كيف تنتفع بكفارة المسيح؟ |
القسم الثاني من كتاب فلسفة الغفران في المسيحية
- الباب الخامس قيام الله بالفداء في المسيح
- الباب السادس كفاية كفارة الله في المسيح ونتائجها
- الباب السابع كيفية الإفادة من كفارة المسيح
- الباب الثامن كفارة المسيح في نظر الفلاسفة والعلماء
- الباب التاسع برارة موقف اللّه إزاء البشر وخطاياهم
- مسابقة القسم الثاني كيف تنتفع بكفارة المسيح؟
- أسماء الكتب التي اقتبس المؤلف منها ما رآه مناسباً مع بحثه، اعترافاً منه بفضلها
الباب الخامس قيام الله بالفداء في المسيح | ||
إن الذين ليست لهم دراية بشخصية المسيح، يظنون أن صلبه يرجع فقط إلى كراهية كهنة اليهود له، بسبب توبيخه إياهم على شرورهم وآثامهم. ولذلك يكون المسيح، بناءً على رأيهم، قد مات شهيد الحق والواجب فحسب. لكن وإن كان هذا الرأي صواباً من جهة تصرف هؤلاء الكهنة إزاء المسيح، غير أننا إذا رجعنا إلى الكتاب المقدس وإلى القرائن الخاصة بحادثة صلب المسيح الواردة فيه، نرى أنه لم يمت شهيداً فحسب، بل وكفارة أيضاً، كما يتضح مما يلي:
1 - أدلة كتابية عن موت المسيح كفارة أو فدية | ||
أولاً - شهادة المسيح عن موته كفارة، والأدلة على صدقها
قال المسيح عن نفسه قبل حادثة الصلب: «أَنَا هُوَ ٱلرَّاعِي ٱلصَّالِحُ، وَٱلرَّاعِي ٱلصَّالِحُ يَبْذِلُ نَفْسَهُ عَنِ ٱلْخِرَافِ» يوحنا (11:10) قاصداً بالخراف المؤمنين الحقيقيين وأوجه الشبه بينهما أن الخراف تكره القذارة وتطيع راعيها، والمؤمنين الحقيقيين يكرهون الشر ويطيعون الله. وقال «وَكَمَا رَفَعَ مُوسَى ٱلْحَيَّةَ فِي ٱلْبَرِّيَّةِ هٰكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْفَعَ ٱبْنُ ٱلإِنْسَانِ (على الصليب) لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ ٱلْحَيَاةُ ٱلأَبَدِيَّةُ. لأَنَّهُ هٰكَذَا أَحَبَّ ٱللّٰهُ ٱلْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ٱبْنَهُ ٱلْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ ٱلْحَيَاةُ ٱلأَبَدِيَّةُ» (يوحنا 3: 14 - 16).
كان بنو إسرائيل قد تذمروا على الله في البرية، فأثار عليهم الحيات المحرقة، فلدغت عدداً كبيراً منهم. ولما رأى الباقون أنهم سيموتون حتماً مثل غيرهم، هرعوا إلى موسى وقالوا له: قد أخطأنا، فتضرع إلى الله ليرفع عنا الحيات. فصلى موسى لأجلهم. فقال الله له: «ٱصْنَعْ لَكَ حَيَّةً مُحْرِقَةً وَضَعْهَا عَلَى رَايَةٍ، فَكُلُّ مَنْ لُدِغَ وَنَظَرَ إِلَيْهَا يَحْيَا» (عدد 21: 4 - 9) - والحية النحاسية هذه كانت رمزاً إلى المسيح من النواحي الآتية: (أولاً) إنّه لم يكن بها سم مثل الحيات، والمسيح لم تكن به خطيئة مثل الناس. (ثانياً) إنها لم تكن في ذاتها حية بل كانت شبه حية، والمسيح وإن كان قد ظهر في الهيئة كإنسان مثلنا، لكنه لم يكن في حقيقة ذاته واحداً منا، فقد كان يحلّ فيه كل ملء اللاهوت جسدياً، كما أنه ولد من عذراء لم تعرف رجلاً على الإطلاق. (ثالثاً) إن الموت أتى إلى بني إسرائيل عن طريق حية، ولذلك شاء الله أن يكون خلاصهم منه عن طريق حية من نوع آخر. وهكذا الحال من جهة الخطيئة التي تؤدي إلى العذاب الأبدي، فإنها دخلت إلى البشر بواسطة آدم الأول، ولذلك شاء الله أن يكون خلاصهم منها ومن عذابها بواسطة آدم الأخير الذي هو المسيح (رومية 5: 12 - 19) (رابعاً) إن النظر الجسدي إلى الحية النحاسية كان هو السبيل الوحيد الذي عيَّنه الله للشفاء من لدغة الحيات المحرقة، والنظر الروحي إلى المسيح أو بالحري الإيمان الحقيقي به، هو السبيل الذي عيَّنه الله للخلاص من الخطيئة وعذابها (يوحنا 3: 16).
وقال المسيح أيضاً: «أِنَّ ٱبْنَ ٱلإِنْسَانِ أَيْضاً لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ» أو بالحري عوضاً عنهم (مرقس 10: 45). وأيضاً «لأَنَّ ٱبْنَ ٱلإِنْسَانِ قَدْ جَاءَ لِكَيْ يُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ» (متى 18: 11). وعندما شبه نفسه بحبة الحنطة قال: «إِنْ لَمْ تَقَعْ حَبَّةُ ٱلْحِنْطَةِ فِي ٱلأَرْضِ وَتَمُتْ فَهِيَ تَبْقَى وَحْدَهَا. وَلٰكِنْ إِنْ مَاتَتْ تَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِيرٍ» (يوحنا 12: 24)، مشيراً بذلك إلى أنه على أساس موته ستكون لكثير من الناس حياة أبدية، أو بالحري سيكون موته موتاً كفارياً نيابة عنهم.
وعندما تحدث عن نفسه كالخبز النازل من السماء ليهب حياة أبدية للذين يتناولون روحياً منه، قال «وَٱلْخُبْزُ ٱلَّذِي أَنَا أُعْطِي هُوَ جَسَدِي ٱلَّذِي أَبْذِلُهُ مِنْ أَجْلِ حَيَاةِ ٱلْعَالَمِ» (يوحنا 6: 51). كما قال لتلاميذه مرة بأن جسده سيُبذل وبأن دمه سيُسفك عنهم وعن كثيرين (لوقا 22: 19 و 20)، الأمر الذي يدل على أن موت المسيح لم يكن مجرد استشهاد، بل كان أيضاً كفارة عن الخطاة.
فضلاً عن أن شهادة المسيح عن موته كفارة مسجلة بالوحي الإلهي، الأمر الذي لا يدع مجالاً للشك في صدقها، فإننا إذا نظرنا إليها من الناحية العقلية يتضح لنا أنها لا بد أن تكون صادقة أيضاً. وذلك للسببين الآتيين:
-
إن القادة والزعماء (كما نرى في كل البلاد) يحاولون بشتى الوسائل أن يبثوا الشجاعة والإقدام في نفوس أتباعهم. وحتى إذا كان هؤلاء القادة والزعماء مرضى أو على شفا الموت، فإنهم يخفون حالتهم الصحية عن أتباعهم لئلا يتسرب إليهم اليأس والفشل. وإذا كان الأمر كذلك، وكان المسيح بعيداً كل البعد عن وسائل التمويه والتحايل التي يلجأ إليها الناس، فلا ندحة من التسليم بأنه كان يعلم علم اليقين أنه سيموت كما قال، لأنه لولا ذلك لما خطر بباله أن يتحدث مع تلاميذه عن موته، إذ أن الحديث عنه حّز في نفوسهم وفتَّ في عضدهم، وهم في أول الطريق معه.
-
إن المسيح لم يكن مدعياً أو متكبراً بل كان صادقاً كل الصدق ومتواضعاً كل التواضع. ولذلك ليس من المعقول أن يكون قد نادى بأن موته سيكون موتاً كفارياً، والحال أنه كان موتاً استشهادياً أو موتاً عادياً فحسب.
-
كما أننا إذا أمعنا النظر في «حديث المسيح عن موته كفارة»، يتضح لنا أنه لا يجيء بمعزل عن تعاليمه التي كان يوجهها إلى سامعيه (مثل محبة الله للبشر واهتمامه بهم ورغبته في تقريبهم إليه) بل يجيء ممتزجاً بها كل الإمتزاج، حتى إنه لا يمكن فصل هذا الحديث عنها بحال. ومن ثم لا يكون كرقعة أُرتقت بثوب بل كالخيوط التي يتكون منها نسيج الثوب، أو بالحري لا يكون دخيلاً على أقوال المسيح بل يكون من ذات أقواله.
ثانياً - شهادة الرسل عن موت المسيح كفارة، والأدلة على صدقها
-
قال بطرس الرسول للمؤمنين: «إِنْ كُنْتُمْ تَدْعُونَ أَباً ٱلَّذِي يَحْكُمُ بِغَيْرِ مُحَابَاةٍ حَسَبَ عَمَلِ كُلِّ وَاحِدٍ، فَسِيرُوا زَمَانَ غُرْبَتِكُمْ بِخَوْفٍ، عَالِمِينَ أَنَّكُمُ ٱفْتُدِيتُمْ لاَ بِأَشْيَاءَ تَفْنَى، بِفِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ، مِنْ سِيرَتِكُمُ ٱلْبَاطِلَةِ ٱلَّتِي تَقَلَّدْتُمُوهَا مِنَ ٱلآبَاءِ، بَلْ بِدَمٍ كَرِيمٍ، كَمَا مِنْ حَمَلٍ بِلاَ عَيْبٍ وَلاَ دَنَسٍ، دَمِ ٱلْمَسِيحِ، مَعْرُوفاً سَابِقاً قَبْلَ تَأْسِيسِ ٱلْعَالَمِ» (1 بطرس 1: 17 - 20) ولا غرابة في ذلك، فالله كان يعلم منذ الأزل أن الإنسان سيسقط في الخطيئة، فجهز له الخلاص منها من قبل أن يخلقه، الأمر الذي يتوافق مع كماله كل التوافق.
-
وقال يوحنا الرسول عن المسيح «بِهٰذَا قَدْ عَرَفْنَا ٱلْمَحَبَّةَ: أَنَّ ذَاكَ (الذي هو المسيح) وَضَعَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا» (1 يوحنا 3: 16). وأيضاً «فِي هٰذَا هِيَ ٱلْمَحَبَّةُ: لَيْسَ أَنَّنَا نَحْنُ أَحْبَبْنَا ٱللّٰهَ، بَلْ أَنَّهُ هُوَ أَحَبَّنَا، وَأَرْسَلَ ٱبْنَهُ كَفَّارَةً لِخَطَايَانَا» (1 يوحنا 4: 10).
-
وقال بولس الرسول لأهل كورنثوس عن المسيح إنه «مَاتَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا حَسَبَ ٱلْكُتُبِ (النبوية)». وقال أيضاً عنه «وَهُوَ مَاتَ لأَجْلِ ٱلْجَمِيعِ كَيْ يَعِيشَ ٱلأَحْيَاءُ فِيمَا بَعْدُ لاَ لأَنْفُسِهِمْ، بَلْ لِلَّذِي مَاتَ لأَجْلِهِمْ وَقَامَ». وأيضاً إن الله «جَعَلَ (المسيح) ٱلَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، (ذبيحة) خَطِيَّةً لأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ ٱللّٰهِ فِيهِ» (1 كورنثوس 15: 3 ، 2 كورنثوس 5: 15 ، 21).
وقال لأهل رومية: «فَإِنَّهُ بِٱلْجَهْدِ يَمُوتُ أَحَدٌ لأَجْلِ بَارٍّ. رُبَّمَا لأَجْلِ ٱلصَّالِحِ يَجْسُرُ أَحَدٌ أَيْضاً أَنْ يَمُوتَ. وَلٰكِنَّ ٱللّٰهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا، لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ ٱلْمَسِيحُ لأَجْلِنَا» (5: 7 ، 8). وقال أيضاً: «مُتَبَرِّرِينَ مَجَّاناً بِنِعْمَتِهِ بِٱلْفِدَاءِ ٱلَّذِي بِيَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ، ٱلَّذِي قَدَّمَهُ ٱللّٰهُ كَفَّارَةً» (3: 24 و 25). وأيضاً: «لأَنَّ ٱلْمَوْتَ ٱلَّذِي مَاتَهُ قَدْ مَاتَهُ لِلْخَطِيَّةِ مَرَّةً وَاحِدَةً» (6: 10).
