتهم بصوم يومٍ واحد في السنة هو «يوم الكفارة العظيم» وهو يوم الاعتراف بالخطايا وانكسار القلوب بسببها. وفي هذا اليوم من كل سنة كان رئيس الكهنة يدخل إلى «قُدس الأقداس» في الهيكل، أولاً بدمٍ عن نفسه ليغفر الله له. وعندما يرضى الله عنه يدخل إلى قدس الأقداس مرة ثانية بدمٍ للتكفير عن خطايا الشعب (لاويين 16 وعبرانيين 9: 7).
وأضاف الفريسيون إلى هذا الصوم السنوي الذي طالبت به الشريعة صوم يومي الإثنين والجمعة من كل أسبوع، باعتبار أنهما تذكار لصعود موسى إلى جبل سيناء ليأخذ لوحي الشريعة اللذين كتب الرب عليهما الوصايا العشر. وهو صومٌ تطوعي، فوق ما طالبت الشريعة به! وكانت هناك أصوامٌ أخرى، فقد صام بنو إسرائيل يوماً كاملاً مع الصلاة والبكاء، بسبب حزنهم لاضطرارهم للقيام بحرب أهلية (قضاة 20: 26)، وصام دانيال النبي عن الطعام الشهي وعن الاغتسال والادِّهان مدة ثلاثة أسابيع بسبب حزنه، وبسبب انتظاره لإعلانٍ من الرب (دانيال 10: 3).
أما تلاميذ يوحنا فكانوا يصومون أصوام الطقس اليهودي. ولما سجن الملك هيرودس معلِّمهم المعمدان حزنوا، فصاموا وصلّوا طالبين أن ينقذ الله معلِّمهم من سجنه.
وسأل المسيح: «أَتَقْدِرُونَ أَنْ تَجْعَلُوا بَنِي ٱلْعُرْسِ يَصُومُونَ مَا دَامَ ٱلْعَرِيسُ مَعَهُمْ؟ وَلٰكِنْ سَتَأْتِي أَيَّامٌ حِينَ يُرْفَعُ ٱلْعَرِيسُ عَنْهُمْ، فَحِينَئِذٍ يَصُومُونَ فِي تِلْكَ ٱلأَيَّامِ» (لوقا 5: 34، 35). وفي هذا القول شبَّه المسيحُ يوحنا المعمدانَ، كما شبَّه نفسه بعريس، وتلاميذهما بأنهم بنو العرس. فلن يصوم بنو العرس والعريس معهم. ولكن يحقُّ لتلاميذه أن يصوموا ويصلّوا طالبين نجاته، لأنه كان سجيناً.
ولم يكن اليهود يقيمون مراسيم عبادة في حفلات الزفاف، كما نفعل اليوم، بل كانت وليمة العُرس عندهم هي كل شيء. ففي يوم العُرس يُحضِر العريس عروسه من بيتها إلى بيته في موكبٍ يجتاز كل طرقات القرية، يسمعان منهم كل تمنياتهم لهما بالسعادة، ثم يبدأ العشاء الذي يستمر طول الليل. وبالطبع لن يصوم الناس في يوم العرس.
شبَّه المسيح ملكوت السماوات بحفل عرس، وشبَّه نفسه بالعريس، وشبَّه تابعيه بالعروس. وسبب هذا التشبيه أن المسيح العريس هو الرأس المحب، والعائل، ونبع السرور. وأن المؤمنين عروسه لأنهم جسده. ولا يستطيع المؤمنون أن يصوموا ما دام العريس معهم.
كانت حياة المسيح على أرضنا مصدر الأفراح والولائم، فبمناسبة ميلاده، قال ملاك الرب: «أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِجَمِيعِ ٱلشَّعْبِ: أَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ مُخَلِّصٌ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱلرَّبُّ» (لوقا 2: 10، 11). ولأول مرة في تاريخ أرضنا، احتشد أكبر تجمُّع للملائكة يسبحون الله ويقولون: «ٱلْمَجْدُ لِلّٰهِ فِي ٱلأَعَالِي، وَعَلَى ٱلأَرْضِ ٱلسَّلاَمُ، وَبِالنَّاسِ ٱلْمَسَرَّةُ» (لوقا 2: 14). ودُعي اسمه «يسوع» لأنه يخلِّص شعبه من خطاياهم (متى 1: 21).
وأفراح خلاصه تبدأ وتستمر، لأنه عمانوئيل «الله معنا» (متى 1: 23). فبعدما تجسَّد المسيح، عمانوئيل، لم تعُد صورة الله عندنا صورة السيد البعيد المتعالي، بل صورة الأب المحب القريب، الذي ندعوه: «يا أبانا الذي في السماوات» (متى 6: 9)، والذي ندنو منه لنسمع تطويباته وهو يصف أصحاب السعادة (متى 5: 1-12)، والذي سكن في وسطنا بحسب وعده: «يَقُولُ ٱلرَّبُّ. وَيَكُونُونَ لِي شَعْباً فَأَسْكُنُ فِي وَسَطِكِ» (زكريا 2: 10 و11). وبسكناه وسطنا يرفع المتَّضعين، ويخفض المتكبرين، كما قالت العذراء المطوَّبة: «أَنْزَلَ ٱلأَعِزَّاءَ عَنِ ٱلْكَرَاسِيِّ وَرَفَعَ ٱلْمُتَّضِعِين» (لوقا 1: 52) «فَيُعْلَنُ مَجْدُ ٱلرَّبِّ وَيَرَاهُ كُلُّ بَشَرٍ جَمِيعاً» (إشعياء 40: 5).. وكل الذين يقبلونه وينالون خلاصه، يُقال لهم: «فتبتهجون بفرح لا يُنطَق به ومجيد» (1بطرس 1: 8).
لا بد أن يصوم تلاميذ المسيح يوم صلبه: «سَتَأْتِي أَيَّامٌ حِينَ يُرْفَعُ ٱلْعَرِيسُ عَنْهُمْ، فَحِينَئِذٍ يَصُومُونَ فِي تِلْكَ ٱلأَيَّامِ» (لوقا 5: 35). وارتفاع المسيح هو يوم عُلِّق على الصليب، فقد قال: «كَمَا رَفَعَ مُوسَى ٱلْحَيَّةَ فِي ٱلْبَرِّيَّةِ هٰكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْفَعَ ٱبْنُ ٱلإِنْسَانِ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ ٱلْحَيَاةُ ٱلأَبَدِيَّةُ» (يوحنا 3: 14، 15). وقال أيضاً: «وَأَنَا إِنِ ٱرْتَفَعْتُ عَنِ ٱلأَرْضِ أَجْذِبُ إِلَيَّ ٱلْجَمِيعَ» (يوحنا 12: 32).
وقد تنبأ المسيح بصلبه قبل حدوثه، فقال لتلاميذه: «ٱبْن ٱلإِنْسَانِ يَنْبَغِي أَنْ يَتَأَلَّمَ كَثِيراً، وَيُرْفَضَ مِنَ ٱلشُّيُوخِ وَرُؤَسَاءِ ٱلْكَهَنَةِ وَٱلْكَتَبَةِ، وَيُقْتَلَ، وَبَعْدَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ يَقُومُ» (مرقس 8: 31). ثم قال: «ٱبْنَ ٱلإِنْسَانِ يُسَلَّمُ إِلَى أَيْدِي ٱلنَّاسِ فَيَقْتُلُونَهُ، وَبَعْدَ أَنْ يُقْتَلَ يَقُومُ فِي ٱلْيَوْمِ ٱلثَّالِثِ» (مرقس 9: 31). ثم قال: «هَا نَحْنُ صَاعِدُونَ إِلَى أُورُشَلِيمَ، وَٱبْنُ ٱلإِنْسَانِ يُسَلَّمُ إِلَى رُؤَسَاءِ ٱلْكَهَنَةِ وَٱلْكَتَبَةِ، فَيَحْكُمُونَ عَلَيْهِ بِٱلْمَوْتِ، وَيُسَلِّمُونَهُ إِلَى ٱلأُمَمِ، فَيَهْزَأُونَ بِهِ وَيَجْلِدُونَهُ وَيَتْفُلُونَ عَلَيْهِ وَيَقْتُلُونَهُ، وَفِي ٱلْيَوْمِ ٱلثَّالِثِ يَقُومُ» (مرقس 10: 33، 34)
ولا شك أن تلاميذ المسيح صاموا يوم رُفع مصلوباً، فكيف يقدرون أن يأكلوا ومعلِّمهم يعاني كل هذه الآلام؟ واليوم يصوم معظم المسيحيين يوم الجمعة العظيمة الذي فيه يذكرون آلام مخلِّصهم. ففي يوم الصليب تحقَّق قول سمعان الشيخ للعذراء القديسة مريم: «وَأَنْتِ أَيْضاً يَجُوزُ فِي نَفْسِكِ سَيْفٌ» (لوقا 2: 35)
ويصوم تلاميذ المسيح مشتركين معه في آلامه، فقد وُهب لهم لا أن يؤمنوا به فقط، بل أيضاً أن يتألموا لأجله (فيلبي 1: 29). وعندما يتألمون يصومون في انكسار أمام الله طالبين عونه، وهم يعلمون أن أحزانهم ومتاعبهم مؤقَّتة «لأَنَّ لِلَحْظَةٍ غَضَبَهُ. حَيَاةٌ فِي رِضَاهُ. عِنْدَ ٱلْمَسَاءِ يَبِيتُ ٱلْبُكَاءُ، وَفِي ٱلصَّبَاحِ تَرَنُّمٌ» (مزمور 30: 5)
وقد علَّمنا المسيح أن نصوم، فقال: «مَتَى صُمْتُمْ فَلاَ تَكُونُوا عَابِسِينَ كَٱلْمُرَائِين... وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صُمْتَ فَٱدْهُنْ رَأْسَكَ وَٱغْسِلْ وَجْهَكَ، لِكَيْ لاَ تَظْهَرَ لِلنَّاسِ صَائِماً، بَلْ لأَبِيكَ ٱلَّذِي فِي ٱلْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ ٱلَّذِي يَرَى فِي ٱلْخَفَاءِ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً» (متى 6: 16-18). وبالصلاة والصوم نتعلَّم أن نتحكم في أجسادنا، فلا تسود علينا، بل نسود نحن عليها، فنكون خداماً أفضل للمسيح.
