COH
الصفحة الرئيسية
عربي
English
 

في أعماق السجون

قصة واقعية

تقديم الكتاب

منذ سنوات، وفوق ظهر الباخرة الجبارة «إمبراطورة روسيا» كنت ترى جمعاً خليطاً من إنكليز وأمريكيين وشرقيين، جمعتهم هذه الباخرة مدة عشرة أيام ليتفرقوا فيما بعد في بلدان الشرق الأقصى-اليابان والصين والملايو والفيلبين والهند. وقد هبت رياح الشمال باردة، وظهرت من بعيد جزر الوشيان بقممها البركانية المكسوة بالثلوج البيضاء، منظمة كحبات من الخرز في قلادة تطوق جيد المنطقة المتجمدة الشمالية. ومن ثمَّ انهمك ركاب السفينة في مشاغلهم داخل أبواب مغلقة، كلّ حسب هواه. وقد التفَّ نفر من الركاب حول سيدة يجري في عروقها الدم الأسكتلندي الكندي، ليستمعوا إليها وهي تروي أغرب قصة في العالم. وهي القصة التي يحويها هذا الكتاب.

والسيدة تدعى كارولين مكدونالد، وهي تؤدي خدمات فريدة من نوعها في سجون اليابان. وقد روت القصة العجيبة التي نودعها دفتي هذا الكتاب، وفيها بعض السحر الذي تراه في قصص ألف ليلة وليلة، وبعض الشرّ العاري الذي تجده في القصص المخيفة للشاعر الأمريكي «بو». إنما فيها أيضاً نموذج للإلهام الذي يصدر عن يسوع المسيح حين يستميل إليه الضالين المارقين. فإنك ترى، وأنت تقرأ القصة، حناناً منقطع النظير ينبعث من عينيه المشفقتين، وقوة قاهرة تخرج من أكرم يدين امتدتا لانتشال نفس ضالة من وهدة الشقاء إلى رحبة السلام.

وقد وضع الكتاب أصلاً باللغة اليابانية، ثم ترجم إلى اللغة الإنكليزية، وجعل عنوانه «A Gentleman in Prison» وذلك لأن بطله «إيشي» الياباني كان أرستقراطياً نبيلاً فيما للّه. فحتى في أيام انحطاطه وشقوته تلمح فيه تلك النفس الكبيرة الكريمة، وتلك الروح الناشطة الوثابة، وتلك الأنفة المعتزة النبيلة التي تأبى قبول الفضل والإحسان. وهو متوتر الأعصاب، سريع التأثر، يستجيب في إحساس مرهف إلى المكرمة وإلى الإساءة على حدّ سواء.

على هذه الآلة الدقيقة تلعب الحياة دورها بموسيقى عنيفة، وتشد الأوتار شدّاً قوياً، فيصطخب اللحن ويضطرب الصوت، ونرانا هنا أمام رجلين يحتدم بينهما نزاع دموي مرير: رجل شرير أوغل في الانتقام والأخذ بالثأر، ورجل طيب نبيل بفطرته، يستطيع أن يتبين العدل والحق في قضيته وقضايا الآخرين، ويجزم بأن العالم لا بد له من قانون يسوسه، وأن كل خارج على القانون لا مكان له تحت الشمس. والرجل النبيل لا يبقى في السجن طويلاً، فهو لا بد واجد مخرجاً إما داخل أبواب السجن أو خارجه، وفي إمكانه أن يجعل من جدران الحجر، ومن قضبان الحديد، منسكاً تخلو فيه النفس إلى ربها، بينما ينظر إليها الآخرون قفصاً تنقبض له الأسارير ويضيق به الصدر. وبطريقة عجيبة جعل «إيشي» من سجنه صومعة الناسك المتعبد، فسمت نفسه إلى آفاق عليا من الخيال الروحي في رحابة الحرية التي لا يتذوقها إلا الأحرار في اللّه.

وفي هذا الكتاب يجد القارئ الكريم بعض المصطلحات الغريبة التي تفصح في ومضات خاطفة عن بعض الصور والأشباح التي يحفل بها العقل الياباني. فحين يقرأ إيشي العبارة التي جذبته إلى الخلاص، يُطعن في قلبه «كما بمسمار طوله خمس بوصات». وفي صدد التحدث عن تأففه وتضجره من الطعام، يقول إنه لم يكن قد فهم بعد أن «كل الأطعمة سواء بعد أن تنحدر من الحلق إلى أسفل بمقدار ثلاث بوصات».

وبطل القصة شغوف بتأويل الأشياء تأويلاً أدبياً أخلاقياً. فما تقع عينه على حمام السجن، وما يبصر الجنود يتدربون على ركوب الدراجات، حتى يتلمع ذهنه بتشبيه أو رمز كتابي أخلق به يوحنا «بنيان» وكارل. وهو يستخرج العبر الأخلاقية من نفسه وحياته، ويجعل سلطان الدولة فوق حقوق الفرد وذاته. وهو يفعل هذا بنغمات هادئة رزينة خالية من الغرض منزهة عن الذات، وفي مذكراته يبدو كأنه يسابق الزمن قبل أن يعلّق في عنقه حبل المشنقة. وأنك لواجد فيها كثيراً من الآراء عن إصلاح السجون، ووصفاً للعيوب التي أحسَّ بها في سجنه. وليس شيء أعظم من أن يضيف إلى كتابه - وهو بمثابة اعترافات روحية على سرير الموت-ملحقاً يلقن فيه رجال الشرطة اليابانيين دروساً في القبض على المجرمين الفارين من وجه العدالة.