وقال لأهل كولوسي عن المسيح «لأَنَّهُ فِيهِ سُرَّ أَنْ يَحِلَّ كُلُّ ٱلْمِلْءِ (أي اللاهوت كله)، وَأَنْ يُصَالِحَ بِهِ ٱلْكُلَّ لِنَفْسِهِ، عَامِلاً ٱلصُّلْحَ بِدَمِ صَلِيبِهِ، بِوَاسِطَتِهِ» (1: 19 و 20). كما قال لهم «وَإِذْ كُنْتُمْ أَمْوَاتاً... أَحْيَاكُمْ مَعَهُ، مُسَامِحاً لَكُمْ بِجَمِيعِ ٱلْخَطَايَا، إِذْ مَحَا ٱلصَّكَّ (أو بالحري دين الخطايا) ٱلَّذِي عَلَيْنَا فِي ٱلْفَرَائِضِ، ٱلَّذِي كَانَ ضِدّاً لَنَا، وَقَدْ رَفَعَهُ مِنَ ٱلْوَسَطِ مُسَمِّراً إِيَّاهُ بِٱلصَّلِيبِ» في المسيح (كولوسي 2: 13 ، 14).
وقال لأهل أفسس عن المسيح: «ٱلَّذِي فِيهِ لَنَا ٱلْفِدَاءُ، بِدَمِهِ غُفْرَانُ ٱلْخَطَايَا، حَسَبَ غِنَى نِعْمَتِهِ» (1: 7) وأنه صالحنا «فِي جَسَدٍ وَاحِدٍ مَعَ ٱللّٰهِ بِٱلصَّلِيبِ، قَاتِلاً ٱلْعَدَاوَةَ بِهِ» (2: 16). وأنه «أَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا، قُرْبَاناً وَذَبِيحَةً لِلّٰهِ رَائِحَةً طَيِّبَةً» (5: 2). وأنه أحب المؤمنين وأسلم نفسه لأجلهم لكي يحضرهم لنفسه كنيسة مجيدة لا دنس فيها ولا غَضَن. (كلمة «الكنيسة» ليست عربية بل عبرية، ويراد بها «جماعة من الناس» تجمعها وحدة ما. أما في المسيحية فيراد بها المؤمنون الحقيقيون وحدهم (أفسس 5: 25). أما «الغَضَن» فهو التجعد الذي يعلو الوجه عند الشيخوخة أو الإعياء. والمراد بالعبارة المذكورة أعلاه، أن الله سيحضر المؤمنين الحقيقيين إليه كاملين كل الكمال، بفضل كفارة المسيح الثمينة لأجلهم على الصليب، وعمله الروحي في قلوبهم طوال وجودهم على الأرض.
وقال للعبرانيين عن المسيح: «لِكَيْ يَذُوقَ بِنِعْمَةِ ٱللّٰهِ ٱلْمَوْتَ لأَجْلِ كُلِّ وَاحِدٍ» (2: 9) لأن المسيح عندما كان على االصليب، كان يمثل كل إنسان في موقفه كمذنب أمام الله في يوم الدينونة، فحمل كل خطاياه من بداية حياته إلى آخرها، الأمر الذي يعطي كل مؤمن حقيقي الإطمئنان الكامل من جهة قبوله أمام الله على أساس كفارة المسيح. كما قال «إنه ُظْهِرَ مَرَّةً عِنْدَ ٱنْقِضَاءِ ٱلدُّهُورِ لِيُبْطِلَ ٱلْخَطِيَّةَ بِذَبِيحَةِ نَفْسِهِ» (عبرانيين 9: 26)، كما قال عنه «فَبَعْدَمَا قَدَّمَ عَنِ ٱلْخَطَايَا ذَبِيحَةً وَاحِدَةً، جَلَسَ إِلَى ٱلأَبَدِ عَنْ يَمِينِ ٱللّٰهِ» (10: 12). وإنه «لِكَيْ يُقَدِّسَ ٱلشَّعْبَ بِدَمِ نَفْسِهِ، تَأَلَّمَ خَارِجَ ٱلْبَابِ» (عبرانيين 13: 12). أو بالحري خارج باب المدينة حيث كانت تحرق الذبائح الكفارية عوضاً عن الخطاة في العهد القديم.
وقال لتلميذه تيموثاوس عن المسيح: «أنه بَذَلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً لأَجْلِ ٱلْجَمِيعِ» (1 تي 2: 6)، لكي يفتدينا من كل إثم.
فضلاً عن أن شهادة الرسل مسجلة بالوحي الإلهي، الأمر الذي لا يدع مجالاً للشك في صدقها، فإننا إذا نظرنا إليها من الناحية العقلية يتضح لنا أنها لا بد أن تكون صادقة أيضاً: وذلك للأسباب الآتية:
-
إن شهادة الرسل عن موت المسيح كفارة لا تجيء بمعزل عن نصائحهم وإرشاداتهم للمؤمنين، بل تجيء ممتزجة بهذه وتلك كل الإمتزاج. ومن ثم فإنها لا تكون كرقعة أرتقت بثوب، بل كالخيوط التي يتكون منها نسيج الثوب، الأمر الذي يدل على أن موت المسيح كفارة، حقيقة لا سبيل للطعن فيها.
-
إن الرسل لم يكونوا من أصحاب الجاه أو السلطان الذين قالوا شيئاً غير الحقيقة صدّقهم بعض الناس وآمنوا على أقوالهم، كما نشاهد في بعض الأحيان، بل كان معظمهم من الفقراء المعدمين الذين يملكون بالكاد قوت يومهم. فإذا أضفنا إلى ذلك (أولاً) أن الرسل الذين ذكرنا شهادتهم كان يختلف أحدهم عن الآخر من جهة السن والثقافة والطباع والمركز الإجتماعي اختلافاً عظيماً. فبطرس كان جريئاً متحمساً، ويوحنا كان وديعاً هادئاً، فضلاً عن ذلك كان الأول فقيراً ومتقدماً في السن، بينما الآخر كان غنياً وحديثاً في السن (ثانياً) إن بولس كان عالماً كبيراً وشخصاً متعنتاً عنيداً لا يسلّم بآراء غيره بسهولة، كما كان من قبل ألد أعداء المسيحية وأكبر المقاومين لها (ثالثاً) إن اتفاق مجموعة متباينة من الناس (مثل هذه) على أمر ما، دليل أنه حقيقة واقعة لا مجال للشك فيها، اتضح لنا أن شهادة الرسل السابقة لا بد أنها صادقة كل الصدق.
-
أخيراً نقول: بما أن الرسل بشهادتهم أن المسيح مات كفارة عن البشر، كانوا يعلنون لليهود زوال فائدة الذبائح الحيوانية التي كانوا يقدمونها لله على أيدي كهنتهم، مؤكدين لهم أنها كانت مجرد رموز إلى كفارة المسيح. وبما أن هذه الشهادة كانت تثير هؤلاء الكهنة ضد الرسل وتدفعهم لشن الإضطهاد عليهم، لأن بامتناع اليهود عن تقديم الذبائح المذكورة، يحرم الكهنة من موارد رزقهم. وبما أنه لو لم يكن المسيح قد مات فعلاً كفارة عن البشر، لما كان قد خطر ببال الرسل أن ينطقوا بمثل هذه الشهادة، لأنه ليس من المعقول أن يختلقوا (وهم جماعة متباينة من الناس كما ذكرنا) موضوعاً لا حقيقة له، وفي الوقت نفسه يتعرضون بسببه للإضطهاد والعذاب. كما أنه على الرغم من تهاطل هذا وذاك عليهم يستمرون في إذاعته بكل ما لديهم من قوة ونشاط، لذلك لا بد أن شهادتهم عن موت المسيح كفارة هي شهادة صادقة كما ذكرنا.
ثالثاً - شهادة أنبياء العهد القديم عن موت المسيح كفارة والأدلة على صدقها
-
قال داود النبي بروح النبوة سنة 1000 ق.م عن لسان المسيح «أَكْثَرُ مِنْ شَعْرِ رَأْسِي ٱلَّذِينَ يُبْغِضُونَنِي بِلاَ سَبَبٍ (مشيراً إلى كراهية اليهود به وصلبهم إياه) ٱعْتَّزَ مُسْتَهْلِكِيَّ أَعْدَائِي ظُلْماً. حِينَئِذٍ رَدَدْتُ ٱلَّذِي لَمْ أَخْطَفْهُ» (مزمور 69: 4) قاصداً بذلك أن المسيح مع أنه لم يخطف شيئاً (أو بالحري لم يسلب الله حقاً من حقوقه) لأن الذي فعل ذلك هم البشر وحدهم، غير أنه ردّ بنفسه لله ما خطفوه وسلبوه، أو بالحري قام بإيفاء مطالب عدالة الله وقداسته في نفسه نيابة عنهم.
-
وقال إشعياء النبي بروح النبوة سنة 700 ق.م. عن المسيح «وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا (وليس لأجل معاص ارتكبها. مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا (وليس لأجل آثام اقترفها). تَأْدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ (أي أن ما نستحقه من قصاص، حتى تتحقق عدالة الله من جهتنا ويصفو الجو بيننا وبينه، قد احتمله المسيح عوضاً عنا)، وَبِحُبُرِهِ (أي جروحه) شُفِينَا (من مرض الخطية القتال). كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ، وَٱلرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا» (53: 5 ، 6)، عوضاً عن أن يبقيه علينا ويحملّنا مسؤوليته وقصاصه.
-
وقال الملاك جبرائيل لدانيال النبي الذي عاش سنة 550 ق.م. في رؤيا خاصة «سبعون أسبوعاً (أي 490 سنة). قُضِيَت على شعبك (أي على اليهود) وعلى مدينتك المقدسة (أورشليم) لتكميل المعصية وتتميم الخطايا (اللذين حدثا برفضهم للمسيح) ولكفارة الإثم (أي لإزالة معصيتهم والإنتهاء من أمر خطاياهم)، وليُؤْتَى بالبر الأبدي (الذي يدوم إلى الأبد على أساس الكفارة المذكورة) ولختم الرؤيا والنبوة (أي لإتمامهما وتحقيقهما)، ولمسح قدوس القدوسين (أيضاً)، فاعلم وافهم أنه من خروج الأمر لتجديد أورشليم وبنائها - الذي حدث في عهد أرتحشستا الملك (نحميا 2: 1 - 8) - إلى المسيح الرئيس (في مجيئه الأول) سبعة أسابيع واثنان وستون أسبوعاً (أي 49 سنة زائد 434 سنة يساوي 483 سنة). وَبَعْدَ ٱثْنَيْنِ وَسِتِّينَ أُسْبُوعاً (أي 434 سنة) يُقْطَعُ ٱلْمَسِيحُ (أي يرفض ويقتل) وَلَيْسَ لَهُ (أي ليس له الملك الذي يحق له)» (دانيال 9: 24 - 26).
والأسبوع هنا هو أسبوع السنين، فقد قال الله لحزقيال النبي عن الأزمنة الخاصة بالنبوات التي أعلنها له، أنه جعل له اليوم عوضاً عن سنة (حزقيال 4: 5). أما عندما يكون المراد بالأسبوع سبعة أيام عادية، فإن الكتاب المقدس ينص على ذلك، فقد ذكر في موضع آخر أن دانيال قال «فِي تِلْكَ ٱلأَيَّامِ أَنَا دَانِيآلَ كُنْتُ نَائِحاً ثَلاَثَةَ أَسَابِيعِ أَيَّامٍ» (دانيال 10: 2).
-
وقال الملاك ليوسف خطيب العذراء مريم: «سَتَلِدُ ٱبْناً وَتَدْعُو ٱسْمَهُ يَسُوعَ، لأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ» (متى 1: 21)، ولا خلاص من الخطايا إلا بالتكفير عنها، فيكون المسيح هو الشخص الذي يكفر عن الخطايا.