أولاً - الحاجة إلى خَلْقٍ جديد
يتَّضح لنا من مثلي الرُّقعة والزِّقاق أن هدف مجيء المسيح إلى العالم لم يكن إصلاح أمر الإنسان، بل إعادة خلقه روحياً وتجديده وتغييره تغييراً كاملاً. ويتَّضح لنا أيضاً أن الذي يصبح خليقةً جديدة هو الذي يفتح قلبه للمسيح ولتعليمه.
قال المسيح عن الرقعة: «لَيْسَ أَحَدٌ يَضَعُ رُقْعَةً مِنْ ثَوْبٍ جَدِيدٍ عَلَى ثَوْبٍ عَتِيقٍ، وَإِلاَّ فَٱلْجَدِيدُ يَشُقُّهُ، وَٱلْعَتِيقُ لاَ تُوافِقُهُ ٱلرُّقْعَةُ ٱلَّتِي مِنَ ٱلْجَدِيدِ... لأَنَّ ٱلْمِلْءَ يَأْخُذُ مِنَ ٱلثَّوْبِ، فَيَصِيرُ ٱلْخَرْقُ أَرْدَأَ» (لوقا 5: 36 ومتى 9: 16).
نشأ المسيح في بيئة فقيرة، ولا بد أنه رأى السيدات الفقيرات يرقِّعن الثياب القديمة بقطع قماش جديد، فيزِدْنَ الأمر سوءاً. مع أن الأوجب والأنسب أن يتخلَّصن من القديم ويحصُلن على الجديد.
والمعنى المقصود من المثَل أننا نحتاج إلى تجديد كامل، وليس إلى ترقيع القديم. خلق الله أبوينا الأولين آدم وحواء في حالة البراءة، ولكنهما عصيا ربَّهما فأفسد العصيان كل شيء. ولما أخطأ آدم أخطأت ذريته، وسقطت، وصار بعضهم لبعضٍ عدو، فقتل الأخ أخاه! فسدت طبيعتنا ففسدت أعمالنا، وصارت نفوسنا أمَّارة بالسوء، وصرنا بالطبيعة أبناء الغضب. عتُق ثوبنا، الذي هو كناية عن برِّ الإنسان وصلاحه، وصار مهلهلاً لا يستر لابسه، ولهذا لا يرضى الخاطئ بحاله أبداً، ويجد نفسه عاجزاً عن إصلاح نفسه بنفسه. لقد حاول أبوانا الأولان عبثاً أن يسترا نفسيهما بأوراق الشجر، لأن الأرضي مؤقَّت وزائل، ولا يمكنه أن يُصلح الدائم الذي جهَّزه الله للحياة الأبدية.. وكان ما فعله آدم وحواء بأوراق الشجر محاولة ترقيع الثوب القديم بقماش جديد لا يناسبه ولا يساعده. فالترقيع هو محاولة الإنسان العاري أن يستر نفسه بمحاولة ذاتية لإصلاحها بالتوقُّف عن خطية معينة، يتبعها الامتناع عن خطية أخرى.. أعرف شخصاً جرح إصبعه، وكتب تعهُّداً على نفسه بإصلاح أموره، ولكنه عاد إلى سابق عهده، لأنه اعتمد على قوة إرادته وحدها، ولم يأخذ من المسيح قلباً جديداً.. وهناك من يجتهدون لأداء أعمال صالحة بمجهودهم الذاتي، ظانين أن كفَّة حسناتهم الكثيرة تزيل تأثير سيئاتهم، كما أن هناك من يطلب من المسيح أن يُجري بعض التحسينات فيهم، بينما كان الواجب أن يطلبوا منه تغييراً كاملاً، لأن حاجتنا هي إلى تجديد كامل. وهذا ما لا يفعله لنا إلا المسيح، آدم الثاني، الذي لا يُرَقِّع الطبيعة القديمة بل يمنحنا طبيعة جديدة.
«لَيْسَ أَحَدٌ يَجْعَلُ خَمْراً جَدِيدَةً فِي زِقَاقٍ عَتِيقَةٍ لِئَلاَّ تَشُقَّ ٱلْخَمْرُ ٱلْجَدِيدَةُ ٱلزِّقَاقَ، فَهِيَ تُهْرَقُ وَٱلزِّقَاقُ تَتْلَفُ. بَلْ يَجْعَلُونَ خَمْراً جَدِيدَةً فِي زِقَاقٍ جَدِيدَةٍ، فَتُحْفَظُ جَمِيعاً» (لوقا 5: 37، 38). كان اليهود يحتفظون بالخمر في أزقَّة تُصنع من جلود الجداء أو الحملان. فبعد ذبح الحيوان يعملون فتحة عند الرقبة، ينفخون فيها ليسلخوا الجلد، ثم يربطون مواضع الأرجل الأربعة، فيُصبح الجِلد زقاقاً يضعون الخمر فيه. وكانوا يضعون الخمر الجديدة في زقاقٍ جديدة، لأن الزقاق الجديدة تحتمل تمدُّد الخمر الناتج عن تخمُّرها، ويمتد عمرها إلى الوقت الذي تحتاجه الخمر لتتعتَّق.
والمعنى المقصود أن قلب المؤمن المتجدِّد يحوي معرفة المسيح الجديدة، التي تنمو وتزيد داخله. وكلما عرف نعمة الله يشتاق أن يعرفها أكثر، فينمو في النعمة (2بطرس 3: 18).
الزقاق إذاً هي الشكل والقالب، والخمر هي الروح والقلب. وكما أن الخمر الجديدة تتمدَّد فتحتاج إلى زقاق جديدة تتفاعل معها، هكذا روح المسيح فينا يوسِّع قلوبنا، ويعطينا حرية أكثر ومحبة أعمق للآخرين. وكل من يملأه روح المسيح لا يمكن أن يبقى في القالب القديم المتحجِّر الذي لا ينمو ولا يمتد، لأن الحب دائماً يجعل صاحبه يمتد إلى خارج نفسه ليخدم كل من يحتاجون إلى خدمته، مهما كان لونهم أو دينهم. كما أن الحياة الجديدة التي ننالها من المسيح تعطينا امتلاءً وغيرة لنوصِّل رسالة الخلاص إلى غيرنا، فنكون للمسيح شهوداً «فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ ٱلْيَهُودِيَّةِ وَٱلسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى ٱلأَرْض»ِ (أعمال 1: 8). ونجدِّد عهودنا مع الله باستمرار طاعةً للوصية الرسولية: «تَغَيَّرُوا عَنْ شَكْلِكُمْ بِتَجْدِيدِ أَذْهَانِكُمْ، لِتَخْتَبِرُوا مَا هِيَ إِرَادَةُ ٱللّٰهِ ٱلصَّالِحَةُ ٱلْمَرْضِيَّةُ ٱلْكَامِلَةُ» (رومية 12: 2). ونخلع الإنسان العتيق الفاسد، ونتجدَّد دوماً بروح ذهننا، ونلبس الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله في البر وقداسة الحق (أفسس 4: 22-24 وكولوسي 3: 10).
ثانياً - الحاجة إلى تعليم جديد
جاء المسيح بتعليم جديد يُشبع القلب الجديد. وقد لاحظ الناس أنه يعلِّم تعليماً جديداً تؤيده المعجزات، فعندما شفى رجلاً تسكنه الأرواح الشريرة وقف الناس مذهولين يتساءلون: «مَا هٰذَا ٱلتَّعْلِيمُ ٱلْجَدِيدُ؟» (مرقس 1: 27).. وعندما شفى مريضاً بالفالج (الشلل) قال له: «يَا بُنَيَّ، مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ» (مرقس 2: 5) ثم أمره أن يقوم ويحمل فراشه، فبُهِت الحاضرون وقالوا: «مَا رَأَيْنَا مِثْلَ هٰذَا قَطُّ!» (مرقس 2: 12)، لأنهم لم يسبق لهم أن سمعوا أو رأوا شيئاً مثل هذا من قبل. ولا زال تعليم المسيح باقياً شامخاً يعلو على كل تعليم، لأنه تعليم المحبة أم الفضائل.
وأذكر ثلاثة تعاليم جديدة جاءنا بها المسيح:
علَّمنا المسيح أن الله أبٌ محب وأنه قريبٌ منا، وقال: «صَلُّوا أَنْتُمْ هٰكَذَا: أَبَانَا ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ..» (متى 6: 9-13). عندما نزلت شريعة موسى نزلت على جبل مضطرم بالنار، وسط ضباب وظلام وزوبعة وهتاف بوق، حتى استعفى السامعون من أن تُزاد لهم كلمة، وكان المنظر مخيفاً حتى قال موسى: «أَنَا مُرْتَعِبٌ وَمُرْتَعِدٌ!» (عبرانيين 12: 18-21). أما شريعة المسيح فقد جاءت لسامعيها بالفرح، فقد جلس المسيح ودنا إليه تلاميذه فأخذ يعلِّمهم مبادئ ملكوته مبتدئاً بالقول «طوبى» بمعنى: يالسعادة! (متى 5: 1-3). ولما كان الله أبانا، فإن قوته تعمل في خدمة محبته. وقد كلَّمنا الله في المسيح كلمته المتجسد، الذي عاش بيننا، وكان يأكل ويشرب مع العشارين والخطاة، ودعا نفسه إلى بيت زكا العشار الخاطئ وقضى يوماً في بيته، فكشف لنا وجه الله المحب (لوقا 19: 5).