وفي هذا الكتاب لذة وشوق للباحثين في أدب اللغة وأسلوب الكتابة. فلم يكن يعرف «إيشي» شيئاً من فن التأليف والكتابة، وأعوزه الوقت للإعراب عن نفسه بعبارات منسجمة. على أن جهله في هذا المضمار قد خلع على كتابه مسحة أدبية محببة. فعباراته المفككة، ووقفاته المبتورة غير المحكمة، تزين الكتاب كله ببساطة فريدة من نوعها. فليس هناك تفكير سابق، ولا إجهاد ذهني على نحو ما يفعل المثقفون، وإنما يتميز الكتاب بإخلاص رجل غير متعلم سكب نفسه وأسالها مداداً على القرطاس. والقصة خلو من الغرور أو الاعتداد بالذات، ولكنه يطلعك صفحة بعد أخرى على سخائم نفسه البشعة، وعلى جمالها الرقيق الوديع، فتحس كأنك تستمع إلى رغاء طفل، كان في جهنم وهو الآن يطلُّ من خلال شقٍّ فتح له على مباهج المدينة السماوية الباهرة.

ولعل أبرز مظهر في الكتاب ما حوى من دراسة في علم النفس. ولو أن الأستاذ وليم جيمس العالم النفساني ظفر به يوماً، لاتخذه مادة للدرس والبحث، ولذاعت شهرته في الآفاق. وعلم النفس في السجن مادة شائقة، وخاصة لأنها تحلل هنا نفسية تتطاحن فيها بواعث متناقضة في قلب مجرم شاذ غريب. وهو نفسه يقف موقف العالم النفساني المملوء بالفضول وحب الاستطلاع حول شخصه، والحائر في تعليل الشهوات الجامحة في نفسه الذاهلة. وفي أسوأ حالاته يحتفظ بكبرياء الرجل النبيل وكرامته، وفي أفضل حالاته يصرُّ على أن يموت لينقذ إنساناً بريئاً. وهو قاسٍ كالنمر، ومع ذلك يستجيب إلى أية بادرة من بوادر الإشفاق والعطف كطفل صغير وديع. وفي وسط حياة غارقة في لجة الرذائل يأتي بين الفينة والفينة أعمالاً يحسده عليها كثيرون من المختارين.

وهو لم يأخذ نصيباً وافراً من دراسة الآداب الدينية، وطبيعي أن تصطبغ آراؤه بالمثل اليابانية العليا القديمة، ففي قصة الفرسان الأحرار السبعة والأربعين يفترض جدلاً أنهم كانوا ينتحرون على طريقة الهاريكاري كرجال كرام، لو أن الكاهن قام بواجبه وحصل على العفو عنهم. ومع ذلك فقد شملت آراؤه الدينية بعض المبادئ المسيحية الأصيلة التي تستحث إيمان القديسين. فهو مثل بولس مقتنع بأنه أشر الخطاة، ويصرح أن أحداً لم ينحدر في الخسة والدناءة إلى الدرك الذي تسفَّل هو إليه. ولكنه يؤمن في جزم ويقين بأنه قد افتُدي، والخلود عنده أكثر يقينية من الزمن. وقد كان إيمانه في عقيدة الخلود مطلقاً بحيث يدهشنا أن نراه يُشغل بتهذيب عقله في خلال الأيام القليلة الباقية من حياته، لكي يكون أكثر أهلية من الناحية العقلية في حياته الجديدة في السماء عندما تدنو ساعته. أما نظرته إلى النهاية فمشبعة بفرحة الهيام والتهليل التي نراها بين المسيحيين الأولين في عهد الضطهاد الدموي. وقلبه فياض دائماً بالشكر للّه على النعم التي أضفاها عليه.

ويقال أحيانا إن الشرق شرق والغرب غرب، وأن ثمة صعوبات تحول دون التفاهم المتبادل بين الشرق والغرب. فالآراء مختلفة، والحياة مختلفة، والعادات والتاريخ يختلفان. وكأنما نقف أمام عقبة كأداء. وقد يقال إن المثقفين أقدر على التفاهم والتقارب في الفكر ووجهة النظر، أما عامة الشعوب فتكاد تكون في حالة ميئوس منها. على أن قصة هذا السجين تقدم لنا مثالاً ينقض هذه المزاعم. فها هنا إنسان، غير مثقف غارق في الجريمة، محكوم عليه بالموت لارتكابه جريمة القتل، يترقب كل يوم مصيره المحتوم الذي ساقته إليه جرائمه، هذا الإنسان تلمسه يد امرأة أجنبية عنه، تباعد بينها وبينه التقاليد والتاريخ والثقافة تباعد النهار عن الليل، لكن رسالة محبة اللّه الجامعة تلمع كالبرق في ظلمات الفوارق البشرية، فتستجيب نفس هذا الإنسان إلى نداء المحبة. وتثبت هذه القصة المأخوذة من وقائع الحياة، أننا على الرغم من الفوارق الظاهرية التي تفصلنا، واحد في أعماق الألم والحزن والخطية، وأننا واحد في ذرى المحبة والعطف واللّه.

أما القضية ذاتها فكانت غريبة حقاً في كل ملابساتها، وقيل إنها أغرب القضايا التي عرضت على المحاكم اليابانية:

قُتلت فتاة يابانية على مقربة من طوكيو واتهم عشيقها بقتلها فأُلقي القبض عليه، واعترف بارتكابه الجريمة أمام البوليس، ولكنه أنكرها في المحاكمة العامة مدعياً أن البوليس انتزع منه اعترافه بوسائل الإكراه والتعذيب. وكانت هناك أدلة قوية ضده لأنه كان آخر من شوهد مع الفتاة قبل قتلها، وكان المعروف أنهما تشاجرا وتشاحنا. فثبتت إدانته وحكم عليه بالإعدام.

على أنه قبل تنفيذ الحكم ألقي القبض على مجرم شقي يدعى «إيشي» لارتكابه جريمة صغرى في طوكيو وأودع السجن. وكان معه في الخلية زملاء من المسجونين يتحدثون عن الجرائم في طوكيو، فاسترق «إيشي» السمع وإذا بهم يقولون أن مجرماً اتهم بقتل فتاة في أوهارو وحكم عليه بالموت. وفوراً هبّ إيشي واعترف بأنه هو القاتل وليس الرجل الذي حكم عليه. وقد أثار هذا الاعتراف ضجة كبرى في دوائر السجن. وبدأ التحقيق من جديد في القضية. على أن المحكمة لم تجد أي دليل يثبت علاقة إيشي بالجريمة، وبرأته على الرغم من اعترافه. ولكن النائب العام استأنف الحكم، وأعيدت القضية إلى محكمة الاستئناف.