-
وقال زكريا الكاهن (أبو يوحنا المعمدان) متنبئاً عن فداء الله في المسيح: «مُبَارَكٌ ٱلرَّبُّ إِلٰهُ إِسْرَائِيلَ لأَنَّهُ ٱفْتَقَدَ وَصَنَعَ فِدَاءً لِشَعْبِهِ» (لوقا 1: 68)، فيكون المسيح هو الفادي الذي يخلص البشر من خطاياهم.
-
وقال سمعان الشيخ لله، عندما حمل المسيح في طفولته: «ٱلآنَ تُطْلِقُ عَبْدَكَ يَا سَيِّدُ (من العالم) حَسَبَ قَوْلِكَ بِسَلاَمٍ، لأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ أَبْصَرَتَا خَلاَصَكَ، ٱلَّذِي أَعْدَدْتَهُ قُدَّامَ وَجْهِ جَمِيعِ ٱلشُّعُوبِ» (لوقا 2: 25 - 31)، الأمر الذي يدل على أن هذا الشيخ قد اطمأن من جهة مستقبله الأبدي، لأنه رأى في المسيح الخلاص الذي كان الله قد أعدّه للنجاة من شر الخطيئة وقصاصها.
-
وقال يوحنا المعمدان عن المسيح: «هُوَذَا حَمَلُ ٱللّٰهِ ٱلَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ ٱلْعَالَمِ» (يو 1: 29) أو بالحري هو (كبش الفداء) الذي يموت كفارة عن البشر جميعاً.
وقال قيافا رئيس كهنة اليهود بروح النبوة «أَنَّ يَسُوعَ مُزْمِعٌ أَنْ يَمُوتَ عَنِ ٱلأُمَّةِ، وَلَيْسَ عَنِ ٱلأُمَّةِ فَقَطْ، بَلْ لِيَجْمَعَ أَبْنَاءَ ٱللّٰهِ ٱلْمُتَفَرِّقِينَ (في جميع أنحاء العالم) إِلَى وَاحِدٍ» (يوحنا 11: 49 - 52)، أو بالحري ليفديهم ويجعلهم شعباً واحداً لله.
الأدلة على صدق شهادة أنبياء العهد القديم: فضلاً عن أن هذه الشهادة مسجلة بالوحي الإلهي، الأمر الذي لا يدع مجالاً للشك في صدقها، فإننا إذا نظرنا إليها من الناحية العقلية يتضح لنا أنها لا بد أن تكون صادقة أيضاً، وذلك للأسباب الآتية:
-
إن التوراة التي وردت بها معظم هذه الآيات، كتبت قبل مجيء المسيح إلى العالم بمئات السنين، ولا تزال موجودة إلى الآن في أيدي اليهود جميعاً. وفي أثناء خدمة المسيح على الأرض، كانت هناك نسخ منها في الهيكل والمجامع والمدارس الدينية، وكان الكهنة واللاويون يقدِّسون هذه النسخ ويقرأون فيها كل يوم ويحافظون عليها بكل دقة وعناية، فليس من المعقول إطلاقاً أن يكون بعض المسيحيين قد دّونوا النبوات السابق ذكرها (إن سّولت لهم نفوسهم القيام بهذه الجريمة) في عدد من نسخ التوراة. لأن جريمة مثل هذه لو حدثت، لكانت تُكتشف في الحال، وتبعاً لذلك لكان اليهود أحرقوا النسخ التي حدث بها التزوير، وقضوا على الذين قاموا به قضاء تاماً.
-
إن هذه الشهادة صادرة من أشخاص لا تربطهم رابطة ما، فبينهم الصديق والعدو، والملاك والإنسان، والشيخ والشاب، ومن عاش في بلاد الفرس قبل الميلاد بمئات السنين، ومن عاش في بلاد أورشليم بعد الميلاد ببضع سنوات. وبالرغم من هذه الإختلافات الجوهرية اتّحدت شهادتهم على أن موت المسيح هو للتكفير عن الخطيئة. إذاً لا شك أنهم كانوا منقادين في شهادتهم هذه بروح واحد هو روح الله. إذ لولاه لما كانوا، وهذا شأنهم من التباين والإختلاف، يُجمعون على شيء واحد.
-
أخيراً نقول أن التاريخ الذي حددته نبوة دانيال النبي لمجيء المسيح للتكفير عن الخطيئة قد أثبت صدقه أساطين التاريخ مثل ياهين وهنجسبرج وسايس وأنولود وكوبر، فقد أجمعوا على أن صدور أمر أرتحشستا لتجديد أورشليم كان سنة 455 ق.م، وبذلك يكون الباقي بعد خصم هذا التاريخ من 69 أسبوع السنين (أي ال 483 سنة) هو ما يعادل 28 سنة بعد الميلاد بالنسبة إلى تاريخ روما. وبعد إضافة سنة الفرق بين التاريخ القديم والحديث (الذي رأى العلماء وجوب إضافته لضبط التواريخ) يكون الناتج 29 سنة ميلادية، وهذه هي السنة التي صُلب المسيح فيها. لأن المؤرخين القدامى قدّروا تاريخ ميلاد المسيح بما اكتشف فيما بعد أنه يوافق سنة 4 ق.م، وذلك عندما قورن بتاريخ روما الذي كان يسود العالم وقتئذٍ. وبإضافة 29 إلى 4 يكون الناتج 33، وهذا هو السن الذي صلب فيه المسيح.
2 - أدلة عقلانية على موت المسيح كفارة | ||
1 - قبول المسيح للموت بإرادته:
كان في وسع المسيح أن يتجنَّب الصلب (لو شاء أن يتجنّبه)، وذلك إما بالعودة إلى السماء التي أتى منها، وهذه كانت ترحب به في أي وقت أراد، إذ أنها ملكه وتحت سلطانه، وكان قد غادرها بإرادته، فكان له أن يعود إليها بإرادته أيضاً (يوحنا 16: 28). أو باستحضار جيش من الملائكة لكي يقضي على اليهود جميعاً في لحظة من الزمان (متى 26: 53). أو بالإبتعاد عنهم بوسيلة من الوسائل كما فعل أكثر من مرة في أوائل خدمته بينهم (لوقا 4: 30 ، يوحنا 8: 59)، حينما علم أن ساعة انتقاله من العالم لم تكن قد جاءت بعد (يوحنا 7: 6). أو بالكف عن توبيخ رؤساء الكهنة لأن هذا هو الذي أثارهم ضده ودفعهم إلى قتله.
لكن إذا رجعنا إلى تاريخ المسيح نرى (أولاً) أن تلاميذه حاولوا أن يمنعوه من الذهاب إلى أورشليم خوفاً عليه من عدوان اليهود وبطشهم (يو 11: 8 - 10) ومع ذلك ثبّت وجهه للذهاب إليها (لو 9: 51). (ثانياً) أن الجنود الذين أتوا للقبض عليه سقطوا على وجوههم أمام هيبته، ومع ذلك لم يستثمر هذا الظرف ليسيطر عليهم ويضمهم تحت لوائه، بل سلم نفسه بإرادته إليهم (يو 18: 6). (ثالثاً) أن التلاميذ لم يكونوا عزلاً بل كان معهم سيفان، ومن المحتمل أيضاً أنه كان معهم عدد من السكاكين التي كانوا يستعملونها وقتئذٍ في ذبح خراف الفصح كعادتهم، ومع ذلك لم يسمح المسيح لهم باستعمال أي وسيلة من وسائل الدفاع. إذ عندما رفع بطرس سيفه وهوى به على أحد أتباع كهنة اليهود، قال المسيح له: «إجعل سيفك في الغمد» (يوحنا 18: 11). (رابعاً) أن هيرودس الملك الذي أسندت إليه محاكمة المسيح في فترة ما، فرح عندما رآه وطلب منه أن يعمل معجزة أمامه، ولو كان المسيح قد أجابه إلى طلبه، لكان هيرودس قد أطلق سراحه وصانه من أعدائه. ولكن المسيح أبى أن يجيبه على الإطلاق (لوقا 23: 8 و 9). (خامساً) أخيراً نقول إن بيلاطس الوالي الذي تولى محاكمة المسيح في أول الأمر وآخره، أفسح له المجال للدفاع عن نفسه لكي يبرئ ساحته، ومع ذلك لم يجبه المسيح بكلمة حتى تعجب هذا الوالي جداً (متى 27: 12 - 14) - وكل موقف من هذه المواقف يدل على أن المسيح كان قد عقد النية وقتئذٍ على أن يقدّم نفسه للصلب، وطبعاً لم يكن هناك داع لذلك، لولا أنه قصد أن يكون كفارة كما ذكرنا.
2 - موافقة الله على صلب المسيح:
لو لم يكن موت المسيح موتاً كفارياً لكان الله قد أسرع بإنقاذه، لأنه الشخص الوحيد الذي عاش على الأرض دون خطيئة، وشخص مثله لا يجوز أن يقع تحت قضاء الموت، إذ أن الموت هو فقط أجرة الخطيئة وعاقبتها. لكن المسيح وقف لكي يحاكم أمام أشر الناس، ويُبصق على وجهه ويُلطم عل خده ويُجلد على ظهره، ثم يُسمر بعد ذلك على صليب العار، ويُعلق بين اثنين من المجرمين - كل ذلك والسماء لم تحرك ساكناً: فلم تُهلك الأشرار أو العتاة، أو تُرسل ملائكتها لإنقاذ المسيح من بين أيديهم. فهل فشل ناموس الله الأدبي في القيام بمهمته؟ أم تغير تعالى في ذاته وصفاته؟ أم ترك العالم وشأنه نهائياً تحت سلطان الشر والاثم؟ طبعاً كلاّ وكلا، لأن الله لا يتغير بأي حال من الاحوال، ولا يترك العالم وشأنه إلى النهاية. كما أن ناموسه الأدبي لا يفشل في مهمته على الإطلاق. وإذا كان الأمر كذلك، فلا بد من التسليم بأن الله هو الذي سمح بصلب المسيح، وأنه سمح بذلك لكي يكون المسيح كفارة عن خطايانا.
أما عن الإعتراض: فلماذا سمح الله إذاً بموت القديسين الأفاضل بأيدي الأثمة الأشرار؟ فلا مجال له، لأنه لو كان القديسون المذكورون قد نجوا من الموت، لكانوا سيموتون مثل باقي الناس. ومن ثم كان الأشرف لهم أن يموتوا شهداء الحق، من أن يموتوا موتاً عادياً.
وقد أعلن الوحي بعبارات صريحة أن موت المسيح، وإن كان بحسب الظاهر بإرادة اليهود، غير أنه كان في حقيقة الأمر بإرادة الله. فقد قال بطرس الرسول لليهود عن المسيح بعد صعوده إلى السماء «هٰذَا أَخَذْتُمُوهُ مُسَلَّماً بِمَشُورَةِ ٱللّٰهِ ٱلْمَحْتُومَةِ وَعِلْمِهِ ٱلسَّابِقِ، وَبِأَيْدِي أَثَمَةٍ صَلَبْتُمُوهُ وَقَتَلْتُمُوهُ» (أعمال 2: 23). كما خاطب هو وباقي الرسل المولى قائلين معاً له: «لأَنَّهُ بِٱلْحَقِيقَةِ ٱجْتَمَعَ عَلَى فَتَاكَ ٱلْقُدُّوسِ يَسُوعَ، ٱلَّذِي مَسَحْتَهُ، هِيرُودُسُ وَبِيلاَطُسُ ٱلْبُنْطِيُّ مَعَ أُمَمٍ وَشُعُوبِ إِسْرَائِيلَ، لِيَفْعَلُوا كُلَّ مَا سَبَقَتْ فَعَيَّنَتْ يَدُكَ وَمَشُورَتُكَ أَنْ يَكُونَ» (أعمال 4: 27 و 28)، الأمر الذي يدل على أن الله قصد بموت المسيح أن يكون كفارة عنا كما ذكرنا.