حين سُئل المسيح: «أَيَّةُ وَصِيَّةٍ هِيَ ٱلْعُظْمَى فِي ٱلنَّامُوسِ؟» أجاب: «تُحِبُّ ٱلرَّبَّ إِلٰهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ... وَٱلثَّانِيَةُ مِثْلُهَا: تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ. بِهَاتَيْنِ ٱلْوَصِيَّتَيْنِ يَتَعَلَّقُ ٱلنَّامُوسُ كُلُّهُ وَٱلأَنْبِيَاءُ» (متى 22: 36-40). وشريعة المحبة تمنح حريةً «لأَنَّهُ هٰكَذَا أَحَبَّ ٱللّٰهُ ٱلْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ٱبْنَهُ ٱلْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ ٱلْحَيَاةُ ٱلأَبَدِيَّةُ» (يوحنا 3: 16). وهو تعليم يسمو على شريعة موسى وفروضها الثقيلة، التي قال عنها الرسول بطرس إنها: «نِيرٌ عَلَى عُنُقِ ٱلتَّلاَمِيذِ لَمْ يَسْتَطِعْ آبَاؤُنَا وَلاَ نَحْنُ أَنْ نَحْمِلَهُ» (أعمال 15: 10). وهكذا توقَّفت شريعة الطهارة الطقسيَّة، من غسل الجسد والملابس والأواني، وبدأ تطبيق التعليم عن طهارة القلب التي تؤهِّل صاحبها لمعاينة وجه الله (متى 5: 8)، وجاء الجديد بدل القديم، فتعلَّمنا أن ملكوت الله ليس أكلاً وشرباً، بل هو بر وسلام وفرح في الروح القدس (رومية 14: 17).
ويسمو ناموس المحبة على كل ناموس، لأن المحبة تكميل الناموس (رومية 13: 10)، وهي أعظم من كل شريعة لأنها تجعل الواجب محبَّباً إلى نفوسنا. في العهد القديم يدعونا الناموسُ عبيداً، أما العهد الجديد فيدعونا «أبناء» و «أحباء» لأن الله أنعم علينا بالتبني، فقد قال المسيح: «لاَ أَعُودُ أُسَمِّيكُمْ عَبِيداً، لأَنَّ ٱلْعَبْدَ لاَ يَعْلَمُ مَا يَعْمَلُ سَيِّدُهُ، لٰكِنِّي قَدْ سَمَّيْتُكُمْ أَحِبَّاءَ لأَنِّي أَعْلَمْتُكُمْ بِكُلِّ مَا سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي» (يوحنا 15: 15).. ومع أن الله يعتبرنا أبناء، إلا أننا نفتخر بأننا عبيده، نستعبد أنفسنا له بكل رغبتنا، لأننا محتاجون إلى ربوبيته. وهذه العبودية الاختيارية هي التي تحررنا. فعندما نسلم سلاحنا له ونخضع أمامه ننال منه الانتصار.
تكلم الله في العهد القديم بالرموز التي تشير للمسيح، أما في العهد الجديد فقد تحقَّقت هذه الرموز.. أشارت ذبائح العهد القديم إلى حمل الله الوحيد الذي يرفع خطية العالم (يوحنا 1: 29)، وكان الختان علامةً في الجسد رمزاً إلى المعمودية التي تعبِّر عن الغسل والتنقية، وكانت وليمة الفصح احتفالاً بالنجاة السياسية والاقتصادية رمزاً لوليمة العشاء الرباني التي تعبِّر عن الحرية الروحية، وكان البخور في الهيكل رمزاً للصلاة التي قال المسيح عنها: «يَنْبَغِي أَنْ يُصَلَّى كُلَّ حِينٍ وَلاَ يُمَلَّ» (لوقا 18: 1).
وجاءنا المسيح بطريق جديد للخلاص، لا بالطقوس والأعمال، لكن «بِٱلنِّعْمَةِ أَنْتُمْ مُخَلَّصُونَ» (أفسس 2: 5) فقد ظهرت نعمة الله المخلِّصة الساترة لخطايانا. وليست النعمة مثل الشريعة، فالشريعة كالمسطرة التي تُظهِر عوَجنا ونقصنا، ولكنها لا تساعدنا على إصلاح العوَج وتكميل النقص. أما النعمة فيقول صاحبها: «إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي ٱلْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ. ٱلأَشْيَاءُ ٱلْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ. هُوَذَا ٱلْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيداً» (2كورنثوس 5: 17).
٭ ٭ ٭
وختم المسيح مثَل الزِّقاق بقوله: «لَيْسَ أَحَدٌ إِذَا شَرِبَ ٱلْعَتِيقَ يُرِيدُ لِلْوَقْتِ ٱلْجَدِيدَ، لأَنَّهُ يَقُولُ: ٱلْعَتِيقُ أَطْيَبُ» (آية 39). وهو قولٌ يصف ردَّ فعل من يستمع إلى تعليم جديد، فإنه لأول وهلة يقول إن العتيق الذي اعتاده أفضل. فعندما تُعرَض الديانة الروحية على إنسان يعتنق ديانةً طقسية يقف أمام هذا العرض موقف المتردد، لأنه مستريح إلى القديم الذي عاش فيه. ولكن عندما ينير روح الله قلبه فإنه ينفتح لكلمة الوحي المقدس. وهذا ما حدث مع شاول الطرسوسي الذي كان يهودياً متعصِّباً، ولكن عندما ظهر الله له بنور يفوق نور النهار، قال: «يَا رَبُّ، مَاذَا تُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَ؟» (أعمال 9: 6)، فغيَّر الله حياته وجعل منه بولس الرسول.
ثالثاً - جاء المسيح بالخَلْق والتعليم الجديدين
كان اليهود يحلمون بالجديد، فكانوا يطلبون اسماً جديداً، كما قيل: «تُسَمَّيْنَ بِٱسْمٍ جَدِيدٍ يُعَيِّنُهُ فَمُ ٱلرَّبِّ» (إشعياء 62: 2) والاسم الجديد يعني شخصية جديدة وإنساناً جديداً، لأن المؤمنين يصيرون «مَوْلُودِينَ ثَانِيَةً، لاَ مِنْ زَرْعٍ يَفْنَى، بَلْ مِمَّا لاَ يَفْنَى، بِكَلِمَةِ ٱللّٰهِ ٱلْحَيَّةِ ٱلْبَاقِيَةِ إِلَى ٱلأَبَدِ» (1بطرس 1: 23).. وكانوا يريدون قلباً جديداً، طاعةً للأمر: «اِطْرَحُوا عَنْكُمْ كُلَّ مَعَاصِيكُمُ ٱلَّتِي عَصِيْتُمْ بِهَا، وَٱعْمَلُوا لأَنْفُسِكُمْ قَلْباً جَدِيداً وَرُوحاً جَدِيدَةً» (حزقيال 18: 31). وبتعليم المسيح الجديد وخلقه الجديد يصير المؤمنون «رِسَالَةَ ٱلْمَسِيحِ... مَكْتُوبَةً لاَ بِحِبْرٍ بَلْ بِرُوحِ ٱللّٰهِ ٱلْحَيِّ، لاَ فِي أَلْوَاحٍ حَجَرِيَّةٍ بَلْ فِي أَلْوَاحِ قَلْبٍ لَحْمِيَّةٍ» (2كورنثوس 3: 3).. وعندما يتغيَّر القلب وتتغير الشخصية يرنمون للرب ترنيمة جديدة ويقولون: «جَعَلَ فِي فَمِي تَرْنِيمَةً جَدِيدَةً تَسْبِيحَةً لإِلٰهِنَا» (مزمور 40: 3)
وقد نتساءل: من أين لنا هذا الجديد؟ وكيف ندفع تكلفة الحصول عليه؟ ربما نظن أن الأسهل هو أن نرقِّع القديم. لكن الرب الصالح يقدم لنا الجديد الذي دفع هو كل تكلفته. فما أجمل أن نسمع سؤال إسحاق وهو يسير مع أبيه إبراهيم: «هُوَذَا ٱلنَّارُ وَٱلْحَطَبُ، وَلٰكِنْ أَيْنَ ٱلْخَرُوفُ لِلْمُحْرَقَةِ؟» فيجيبه أب المؤمنين: «ٱللّٰهُ يَرَى لَهُ ٱلْخَرُوفَ لِلْمُحْرَقَةِ يَا ٱبْنِي» (تكوين 22: 7، 8). ويكشف الله عن عيني إبراهيم فيرى كبشاً وراءه مُمسكاً في الغابة بقرنيه، يفدي به ابنه، ويدعو اسم المكان «يهوه يرأه» بمعنى أن الرب يرى ويدبِّر.
لا تحاول أن تصلح نفسك بنفسك، فالمحاولة فاشلة كما فشلت محاولة أبوينا الأوَّلين أن يسترا نفسيهما. لكن تعالَ إلى المسيح ليخلق منك إنساناً جديداً ويمتعك بحياة جديدة.
سؤالان
-
ما هو التعليم الجديد الذي جاء به المسيح عن الله، وما هو الفرق بينه وبين التعليم القديم؟
-
لماذا تفشل المجهودات الذاتية في تغيير الحياة؟ وما هو الطريق الصحيح للتغيير؟
(ب) الملكوت تعليم جديد مَثل الكاتب المتعلم | ||
|
كُلُّ كَاتِبٍ مُتَعَلِّمٍ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ يُشْبِهُ رَجُلاً رَبَّ بَيْتٍ يُخْرِجُ مِنْ كَنْزِهِ جُدُداً وَعُتَقَاءَ (متى 13: 52). |
لا يمكن أن نكون أعضاء في ملكوت الله إلا إن صرنا خليقة جديدة، وهذا ما يسمِّيه المسيح «ولادة من فوق» (يوحنا 3: 3، 7) و «ولادة من الماء والروح» (يوحنا 3: 5). ويحتاج المؤمنون الجدد إلى معلِّمين من نوع خاص، يكونون قد صاروا أعضاء في ملكوت الله بالولادة من فوق، ويكونون قد سمعوا دعوة الله لهم ليقدموا خدمتهم لغيرهم من المؤمنين، ويكون كل واحد منهم كاتباً متعلماً في ملكوت السموات، يشبه رجلاً رب بيت، يُخرج من كنزه جدداً وعتقاء.