وطالت المحاكمة وتشعبت القضية واكتسبت شهرة واسعة، فامتلأت أعمدة الصحف بتفاصيلها وملابساتها الغريبة وظروفها المدهشة. فها هوذا رجل يعترف بارتكاب الجريمة، ثم ينكر، ولكن يحكم عليه بالموت لثبوت إدانته بأدلة واقعية. ثم يظهر على مسرح القضية رجل آخر، يعترف بارتكابه الجريمة عينها، ولكن يصدر فيه حكم البراءة على الرغم من اعترافه. على أنه أثناء نظر القضية في الاستئناف ظهر دليل جديد أثبت اعتراف إيشي بكل تفاصيله وحكم عليه بالموت. وبذلك أمكنه - على حد قوله في كتاباته - أن يكفر بعض التكفير عن ذنوبه، وفي الوقت نفسه ينقذ رجلاً بريئاً من براثن الموت.

وكان «إيشي» في السابعة والأربعين من عمره، لم ينل قسطاً من التعليم. ولكنه ذو عقل راجح وذهن صاف. عاش في الجريمة كما يتبين من قصة حياته، ولكن مع الوصمات المشينة التي علقت به، كان في أثناء محاكمته ثابت الجنان رقيق الوجدان.

وفي خلال أيام الانتظار التي سبقت تنفيذ الحكم فيه، تناول قلماً ليشرح الظروف التي أدت به إلى الجريمة، وقصة توبته وندامته. وظل يعمل ليل نهار حتى فرغ من مهمته لأنه لم يكن يعلم متى تجيء ساعته.

ثم سلّم مخطوطته - عن طريق سلطات السجن - إلى السيدة مكدونالد التي كانت تفتقده بين آن وآخر. وقد ترجمت المخطوطة إلى الإنكليزية محتفظة ببساطتها وعباراتها الأصلية. وها نحن ننقلها إلى اللغة العربية، آملين أن يكون لها من التأثير في نفوس قراء الشرق الأدنى، قدر ما كان لها في نفوس قراء اليابان وبلدان الغرب.

كلمة تقدير

للسيد سوزوكي المحامي وعضو البرلمان الياباني

(السيد سوزوكي هو المحامي وعضو البرلمان الذي يتحدث عنه إيشي في مذكراته بالإعجاب وحسن التقدير، ويخصه بعطفه ومحبته. وقد كتب مقدمة للطبعة اليابانية من هذا الكتاب وإلى القارئ ترجمتها:)

حينما قرأت قصة إيشي، لم يسعني إلا أن أذكر القصة الخالدة التي وضعها فكتور هوجو وأسماها «البؤساء». فبطلها جان فالجان طرح في غياهب السجن مدة خمس سنوات وهو في الخامسة والعشرين من عمره لارتكابه جريمة صغرى. ولكن بسبب محاولة الهرب مرات متوالية، امتدت هذه المدة إلى تسعة عشر عاماً. ولما أطلق سراحه انطلق تواً إلى دار الأسقف ميريل. وعلى الرغم مما أسبغه عليه الأسقف من عطف وحنان سرق طبقه الفضي. ولكن الأسقف غفر له، وقد أذاب هذا العفو قلبه، وصار إنساناً جديداً بفضل كلماته المأثورة: «لقد اشتريت نفسك منك».

هذا فعل الأخلاق الكريمة الفاضلة

وكان إيشي أشر من فالجان، فقد ارتكب جرائم السرقة والسطو والقتل، وزجّ في السجن عشر مرات حيث قضى عشرين عاماً. كان مجرماً فتاكاً، ووغداً لئيماً لا نظير له. ولكن هذا الرجل، بفضل تأثير السيدة مكدونالد، تذوب نفسه كما يذوب الثلج في شمس الصباح، ويتوب عن جرائمه، ويغدو إنساناً جديداً.

وهذا أيضا فعل الأخلاق الكريمة الفاضلة، وإذا حقّ لأحد أن يمتدح فضائل الأسقف، فإنه لزام علينا أيضاً أن نمتدح فضائل السيدة مكدونالد. كان الأسقف ميريل رجلاً شيخاً، وكانت السيدة مكدونالد سيدة هزيلة ضعيفة البنيان.

وكان «إيشي» أخطر في إجرامه وشره من فالجان، حتى يصح القول إن تأثير السيدة مكدونالد كان أقوى وأفعل من تأثير الأسقف ميريل.

على أن «البؤساء» كانت رواية. وأغلب الظن أن شخصية الأسقف كانت من مبتكرات المؤلف. أما قصة إيشي فهي قصة واقعية، وشخصية السيدة مكدونالد ليست من نسج الخيال.

وفي قصة «البؤساء» يتطوع فالجان لتقديم نفسه إلى محكمة أراس لإنقاذ حياة إنسان آخر قائلاً: «ليس هذا الرجل فالجان، أنا هو فالجان الحقيقي». كذلك قدم إيشي نفسه إلى المحكمة من تلقاء نفسه لينقذ كوموري - الذي كادت حياته تلامس حافة الموت - قائلاً: «ليس كوموري هو المجرم. أنا هو القاتل الحقيقي».

وإذا جاز لنا القول إن فالجان كان رجلاً صالحاً، فمن الحق أن نقول إن إيشي كان قديساً.

وقد ظنت محكمة أراس فالجان معتوهاً حينما اعترف، كذلك أخطأت المحكمة في قضية إيشي، وبرأته في المحاكمة الأولى على الرغم من اعترافه وضد رغباته. وكما أن محكمة أراس قد نجت وهي على وشك الوقوع في خطإ فاحش، كذلك نجت محاكم اليابان من خطر السقوط، وهي على وشك الانزلاق إلى خطأ مريع.

ولئن يكن فالجان قد تألم كثيراً، فإنه قد تعزى بما ناله من عطف الفتاة كوزيت وحنانها وإشفاقها. أما إيشي فقد قضى فوق المشنقة.