3 - حزن المسيح قبل الصليب:
إذا رجعنا إلى التاريخ نرى أن القديسين الشهداء كانوا يقابلون الصلب والطرح في النيران بالفرح والإبتهاج، ونظراً لأن المسيح فضلاً عن كونه أعظم منهم شجاعة واحتمالاً بدرجة لا حد لها بسبب قداسته المطلقة، هو الذي قدّم نفسه للصلب بمحض إرادته كما اتضح لنا مما سلف، لذلك لا بد أن يكون بحسب تقديراتنا البشرية قد قابل آلامه بفرح وابتهاج أعظم منهم جميعاً. لكن إذا تطلعنا إلى المسيح قبل نزول هذه الآلام به نراه في حالة تختلف كل الإختلاف عن تلك التي كنا نتوقع أن نراه عليها، إذ أنه كان يحزن ويكتئب ويقول لتلاميذه: «نفسي حزينة جداً حتى الموت»، كما كان يصلي بلجاجة جعلت عرقه يتساقط كقطرات الدم، نتيجة الجهاد النفسي العنيف.
وهنا يتساءل العقل: لماذا حزن المسيح هذا الحزن المفرط؟
الجواب: طبعاً لأن آلام الصلب التي كان ينتظرها، لا بد كانت أقسى بدرجة لا حدّ لها من آلام الصلب العادية التي كان يحتملها القديسون الشهداء. أو بتعبير آخر لا بد أن هذه الآلام كانت آلام الكفارة التي نستحقها إلى الأبد بسبب خطايانا، لأن هذه الآلام لا نهاية لهولها. ومن ثم فإنه له المجد لم يحزن بسبب خطيئة ارتكبها، بل بسبب الخطايا التي ارتكبناها نحن جميعاً.
4 - انتشار الظلام على الأرض:
عندما كان المسيح معلقاً على الصليب غطى الظلام وجه الأرض، واستمر هذا الظلام ثلاث ساعات متتالية، من الساعة السادسة من النهار إلى الساعة التاسعة منه. وكان هذا الظلام نتيجة لهبوط سحابة كثيفة سوداء - والسحابة كما يتضح من الكتاب المقدس رمز لحضور الله وتداخله في شؤون البشر (عدد 11: 25)، واللون الأسود كما نعلم رمز إلى الأسى العميق أو الغضب المريع. وليس هناك شيء يدعو إلى الأسى العميق سوى الخطيئة، وليس هناك شيء يدعو الله لإظهار الغضب المريع سواها. ومن ثم فالمسيح ولا شك كان يحمل وقتئذٍ خطايا البشرية، أو بعبارة أخرى كان يكّفر عنها.
هذا الظلام لم يكن نتيجة كسوف للشمس (كما يقال)، إذ أن المسيح صلب في اليوم الرابع عشر من الشهر القمري، وفي هذا الوقت لا يحدث كسوف على الاطلاق، فضلا عن ذلك فإن أطول كسوف كلي للشمس لا يستمر إلا بضع دقائق، كما أنه لا يحدث إلا بالتدريج. أما الظلمة التي حدثت عند صلب المسيح، فقد بدأت دفعة واحدة، وظلت ثلاث ساعات متتالية، انقشعت بعدها دفعة واحدة أيضاً.
وقد أشار إلى هذا الظلام كثير من القدامى فقال فليفون الفلكي في القرن الثاني «إن الظلام الذي حدث عند صلب المسيح لم يحدث في الكون مثله من قبل»، وقال ديونسيوس الأريوباغي، عندما شاهد هذا الظلام: «إما أن إله الطبيعة يتأمل الآن، أو أنه يرثي لشخص يتألم» (الخريدة النفيسة ج 1 ص 114). وقد أشار إلى الظلام المذكور أيضاً ثلس المؤرخ الوثني وترتوليانوس الفيلسوف المسيحي في القرن الثاني، كما أشار إليه الامام الحافظ المؤرخ الإسلامي في القرن الرابع عشر في كتابه (البداية والنهاية ج 1 ص 182).
5 - ترك الله للمسيح:
في الثلاث الساعات الأولى لصلب المسيح، تحدث له المجد في أمور شتى، فطلب الغفران لصالبيه، ووعد اللص التائب بالفردوس، واستودع أمه لرعاية تلميذه يوحنا لكي يعتني بها. لكن عندما أرخى الظلام سدوله في الساعات الثلاث التالية، لاذ بصمت رهيب، ثم صرخ (بوصفه ابن الإنسان) قائلاً: «إلهي إلهي، لماذا تركتني!؟» - وهنا يتساءل العقل:
-
هل يترك الله أصفياءه في أوقات الضيق والشدة؟ (الجواب) طبعاً كلا، بل ينقذهم وينجيهم، وذلك بناء على وعده الصادق: «ٱدْعُنِي فِي يَوْمِ ٱلضِّيقِ أُنْقِذْكَ فَتُمَجِّدَنِي» (مزمور 50: 15) وإذا شاء تعالى أن يموتوا شهداء الحق، فإنه يدنو منهم بصفة خاصة ويساعدهم على احتمال آلام الإستشهاد، فيجوزون فيها بفرح وابتهاج كما حدث ويحدث مع القديسين الشهداء. لكنه تعالى لم يعامل المسيح (بوصفه ابن الإنسان) حتى بهذه المعاملة المألوفة، بل تركه وحده، مع أن المسيح لم يكن في وقت ما (إن جازت المقارنة) أكثر سمواً لدى الله من الوقت الذي كان معلَّقاً فيه على الصليب، لأن هناك أظهر المسيح الطاعة الكاملة لإرادة الله والإخلاص المطلق له. ولذلك ما كان ليتركه لولا أن موته كان موتاً كفارياً.
-
وهل يقتضي الأمر أن يترك الله المسيح، إذا كان موته موتاً كفارياً؟ (الجواب) طبعاً نعم. لأنه بما أن الله لقداسته لا يتوافق مع الخطيئة أينما وُجدت، وبما أن المسيح رضي أن يضع على نفسه خطايانا، كما لو كانت خطاياه الشخصية، كان من البديهي أن يقف من الله موقفنا منه، فيشعر بشرّ الخطيئة وشناعتها، ويقاسي الآلام التي تتناسب معها، ومن بين هذه الآلام أن يُحرم بصفته الإنسانية من التمتع به تعالى. ولذلك فمع بقاء المسيح في مركزه الذاتي، وهو الكامل الذي لا ينفصل عن الله على الإطلاق، أصبح كإبن الإنسان في مركزه النيابي على الصليب في الساعات الثلاث المذكورة، كما لو كان هو كل البشر حاملين خطاياهم وشرورهم، ومحتملين في نفوسهم العذاب المريع الذي يستحقونه بسببها. وطبعاً لم يكن لكائن سوى المسيح أن ينوب عنهم في هذه الحالة المريرة، وذلك للأسباب التي ذكرناها في الباب السابق.
-
ألا يدل ترك الله للمسيح على أن لاهوت المسيح فارق ناسوته بضع ساعات؟ (الجواب) كلا، لأن اللاهوت واحد ووحيد ولا يتجزأ أو يتفكك على الإطلاق، وذلك لعدم وجود أي تركيب فيه. ومن ثم فإنه جوهر الآب والروح القدس معاً من الأزل إلى الأبد.
وإذا كان الأمر كذلك، أدركنا أن ترك الله للمسيح وقتئذٍ لا يراد به إلا أن الله جعل المسيح (بوصفه ابن الإنسان النائب عن الخطاة) يحتمل في ساعات الظلام الرهيب كل دينونة العدالة الإلهية عن خطايا البشر جميعاً، دون أن يقدم له أية معونة تخفف من وطأتها على نفسه، حتى يكون تكفيره عنهم تكفيراً قانونياً يتفق مع عدالة الله المطلقة كل الإتفاق. ومن ثم فقول المسيح: «إلهي إلهي لماذا تركتني» ليس اعتراضاً أو استفهاماً (لأن المسيح لم يكن يعترض على معاملة الله أو يجهلها)، بل هو تعبير عن الآلام الكفارية التي كان المسيح يجتاز فيها، والتي كانت قد بلغت أقصاها، حتى تملَّكه الإحساس وكأنه وحيد فريد أمام شر الخطيئة وعذابها الأليم.
-
ألا يدل صراخ المسيح هذا، على أنه كان على الصليب مقهوراً ومغلوباً على أمره؟
(الجواب) كلا، لأنه له المجد لا يُقهر ولا يُغلب على أمره، بل يدل على ثقته (بوصفه ابن الإنسان) في الله كل الثقة، على الرغم من الظروف القاسية التي كان يجتاز فيها، لأنه لولا ذلك لما صرخ إليه على الإطلاق. كما يدل على كماله الذاتي لأن البشر العاديين إذا اجتازوا في الآلام، لا يستطيعون أن يقولوا لله «لماذا تركتنا؟» لأنهم بسبب خطاياهم يستحقون أن يتركوا منه.
ومع كل فإن هذا الترك وإن كان حقيقياً، وقد أحس المسيح به فعلاً لأنه وضع نفسه موضع الخطاة، غير أنه لم يكن إلا إلى حين فحسب، لأن القول: «لماذا تركتني؟» تعبير عن اختبار حدث على الصليب في فترة ثم مضى وانتهى. كما أن قوله بعد ذلك: «يَا أَبَتَاهُ، فِي يَدَيْكَ أَسْتَوْدِعُ رُوحِي» (لوقا 23: 46) دليل على أن صلته (حتى بوصفه ابن الإنسان) بالله لم تنقطع، وكل ما في الأمر أنه بعد معاناته لكل آلام الصلب القاسية، عاد وأراح نفسه (كإبن الإنسان) بين يدي الله في المجد بعمل الكفارة إلى التمام.
أخيراً نقول: إن المسيح وإن كان قد قاسى على الصليب آلاماً لا نستطيع الإحاطة بها، غير أنه كان في الباطن مسروراً ومبتهجاً بتحملها نيابة عنا. فلسان حاله بوصفه ابن الإنسان، كان وقتئذٍ، كما في كل وقت آخر «أَنْ أَفْعَلَ مَشِيئَتَكَ يَا إِلٰهِي سُرِرْتُ» (مزمور 40: 8). ولا عجب في ذلك، فالمزمور الذي أشار إلى قول المسيح: «إلهي إلهي لماذا تركتني؟» ليس مزمور اليأس والفشل، بل مزمور اليقين والأمل، لأنه ينتهي بالقول: «أُخْبِرْ بِٱسْمِكَ إِخْوَتِي. فِي وَسَطِ ٱلْجَمَاعَةِ أُسَبِّحُكَ» (مزمور 22: 22) الأمر الذي يدل على أن المسيح عندما كان معلقاً على الصليب كان واثقاً أنه سيقوم من بين الأموات، وأنه سيعلن نعمة الله وخلاصه للمؤمنين الحقيقيين، ثم يقودهم بعد ذلك للحمد والتسبيح لله لأجلهما.
6 - موته السريع:
بعد ست ساعات من صلب المسيح، أتى الجند وكسروا سيقان اللصين اللذين كانا مصلوبين معه، لكي يموتا وتدفن جثتهما قبل الغروب كما جرت العادة عند اليهود. إذ كان اليوم التالي للصلب يوم سبت، وهذا اليوم يوم مقدس لديهم يجب أن لا تبقى فيه الأجساد معلقة على الصليب. ولكن لما أتوا إلى المسيح لم يكسروا ساقيه لانهم رأوه قد مات (يوحنا 19: 33). ومن القرائن الخاصة بهذا الموضوع يتضح لنا أنه مات بسرعة لم تكن منتظرة على الإطلاق، حتى أن الوالي الذي حكم عليه بالصلب عندما بلغه هذا الخبر، لم يصدقه إلا بعدما سمعه من فم قائد المائة الذي كان ملازماً للصليب (مرقس 15: 44 ، 45).
إن عدم كسر ساقي المسيح لم يكن أمراً قضت به الظروف وقتئذ فحسب، بل كان أمراً معيناً بواسطة الله منذ الأزل. وقد أشار تعالى إليه قبل صلب المسيح بأكثر من 1500 سنة في رمز قديم. فقال لموسى النبي أن ينهى بني إسرائيل عن كسر عظام خروف الفصح (خروج 12: 46) الذي كان رمزاً إلى كفارة المسيح التي على أساسها تعبر الدينونة الأبدية عن المؤمنين الحقيقيين، كما عبر سيف الهلاك قديماً عن أبكار بني إسرائيل على أساس دم الخروف المذكور. فقد قال الرسول: «لأَنَّ فِصْحَنَا أَيْضاً ٱلْمَسِيحَ قَدْ ذُبِحَ لأَجْلِنَا. إِذاً لِنُعَيِّدْ، لَيْسَ بِخَمِيرَةٍ عَتِيقَةٍ، وَلاَ بِخَمِيرَةِ ٱلشَّرِّ وَٱلْخُبْثِ، بَلْ بِفَطِيرِ ٱلإِخْلاَصِ وَٱلْحَقِّ» (1 كورنثوس 5: 7 ، 8) أو بالحري نعيّد بحياة طاهرة نقية لا أثر للشر فيها، إذ أن الخميرة، كما يتضح من الكتاب المقدس، رمز إلى الشر الدفين في النفس.