الكاتب المتعلم هو الذي يتعلَّم أولاً في ملكوت الله، ثم يعلّم الآخرين ما تعلَّمه عن ملكوت الله، كما قال النبي: «أَعْطَانِي ٱلسَّيِّدُ ٱلرَّبُّ لِسَانَ ٱلْمُتَعَلِّمِينَ لأَعْرِفَ أَنْ أُغِيثَ ٱلْمُعْيِيَ بِكَلِمَةٍ. يُوقِظُ كُلَّ صَبَاحٍ، يُوقِظُ لِي أُذُناً، لأَسْمَعَ كَٱلْمُتَعَلِّمِينَ» (إشعياء 50: 4)، فهو يصغي بأذن وقلب مفتوحين لله، فيأخذ منه ما يُغيث به المعيي.
أولاً - صفات الكاتب المتعلم
-
كانت وظيفة الكاتب بالغة الاحترام، لأنه ينسخ التوراة بيده. تصوَّر أنك تكتب الكتاب المقدس بيدك كلمة كلمة.. لا بد أنه يملأ عقلك، ويفيض القلب بما امتلأ به العقل، فتحكم الأفكار الإلهية سلوكك لأنها تصبح غذاء فكرك. ويتحقَّق فيك الوصف: «فِي نَامُوسِ ٱلرَّبِّ مَسَرَّتُهُ، وَفِي نَامُوسِهِ يَلْهَجُ نَهَاراً وَلَيْلا» (مزمور 1: 2). وكلمة «يلهج» في اللغة العبرية تعني «يجتر». فالكاتب المتعلم يلتهم كلمة الله بسرعة، ثم يبدأ في التأمل فيها، فيسترجعها ويُمعن التفكير فيها من جديد ليستفيد منها أكثر.
-
وكانت وظيفة الكاتب أيضاً أن يشرح كلمة الله للشعب. لقد عرفها وكتبها وانطبعت على عقله وقلبه، فيقدِّمها لغيره، لأنه يشعر بعظيم فائدتها، ويدرك أهمية المسؤولية التي وضعها الله عليه، لأن الوحي يقول: «ٱكْرِزْ بِٱلْكَلِمَةِ. ٱعْكُفْ عَلَى ذٰلِكَ فِي وَقْتٍ مُنَاسِبٍ وَغَيْرِ مُنَاسِبٍ» (2تيموثاوس 4: 2).
-
وكان الكاتب المتعلم عادة يقدِّم صيغة مختصرة للشريعة، وهذا يعني أنه يجب أن يكون قد درسها وعرفها بعمق يسمح له أن يقدمها مختصرةً وبوضوح في كلمات قليلة. وقد اعتاد الناس أن يسألوا الكاتب المتعلم عن صيغته المختصرة للشريعة، فجاء مرة ناموسيٌّ (أي معلم للناموس) إلى المسيح يسأله عن الوصية الأولى والعظمى، وكأنه يطلب ملخصاً للشرائع من المسيح، فأجابه: «أَوَّل كُلِّ ٱلْوَصَايَا هِيَ: ٱسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ. ٱلرَّبُّ إِلٰهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ. وَتُحِبُّ ٱلرَّبَّ إِلٰهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ، وَمِنْ كُلِّ قُدْرَتِكَ. هٰذِهِ هِيَ ٱلْوَصِيَّةُ ٱلأُولَى. وَثَانِيَةٌ مِثْلُهَا هِيَ: تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ. لَيْسَ وَصِيَّةٌ أُخْرَى أَعْظَمَ مِنْ هَاتَيْنِ» (مرقس 12: 28-31).
وقد كان الرسول بولس كاتباً متعلماً في ملكوت السماوات، وأراد لتلميذه تيموثاوس أن يكون كذلك، فقال له: «إِلَى أَنْ أَجِيءَ ٱعْكُفْ عَلَى ٱلْقِرَاءَةِ (تلاوة كلمة الله في اجتماعات الكنيسة) وَٱلْوَعْظِ (حثّ الناس على تطبيق ما سمعوه) وَٱلتَّعْلِيمِ (شرح العقيدة والدفاع عنها)... لاَحِظْ نَفْسَكَ وَٱلتَّعْلِيمَ وَدَاوِمْ عَلَى ذٰلِكَ، لأَنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ هٰذَا تُخَلِّصُ نَفْسَكَ وَٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَكَ أَيْضاً» (1تيموثاوس 4: 13، 16).
يصبح الكاتب المتعلم من أبناء الملكوت السماوات عندما يولد من الروح القدس، فيصير الله ملكاً على حياته وسيداً لتصرُّفاته، لأن دستور الملكوت يحكمه، فيطبِّق في حياته اليومية ما يقرأه وما يعلّمه للآخرين.
وعضوية هذا الكاتب المتعلم في ملكوت الله تجعله وديعاً، يجلس عند قدمي سيده ليتعلَّم منه ما يعلِّمه للآخرين، مثل مريم التي جلست عند قدمي المسيح تسمع كلامه (لوقا 10: 39)، وهو يصلي بتواضع: «طُرُقَكَ يَا رَبُّ عَرِّفْنِي. سُبُلَكَ عَلِّمْنِي. دَرِّبْنِي فِي حَقِّكَ وَعَلِّمْنِي. لأَنَّكَ أَنْتَ إِلٰهُ خَلاَصِي» (مزمور 25: 4، 5) فيجيبه الرب: «أَنَا أَكُونُ مَعَ فَمِكَ وَأُعَلِّمُكَ مَا تَتَكَلَّمُ بِهِ» (خروج 4: 12).
وهناك معلمون لم يختبروا الولادة الثانية، تمتلئ عقولهم بالمعرفة دون أن تختبرها قلوبهم. ولكن الكاتب الذي نحتاجه هو الذي يعرف بعقله والذي اختبر بقلبه، فيستطيع أن يُشبع الآخرين مما شبع هو به. لقد عرف طريق الشبع السماوي، فيرشد الآخرين إلى طريق الشبع.
والكاتب المتعلم المولود من الله يتحدث حديث الاختبار الذي يختلف جداً عن حديث صاحب المعرفة الفلسفية العقلية. والكلمة «حكمة» في اللغة العبرية تعني تطبيق ما نعرفه، فإن «رَأْسَ ٱلْحِكْمَةِ مَخَافَةُ ٱلرَّبِّ» (مزمور 111: 10). أما كلمة «حكمة» في اليونانية فتعني المعرفة المجرَّدة. وقد نادى المسيح بضرورة المعرفة التي تتحوَّل سلوكاً وتطبيقاً عندما قال: «إِنْ عَطِشَ أَحَدٌ فَلْيُقْبِلْ إِلَيَّ وَيَشْرَبْ» (يوحنا : 37). وأتبع هذا بالقول: «مَنْ آمَنَ بِي كَمَا قَالَ ٱلْكِتَابُ تَجْرِي مِنْ بَطْنِهِ أَنْهَارُ مَاءٍ حَيٍّ» (آية 38). فإن كل من ارتوى من ماء الحياة يستطيع أن يروي الآخرين مما رواه الله به، ويقدر أن يشبعهم بالغذاء الروحي الذي شبع هو به.
-
يشعر الكاتب المتعلم بمسؤوليته من نحو الذين كلَّفه الله برعايتهم، لأنه رب البيت المسؤول بعائلته. ولما كان قلبه متَّسعاً عامراً بالمحبة لله والناس، فإنه يعتبر أفراد مجتمعه أعضاء في عائلته الكبيرة، فيعاملهم كما يعامل أهل بيته، ويوجِّههم بالمحبة كما يوجِّه أفراد عائلته. بل إنه يقدِّم أولاده الروحيين على نفسه، ويرعى رعية الله، كما أوصى الرسول بولس قسوس كنيسة أفسس: «اِحْتَرِزُوا اِذاً لأَنْفُسِكُمْ وَلِجَمِيعِ ٱلرَّعِيَّةِ ٱلَّتِي أَقَامَكُمُ ٱلرُّوحُ ٱلْقُدُسُ فِيهَا أَسَاقِفَةً، لِتَرْعُوا كَنِيسَةَ ٱللّٰهِ ٱلَّتِي ٱقْتَنَاهَا بِدَمِهِ» (أعمال 20: 28). وكلمة «أسقف» تعني ناظر أو مشرف، يفتقد ويرعى الجميع.
-
ورب البيت مسؤول عن إعالة أسرته ومدِّها بالطعام المغذي، ومنع ما يضرها ويؤذيها. والكاتب المتعلم كربِّ بيت يهتم بإطعام عائلته الطعام الباقي للحياة الأبدية، ويحرص على صحتهم الروحية بإبعاد كل تعليم زائف عنهم.
-
ورب البيت يلد نفوساً للرب، كما قال الرسول بولس عن أنسيمس: «ٱلَّذِي وَلَدْتُهُ فِي قُيُودِي» (فليمون 10). وكان أنسيمس عبداً سرق بيت سيده في كولوسي، وهرب إلى العاصمة روما، وهناك سمع رسالة الرب من الرسول بولس، فتاب وصلُح حاله وصار مثل اسمه (أنسيمس يعني «نافع»). وكل كاتب متعلم يربح الناس للمسيح طاعةً للدعوة الإلهية: «هَلُمَّ وَرَائِي فَأَجْعَلُكُمَا تَصِيرَانِ صَيَّادَيِ ٱلنَّاسِ» (مرقس 1: 17).