تاب الرجلان في ظروف مماثلة، ولكن اختلفت طريقة موتهما. أترى أن في هذا كله معاني خفية؟ لست أدري.

قد مات إيشي. ولكن روحه ستبقى خالدة في كتيبه هذا.

1 - الباعث إلى الكتابة

أريد أن أتحدث إلى قرائي عن مدى التغيير الذي أحدثته في قلبي قوة يسوع المسيح. ولكن أراني مضطراً قبل كل شيء أن أبدي كلمة تمهيد وتعليل: «في طفولتي كان أبواي فقيرين رقيقي الحال، ولم أذهب إلى المدرسة إلا سنتين فقط. ومنذ ذلك الحين، أي أكثر من ثلاثين عاماً، لم أمسك بيدي قلماً، وها أنا الآن أتناوله لأكتب قصة حياتي. ومن العسير على إنسان جاهل مثلي أن يكتب بغير الأسلوب البسيط الذي لا صنعة فيه. لذلك سأسطر بعبارات بسيطة صادقة الأشياء التي حدثت لي منذ طفولتي حتى اليوم، وأشرح كيف آمنت، وأنا في السجن، بقوة المسيح العظمى التي لا حدّ لها وبرحمته العميقة التي لا تُستقصى، ولكي أفعل هذا لا مندوحة من أن أستعرض ما لصق بي من عار وخزي، وأعترف في غير تحفظ بما اقترفت من شر وإثم. وحسبي جزاً أن يفيد من هذه القصة في المستقبل إنسان ساقط مثلي ويتعظ بمعجزة خلاصي بقوة إرشاد الله، وبفضل جهود السيدتين الكريمتين - مس وست ومس مكدونالد - اللتين افتقدتاني في السجن».

2 - أسرتي وتربيتي

كان أبي يوما ما متعهداً لتوريد المؤونة لسيد إقطاعية «هيكون»، ولكنه كان يدمن المسكرات ويتناول منها كميات كبيرة كل يوم. لذلك فشل في عمله وغادر هيكون وانتقل بأسرته إلى بلدة «نجويا» أما أمي فكانت ابنة كاهن معبد شنتوي في «نجويا». وكنت أنا أصغر إخوة ثلاثة، ولكن مات الاثنان وأنا بعد طفل صغير.

عشنا في رغد من العيش حتى بلغت الرابعة أو الخامسة، ولكن أبي كان قد أنفق كل شيء على المسكرات، وبدأت أمي تشعر بالضيق والحاجة، على أنها كانت متفانية في محبتي، وكانت تستغني عن ضروريات الحياة اللازمة لها لكي تهيئ لولدها الوحيد أسباب العيش.

ولما بلغت العاشرة من العمر غادرت المدرسة، وأخذت أمي تحدثني عن متاعبها وآلامها، فكانت تقول: «لست أدري ماذا أفعل بأبيك. أريدك أن تعينه. وعليك حين يخرج في الصباح أن تتبعه أينما ذهب وتبعده عن حانات المسكر». ففعلت ما أمرتني به. وكنت وأنا صبي صغير في العاشرة أقتفي خطى أبي، وأشدُّه من أكمام ثوبه إذا رأيته يقف أمام حانة قائلاً: «أتوسل إليك أن تعود معي إلى البيت. إن أمي مضطربة قلقة عليك». على أن جهودي كانت تذهب سدى في أغلب الأحيان. وكان يعثر عليه الجيران ملقى في أقنية الماء، ويجيئون به إلى البيت بعد منتصف الليل. وكانت أمي كريمة النفس، فأحست إحساساً عميقاً بهذه اللوثة تشين الأسرة كلها. وأخذت الأمور تزداد سوءاً، وتفاقم الخطب، حتى لقد قضينا سنة كاملة في ضيق خانق وحاجة ذليلة.

وتحيق بالأسرة نكبة أخرى. فإن أمي أصيبت بحمى خبيثة وكنت أنا في الحادية عشرة من عمري. فلم يكن من أبي إلا أن أخذنا إلى بيت خالة لي، ثم اختفى وتركنا نتخبط في الحياة. وكانت خالتي فقيرة جداً، وقد ساور أمي قلق لا يوصف أن تُهجر بهذا الشكل الزري، ولم يكن في طاقتنا أن نستحضر لها طبيباً لعلاجها.

وفي ذلك الحين فشا وباء الكوليرا، وراح رجال البوليس يطرقون كل وسيلة للبحث عن المصابين بالحمى. وقد عمد الأغنياء والفقراء على السواء إلى إخفاء مرضاهم عن أعين البوليس،وذلك زعماً منهم أن المرضى كانوا يؤخذون إلى معزل وتعطى لهم جرعات من مخدّر قوي تقضي عليهم في الحال. وخشيت، وأنا الصبي الساذج، أن تؤخذ أمي إلى هذا المعزل الفتّاك، وأحسست أن من واجبي أن أعمل وأكافح في سبيل شفائها. وما كان أعظم فرحي أن يصف لي أحد الجيران دواء «مركباً» من ديدان الأرض المغلية، ويؤكد لي أن أمي تبرأ من علّتها إذا تجرعته.

ونظراً لفقر خالتي المدقع اضطررت أن أجاهد وأشتغل وأنا بعد في الحادية عشرة من عمري لأقوم بأود الأسرة، فحملت على كتفيّ قضيباً علّق في طرفيه دلوان، وكنت أسير مسافة ميلين أو ثلاثة إلى القرى، وأبتاع (نشارة) الخشب-التي كنا نحرقها لإبادة البعوض-وأجيء بها لبيعها لأصحاب المنازل. ومن هذا المال القليل الذي كنت أكسبه، كنت أعول الأسرة وأبتاع الدواء لأمي، وذاع صيتي بين الجيران كابن بار بأمه. وأخيراً برئت أمي من علّتها دون أن يعودها طبيب.