فلماذا مات المسيح بهذه السرعة، وقد كان بسبب نقاوته وطهارته أقوى الناس بنية وأمتنهم أعصاباً وأقدرهم على مقاومة الآلام؟
(الجواب) إذا وضعنا أمامنا أن المصلوب يموت (كما يقول الأطباء) موتاً بطيئاً في مدة تتراوح بين 24 و 28 ساعة «بالصدمة الثانوية»، متأثراً إما بالإجهاد العصبي والتهاب الجروح ونزف الدماء، أو بتعطل الدورة الدموية واضطراب القلب، اتضح لنا أن موت المسيح بعد 6 ساعات (أي قبل الوقت الذي يُنتظر أن يموت فيه أضعف شخص يعلق على الصليب بِ 18 ساعة)، لا يعلل طبيعياً إلا بأن الآلام التي كان يجتاز فيها وقتئذٍ، لم تكن الآلام الجسدية الظاهرية فحسب، بل لا بد أنه كانت مع هذه الآلام، آلام أخرى. وهذه الآلام لا يمكن أن تكون سوى آلام الكفارة التي كان يتقبلها في نفسه عوضاً عنا، لأنه لا نهاية لهول هذه الآلام أو شدتها كما ذكرنا، ومن ثم كانت كافية بالطبيعة للقضاء على حياة المسيح الجسدية في وقت وجيز.
ولذلك ذهب الأطباء إلى أنه طرأ على المسيح عندما كان معلَّقاً على الصليب، ما يسمى فسيولوجياً «ارتشاح فجائي في القلب»، ويسمى لدى العامة «كسر القلب» وقد سبق الوحي وأشار إلى هذه الحقيقة، فقال النبي عن لسان المسيح: «ٱلْعَارُ قَدْ كَسَرَ قَلْبِي» (مزمور 69: 20) وهذا العار لم يكن طبعاً عاراً لحق بالمسيح بسبب شرّ فعله. فقد كان كاملاً كل الكمال، بل كانت الخطيئة التي تردَّينا نحن فيها، والذي رضي المسيح أن يحمله على نفسه نيابة عنا على الصليب.
أما قول بعض المفسرين إن المسيح مات بسرعة بسبب جهاده في الليلة السابقة للصلب، وجلد الجنود له بعد القبض عليهى، فليس بصواب. لأنه وإن كان هذان الأمران يسببان الإعياء، لكن صراخ المسيح بصوت عظيم عندما كان معلقاً على الصليب، (متى 27: 46)، يدل على أنه كان وقتئذٍ في كامل القوة والحيوية على الرغم مما أصابه من أذى. ومن ثم فإن موته السريع كان راجعاً إلى تحمله آلام الكفارة القاسية كما ذكرنا - ومن هذا يتضح أن المسيح لم يمت كباقي الشهداء بسبب الصلب، لأن الموت لم يكن له سلطان عليه إطلاقاً، بل مات له المجد باختياره نيابة عنا، بسبب قيامه بالتكفير عن خطايانا.
7 - تزلزل الأرض وتشقق الصخور:
ذكرنا فيما سلف، أن الظلام الذي خيم على الأرض عند صلب المسيح لم يكن طبيعياً، ونذكر الآن أن الزلزلة التي حدثت وقتئذٍ لم تكن طبيعية أيضاً. لأن أورشليم بعيدة كل البعد عن مواطن الزلازل التي تشقق الصخور، إذ أن القشرة الأرضية (كما يقول علماء الجغرافيا) قد استقرت فيها، وفي الشرق الأوسط عامة قبل الميلاد بآلاف السنين. وأن ما يحدث الآن من زلازل فيها أحياناً، يكون آتياً إليها من جهات بعيدة، ومن ثم لا يؤثر عليها تأثيراً يذكر. والزلازل عندما تحدث بخلاف النواميس الطبيعية تكون من علامات الدينونة الإلهية الرهيبة (متى 24: 7 ، رؤيا 8: 5) وهذه الدينونة كانت قد حققت وقتئذٍ على اليهود والرومان لأن شرهم كان قد بلغ أقصاه، إذ أساءوا إلى مصدر النعم والإحسان، وأظهروا له العدوان (يوحنا 12: 31). ولكن لماذا لم تنصب الدينونة عليهم وقتئذٍ؟.
(الجواب) طبعاً لأن المسيح لا بد أنه قد حمله في نفسه عوضاً عنهم وعن البشرية التي كانوا يمثلونها في الميل إلى الشر والإنحراف عن الحق، ومن ثم لا يكون موت المسيح استشهاداً فحسب، بل وكفارة أيضاً كما ذكرنا.
ولنا في الطريقة التي نجا بها آدم من الموت، ما يرمز إلى هذه الحقيقة، فإن قضاء الموت كان من الواجب أن يحل عليه وعلى زوجته عندما أخطَئا، وذلك بناء على إنذار الله السابق لهما. لكن هذا القضاء لم يحل عليهما وقتئذٍ، لأن الله سمح بحلوله على الفدية التي سمح بها لأجلهما كما ذكرنا في الباب الثالث.
لقد أنبأ الوحي الإلهي الصادق عن حدوث الظلمة والزلزلة. (ا) إنَّ هاتين الحادثتين تردان في الإنجيل بكل اختصار بعيداً كل البعد عن المبالغة التي يلجأ إليها مؤلفو الروايات (ب) إن الخبر بحدوثهما نُشر بين الناس الذين عاصروا المسيح دون أن يعترض عليه واحد منهم (ج) إن اليهود الذين كانوا بجوار الصليب قرعوا على صدورهم نادمين (لوقا 23: 48) كما أن قائد المئة الروماني شهد أن المصلوب كان بالحقيقة هو ابن الله، الأمر الذي يدل على أن هاتين الحادثتين قد وقعتا فعلاً على مرأى منهم جميعاً، وأنهم تأثروا بهما تأثراً بالغاً.
3 - آلام الإستشهاد وآلام الكفارة | ||
ذكرنا فيما سلف أن المسيح احتمل على الصليب نوعين من الآلام، هما آلام الإستشهاد وآلام الكفارة. ونظراً لأن كثيرين يعتبرون الإثنين آلاماً واحدة، رأينا من الواجب أن نتحدث فيما يلي عن كل منهما على حدة:
أولاً - آلام الإستشهاد
إن آلام الإستشهاد التي قاساها المسيح، لم تكن تشمل آلاماً جسدية فحسب، بل وآلاماً نفسية أيضاً، كما يتضح مما يلي:
-
ففي دار حنان طفحت روح البغضة والقسوة في أحد الخدام، فصفع المسيح بكل ما لديه من قوة. وفي بيت قيافا انقضّ عليه الخدام وجنود الهيكل وأفرغوا كل ما في جعبتهم من حقد ضده، فلكمه البعض، ولطمه البعض الآخر، وضربه بالعصي بعض غيرهم.
-
وفي دار الولاية انتهز جند الرومان وجود شخص يهودي بين أيديهم قال إنه ملك، فخلعوا عنه ثيابه وقيدوا يديه بالإغلال. ثم أحنوا ظهره وربطوه إلى أحد الأعمدة، وطفقوا يجلدونه بكل قواهم. وكانت آلة الجلد تتكون وقتئذٍ من تسعة سيور، في كل منها سبع قطع من المعادن غير المصقولة. وكان الضرب بها يقع على الظهر، وأحياناً على الرأس أو الوجه، فكان اللحم يتناثر وتغوص قطع المعادن في الجروح، فيتدفق الدم بغزارة منها، كما كانت تتقطع الأعصاب وتصاب العظام بخدوش متعددة. لذلك كان المسيح يتألم ولا شك آلاماً مبرحة. ولو كان إنساناً عادياً لكان قد مات وقتئذ، كما كان يموت كثير من البشر. وبعد ذلك وضعوا إكليلاً من الشوك على رأس المسيح وضربوه بالقصبة عليها، فانغرس الشوك فيها وتفجرت الدماء منها، وأخذت تسيل على وجهه من نواح متعددة.
-
وأخيراً طرحوه على الصليب المعدّ له، ثم شدوا يديه بكل عنف على عارضتيه، ودقوا في كل منهما مسماراً غليظاً بمطرقتهم، وكأن المسيح قُدّ من صخر لا يشعر أو يحس. فراح المسماران يخترقان الجلد واللحم والعروق والأعصاب والعظام، حتى نفذا في عارضتي الصليب وتمكنا فيهما. ثم وضعوا إحدى قدميه على الأخرى، وبمسمار أطول من المسمارين السابقين سمروهما معاً حتى نفذ المسمار في قائم الصليب وتمكن فيه أيضاً. ثم رفعوا الصليب وأسقطوه في حفرة ليثبتوه فيها، فاضطربت أعصاب المسيح اضطراباً عظيماً. وهناك تركوه تحت حرارة الشمس اللافحة حتى يبست مثل شقفة قوته ولصق لسانه بحنكه، واستبد به العطش (مزمور 22: 15).
فالصليب كما قال شيشرون «هو أخس وأقسى العقوبات، وكان لا ينفذ إلا في أشر المجرمين وألد الأعداء، وذلك لكي تطول مدة عذابهم. لذلك كان كل من يُصلب من البشر يتمنى الموت بأقصى سرعة، لكن هيهات أن تتحقق أمنيته. ومن ثم كان يرزح تحت آلامه المبرحة يوماً أو أكثر من يوم، حتى يقبل إليه الموت وينقذه». وكان اليهود يريدون أن يكون هذا هو الحال مع المسيح، لكن خاب أملهم، فقد مات بعد سويعات قليلة من صلبه للأسباب السابق ذكرها.
-
فقد خانه يهوذا الإسخريوطي على الرغم من أن المسيح كان يودع لديه كل ما يرد إليه من مال، فضلاً عن ذلك كان قد سمح له منذ ساعات قليلة بالأكل معه في صحفة واحدة. وأنكره بطرس مقدام التلاميذ على الرغم من أن المسيح كان قد خصه بامتيازات متعددة وأسدى إليه وإلى عائلته معروفاً عظيماً. ولم يقف بطرس عند حد الإنكار، بل أخذ يلعن ويحلف أنه لا يعرف المسيح. أما باقي التلاميذ فتركوه وهربوا على الرغم من أنهم أحب الناس إليه وأقربهم إلى قلبه، وكان قد قضى حياته بأسرها في تعليمهم وإرشادهم والعناية بهم.
-
وفي جثسيماني أقبل اليهود عليه بسيوف وعصي كأنه لص يسطو على البيوت أو مجرم يفتك بالناس. ثم أوثقوه كما يُوثَق العبيد والمجرمون، وفي عنف ساقوه إلى حنّان ثم إلى قيافا، وأخذوا يبصقون عليه كأنه أحقر الناس وأدنأهم. وفي سخرية لاذعة كانوا يغطون وجهه الكريم، ثم يضربونه ويقولون له: «تنبأ لنا أيها المسيح من ضربك؟!».
وبعد أن استقر رأيهم على صلبه، ساقوه وسط مظاهر الهزء والتهكم إلى بيلاطس ووقفوا يشتكون عليه ويكيلون له التهم وراء التهم، وقد نسوا أو تناسوا أنهم نالوا أو نال ذووهم خيراً جزيلاً، كما أنه كان في ذاته أطهر وأقدس من عاش على الأرض بأسرها.
-
وعندما وقف أمام هيرودس استهزأ الجنود به وسخروا منه، كما ألبسوه لباساً براقاً متهكمين ومحتقرين إياه. ولما عادوا به إلى دار الولاية لكي يستأنف بيلاطس الوالي محاكمته، فضَّل رؤساء الكهنة (الذين كانوا يمسكون كتاب الله في أيديهم) باراباس السفاح على المسيح، فطلبوا من بيلاطس إطلاق سراح الأول وصلب الثاني. فأذعن لهم وخضع لمشيئتهم خوفاً على وظيفته من الضياع، مع أنه كان يجمع في يده كل السلطة في البلاد، وكان قد أقيم لصيانة العدالة وحمايتها من عبث العابثين.