عندما سلَّم الواعظ الأمريكي دوايت مودي حياته للرب كان يعمل بائعاً في محل أحذية، فأصبح واعظاً باركه الرب، وقطع عهداً على نفسه أمام الله ألا تمضي عليه ليلة دون أن يكون قد كلَّم شخصاً عن المسيح. وذات ليلة كان متعَباً جداً، فذهب لينام. ولكنه تذكر أنه لم يكلم أحداً في ذلك اليوم عن المسيح، فارتدى ثيابه ونزل إلى الشارع، فوجد سكيراً دعاه للتوبة، فصاح السكران: «ليس هذا شغلك!» فأجابه: «بل هو شغلي!» فقال السكران: «إذاً لا بد أن تكون أنت مودي»! لقد كان مودي كاتباً متعلِّماً، رب بيت كبير، يقود البعيدين إلى الحياة القريبة من الرب. وكان جون وسلي قد عبَّر عن هذا بقوله: «كل العالم أبروشيتي» لأنه شعر أن العالم كله هو مسؤوليته.
ثانياً - عمل الكاتب المتعلم
المؤمنون أوانٍ خزفية بسيطة صنعها الفخاري الأعظم، لكنه وضع داخلها كنزاً ثميناً (2كورنثوس 4: 7) يُخرج منه الكاتب المتعلم جُدداً وعُتقاء، لأن الكنز أصبح ملكه، وصار هو مسؤولاً عنه. وهذا ينطبق على كل كنز روحي وجسدي ومادي أنعم الرب علينا به، فقد أعطاه لنا وجعلنا وكلاء عليه لنستخدمه في خدمته.
-
كنز الكاتب المتعلم هو كلمة الله: وهي أشهى من الذهب والإبريز الكثير (مزمور 19: 10)، وهي كنز لأنها تجيب على أسئلة الحياة الأساسية التي لا نجد لها إجابات إلا فيها، ومنها: كيف أحصل على غفران خطاياي، وكيف أتأكد أنها غُفرت؟ كيف أنال الحياة الأبدية، وكيف أضمنها لنفسي؟ كيف تُستجاب صلاتي؟ وغيرها من الأسئلة.. فكلمة الله تؤكد للتائب خلاصه وحياته الأبدية في المسيح الذي سدَّد ديون اللاجئين إليه فلا تُحسب عليهم. ولا يمكن أن يتقاضى الله أجرة الخطية من المسيح، وفي نفس الوقت يتقاضاها من الخاطئ الذي احتمى بفداء المسيح. فإن كنا قد احتمينا بكفارة المسيح فإنه يطهِّرنا ويستر خطايانا قائلاً: «إِنْ كَانَتْ خَطَايَاكُمْ كَٱلْقِرْمِزِ تَبْيَضُّ كَٱلثَّلْجِ. إِنْ كَانَتْ حَمْرَاءَ كَٱلدُّودِيِّ تَصِيرُ كَٱلصُّوفِ» (إشعياء 1: 18). «يَعُودُ يَرْحَمُنَا، يَدُوسُ آثَامَنَا، وَتُطْرَحُ فِي أَعْمَاقِ ٱلْبَحْرِ جَمِيعُ خَطَايَاهُمْ» (ميخا 7: 19). ولما كان الله قد غفر لنا، يجب علينا أن نغفر لأنفسنا ولغيرنا.
-
كنز الكاتب المتعلم هو اختباره: تحوي الكلمة المقدسة حقائق تُترجم واقعاً حياتياً، وتحوي مواعيد سماوية تتحقق حرفياً. والكاتب المتعلم الذي حصل على كنز الكلمة الإلهية يحصل أيضاً على اختبارات يومية. لقد عرف النبي داود الكثير عن الله من وحي الله له، ولكنه أيضاً اختبر صلاح الله معه، فقال: «اَلرَّبُّ رَاعِيَّ فَلاَ يُعْوِزُنِي شَيْ» (مزمور 23: 1).. واستمع الرسول بطرس لتعاليم المسيح، ومنها قوله: «إِنَّ لَحْماً وَدَماً لَمْ يُعْلِنْ لَكَ، لٰكِنَّ أَبِي ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ» (متى 16: 17)، ولكنه اختبر اختبارات عظيمة، منها أنه كان على جبل التجلي، عندما التقى النبيان موسى وإيليا بالسيد المسيح، وتحدثوا عن صلبه، وسمعوا صوت الآب من المجد الأسنى قائلاً: «هذا هو ابني الحبيب الذي أنا سُررتُ به». وقال عن هذا: «كنا معه في الجبل المقدس، وعندنا الكلمة النبوية، وهي أثبت» (راجع 2بطرس 1: 16-19).
-
الكاتب المتعلم حصل على كنزه ليوزِّعه: لم يعطنا الله كنز نوره السماوي لنخبئه تحت سرير الكسل، ولا تحت مشغوليات العمل. «هَلْ يُؤْتَى بِسِرَاجٍ لِيُوضَعَ تَحْتَ ٱلْمِكْيَالِ أَوْ تَحْتَ ٱلسَّرِيرِ؟ أَلَيْسَ لِيُوضَعَ عَلَى ٱلْمَنَارَةِ؟» (مرقس 4: 21). «وَلاَ يُوقِدُونَ سِرَاجاً وَيَضَعُونَهُ تَحْتَ ٱلْمِكْيَالِ، بَلْ عَلَى ٱلْمَنَارَةِ فَيُضِيءُ لِجَمِيعِ ٱلَّذِينَ فِي ٱلْبَيْتِ. فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هٰكَذَا قُدَّامَ ٱلنَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ ٱلْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ» (متى 5: 15، 16). فالكاتب المتعلم يضيء على الآخرين بالنور الذي منحه الله له، ويشارك غيره في ما منحه الله له من معرفة وبركة. والمعروف أن كل ما نوزِّعه على غيرنا ينقص، إلا شيئان، هما المحبة والإيمان، فكلما شاركنا غيرنا في محبتنا وإيماننا زادا عندنا. والكاتب المتعلم يحب الناس، ويريد أن يختطف نفوس الخطاة من النار (يهوذا 23)، ولهذا فهو يشرح لهم إيمانه، ويوضح مباهج غفران الخطية لكل من يقابله.
هذا الكاتب الذي يملك الكنز لا يبخل بتقديم معونة لمَن يحتاج إلى عون، أو نصيحة لمن يحتاج إلى نُصح. إنه يشارك الرسول بولس قوله: «إِذِ ٱلضَّرُورَةُ مَوْضُوعَةٌ عَلَيَّ، فَوَيْلٌ لِي إِنْ كُنْتُ لاَ أُبَشِّرُ» (1كورنثوس 9: 16)، وقال أيضاً لقسوس كنيسة أفسس: «لَمْ أُؤَخِّرْ شَيْئاً مِنَ ٱلْفَوَائِدِ إِلاَّ وَأَخْبَرْتُكُمْ وَعَلَّمْتُكُمْ بِهِ جَهْراً وَفِي كُلِّ بَيْتٍ، شَاهِداً لِلْيَهُودِ وَٱلْيُونَانِيِّينَ بِٱلتَّوْبَةِ إِلَى ٱللّٰهِ وَٱلإِيمَانِ ٱلَّذِي بِرَبِّنَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ» (أعمال 20: 20، 21).
أذكر ثلاثة معانٍ للتعبير «جدد وعُتقاء»:
-
هما العهدان القديم والجديد: وكلاهما يشهدان للعناية الإلهية، فالقديم يروي كيف شقَّ الله بقوته ومحبته مياه البحر الأحمر ليعبر العبيد الأذلاء على اليابسة، الأمر الذي لما شرع فيه الظالمون غرقوا! وفي مدة أربعين سنة أطعم المستضعفين في الأرض بالمن والسلوى، ورواهم بماء من الصخر، وقال لهم: «سِرْتُ بِكُمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً فِي ٱلْبَرِّيَّةِ، لَمْ تَبْلَ ثِيَابُكُمْ عَلَيْكُمْ، وَنَعْلُكَ لَمْ تَبْلَ عَلَى رِجْلِكَ» (تثنية 29: 5). وفي العهد الجديد نقرأ عن معجزات المسيح في إسكات العاصفة، وإطعام خمسة آلاف من خمس خبزات وسمكتين (مرقس 4: 35-41 و6: 38-44).
ويحكي العهدان عن الفداء الإلهي، ففي العهد القديم نقرأ عن ستر آدم وحواء بأقمصة من جلد من ذبيحة حيوانية (تكوين 3: 21)، وفي العهد الجديد نقرأ عن الستر بدم المسيح (عبرانيين 9: 12). في القديم نقرأ عن وليمة الفصح تذكاراً لنجاة الأبكار من الموت (خروج 12: 13)، وفي الجديد نقرأ عن وليمة العشاء الرباني تذكاراً لنجاة كل من يؤمن بالمسيح الفادي من لعنة الخطية (لوقا 22: 19). في القديم قدَّم الله الشريعة، وفي الجديد قدَّم النعمة «لأَنَّ ٱلنَّامُوسَ بِمُوسَى أُعْطِيَ، أَمَّا ٱلنِّعْمَةُ وَٱلْحَقُّ فَبِيَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ صَارَا» (يوحنا 1: 17).
-
هما الاختبارات الجديدة والقديمة: عند الكاتب المتعلم معلومة قديمة، يضيف إليها كل يوم شيئاً جديداً، فيكون عنده دائماً كنز جديد مع مخزون الاختبارات القديمة، فيرنم ترنيمة جديدة بالإضافة إلى الترنيمة القديمة! ولذلك قال الرسول بولس لتلميذه تيموثاوس: «أَتَذَكَّرُ ٱلإِيمَانَ ٱلْعَدِيمَ ٱلرِّيَاءِ ٱلَّذِي فِيكَ، ٱلَّذِي سَكَنَ أَوَّلاً فِي جَدَّتِكَ لَوْئِيسَ وَأُمِّكَ أَفْنِيكِي، وَلٰكِنِّي مُوقِنٌ أَنَّهُ فِيكَ أَيْضاً. فَلِهٰذَا ٱلسَّبَبِ أُذَكِّرُكَ أَنْ تُضْرِمَ أَيْضاً مَوْهِبَةَ ٱللّٰهِ ٱلَّتِي فِيكَ بِوَضْعِ يَدَيَّ لأَنَّ ٱللّٰهَ لَمْ يُعْطِنَا رُوحَ ٱلْفَشَلِ، بَلْ رُوحَ ٱلْقُوَّةِ وَٱلْمَحَبَّةِ وَٱلنُّصْحِ» (2تيموثاوس 1: 5-7).