3 - القمار

وبعد قليل عاد أبي وبدأنا نحن الثلاثة حياتنا من جديد. ومن سوء الحظ أن القمار كان لوثة المدينة التي عشنا فيها، وحتى الأحداث الذين لم تزد أعمارهم عن الثانية عشرة أو الثالثة عشرة كانوا يقامرون. وإلى ذلك الحين لم أكن قد عرفت شيئاً من الشر والفساد، ولكن كان من الهيِّن أن يصاب الإنسان بعدوى الجيران، فرحت أقامر مع المقامرين، وبدأت أحتاج إلى المال. ولم يكن يكفيني القليل الذي أخذته من والديّ، فشرعت أسرق...

وكان هذا فاتحة حياة الإجرام التي أغرقت فيها. والآن بعد سنوات، أدركت جيداً كيف يتأثر الإنسان بالمعاشرات الرديئة والأوساط الشريرة.

وسرعان ما وقف أبواي على خبيئة نفسي وشر أفعالي، وزعما أن بقائي في البيت لن يجدي نفعاً، فأرسلاني أجيراً عند رجل من أصحاب مصانع الخزف في بلدة تدعى «سيتو» تبعد خمسة عشر ميلاً عن «نجويا». فما استطعت أن أحتمل التضييق في بيت غريب، وأنا الغلام الحر الطليق في بيت أبي، فهربت لأبحث عن عمل آخر. ولكن أحسست بالضيق مرة أخرى، وعدت أخيراً إلى البيت، وأخذت أتنقل من عمل إلى عمل، ولم أستطع الثبات والاستقرار في مكان ما، وحار أبواي في أمري وتركاني حراً أفعل ما أشاء.

وأخيراً رحت أتاجر متجولاً في أواني الخزف، وأنفقت المال الذي كسبته في القمار، وقد رافقني حسن الحظ إلى حين، ولكن خسرت تدريجياً كل مالي، وألقيت نفسي في ورطة شنيعة مؤلمة.

ولم تنفعني نصائح أبويّ وأصدقائي، وكانت أشبه بصفير الرياح في أذن الجواد الجموح، وأمعنت في الشر ولم أكن أُعنى إلا بلذات الساعة العاجلة. أدمنت المسكرات، وتشاجرت مع زملائي، وغشيت منازل الفسق والدعارة، وأمسيت عالة لا أصلح لشيء ما، وعدلت عن كل جهد لكسب عيشي بطريق شريف.

4 - تفاقم شري

في تلك الأثناء حدثت زلزلة هائلة اكتسحت مقاطعتي «جيفو» و «إيشي»، فنشطت تجارة الخشب لإصلاح ما دمرته الزلزلة، وأخذت أبحث عن عمل حتى اهتديت إلى مصنع مشهور كبير. وكان يفد العملاء كل يوم لقضاء حاجاتهم وشراء الأخشاب بكميات وافرة. وفي يوم ما اتفقت مع زميل لي على إخفاء كمية كبيرة من الخشب وأفلحنا في تهريبها دون أن يلحظنا أحد. على أننا أنفقنا المال الذي جنيناه على المومسات والسكر والقمار. وزدنا في الجرأة وأمعنا في سرقة كميات أكبر زعماً منا أن أحداً لن يمسكنا. ولكن عرف أمرنا أخيراً وقبض علينا متلبسين بالجريمة، وكان صاحب العمل رجلاً رحيماً طيب القلب، فلم يبلّغ أمرنا لرجال الشرطة واكتفى بطردنا من عمله. ولعله كان خيراً لنا لو أننا تلقينا الدرس القاسي عندئذ ونلنا جزاء ما صنعنا، ولكن شاءت الأقدار أن يكون الرفق بي وبزميلي باعثاً على إمعاننا في الشر والإثم.

على أنه بعد ذلك، أُلقي القبض عليَّ وألفيت نفسي في دار الشرطة لأول مرة في حياتي. فتولاني ذعر شديد. وقضيت الليلة الأولى في خابية بمفردي، فزاد هذا في اضطرابي وفزعي، ولم أذق طعم النوم تلك الليلة، وكنت أصلي قائلاً: «اللهم ردَّني إلى البيت». (لم يكن الله هذا هو المسيح، فما كنت قد عرفته بعد).

وقلت لنفسي: إذا ردَّني الله إلى البيت، فلا أعود إلى فعل الشر.

5 - السجن

لم تُستجب صلاتي، لأني أُرسلت إلى السجن تمهيداً للمحاكمة. وفي انتظار المحاكمة يوضع المجرمون العائدون مع غيرهم، وتسنح لهم الفرصة للتحدث وتبادل المعلومات. وقال لي زميل كان قد سجن قبل الآن: «طب نفساً يا صاح، ولا تعبأ بمثل هذه الجريمة التافهة». فنسيت بفضل هذا التشجيع كل أهوال السجن، وكنت عندئذ في التاسعة عشرة من عمري.

وهنا أريد أن أذكر بعض أفكاري التي دارت في مخيلتي وأنا أختبر السجن لأول مرة: كنت إلى ذلك الحين أظن أن السجن مكان رهيب مخيف، أما الآن وقد جزته، فإني أجده أهون وأخف مما كنت أظن، وليس فيه ما يرعب ولا يرهب. كان موظفو السجن رقيقي الحاشية نحو المجرمين الحديثين، ولم أشعر بشيء من المضايقة.

وانتزعت من نفسي رهبة السجن، وكان هذا علة سقطاتي اللاحقة والجرائم التي اقترفتها. ولو كنت ممن نالوا قسطاً من التعليم والثقافة، لكنت استقبلت لين رجال السجن استقبالاً حسناً، ولأثمر فيَّ العطف ثمراً نافعاً. أما وأنا غرُّ جاهل، فقد استسغت هذه المعاملة، وحسبت السجن مكاناً لا بأس أن يقضي المرء فيه فترة من حياته.