-
وفي دار الولاية أخذه جند الرومان وجمعوا عليه الكتيبة بأسرها، ثم أوثقوه في وسطهم واتخذوا منه ألعوبة (أو أضحوكة) لهم، إذ أقاموا له حفلة تتويج هزلية خلعوا عنه فيها ثيابه العادية وألبسوه رداء قرمزياً (ربما كانت عباءة مهلهلة ألقاها أحد الكبراء عنه منذ زمن طويل، فأخذها جندي منهم)، ثم ضفروا إكليلاً من عوسج وشوك ووضعوه على رأسه بلطف أو عنف، كما جعلوا قصبة في يمينه عوضاً عن الصولجان، لكي يجعلوا منه صورة ممسوخة لأحد الملوك. ثم في استهزاء لاذع طفقوا يجثون قدامه قائلين «السلام يا ملك اليهود!!». وأخيراً انتزعوا منه القصبة التي أعطوها له، وضربوه بها على رأسه ضربة قاسية، إمعاناً في إهانته.
-
وعندما كان معلقاً على الصليب كان المجتازون يجدفون عليه، وهم يهّزون رؤوسهم ويتطلعون إليه من أعلى إلى أسفل بكل ازدراء واحتقار قائلين له: «إن كنت ابن الله فانزل عن الصليب»، غير عالمين إنه قَبِل الصلب باختياره لكي يكفر عن خطاياهم وخطايا غيرهم من البشر. وأن المعجزة التي أراد أن يقدمها للبشرية ليست النزول عن الصليب، بل القيامة من بين الأموات بعد إتمام عمل الفداء...
ولو فرضنا جدلاً أنه نزل عن الصليب كما طلبوا، لما كانوا قد آمنوا أنه ابن الله، بل لقالوا إن به شيطاناً، كما قالوا عنه عندما كان يعمل بعض معجزاته فيما سلف. لأن السبب الحقيقي في عدم إيمانهم لم يكن راجعاً إلى حاجتهم إلى برهان على نبوة المسيح الفريدة لله. بل إلى عمى بصائرهم، فكانوا يرون الحق باطلاً والباطل حقاً.
ولقد احتمل المسيح الآلام الجسدية والنفسية السابق ذكرها، وكانت على نفسه أقسى مما نفتكر أو نتصور، وذلك لسببين (الأول) أنه كان سليم البنية، فلم يقترب إليه يوماً مرض يوجعه أو أذى يؤلمه، فيتعلم الصبر والإحتمال. كما كان سليم النفس فلم يتبلّد مرة إحساسه أو تحجّرت عواطفه أو عرف للإهانة معنى أو للإذعان مذاقاً.
(الثاني) كما قد أحب الناس فقابلوا محبته بالبغضة والعداوة، وأحسن إليهم فقابلوا إحسانه بالتمرد والعصيان - وهو لكماله المطلق يؤلمه الجحود ونكران الجميل، وتدميه الخسة والدناءة - ومع كل فهذه الآلام لم تكن كما ذكرنا، إلا آلام الإستشهاد التي كان يحتملها الشهداء القديسون (وإن كانت بدرجات متفاوتة) بكل فرح وابتهاج. ولذلك ليس من المعقول أنها كانت السبب في الحزن العميق الذي بدا من المسيح في جثسيماني، ولا في الصرخة الداوية التي انطلقت من فمه وهو معلق على الصليب.
ثانياً - آلام الكفارة
هي الآلام غير المنظورة التي احتملها المسيح في نفسه نيابة عن البشر بسبب خطاياهم ومعاصيهم، فسيف العدالة الإلهية كان عتيداً أن يهوى عليهم جميعاً، لكن المسيح قبله في نفسه نيابة عنهم رحمة بهم وشفقة عليهم. فتمت فيه النبوة التي قيلت عنه قبل ذلك بأكثر من خمس مائة سنة «اِسْتَيْقِظْ يَا سَيْفُ عَلَى رَاعِيَّ وَعَلَى رَجُلِ رِفْقَتِي، يَقُولُ رَبُّ ٱلْجُنُودِ. اِضْرِبِ ٱلرَّاعِيَ»(زكريا 13: 7) عوضاً عن الرعية التي تستحق الضرب والعقاب - وآلام الكفارة هذه لا قدرة لنا على الإحاطة بهولها أو قسوتها، لكن لكي نعرف شيئاً نتأمل في النقاط الآتية:
إن المسيح بسبب نيابته عنا على الصليب، اعتبر في نظر العدالة الإلهية كالأثيم، فقد قال الوحي عنه «وَأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ» (إشعياء 53: 12)، كما اعتبرت خطايانا بكل فحشها ودنسها كأنها خطاياه الشخصية. وقد رأى داود النبي هذه الحقيقة منذ القديم فقال بلسان المسيح: «حَمَاقَتِي، وَذُنُوبِي» (مزمور 69: 5)، مع أنه لم يرتكب خطيئة أو اقترف إثماً. وإذا كان الإنسان النبيل، مع كونه خاطئاً بطبيعته، يتألم ألماً شديداً عندما ينسب إليه إثم ارتكبه غيره، فلا ريب أن المسيح كان يتألم في نفسه على الصليب آلاماً لا حد لها. لأنه وهو القدوس البار قد وضعت عليه كل آثامنا، وأصبح بذلك ليس كمجرد أثيم، بل كما لو كان هو كل الأثمة حاملين آثامهم ومعاصيهم معهم، بل أصبح كما لو كان هو ذات الخطيئة التي أفسدت العالم بأسره وتعدت على حق الله وناموسه. وقد أشار الرسول إلى هذه الحقيقة فقال عن الله إنه «جَعَلَ ٱلَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً (وهو المسيح)، خَطِيَّةً لأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ ٱللّٰهِ فِيهِ» (2 كورنثوس 5: 21).
ولوجود المسيح في مركز النائب عن الخطاة أخذ على نفسه عارهم أو بالحري عار خطاياهم، وعار الخطيئة ليس بعده عار. فقد قال الوحي: «عَارُ ٱلشُّعُوبِ ٱلْخَطِيَّةُ» (أمثال 14: 34). وقد أحس المسيح بهذا العار بدرجة لا نستطيع تصّوُرها، لأن إحساس القدوس البار بعار الخطيئة أدق بدرجة لا حد لها من إحساس الإنسان المولود بها والعائش فيها. وقد رأى داود النبي بروح النبوة العار الذي أحس به المسيح عندما كان معلقاً على الصليب، فقال عن لسانه قبل مجيئه إلى الأرض: «ٱلْعَارُ قَدْ كَسَرَ قَلْبِي فَمَرِضْتُ» (مزمور 69: 20) - لأن هذا العار هو الذي حطم قلب المسيح المنطوي على أسمى العواطف وأقدسها، وأحنى رأسه العالية المشبعة بأرقى المبادئ وأطهرها، فاعتراه، أو بالحري اعترت نفسه، المرض. ومرض النفس أشر مرض في الوجود، لأنه أثقل الأمراض وأسرعها فتكاً بالإنسان.
نظراً لأن الخطيئة لا تجلب على فاعلها العار فحسب بل والعذاب أيضاً، لذلك كان من البديهي وقد قبل المسيح أن يكون نائباً عنا، أن يحتمل عذاب الخطيئة أيضاً، وعذاب الخطيئة ليس بعده عذاب، فهو جهنم بآلامها النفسية ونيران العدالة الإلهية. وقد رأى داود النبي بروح النبوة تأثير هذا العذاب على نفس المسيح، فقال عن لسانه قبل مجيئه إلى العالم «كَٱلْمَاءِ ٱنْسَكَبْتُ. ٱنْفَصَلَتْ كُلُّ عِظَامِي. صَارَ قَلْبِي كَٱلشَّمْعِ. قَدْ ذَابَ فِي وَسَطِ أَمْعَائِي. يَبِسَتْ مِثْلَ شَقْفَةٍ قُّوَتِي، وَلَصِقَ لِسَانِي بِحَنَكِي» (مزمور 22: 14 - 15).
والخطيئة لا تجلب العار والعذاب فقط، بل واللعنة أيضاً، فقد قال الوحي: «مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ لاَ يَثْبُتُ فِي جَمِيعِ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي كِتَابِ ٱلنَّامُوسِ لِيَعْمَلَ بِهِ» (غلاطية 3: 10)، ولذلك كان من الواجب أن يحمل الفادي ليس عار الخطيئة وعذابها فقط، بل ولعنتها كذلك. فهل قبل المسيح لعنة الخطيئة مع الآلام التي قبلها عوضاً عنا؟ إننا نجيب والدمع يترقرق في مآقينا، والقلم يبطئ السير في أيدينا: «نعم». فقد قال الوحي «اَلْمَسِيحُ ٱفْتَدَانَا مِنْ لَعْنَةِ ٱلنَّامُوسِ، إِذْ صَارَ لَعْنَةً لأَجْلِنَا» (غلاطية 3: 13) فهو تبارك اسمه بسبب قبوله خطايانا على نفسه حباً بنا وعطفاً علينا، لم يحسب ملعوناً فقط، بل ولعنة أيضاً، وذلك لكي يرفع لعنة الخطيئة عنا، ويجلب إلينا البركة عوضاً عنها.
هذا شيء من آلام الكفارة، ونحن لا نستطيع أن نكتب عنها أكثر مما كتبنا. فليس سوى الله والمسيح يعرفان قدرها وشناعتها، لأن الأول هو الذي يعرف مطالب عدالته التي لا حد لها، والثاني هو الذي قام بإيفاء هذه المطالب في ناسوته إلى التمام. لكن مما لا شك فيه، أنه لو كانت آلام الكفارة قد تحولت ناراً مادية والتهمت جسد المسيح التهاماً، لكان ذلك أهون عليه كثيراً من تحمل الآلام المذكورة، لأنها كانت تستعر في جسده ونفسه وروحه، معذبة إياه وهي مبقية عليه، طوال ساعات الظلمة التي اجتاز فيها على الصليب.
أخيراً نقول: إن الكفارة التي تحدثنا عنها كثيراً لم تكن عملاً آلياً خارجياً كان من الواجب إتمامه قبل أن يتمكن الله من الصفح عنا وتقريبنا إليه (كما يظن بعض الناس)، بل إنه عمل صادر من نفس طبيعته تعالى. لذلك خشية أن يُساء فهم معنى الكفارة نقول: «لولا تكفير الله بنفسه عن خطايانا في المسيح، لما حصلنا على الخلاص» معناها: لولا أن الله يستطيع في محبة لا حد لها أن يحتمل خطايانا بكل دنسها وشناعتها، ويرضى أن يقربنا إليه على الرغم من قصورنا الذاتي، لما خلصنا على الإطلاق. لذلك فإن ظهوره لنا في المسيح للقيام بهاتين الخدمتين، لم يكن عملاً خارجياً قام به ليتمكن من أداء أمر لا تقدر طبيعته أن تعمله، بل بالعكس إنه عمل نابع من طبيعته نفسها.
فالله بسبب محبته الشديدة للبشر، لم يقض عليهم بسبب خطاياهم، بل تأنى عليهم سنين عديدة. وعندما كان يطفح شر جماعة منهم، كان يصيبها بطوفان أو نار أو وباء، تأديباً لها حتى تتوب عن شرها. ولكن لما أتى الوقت المعين منه تعالى، وكانت نفوس المخلصين من البشر، قد تاقت إلى الخلاص من الخطيئة ونتائجها، ورأت عجزها التام عن الحصول عليه بكل قدراتها، ظهر لنا في المسيح وقبل في نفسه كل شرورنا وآثامنا، عوضاً عن أن يردها على رؤوسنا ويوقع علينا جميعاً الدينونة الأبدية بسببها. أما لو كان المسيح قد تجنب الصلب، أو سمح لتلاميذه باستخدام السيف، أو استدعى الملائكة للدفاع عنه، وكل ذلك كان ميسوراً لديه كما ذكرنا، لظلت خطايانا سائدة علينا رافعة عقيرتها متحدية محبة الله ورحمته. أما الآن فقد انتصرت محبة الله ورحمته على خطايانا انتصاراً تاماً، ومن ثم صار لكل من يؤمن منا إيماناً حقيقياً، امتياز الحصول على الصفح والغفران إلى أبد الآباد، كما يتضح من الباب السابع.