وفي كل يوم يختبر المؤمن اختبارات جديدة مع الرب يضيفها إلى ما سبق أن اختبره، فلنردِّد مع النبي إرميا قوله: «لأَنَّ مَرَاحِمَهُ لاَ تَزُولُ هِيَ جَدِيدَةٌ فِي كُلِّ صَبَاحٍ. كَثِيرَةٌ أَمَانَتُكَ. نَصِيبِي هُوَ ٱلرَّبُّ قَالَتْ نَفْسِي، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَرْجُوهُ. طَيِّبٌ هُوَ ٱلرَّبُّ لِلَّذِينَ يَتَرَجُّونَهُ، لِلنَّفْسِ ٱلَّتِي تَطْلُبُهُ» (مراثي إرميا 3: 22-25). ووجود الله معنا كل يوم يضمن لنا اختبارات متجدِّدة. وحتى لو استهلكت مصاعب الحياة بعض قوتنا الروحية، فإن الرب يمنحنا قوة روحية جديدة كل يوم، ويُلبسنا سلاحه الكامل فنقدر أن نثبت ضد مكايد إبليس (أفسس 6: 11).
-
هما المعرفة والتطبيق: فالمعرفة هي المعلومة التي تعلمناها، والتطبيق هو ممارسة المعلومة الموجودة عندنا. نحن نعلم أن يسوع مات، ودُفن، وقام هازماً الموت، وهذه حقيقة تاريخية، ولكنها في الوقت نفسه اختبار معاصر، لأننا نقول: «مَعَ ٱلْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لاَ أَنَا بَلِ ٱلْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ» (غلاطية 2: 20). وانتصار المسيح هو انتصار المؤمنين به، فيقولون: «ٱبْتُلِعَ ٱلْمَوْتُ إِلَى غَلَبَةٍ». أَيْنَ شَوْكَتُكَ يَا مَوْتُ؟ أَيْنَ غَلَبَتُكِ يَا هَاوِيَةُ؟.. شُكْراً لِلّٰهِ ٱلَّذِي يُعْطِينَا ٱلْغَلَبَةَ بِرَبِّنَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ» (1كورنثوس 15: 54-57). القديم إذاً هو معرفة التاريخ، والجديد هو الاختبار المعاصر في الحياة اليومية الحاضرة.
دعونا ندعو الله الذي جعلنا خليقة جديدة في المسيح، وعمَّر قلوبنا بتعليمه الجديد، أن يجعل من كلٍّ منا كاتباً متعلماً في ملكوته، يُخرج من كنزه جدداً وعتقاء، لشِبع نفسه، وشِبع كل المحيطين به.
سؤالان
-
ما هي البركة التي يأخذها الكاتب وهو ينسخ كلمة الله؟ وما هي البركة التي ينالها السامعون وهو يفسِّرها لهم؟
-
اذكر باختصار ثلاثة معانٍ للجدد والعتقاء.
(ج) دعوتان واستجابتان مَثَل الأولاد الذين يلعبون في السوق | ||
|
31 ثُمَّ قَالَ ٱلرَّبُّ: فَبِمَنْ أُشَبِّهُ أُنَاسَ هٰذَا ٱلْجِيلِ، وَمَاذَا يُشْبِهُونَ؟ 32يُشْبِهُونَ أَوْلاَداً جَالِسِينَ فِي ٱلسُّوقِ يُنَادُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً وَيَقُولُونَ: زَمَّرْنَا لَكُمْ فَلَمْ تَرْقُصُوا. نُحْنَا لَكُمْ فَلَمْ تَبْكُوا. 33لأَنَّهُ جَاءَ يُوحَنَّا ٱلْمَعْمَدَانُ لاَ يَأْكُلُ خُبْزاً وَلاَ يَشْرَبُ خَمْراً، فَتَقُولُونَ: بِهِ شَيْطَانٌ. 34جَاءَ ٱبْنُ ٱلإِنْسَانِ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ، فَتَقُولُونَ: هُوَذَا إِنْسَانٌ أَكُولٌ وَشِرِّيبُ خَمْرٍ، مُحِبٌّ لِلْعَشَّارِينَ وَٱلْخُطَاةِ. 35 وَٱلْحِكْمَةُ تَبَرَّرَتْ مِنْ جَمِيعِ بَنِيهَا(لوقا 7: 31-35). |
(ورد المثَل أيضاً في متى 11: 16-19).
رأينا في مثلي الرقعة والزقاق أن ملكوت الله حياة جديدة، ورأينا في مثل الكاتب المتعلم أن الذي يقوم بالتعليم في الملكوت معلم يقدِّم التعليم الجديد، ويعلن الله من خلاله رسالة حبه لكل الناس بمختلف خلفياتهم، ويتواصل معهم بواسطة هذا المعلم، ويستخدم كل وسيلة لتحريك مشاعرهم وأشواقهم نحوه. وهذا المعلم كارز يدعو الجميع للتوبة بأساليب متنوعة.
ويعلِّمنا مَثَل «الأولاد الذين يلعبون في السوق» أن هناك دعوة موجَّهة دائماً لكل الناس من كل نوع وبكل أسلوب، فقد كلَّم الله الآباء بالأنبياء بأنواع وطرق كثيرة (عبرانيين 1: 1). كما يعلمنا المثل أن بعض الناس يقبلون التعليم الجديد والبعض الآخر يرفضونه، بغضّ النظر عن أسلوبه. والذين يخافون الله ويقبلون تعليمه الحكيم يدافعون عن هذا التعليم ويبرِّرونه أمام العالم بكلامهم وأفعالهم.
وصف المسيح في هذا المثل أولاداً خرجوا ليلعبوا في ساحة القرية الكبرى. وكان القرويون يستخدمون الساحة في الصباح الباكر سوقاً يبيعون فيه ما يستغنون عنه، ويشترون فيه ما يحتاجون إليه. وكانت الساحة تخلو من الباعة والمشترين وقت الظهر تقريباً، فيتجمَّع الأولاد ليلعبوا فيها. ويقول هذا المثل إن الأولاد الذين خرجوا ليلعبوا انقسموا إلى فريقين، ووقفوا صفَّين متقابلين، فاختار أحد الفريقين أن يلعبوا لعبة «وليمة العُرس»، فزمَّروا لزملائهم ليبدأوا اللعبة بالرقص، ولكن الفريق الآخر لم يتجاوب، وقالوا إن مزاجهم ليس مزاج فرح وسعادة، ورفضوا أن يرقصوا.. فقرَّر أفراد الفريق الأول أن يلعبوا لعبة الجنازة وبدأوا ينوحون، ولكن الفريق الآخر عاد ورفض الاشتراك في اللعب بحُجَّة أنهم لا يرغبون في هذه اللعبة أيضاً، ورفضوا أن يبكوا أو أن يلطموا.. ويتَّضح من المثَل أن الفريق الثاني غير متعاون، بل ورافض لكل نداءٍ يُوجَّه إليهم مهما كان موضوعه، ولا يستجيبون لأية دعوة مهما كان نوعها.
وقصد المسيح بهذا المثل أن أناس جيله سمعوا دعوةً للتوبة من يوحنا المعمدان تنذرهم وتحذِّرهم، فلم ينتبهوا إليها، ولم يؤمنوا بها، وانتهى الأمر بالمعمدان إلى السجن في قلعة مدينة «مخيروس» ثم قُطعت رأسه (متى 14: 10). وجاءتهم دعوةٌ ثانية من المسيح فيها ترغيب وتشجيع وتشويق، فرفضوها، وانتهى الأمر بالمسيح إلى الصليب، الذي تبعته القيامة فالصعود إلى السماء، ومنها ننتظر عودته ثانيةً. والدعوتان مختلفتان في أسلوبهما، متَّفقتان في موضوعهما. وكان يجب أن أناس جيله يستجيبون لإحدى الوسيلتين الكرازيتين، فيتوبون ويرجعون إلى الله، ولكن كثيرين منهم رفضوا.
أولاً - دعوتان
هناك أوجه شبَه كثيرة بين المسيح والمعمدان، منها صلة القرابة الجسدية، فقد قال الملاك جبرائيل للعذراء مريم وهو يبشِّرها بالحبَل بالمسيح: «هُوَذَا أَلِيصَابَاتُ نَسِيبَتُكِ هِيَ أَيْضاً حُبْلَى بِٱبْنٍ فِي شَيْخُوخَتِهَا، وَهٰذَا هُوَ ٱلشَّهْرُ ٱلسَّادِسُ لِتِلْكَ ٱلْمَدْعُوَّةِ عَاقِراً» (لوقا 1: 36). وقد طلب المسيح من المعمدان أن يعمِّده ليكمل كل بر (متى 3: 13-15). وشهد يوحنا للمسيح أنه المخلِّص الآتي إلى العالم، وأنه «حَمَلُ ٱللّٰهِ ٱلَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ ٱلْعَالَمِ» (يوحنا 1: 29). وقال المعمدان عن المسيح: «وَأَنَا قَدْ رَأَيْتُ وَشَهِدْتُ أَنَّ هٰذَا هُوَ ٱبْنُ ٱللّٰهِ» (يوحنا 1: 34) وقال أيضاً: «يَنْبَغِي أَنَّ ذٰلِكَ يَزِيدُ وَأَنِّي أَنَا أَنْقُصُ. اَلَّذِي يَأْتِي مِنْ فَوْقُ هُوَ فَوْقَ ٱلْجَمِيعِ، وَٱلَّذِي مِنَ ٱلأَرْضِ هُوَ أَرْضِيٌّ، وَمِنَ ٱلأَرْضِ يَتَكَلَّمُ. اَلَّذِي يَأْتِي مِنَ ٱلسَّمَاءِ هُوَ فَوْقَ ٱلْجَمِيعِ» (يوحنا 3: 30، 31). واشترك المسيح مع المعمدان في تعميد الناس بمعمودية التوبة، ونادى كلاهما بمجيء ملكوت الله (يوحنا 3: 22، 23).