ثم يجب أن أذكر شيئاً آخر: أينما أدرت بصرك في السجن، إلى اليمين أو إلى الشمال، لا ترى شيئاً غير المسجونين في ملابسهم العادية المألوفة، فلا تشعر بشيء من الخجل لأنك وإياهم سواء بسواء. والناس في السجن جماعة من السفلة الأوغاد، لا كلفة بينهم، ولا يعيب أحدهم الآخر، بل أننا نتحدث فيما بيننا عما سنفعل عند خروجنا، ونحبك داخل السجن الجرائم التي ننوي اقترافها عند إطلاقنا. وحقيقة الأمر أن السجن مجرد مدرسة لتعليم الجريمة. والمفروض أن لا نكلم بعضنا بعضاً، ولكن هذه القوانين لا تطبق بصرامة على المجرمين الحديثين. ونتيجة هذا التساهل أن نحبك جرائم المستقبل ونحن في انتظار المحاكمة عن الجريمة الأولى. ولهذا ننظر إلى الجريمة كأنها شغلنا الشاغل، وننسى الآلام التي تنشأ عنها للآخرين. هذه حالة نفسية رهيبة، يتنقل فيها الإنسان من جريمة إلى أخرى، حتى يرتكب-كما فعلت أنا-أشنع الجرائم وأنكر الموبقات.

وإني أعتقد أن المجرمين لأول مرة في حاجة إلى عناية خاصة ومعاملة من نوع آخر. فإنهم إن لم يتوبوا، ساءت حالهم، وصاروا - كما صرت أنا-من أشر مخلوقات الله، وأشدهم جرأة في ارتكاب الجرائم التي لا تمحى آثارها.

6 - الهرب من السجن

بعد أن دخلت السجن أربع مرات صرت مجرماً عائداً خبيراً في الإجرام. وقد جرت العادة بين جماعة المسجونين أن يكون الامتياز تبعاً لكثرة الجرائم. وكلما كبرت الجريمة، زاد الشرف الذي نضفيه على المجرم، والناس يتشدقون علانية وفي زهو عن السيئات التي اقترفوها. فإذا كان بين القوم مجرم حديث لم يرتكب إلا جريمة صغرى، فليس له كرامة بين جماعة المسجونين. وتحت ضغط هذه المؤثرات اعتزمت وأنا بعد في مستهل حياة الإجرام أن أرتكب جريمة فظيعة أنال بها شرف الامتياز بين جماعة المسجونين.

وليس يُنتظر من إنسان مثلي شغلته هذه الأفكار أن يستقر في مكان، فرحت أحكم التدابير للهرب، وصنعت لنفسي غطاء من قماش مشمع حصلت عليه من زميل لي في قسم الخياطين، وفي يوم مطير لففت نفسي به وهربت دون أن يلحظني أحد.

وبعد هربي مباشرة ارتكبت جريمة سرقة، وسافرت تواً إلى طوكيو بالمال الذي سرقته، وهناك هرعت إلى دار صديق لي وأخذت أتسكع مدة أسبوع. وبعد ذلك استأجرت منزلاً. وفتحت حانوتاً صغيراً لبيع الحديد (الخردة). وفي يوم ألقي القبض عليَّ للاشتباه في أمري، ولم أستطع أن أعلل وفرة المال الذي كنت أنفقه مع ضآلة شأن تجارتي. ثم حبست عشرة أيام في دار الشرطة بتهمة انتحال اسم غير اسمي. وأخيراً اعترفت بأني استحوذت على المال بلعب القمار، فلم أسأل بعد ذلك عن شيء. وقد علمني هذا الاختبار أن أرتاب في أمر كل الذين كانوا يجيئون إلى حانوتي ظناً مني أنهم قد يكونون من المخبرين أو رجال الشرطة. وتولاني من جراء ذلك الرعب والفزع حتى ساورني أرق ممض.

7 - بين أيدي رجال البوليس مرة أخرى

لم يكن في الإمكان أن تدوم الحال على هذا المنوال. وبعد ثلاثة أشهر سيق بي مرة أخرى إلى مركز البوليس. وقضيت الليلة الأولى والنوم ملء أجفاني على نقيض الليالي التي قضيتها عقب هربي من السجن، وزالت عني رهبة السجن، وألفت المقام فيه فلم أعبأ بشيء.

حكم عليَّ في تلك المرة بالسجن خمسة أشهر. وكان فرضاً عليَّ أن أحسن التصرف بعد ذلك. ولكن قبل خروجي بأربعين يوماً، تشاجرت مع أحد زملائي، وزيدت مدة حبسي ستة أشهر أخرى. وفي تلك الأثناء مات والدي، وتُركت أمي العجوز وحيدة مستوحشة. وقد أيقنت أنها كانت تنتظر عودة ولدها الشارد الضال بفارغ الصبر وتحصي الأيام على أصابع يدها مترقبة عودتي نادماً تائباً. على أنني لم أعر اهتماماً لآلامها وحنانها، وتماديت في الإثم والشرّ. حقاً إني ولد عاقّ ناكر للجميل!

لما خرجت من السجن كنت قد بلغت التاسعة والعشرين من العمر. عدت إلى البيت، ودون استشارة أمي، افتديت داعراً من المومسات واتخذتها زوجة لي على أنني جنحت إلى استقامة الحياة وبدأت أعمل في إصلاح الساعات، وهي الصنعة التي تعلمتها وأنا في السجن، وقضيت مع زوجتي حياة سعيدة مدة ثلاث سنوات على الرغم من قلة موارد العيش وضآلة الكسب. وفي الأيام التي قضيتها في الإثم والجريمة، ما عرفت يوماً لذة الحياة، حتى مع وفرة الطعام والشراب، لأن قلبي كان خلواً من السلام الحقيقي.