فموت المسيح كفارة هو إذاً أكبر خدمة قام بها لأجلنا، لأنه لو كان قد عاش لغاية الآن، يعلم الناس ويطعم الجياع ويشفي المرضى ويقيم الموتى، دون أن يكفر عن خطايانا، لكانت هذه الخدمات مع سموها وفائدتها، لا تخلصنا من دينونة خطايانا أو تؤهلنا للوجود مع الله والتوافق معه. فكنا نقضي حياتنا في شقاء أبدي.
الباب السادس كفاية كفارة الله في المسيح ونتائجها | ||
1 - كفاية كفارة الله في المسيح | ||
بما أن الله هو الذي فدانا في المسيح، لذلك لا بد أن فداءه كاف لإيفاء مطالب عدالته وقداسته من نحونا، وبالتالي لا بد أنه كاف لخلاصنا من خطايانا ونتائجها الوخيمة. لكن نظراً لأهمية هذه الحقيقة، نذكر فيما يلي بعض الأدلة التي تؤكد صدقها، حتى تطمئن النفوس التي يساورها أي شك من جهته.
أولاً - شهادة المسيح، والأدلة على صدقها
-
قال المسيح قبل الفداء الذي قام به: «لأَنَّهُ هٰكَذَا أَحَبَّ ٱللّٰهُ ٱلْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ٱبْنَهُ ٱلْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ ٱلْحَيَاةُ ٱلأَبَدِيَّةُ» (يوحنا 3: 16). وقال أيضاً: «اَلَّذِي يُؤْمِنُ بِٱلابْنِ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَٱلَّذِي لاَ يُؤْمِنُ بِٱلابْنِ لَنْ يَرَى حَيَاةً (أبدية) بَلْ يَمْكُثُ عَلَيْهِ غَضَبُ ٱللّٰهِ» (يوحنا 3: 36) وأيضاً: «اَلْحَقَّ ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ يَسْمَعُ كَلاَمِي وَيُؤْمِنُ بِالَّذِي أَرْسَلَنِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَلاَ يَأْتِي إِلَى دَيْنُونَةٍ (لأن الدينونة التي كان من الواجب أن تحل عليه، حملها المسيح نيابة عنه)، بَلْ قَدِ ٱنْتَقَلَ مِنَ ٱلْمَوْتِ إِلَى ٱلْحَيَاةِ» (يوحنا 5: 24) - والتمتع بهذه الحياة على أساس الإيمان (أو بالحري الإيمان الحقيقي بالمسيح)، دليل على كفاية كفارته.
-
وعندما كان المسيح على الصليب، قال للص (الذي ندم على خطاياه، ولجأ إلى نعمته مؤمناً بشخصه إيماناً حقيقياً): «ٱلْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي ٱلْفِرْدَوْسِ» (لوقا 23: 43) - ونظراً لأن هذا اللص كان يستحق العذاب الأبدي بسبب جرائمه، وأن مجرد ندمه لارتكابها لم يكن ليؤهله للحصول على الغفران أو التمتع بالله كما ذكرنا في الباب الثاني، لذلك فقول المسيح للص المذكور «اليوم تكون معي في الفردوس»، دليل على أن كفارته (أي كفارة المسيح) كافية للخلاص من الخطايا ونتائجها.
-
فضلاً عن ذلك فإن آخر عبارة قالها المسيح وهو على الصليب هي: «قَدْ أُكْمِلَ» (يوحنا 19: 30). وهناك فرق كبير بين الإنتهاء من عمل وبين إكماله. فالإنتهاء من عمل معناه الفراغ منه بإتمامه أو عدم إتمامه. أما إكماله فمعناه إنجازه إلى التمام. لذلك فالمسيح بقوله «قد أُكمل» أعلن أنه لم ينتهِ من عمل الكفارة فحسب، بل وأكمله أيضاً بنجاح، كما يتضح من اللغة الأصلية للكتاب المقدس.
فضلاً عن أن أقوال المسيح مدونة بالوحي الإلهي، الأمر الذي لا يدع مجالاً للشك في صدقها، وفضلاً عن أن المسيح لم ينطق بها كلها في أوائل خدمته، بل نطق ببعضها وهو على شفا الموت، هذا الوقت الذي يترك المرء فيه كل إدعاء (إذا كان مدعياً) ويظهر على حقيقته تماماً، نقول: بما أن شهادة المسيح عن موته الكفاري قد ثبت صدقها كما اتضح فيما سلف، وبما أنه بالإضافة إلى ذلك كان بعيداً عن التفاخر والتباهي كل البعد، إذاً لا بد أن تكون شهادته عن كفاية كفارته لإيفاء مطالب عدالة الله وقداسته (أو بالحري عن كفايتها لخلاصنا من خطايانا ونتائجها)، هي شهادة صادقة أيضاً.
ثانياً - شهادة الرسل والأدلة على صدقها
-
قال بطرس الرسول عن المسيح إنه «حَمَلَ هُوَ نَفْسُهُ خَطَايَانَا (أي خطايانا بأسرها) فِي جَسَدِهِ عَلَى ٱلْخَشَبَةِ» (1 بطرس 2: 24). وقال أيضاً «فَإِنَّ ٱلْمَسِيحَ أَيْضاً تَأَلَّمَ مَرَّةً وَاحِدَةً مِنْ أَجْلِ ٱلْخَطَايَا (جميعها)، ٱلْبَارُّ مِنْ أَجْلِ ٱلأَثَمَةِ (أو بالحري كل الأثمة)، لِكَيْ يُقَرِّبَنَا إِلَى ٱللّٰهِ، مُمَاتاً فِي ٱلْجَسَدِ وَلٰكِنْ مُحْيىً فِي ٱلرُّوحِ» (1 بطرس 3: 18).
-
وقال يوحنا الرسول عن المسيح «وَهُوَ كَفَّارَةٌ لِخَطَايَانَا. لَيْسَ لِخَطَايَانَا فَقَطْ، بَلْ لِخَطَايَا كُلِّ ٱلْعَالَمِ أَيْضاً» (1 يوحنا 2: 2). وقال كذلك عنه «أَحَبَّنَا، وَقَدْ غَسَّلَنَا مِنْ خَطَايَانَا بِدَمِهِ» (رؤيا 1: 5). كما قال «دَمُ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ ٱبْنِهِ يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ» (1 يوحنا 1: 7)
-
وقال بولس الرسول عن المسيح «وَلَيْسَ بِدَمِ تُيُوسٍ وَعُجُولٍ، بَلْ بِدَمِ نَفْسِهِ، دَخَلَ مَرَّةً وَاحِدَةً إِلَى ٱلأَقْدَاسِ (أو بالحري إلى السماء)، فَوَجَدَ فِدَاءً أَبَدِيّاً» (عبرانيين 9: 12). وقال أيضاً «لأَنَّهُ بِقُرْبَانٍ وَاحِدٍ قَدْ أَكْمَلَ إِلَى ٱلأَبَدِ ٱلْمُقَدَّسِينَ» (عبرانيين 10: 14). كما قال عنه إنه «صَنَعَ بِنَفْسِهِ تَطْهِيراً لِخَطَايَانَا» (عبرانيين 1: 3)، وإنه «بَذَلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً لأَجْلِ ٱلْجَمِيعِ» (1 تيموثاوس 2: 6)، وإنه «ذَاقَ بِنِعْمَةِ ٱللّٰهِ ٱلْمَوْتَ لأَجْلِ كُلِّ وَاحِدٍ» (عبرانيين 2: 9)، وإنه «يَفْدِيَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ» (تيطس 2: 14)
ومن هذه الآيات يتضح لنا أن فداء المسيح ليس لجماعة من الناس دون جماعة أخرى، أو عن بعض الخطايا دون البعض الآخر منها، أو أنه يمتد إلى فترة خاصة من الزمن يحتاج الناس بعدها إلى فداء آخر، بل إنه لكل الناس، وعن كل الخطايا، كما أن كفايته تمتد إلى أبد الآباد، الأمر الذي يفتح مجال الخلاص أمام كل الناس في كل العصور والبلاد.
فضلاً عن أن شهادة الرسل مدونة بالوحي الإلهي، الأمر الذي لا يدع مجالاً للشك في صدقها، وفضلاً عن الأدلة التي ذكرناها في الأبواب السابقة على صدق شهادتهم، نقول: إن الرسل بمناداتهم بكفاية كفارة المسيح، أعلنوا لليهود أنه لا داعي إطلاقاً ليس فقط لتقديم الذبائح التي كانوا يقدمونها، بل ولا داعي أيضاً لوجود الهيكل أو الكهنة واللاويين الذين كانوا يخدمون فيه.
وبما أن هذا الإعلان كان يثير اليهود عن بكرة أبيهم، ويدفعهم جميعاً بزعامة كل رجال الدين بينهم لإضطهاد الرسل أشد اضطهاد، لأن مثل هذا الإعلان كان يقضي ليس فقط على موارد رزق هؤلاء كما ذكرنا، بل وأيضاً على الديانة اليهودية التي يعتزون بها كل الإعتزاز. وبما أنه ليس من المعقول أن يختلق الرسل موضوعاً يكون سبباً في توجيه الإضطهاد العنيف إليهم، وعلى الرغم من ذلك يواظبون على المناداة به جميعاً بكل شجاعة وبسالة - هذا فضلاً عن استحالة اتفاقهم معاً على اختلاقه بسبب تباينهم من جهة الثقافة والنشأة والسن والبيئة والجنسية والمركز الإجتماعي، لذلك لا بد أنهم كانوا على يقين تام أمام الله من جهة صدق موضوع كفاية كفارة المسيح الذي كانوا ينادون به.
ثالثاً - شهادة أنبياء العهد القديم والأدلة على صدقها
-
قال موسى النبي سنة 1500 ق.م إن الله قبلما أخرج آدم من الجنة، أعلن أن نسل المرأة يسحق رأس الحية (تكوين 3: 15) - وبهذا الإعلان أعطى الله لآدم وعداً بالفداء التام بالمسيح، لأن كلمة «نسل» ترد هنا في اللغة العبرية بصيغة المفرد لا الجمع، والشخص الوحيد الذي يدعى «نسل المرأة» هو المسيح، لأنه ولد من أم دون أب. أما عند ورودها بالجمع في الأصل العبري، فإنها تترجم إلى العربية «الأنسال». ويتضح هذا من قول بولس الرسول «وَأَمَّا ٱلْمَوَاعِيدُ فَقِيلَتْ فِي «إِبْرَاهِيمَ وَفِي نَسْلِهِ». لاَ يَقُولُ «وَفِي ٱلأَنْسَالِ» كَأَنَّهُ عَنْ كَثِيرِينَ، بَلْ كَأَنَّهُ عَنْ وَاحِدٍ. وَ «فِي نَسْلِكَ» ٱلَّذِي هُوَ ٱلْمَسِيحُ» (غلاطية 3: 16).
أما «الحية» فيُراد بها الشيطان، لأنه هو الذي يسمّيه الوحي «الحية القديمة» (رؤيا 20: 2) وذلك بسبب خداعه للناس وتضليلهم. وسحق المسيح لرأس الشيطان يدل على إنهاء سلطانه والقضاء الكامل عليه، وبالتبعية يدل على كفاية كفارة المسيح له المجد، لخلاص المؤمنين الحقيقيين من الخطية ونتائجها الأبدية.
-
وقال داود النبي سنة 1000 قبل الميلاد بروح النبوة عن المؤمنين الحقيقيين إنهم يأتون (من كل مكان) ويخبرون ببره (أي ببر المسيح) لشعب سيولد، معلنين أنه قد فعل (أو بالحري فعل البر) (مزمور 22: 31). كما قال أيضاً عن هؤلاء المؤمنين إنهم سيفرحون وتحيا قلوبهم (مزمور 69: 32) - الأمر الذي يدل على كفاية كفارة المسيح لخلاصهم إلى الأبد، لأنه لا مجال للفرح أو للحياة الأبدية بدون كفاية كفارته.