وبالرغم من هذا التشابه فإننا نرى بينهما اختلافاً في أسلوب الكرازة، فقد استخدم المعمدان أسلوب التوبيخ والتحذير، وهو ما يسميه المثل «نُحنا لكم». واستخدم المسيح أسلوب التشجيع والتشويق، وهو ما يسميه المثل «زمَّرنا لكم». ونحن نحتاج إلى رسالة التحذير، كما نحتاج إلى رسالة التشويق، لأن بعض الناس يستجيبون للتوبيخ، وبعضهم الآخر يقبلون الكلمة الرقيقة. ويستخدم الله معنا طول الأناة، كما يستخدم التأديب لنتوب ونرجع إليه، ونصبح أبناء الملكوت.
كان يوحنا ناسكاً متقشِّفاً حتى قالوا إنه «لاَ يَأْكُلُ خُبْزاً وَلاَ يَشْرَبُ خَمْراً» (لوقا 7: 33) وكان يلبس وبر الإبل، ويأكل جراداً وعسلاً برياً (متى 3: 4)، ووصف نفسه بالقول: «أَنَا صَوْتُ صَارِخٍ فِي ٱلْبَرِّيَّةِ: قَوِّمُوا طَرِيقَ ٱلرَّبِّ، كَمَا قَالَ إِشَعْيَاءُ ٱلنَّبِيُّ» (يوحنا 1: 23). وكان وعظه تحذيرياً نبَّر فيه على الدينونة قائلاً: «يَا أَوْلاَدَ ٱلأَفَاعِي، مَنْ أَرَاكُمْ أَنْ تَهْرُبُوا مِنَ ٱلْغَضَبِ ٱلآتِي؟ فَٱصْنَعُوا أَثْمَاراً تَلِيقُ بِٱلتَّوْبَةِ...وَٱلآنَ قَدْ وُضِعَتِ ٱلْفَأْسُ عَلَى أَصْلِ ٱلشَّجَرِ، فَكُلُّ شَجَرَةٍ لاَ تَصْنَعُ ثَمَراً جَيِّداً تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي ٱلنَّارِ» (متى 3: 7، 8، 10).. وكان مستمعو يوحنا من العشارين والخطاة، ومن الجنود الذين سألوه: «وَمَاذَا نَفْعَلُ نَحْنُ؟» فَأجَابَ: «لاَ تَظْلِمُوا أَحَداً، وَلاَ تَشُوا بِأَحَدٍ، وَٱكْتَفُوا بِعَلاَئِفِكُمْ» (لوقا 3: 14). وهذا الوعظ دعوة للتوبة وعمل الصلاح، خوفاً من العقاب الإلهي، وتحذيراً من الدينونة الأخيرة. وقد وصف واعظٌ حكيم يوحنا المعمدان بقوله: «كان يوحنا كئيباً وحقيقياً مثل جنازة، ولا مفرَّ من الاستماع إليه».
جاء المسيح يدعو الناس لحياة التوبة المفرحة، «وَبَعْدَ مَا أُسْلِمَ يُوحَنَّا جَاءَ يَسُوعُ إِلَى ٱلْجَلِيلِ يَكْرِزُ بِبِشَارَةِ مَلَكُوتِ ٱللّٰهِ وَيَقُولُ: «قَدْ كَمَلَ ٱلزَّمَانُ وَٱقْتَرَبَ مَلَكُوتُ ٱللّٰهِ، فَتُوبُوا وَآمِنُوا بِٱلإِنْجِيلِ» (مرقس 1: 14، 15)، والإنجيل هو الخبر المفرح. والمسيح هو المملوء « نِعْمَةً وَحَقّاً... وَمِنْ مِلْئِهِ نَحْنُ جَمِيعاً أَخَذْنَا، وَنِعْمَةً فَوْقَ نِعْمَةٍ. لأَنَّ ٱلنَّامُوسَ بِمُوسَى أُعْطِيَ، أَمَّا ٱلنِّعْمَةُ وَٱلْحَقُّ فَبِيَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ صَارَا» (يوحنا 1: 14، 16، 17)، وقد قال عن نفسه: «أَتَيْتُ لِتَكُونَ لَهُمْ حَيَاةٌ وَلِيَكُونَ لَهُمْ أَفْضَلُ» (يوحنا 10: 10)، وكان يلبي الدعوات ويشارك في الأفراح، وقد أجرى معجزته الأولى في حفل عرس لتستمر أفراح المدعوّين وسعادة أصحاب العرس (يوحنا 2: 1-11)، وذهب إلى بيت لاوي العشار، وجاء عشارون وخطاةٌ كثيرون واتكأوا ليأكلوا معه ومع تلاميذه (متى 9: 10). وضرب مثل «الابن الضال» ليعلن أنه «هٰكَذَا يَكُونُ فَرَحٌ فِي ٱلسَّمَاءِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ أَكْثَرَ مِنْ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ بَارّاً لاَ يَحْتَاجُونَ إِلَى تَوْبَةٍ» (لوقا 15: 7).
وأعلن المسيح ترحيبه بكل من يُقبل إليه حين قرأ في مجمع الناصرة ما تنبأ به النبي إشعياء عنه قبل ميلاده بسبعمئة سنة (61: 1-3) والذي يقول: «رُوحُ ٱلرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّهُ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ ٱلْمَسَاكِينَ، أَرْسَلَنِي لأَشْفِيَ ٱلْمُنْكَسِرِي ٱلْقُلُوبِ، لأُنَادِيَ لِلْمَأْسُورِينَ بِٱلإِطْلاَقِ ولِلْعُمْيِ بِٱلْبَصَرِ، وَأُرْسِلَ ٱلْمُنْسَحِقِينَ فِي ٱلْحُرِّيَّةِ» (لوقا 4: 18). وحقَّق المسيح إعلان محبته بأعمال رحمته، فعندما كان في بيت بطرس في كفرناحوم شفى حماة بطرس من الحمى، وفي المساء «قَدَّمُوا إِلَيْهِ جَمِيعَ ٱلسُّقَمَاءِ وَٱلْمَجَانِينَ. وَكَانَتِ ٱلْمَدِينَةُ كُلُّهَا مُجْتَمِعَةً عَلَى ٱلْبَابِ. فَشَفَى كَثِيرِينَ كَانُوا مَرْضَى بِأَمْرَاضٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَأَخْرَجَ شَيَاطِينَ كَثِيرَةً» (مرقس 1: 32-34).
وقد أحب المسيح الخطاة والزناة واللصوص ورحَّب بهم وأكل معهم، فاتَّهمه شيوخ اليهود بأنه محبٌّ للعشارين والخطاة (متى 11: 19 ولوقا 7: 34)، أما هو فقال: «مَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ لاَ أُخْرِجْهُ خَارِجاً» (يوحنا 6: 37)، ورحَّب بالمرأة الخاطئة التي جاءت بقارورة طيب، ووقفت من ورائه عند قدميه وهو متكئ «بَاكِيَةً، وَٱبْتَدَأَتْ تَبُلُّ قَدَمَيْهِ بِٱلدُّمُوعِ، وَكَانَتْ تَمْسَحُهُمَا بِشَعْرِ رَأْسِهَا، وَتُقَبِّلُ قَدَمَيْهِ وَتَدْهَنُهُمَا بِٱلطِّيبِ» (لوقا 7: 38)، «فقال: قَدْ غُفِرَتْ خَطَايَاهَا ٱلْكَثِيرَةُ لأَنَّهَا أَحَبَّتْ كَثِيراً» (لوقا 7: 47). وطلب المسيح من الآب أن يبقى تلاميذه في العالم ليكونوا نوره وملحه، وشبَّههم بمدينة موضوعة على جبل، وسراج موضوع على منارة (متى 5: 13-16)، وصلى من أجلهم: «لَسْتُ أَسْأَلُ أَنْ تَأْخُذَهُمْ مِنَ ٱلْعَالَمِ بَلْ أَنْ تَحْفَظَهُمْ مِنَ ٱلشِّرِّيرِ» (يوحنا 17: 15) فيكونون مثل سفينة وسط الماء، دون أن يدخلها الماء.
وقد اتَّبع كثيرون من تلاميذ المسيح طريقته في الوعظ، ومنهم يوسف القبرصي الذي أُطلق عليه لقب «ابن الوعظ» لأنه كان يشجع الناس (أعمال 5: 36).
ثانياً - استجابتان
كما تليِّن الشمس الشمع وتيبِّس الطين، يقبل البعض رسالة المسيح شمس البر وتلين قلوبهم لها، بينما تتقسَّى قلوب البعض الآخر وترفض قبولها. ونجد استجابتين مختلفتين للأسلوبين المختلفين للوعظ:
رفض أبناء جيل المسيح رسالة اللطف واعتبروها تسيُّباً، كما سبق أن رفضوا رسالة التوبيخ واعتبروها تزمُّتاً. وواضح أن الواعظ لا يقدر أن يجتذب كل الناس، ولا يمكن أن يُرضي كل سامع، وعلى الوعاظ أن يتوقَّعوا الرفض بل والمقاومة من بعض سامعيهم، فقد قال المسيح لتلاميذه: «تُسَاقُونَ أَمَامَ وُلاَةٍ وَمُلُوكٍ مِنْ أَجْلِي شَهَادَةً لَهُمْ وَلِلأُمَمِ. فَمَتَى أَسْلَمُوكُمْ فَلاَ تَهْتَمُّوا كَيْفَ أَوْ بِمَا تَتَكَلَّمُونَ، لأَنَّكُمْ تُعْطَوْنَ فِي تِلْكَ ٱلسَّاعَةِ مَا تَتَكَلَّمُونَ بِهِ» (متى 10: 18 و19).