لازمني التوفيق زمناً. ولكن حدث في يوم ما أن جاء إلى زيارتي زميل قديم من زملاء السجن، وإحياءً لتلك الذكرى تناولت معه الخمر مرة، فثانية، فثالثة، حتى عادت ريمة إلى عادتها القديمة، وعاود الحديد الصدأ. واستغوتني لذات الحياة القديمة. وبدأت مرة أخرى حياة الجريمة. وسرعان ما عرفت زوجتي خبيئة أمري. ونصحتني أن ننتقل من «نجويا» إلى طوكيو. وكانت أمي قد بلغت الثانية والسبعين من العمر. فائتمرت بنصيحة زوجتي وانتقلت مع أسرتي إلى طوكيو، وهناك استأجرت داراً صغيرة في أحد الأحياء الفقيرة، وكان ذلك في شهر إبريل من سنة 1902- وراحت زوجتي تبيع بعض السلع الصغيرة، ورحت أنا أبحث عن عمل. وأخيراً فتحت حانوتاً لبيع الخبز، وهي تجارة ما عرفت من أمرها شيئاً ففشلت. وفي يوم ما التقيت بزميل قديم، واستهوتني التجربة مرة أخرى. ولو كنت قد ندمت حقاً، لما سقطت في الهوة مرة أخرى، ولكن التجربة غالبتني بسبب فشلي في عملي وخور عزيمتي. كانت توبتي سطحية لم تتوغل إلى أعماق نفسي.

8 - إحدى عشرة سنة في السجن

والآن هجرت زوجتي وأمي العجوز وارتكبت جريمة السرقة، فأمسكت وحكم عليَّ بإحدى عشرة سنة في السجن. ولما كنت قد انتحلت اسماً غير اسمي، فإن أسرتي تعبت في البحث عني وتعقب خطواتي، وعانت شدة ليس بعدها شدة. وأنا الآن أعجز عن وصف المسلك الشائن الذي جلبت به العار والضنى على زوجتي وأمي، وقد علمت بعد إطلاق سراحي من السجن أنهما عادتا إلى البيت القديم في «نجويا»، وهناك ماتت أمي كسيرة القلب باكية ولدها الذي ضلَّ وشرد. أما السجن الذي قضيت فيه هذه الإحدى عشرة سنة فكان في «شيبا» وهي ولاية متاخمة لطوكيو.

وهنا أريد أن أقول شيئاً عن حياتي في السجن خلال هذه السنوات: لم أتب قط، واعتزمت أن أهرب من السجن. وبعد عناء شديد تمكنت من الحصول على مسمار طوله بوصة ونصف، وسننته على حافة قطعة من الفخار، وصنعت «بريمة» بثلاث ثنيات، وبعد جهاد عشرين يوماً فتحت بها ثغرة. وكان ثلاثة منا دبروا الهرب ولكن أمسك أول من بدأ المحاولة منا، وفشلت هذه التجربة. وكان المعقول أن أتعظ وأستكين، ولكنني عوضاً عن ذلك رحت أجهد فكري في تدبير وسيلة أخرى للهرب. وأخيراً أفلحت في صنع منشار طوله ثلاث بوصات ونصف، وتسللت به إلى خابيتي خفية، وبدأت أقطع به قضبان النافذة. وعندما أوشكت على قطع القضبان كلها، كُشفت الحيلة وعوقبت عقاباً صارماً، وكبّلت يداي ورجلاي بالأصفاد، وبقيت على هذه الحال ليل نهار مدة من الزمن. ولم تكن هذه المعاملة أسوأ مما أستحق.

ولما حاولت الهرب قبل ستة شهور عاملني رجال السجن معاملة لينة كريمة، لذلك لا ألومنّ إلا نفسي من أجل هذه المعاملة القاسية التي ألقاها الآن. ولو كنت إنساناً عادياً، لندمت واعتذرت لرجال السجن، ولكنني أمعنت في السوء واليأس، ولم أستمع إلى نصح أحد. وكنت أعاقب دائماً بسبب اعتدائي على قوانين السجن، وظننت كل الموانع والروادع قسوة، وامتلأت نفسي كراهية لكل الناس، ولم أستطع العيش في سلام حتى مع زملائي، بل تشاجرت معهم بغير انقطاع. وأخيراً وضعت في الحبس الإنفرادي.

9 - من سيء إلى أسوأ

لم ينفعني الحبس الإنفرادي، بل زاد من عنادي ومشاكستي ومرارة نفسي. لعنت السجانين وشتمتهم بأقذع الشتائم، وتشاجرت معهم. حطمت الأثاث في خابيتي، وسلكت مسلك المجنون الجموح. وأخذ رجال السجن يتحدثون عني كوغد لئيم غريب الأطوار. ويوماً ما اشتكيت لأني أراقب باستمرار. وحينما أفكر اليوم في هذه الشكوى أجدني بعيداً عن جادة التعقل، لأني كنت في الواقع شرساً فظاً، أخدع رجال السجن، وأعتدي على القوانين، ولا أطيع الأوامر. وفي مثل هذه الحالة لم يكن مفرُّ من العقوبة. وقضيت نصف مدة السجن الإحدى عشرة سنة في الحبس الانفرادي، ولا أذكر كم مرة وُقِّعت عليَّ العقوبة في خلال هذه المدة.

على أن أقسى عقوبة عانيتها كانت حرماني من العمل عشرة أيام متوالية. وضعت في خابية بمفردي، ولم يكن يُسمح لي بالخروج مطلقاً، ولا بالقراءة، ولا بعمل شيء ما وقد يبدو لغير مختبر أن إرغام إنسان على الكسل والتراخي ليس عقوبة، ولكنه اختبار رهيب أن يجلس المرء عشرة أيام متوالية، ليل نهار، دون أن يعمل شيئاً، وذلك لأن العقل ينشط في أثناء العمل، وينسى الإنسان الألم. وقد عوقبت أيضاً بالإقلال من كمية الطعام، وبوضعي في غرفة مظلمة، ولكن هذه العقوبات لم أكن أعبأ بها كثيراً.