-
وقال إشعياء النبي سنة 700 ق.م. عن المسيح: «إِنْ جَعَلَ نَفْسَهُ ذَبِيحَةَ إِثْمٍ يَرَى نَسْلاً تَطُولُ أَيَّامُهُ وَمَسَرَّةُ ٱلرَّبِّ (الخاصة بخلاص المؤمنين الحقيقيين) بِيَدِهِ تَنْجَحُ. مِنْ تَعَبِ نَفْسِهِ يَرَى وَيَشْبَعُ، وَعَبْدِي ٱلْبَارُّ بِمَعْرِفَتِهِ يُبَرِّرُ كَثِيرِينَ، (الذين هم المؤمنون الحقيقيون) وَآثَامُهُمْ هُوَ يَحْمِلُهَا» (إشعياء 53: 10 ، 11) - وكل عبارة من هذه العبارات تدل على كفاية كفارة المسيح إلى الأبد. فالنسل الذي تطول أيامه هم المؤمنون الحقيقيون الذين يحيون إلى الأبد، والذين بهم تشبع نفس المسيح لسروره العظيم بخلاص الخطاة نتيجة لكفاية كفارته.
ويطلق إشعياء على المسيح لقب «عبد الرب» - وهو إصطلاح كتابي يُراد به الكائن الذي يتمم كل مقاصد الله التي لا حد لها، ويُطلق هذا الإصطلاح على المسيح من الناحية الناسوتية، لأنه من هذه الناحية قام بالمهمة المذكورة خير قيام. ولا غرابة في ذلك، فإنه في ذاته هو «كلمة الله»، «وكلمة الله» هو وحده الذي يقوم بها.
فضلاً عن أن هذه الشهادة مدّونة بالوحي الإلهي، الأمر الذي لا يدع مجالاً للشك في صدقها، وفضلاً عن الأدلة السابق ذكرها عن صدق شهادة هؤلاء الأنبياء نقول: أنهم عاشوا في أزمنة متباعدة لا تسمح لهم بالتواطؤ على فكرة ما كما يدعي البعض. فضلاً عن ذلك لا يمكن أن أحدهم قد نقل عن الآخر، لأن كلاً منهم تنبأ عن ناحية خاصة من كفاية كفارة المسيح لم يشاركه فيها غيره، الأمر الذي يدل على أنهم كانوا منقادين معاً بروح الله، لأنه هو الذي يعرف كل شيء عن هذه الحقيقة من البداءة، ومن ثم كان في وسعه أن يعلن عنها لكل نبي، ما كان متوافقاً مع الظروف التي عاش فيها.
رابعاً - شهادة الوقائع على كفاية كفارة المسيح
عندما قال المسيح «قد أكمل» انشق حجاب الهيكل إلى اثنين من فوق إلى أسفل (متى 27: 51) - ولكي يتضح لنا ما يدل عليه انشقاق الحجاب في هذه اللحظة من معنى نقول: كان في خيمة الإجتماع التي أقامها موسى النبي، وفي الهيكل الذي أقامه سليمان الحكيم بعد ذلك، غرفة تُدعى قدس الأقداس، كان الله قد جعلها رمزاً لسمائه يعلن فيها ظهوره بمجده وجلاله، أو بالحري كرمز لسمائه. وكان يوجد أمام هذه الغرفة، غرفة أخرى تدعى القدس، يقدم فيها الكهنة العبادة لله كل يوم. وبين هاتين الغرفتين كان يوجد الحجاب المذكور (2 أخبار 3: 14 ، خروج 26: 31) رمزاً إلى أن الناس حتى الكهنة منهم، ليسوا أهلاً بسبب خطاياهم للدخول إلى حضرة الله، وإلى أنه تعالى لقداسته المطلقة لا يمكن أن يقبلهم في حضرته لهذا السبب.
وقد ظل هذا الحجاب قائماً بين الغرفتين المذكورتين من أيام موسى النبي حتى رُفع المسيح على الصليب، ولذلك لم يجسر إنسان طوال هذه المدة أن يدخل قدس الأقداس أو يراه، لئلا يموت في الحال. فقد قال الله لموسى أن ينهى حتى رئيس الكهنة، عن الدخول كل الوقت إلى ما وراء الحجاب لئلا يموت (لاويين 16: 2). لكن هذا الحجاب الذي ظل قائماً في موضعه مئات السنين يعلن إنغلاق باب الله في وجه البشر بسبب خطاياهم، لم يبق لحظة واحدة بعد أن قال المسيح «قد أكمل»، بل انشق في الحال من فوق إلى أسفل - وطبعاً ما كان لينشق (أو بالحري ما كان الله ليشقه) في هذه اللحظة، لولا أن كفارة المسيح قد وفّت كل مطالب عدالته وقداسته، لأن الله بشقه للحجاب، كأنه يقول للناس: «لقد كفّر المسيح عن خطاياكم تكفيراً كاملاً. ولذلك فتحت لكم بابي على مصراعيه، فهلموا إليّ لكي تتمتعوا بالوجود في حضرتي دون حاجز أو مانع».
ذكرنا في الباب الخامس، أن السبب في عدم كسر ساقي المسيح يرجع إلى أنه كان قد مات قبل الغروب. غير أننا إذا نظرنا إلى كسر الساقين من حيث كونه إهانة للمصلوب، يتضح لنا أن اللّه لم يسمح بكسر ساقي المسيح إكراماً له. وطبعاً ما كان هناك داع لإكرامه وقتئذٍ، لولا أن كفارته كانت قد وفَّت مطالب عدالة الله وقداسته كما ذكرنا.
بعد موت المسيح طعن أحد الجنود جنبه بحربة، فخرج للوقت دم وماء. وخروج الدم والماء وقتئذٍ، وإن كان يعلله بعض الأطباء بعلل طبيعية، بيد أننا إذا تطلعنا إليه في ضوء الكتاب المقدس نرى أنه دليل على كفاية كفارة المسيح. لأن الماء يرمز فيما يرمز إليه من أمور، إلى الوسيلة الإلهية للتطهير والإرتواء الروحي (يوحنا 4: 10 - 14 ، رؤيا 22: 17) والدم هو عنوان الفداء والكفارة، إذ بدون سفك دم لا تحصل مغفرة (عبرانيين 9: 22). وقد جذبت هذه الحقيقة نظر يوحنا الرسول وعرف قدرها حق المعرفة، ولذلك قال عن المسيح «هٰذَا هُوَ ٱلَّذِي أَتَى بِمَاءٍ وَدَمٍ، يَسُوعُ ٱلْمَسِيحُ. لاَ بِٱلْمَاءِ فَقَطْ، بَلْ بِٱلْمَاءِ وَٱلدَّمِ... وَٱلَّذِينَ يَشْهَدُونَ فِي ٱلأَرْضِ هُمْ ثَلاَثَةٌ: ٱلرُّوحُ، وَٱلْمَاءُ، وَٱلدَّمُ. وَٱلثَّلاَثَةُ هُمْ فِي (المسيح) ٱلْوَاحِدِ» (1يوحنا 5: 6 - 8) أي أن الروح القدس يعلن في العالم أن الفداء والحياة الأبدية هما بالمسيح، الأمر الذي يدل على كفاية كفارته كما ذكرنا.
قد لا يخطر ببال أحد من الناس أن دفن المسيح في قبر جديد له علاقة بكفاية كفارته، لكن نظراً لأن كل كبيرة وصغيرة في الحياة لا تحدث إلا وفقاً لمشيئة الله وتدبيره، فإن عقولنا لا تمر على دفن المسيح في القبر الجديد دون أن تتساءل: لماذا شاء الله أن يدفن جسد المسيح في مثل هذا القبر، وقد كان المقرر أن يدفن مع اللصين اللذين صلبا معه في المقبرة العامة، بناء على قوانين الدولة الرومانية وقتئذٍ؟! وللرد على هذا التساؤل نقول: لو كانت كفارة المسيح لم تف مطالب عدالة الله وقداسته، لكان مثل المسيح مثل أحد الناس لا أكثر ولا أقل، ولدفن تبعاً لذلك في المقبرة العامة بناءً على القوانين المذكورة. ولذلك فعدم دفن جسد المسيح في هذه المقبرة دليل على كفاية كفارته وإيفائها لمطالب عدالة الله وقداسته، بل ودليل أيضاً على كمال طهارته.
فالله سمح للبشر بصلب المسيح لا لعجزه عن إنقاذه من أيديهم، بل لأنه شاء أن يتمم فيه كفارته عنهم جميعاً. أما وقد أكمل المسيح هذه الكفارة بالتمام، فطبعاً لم يكن هناك داع لأن يهان جسده الطاهر بعد، بل كان من اللازم أن يكرم ويبجل. نعم كان عتيداً أن يُكرم ويبجل بقيامته من بين الأموات دون أن يعتريه فساد، لكن هذا لم يكن يمنع من إكرامه وتبجيله أيضاً في أثناء موته. فبأثمن الأكفان كان يجب أن يكفن، وبأغلى الحنوط كان يجب أن يعطر، وفي قبر جديد منحوت في صخر ومحاط ببستان كان يجب أن يدفن (يوحنا 19: 39 - 41).
لو أن المسيح ظل مائتاً مدفوناً في قبره، لكان هناك مجال للطعن في كماله المطلق، بدعوى أنه لا يفرق شيئاً عن باقي الناس الذين بسبب خطاياهم يسود عليهم الموت ويظلون في قبورهم إلى يوم القيامة. ولكان هنا أيضاً مجال للطعن في كفارته التي نادى بها بدعوى عدم كفايتها لإيفاء مطالب عدالة الله وقداسته. لكن قيامته من بين الأموات في اليوم الثالث، لم تدع مجالاً لهذا الطعن أو ذاك.
على أثر قيامة المسيح من بين الأموات، قام بعض القديسين من قبورهم، وظهروا لكثيرين من سكان أورشليم (متى 27: 52). وهذه الحادثة فضلاً عن أنها مدونة بالوحي الإلهي، الأمر الذي لا يدع مجالاً للشك في صدقها نقول: إنها ترد في الكتاب المقدس بأسلوب بسيط بعيد كل البعد عن المغالاة والتعليق الخاص، اللذين نراهما في القصص التي يؤلفها البشر. كما أنها لا يمكن أن تكون من خيال التلاميذ، لأن هؤلاء لو أرادوا إكرام المسيح بسبب قيامته من الأموات، لما خطر ببالهم أن يكرموا معه بعض القديسين الذين ماتوا قبله، حتى يكون وحده محط الأنظار. فضلاً عن ذلك فإن هذه الحادثة كتبت ونشرت في نفس المكان الذي صُلب فيه المسيح وقام، وبين الناس الذين شاهدوا صلبه وسمعوا عن قيامته، دون أن يعترض عليها واحد منهم، الأمر الذي يدل على أنها كانت حادثة حقيقية معروفة كل المعرفة لديهم.
وسماح الله بقيامة هؤلاء القديسين من قبورهم على أثر قيامة المسيح من الأموات، دليل على كفاية كفارته، ودليل أيضاً على أن قوة الحياة التي لا تزول التي قام بها المسيح (عبرانيين 7: 16)، تستطيع أن تقيم جميع القديسين الذين ماتوا والذين يموتون، بالهيئة التي قام بها المسيح إلى المجد الأبدي.
كان الهيكل مفخرة اليهود العظمى، ففضلاً عن أن بناءه تكلف حوالي مليار من الجنيهات الذهبية، فقد كان الملجأ الوحيد الذي يهرعون إليه في ضيقاتهم ويقدمون فيه الذبائح حسب الناموس الذي أعطاه الله لموسى النبي، لكي ينالوا من الله عند توبتهم، رحمة وغفراناً. بل وكان هذا الهيكل هو أيضاً الشهادة العلنية على اتصالهم بالله دون غيرهم من الشعوب القديمة، لأن هذه كلها كانت تعبد الأوثان. ولذلك كان الله يملؤه بمجده، ويعلن لهم فيه مشيئته، ويتقابل معهم بالروح في رحابه - لكن هذا الهيكل العظيم لم يبق له أثر بعد ارتفاع المسيح إلى السماء بسنوات، إذ أقبل تيطس القائد الروماني وأحرقه، فهبط إلى الأرض من عليائه. ولم يكتف تيطس بذلك، بل اقتلع أساسه من الأرض، فتمت ن