ومع أن بعض الناس يرون في كلمة الله حكمة، ويدركون أن «رَأْسَ ٱلْحِكْمَةِ مَخَافَةُ ٱلرَّبّ»ِ (مزمور 111: 10)، إلا أن كثيرين يرون فيها جهالة وحماقة. وقد أوضح الوحي هذه الحقيقة المؤسفة بقوله: «لأَنَّ ٱلْيَهُودَ يَسْأَلُونَ آيَةً، وَٱلْيُونَانِيِّينَ يَطْلُبُونَ حِكْمَةً، وَلٰكِنَّنَا نَحْنُ نَكْرِزُ بِٱلْمَسِيحِ مَصْلُوباً: لِلْيَهُودِ عَثْرَةً، وَلِلْيُونَانِيِّينَ جَهَالَةً! وَأَمَّا لِلْمَدْعُوِّينَ: يَهُوداً وَيُونَانِيِّينَ، فَبِٱلْمَسِيحِ قُوَّةِ ٱللّٰهِ وَحِكْمَةِ ٱللّٰهِ. لأَنَّ جَهَالَةَ ٱللّٰهِ أَحْكَمُ مِنَ ٱلنَّاسِ! وَضَعْفَ ٱللّٰهِ أَقْوَى مِنَ ٱلنَّاسِ!» (1كورنثوس 1: 22-25). وواضحٌ من هذا أن اليهود لم يقتنعوا بتعاليم المسيح السامية ولا بمعجزاته الخارقة، فطلبوا آية جديدة، كأن ينزل من على الصليب، أو أن يردَّ المُلك الأرضي لبني إسرائيل. وطلب اليونانيون براهين منطقية يقبلونها، لا إعلانات إلهية يجب أن يقبلوها، واعتبروا معجزات المسيح خرافات أو أعمال سحر. وفي كل عصر نجد من يطلبون المعجزة، أو يعظمون العقل البشري. غير أن رسل المسيح، ومعهم كل المدعوّين من الله، رأوا في المسيح المصلوب مخلِّصاً وفادياً، فكان الخلاص بالصليب هو حكمة الله السامية حتى لو حسبه بعض الناس جهالة، وكان الفداء بالدم قوة الله المنقذة، حتى لو حسبه بعض الناس ضعفاً.. هكذا ظهر لبعض الناس أن الأبواق ضعيفة أمام أسوار أريحا الشامخة (يشوع 6: 20)، وأن مقلاع داود لا شيء أمام ضخامة جليات الجبار (1صموئيل 17: 45). لكن قوة الله وحكمته جعلت من الأبواق والمقلاع وسائل انتصار مذهلة.
وقد ظهر المسيح في الجسد إنساناً بسيطاً، فرفضه اليهود، ولكن «ٱلْحَجَرُ ٱلَّذِي رَفَضَهُ ٱلْبَنَّاؤُونَ هُوَ قَدْ صَارَ رَأْسَ ٱلزَّاوِيَةِ. كُلُّ مَنْ يَسْقُطُ عَلَى ذٰلِكَ ٱلْحَجَرِ يَتَرَضَّضُ، وَمَنْ سَقَطَ هُوَ عَلَيْهِ يَسْحَقُهُ؟» (لوقا 20: 17، 18)
لما أخطأ أبوانا الأوَّلان وأكلا من الشجرة المنهي عنها اكتشفا عريهما واختبئا من الله، ففتَّش عليهما وقدَّم الحل لمشكلتهما بحكمته السامية. فدبَّر أمر فدائهما بذبيحة ستر عريهما بجلدها، وهذا هو لباس البر من عند الله. وهكذا أعلن الله في جنة عدن لأبوينا الأوَّلين طريق الخلاص العظيم، إذ قال للحية التي أغوتهما: «هُوَ (نسل المرأة) يَسْحَقُ رَأْسَكِ (الحية) وَأَنْتِ تَسْحَقِينَ عَقِبَهُ» (تكوين 3: 15). ولا يوجد إلا نسل امرأة واحد، هو المسيح ابن مريم. ولم يسحق رأس الحية أحدٌ غيره، فهو الوحيد الذي لم يخطئ. وقد سحقت الحيِّة عقبه يوم صليبه، لكنه قام منتصراً غالباً ولكي يغلب.
وكان يجب على الرافضين أن يدركوا حكمة الله في الصليب، لأن فيه تتلاقى عدالة الله مع رحمته. فالله غفور رحيم، ولكنه قاضٍ عادل. ولو أنه كان غفوراً فقط ما كان عادلاً. ولو أنه كان عادلاً فقط ما كان غفوراً. لكن في الصليب تلتقي العدالة مع الرحمة، كما قال المرنم: «ٱلرَّحْمَةُ وَٱلْحَقُّ ٱلْتَقَيَا. ٱلْبِرُّ وَٱلسَّلاَمُ تَلاَثَمَا» (مزمور 85: 10). وأساس هذه الحكمة إلهي، وموضوعها روحي، وهي أقوى من كل حكمة أرضية وأسمى من كل شريعة وضعية، لأنها أبدية تقودنا إلى الله، وما أسعد من يدركها.
ولكننا نشكر الله على الذين قبلوا رسالة التوبة على فم يوحنا المعمدان، ومنهم تلاميذ المعمدان، ومنهم الجنود القساة الذين تابوا بعد أن سمعوه. ونحن نمجد المسيح على كل من فتح قلبه له، ومنهم زكا العشار الذي برهن على صدق توبته فقال المسيح عنه: «ٱلْيَوْمَ حَصَلَ خَلاَصٌ لِهٰذَا ٱلْبَيْتِ، إِذْ هُوَ أَيْضاً ٱبْنُ إِبْرَاهِيمَ» (لوقا 19: 9)، ومنهم المرأة السامرية التي تابت وصارت المبشِّرة بالخلاص لمدينتها (يوحنا 4: 28-30)، ومنهم قائد المئة الروماني الذي قال المسيح عن إيمانه: «لَمْ أَجِدْ وَلاَ فِي إِسْرَائِيلَ إِيمَاناً بِمِقْدَارِ هٰذَا» (متى 8: 10). ولا زال الرب يضمّ إلى الكنيسة الذين يخلصون.
ختم المسيح مثل «الأولاد الذين يلعبون في السوق» بقوله: «والحكمة تبرَّرت من جميع بنيها» بمعنى أن الذين يقبلون رسالة التوبة هم أبناء الحكمة الذين يدافعون عنها ويبرِّرونها، إذ يستجيبون لصوت العقل والضمير، ويقبلون رسالة الله، سواء كان الوعظ بها توبيخاً وترهيباً أو تشويقاً وترغيباً. وكل مَن يقبل رسالة الله يجب أن يدافع عن الحكمة التي آمن بها ويبرِّرها بالتغيير الذي أحدثته التوبة فيه، وبسلوكه الجديد، كما قال الرسول بولس للكورنثيين: «أَنْتُمْ رِسَالَتُنَا، مَكْتُوبَةً فِي قُلُوبِنَا، مَعْرُوفَةً وَمَقْرُوءَةً مِنْ جَمِيعِ ٱلنَّاسِ. ظَاهِرِينَ أَنَّكُمْ رِسَالَةُ ٱلْمَسِيحِ» (2كورنثوس 3: 2 و3). وهذا يعني أن الناس ستقرأ رسالة المؤمن، أراد أم لم يُرد، شعر أم لم يشعر. فهل ستُقرأ فيك رسالة حب، أم رسالة كراهية.. رسالة خدمة أم رسالة أنانية.. رسالة قداسة أم رسالة نجاسة؟.
فيا من قبلتم رسالة المسيح وتبرَّرتم بكفارته، أنتم الذين ستبرِّرون حكمة الله وتدافعون عنها، لأن الحكمة يجب أن تتبرَّر من بنيها لا من الأغراب عنها.. ولن يبرر الملائكة حكمة الله، لأن الذين سقطوا منهم حفظهم الله إلى دينونة اليوم العظيم بقيود أبدية تحت الظلام (يهوذا 6) ويقول الوحي: «حَقّاً لَيْسَ يُمْسِكُ ٱلْمَلاَئِكَةَ، بَلْ يُمْسِكُ نَسْلَ إِبْرَاهِيمَ» (عبرانيين 2: 16). فلا بد أن يبرِّر حكمة الله الذين استفادوا من هذه الحكمة. وهذه مسؤولية صعبة، غير أنها مسؤولية مفرحة.
هل كلَّمك الله بالمحبة، كما قال المسيح «زمرنا لكم»؟ أو هل تعامل معك بالتأديب «نُحنا لكم»؟ أحياناً يغدق لك العطاء لتتوب، وأحياناً يضغط عليك ويحاصرك حتى تسلِّم أمورك له.. وفي الحالتين هو يريدك أن تتمتع بكل بركات غفرانه وفدائه.
سؤالان
-
ما هي الحكمة، وكيف نكون حكماء؟
-
ماذا نفعل لنبرر الحكمة؟
2 - تشبيهات لملكوت الله | ||
(أ) أراضي الملكوت - مثل الزارع (متى 13: 3-9 و18-23)
(ب) أعداء الملكوت - مثلا الزوان وسط الحنطة، والشبكة في البحر (متى 13: 24-30 و47-50)
(ج) نمو الملكوت - مثل البذور التي تنمو سرا (مرقس 4: 26-29)
(د) قوة الملكوت - مثلا حبة الخردل والخميرة (متى 13: 31-33)
(ه) عظمة قيمة الملكوت - مثلا الكنز المخ