10 - موظف مسيحي

يوماً ما كنت في السجن لمدة سبع سنوات، وحدث أن غضبت مع موظف مسيحي لتوبيخه إياي، فتهجمت عليه وضربته. لهذا وُضعت كمامة في فمي، وربطت يداي، وعلق جسدي، وبالكاد لمست قدماي الأرض. ومع هذا كله بقيت على عنادي ولم أرد أن أعترف بالخطأ. فهل أسمّي هذا عناداً، أم أحسب نفسي إنساناً قاسياً عنيداً لا مثيل له؟

وفي هذه الفترة - وكان ذلك في سنة 1911 - قيل إن وكيل السجن رجل مسيحي عُرف عنه بأنه طيب القلب دمث الأخلاق. وقد تأكدت من صدق هذا القول، فإنه جاء يوماً إلى خابيتي وأنا أعاني هذا العقاب الرهيب الذي وصفت. ولما شاهد عذابي وضيقة نفسي أبعد الحارس المكلف بحراستي، وحلّ الحبل الذي كنت مربوطاً به، وأنزلني على الأرض. ثم أخذ المنشفة التي كانت حول حقويّ ومسح العرق من وجهي. ودون أن أدري أحسست الدموع تنحدر على خدي. فما فكرت قط أن إنساناً يعامل مجرماً قاسي القلب مثلي بمثل هذا الإشفاق الذي لست أهلاً له. ومن ذلك الحين تغيرت تغييراً كاملاً وصرت إنساناً جديداً.

ما أغرب قلب الإنسان! في أيام التمرد والاعوجاج نظرت إلى جميع الناس-موظفين وزملاء - كأنهم أعداء لي. ولكن بعد أن تجددت، نظرت إلى جميع الناس كأنهم تجددوا أيضاً. وبعد ذلك ما كنت ألقى من موظفي السجن غير العطف والإشفاق.

وقبل نهاية المدة بثلاث سنوات، نلت مدالية حسن السلوك من مدير السجن، وصممت على أن أصلح حالي بعد إطلاق سراحي، وقررت أن أستخدم المال الذي أحصل عليه من عملي في السجن في كسب عيشي بطريق شريف، ولما أطلق سراحي حصلت على نحو ثمانين ين مكافأة من عملي في السنوات الأخيرة التي أصلحت فيها.

11 - رسالة من طفل

وقبل أن أتحدث عن حياتي بعد مغادرة السجن، أريد أن أقص رواية عن زميل آخر لي، كان معي في نفس الخابية قبل أن يُصلح أمري: كان الرجل محكوماً عليه بالسجن مدة تسع سنوات لارتكابه جريمة سرقة، وكنا نقضي وقتنا معاً، وكنا صديقين حميمين، نتبادل التفكير في تدبير وسائل الهرب. وفي يوم ما بدا الرجل كئيباً حزيناً وشهدت الدموع تتساقط من عينيه. فدهشت لأني عهدته لا يتأثر بشيء مطلقاً، حتى بالحديث اللين الرقيق مع قسيس السجن. فسألت الرجل: «ما خطبك؟» فلم يجب بشيء في أول الأمر. ولما ألححت عليه قال: «اسمع يا أخي. لي في العالم زوجة وولد في التاسعة من عمره. وقد تلقيت رسالة من ولدي كتبها بلغة الطفولة، والآن أستطيع أن أشارك الولد الصغير الذي يُزجُّ والده في السجن - إحساسه. يقول لي إنه حين يتشاجر معه زملاؤه في المدرسة يعيرونه بأنَّ أباه لص نزيل السجون. وهو لذلك يخجل ويستخذي (يتّضع وينقاد)، ويهرول مسرعاً إلى البيت في نهاية اليوم المدرسي هرباً من تعيير زملائه. وحين قرأت هذه الرسالة، أحسست بالخجل والخزي، ونخس قلبي في داخلي». أما أنا فلم أتأثر بهذه القصة وقلت فقط: «أبهذا القدر تكون قيمة الأولاد؟» فأجاب الرجل: «قد أكون أنا نفسي رجلاً شريراً، ولكنني أريد أن يكون ولدي صالحاً».

لم أتأثر بقصته وقتئذ، لأنه لم يكن لي ولد، وكان قلبي ما زال شريراً. ولكن حين أفكّر فيها الآن تغالبني العاطفة. ما أعظم محبة الوالدين! وما أكثر ما يعانون في سبيل إعادة الإبن الضال الشارد مثلي! لا يمكن مقارنة هذه المحبة بشيء آخر في الحياة. ليس كمثلها شيء. وحين أعود إلى الوراء وأذكر أن ذلك المجرم الشرير - نظيري - الذي لم يذرف دمعة في حياته - ينتخس قلبه وينفلق بمجرد رسالة تأتيه من طفله الصغير - حينما أذكر كل هذا لا يسعني إلا القول إن الرسائل التي يتلقاها المسجونون من زوجاتهم وذويهم أفعل في أثرها من أقوى النصائح التي يلقيها عليهم رجال الدين في السجن. وحسب قانون السجن لا يُسمح للسجين بأكثر من رسالة واحدة كل شهرين، ولكن يخيَّل إليَّ أنه لو سمح للمسجونين بتلقي الرسائل من ذويهم، لكان هذا باعثاً قوياً على إصلاح حتى أشر المجرمين. ولقد شهدت هذا بعينيَّ، فالشعور ليس عميقاً في قلب المجرم. وكان شعوري أنا خاصة سطحياً لا أثر له في أعماق نفسي، فإذا لم يتلقَّ السجين رسائل من ذويه أكثر من المقرر الآن، فإن ذكرياته عن البيت والأسرة تضعف، ولا يميل سلوكه إلى التحسن وهو في السجن، أما إذا شغل فكره بزوجته وأولاده، فإنه لا يعتدي على قوانين السجن.

إن هذا الرجل الذي رويت قصته الآن صلح حاله بعد تلقي رسالة ولده، ولكن العقوبات الكثيرة التي كان قد عاناها بسبب مخالفاته هدَّت جسده ومات وهو في السجن. ولو أنه أصلح قبل ذلك، لعاد إلى بيته وأسرته سليماً. لا شك أنه لا يلومنّ إلا نفسه، لأنه موته كان نتيجة سوء سلوكه، ولكن لا شك عندي أن آلام زوجته وولده كانت مريرة. وكلما أفكر الآن في هذه القصة، أبكي بدموع سخينة.

12 - رسالة من زميل

والآن أريد أن أروي سبب سقوطي في المرة التالية، لتكون عبرة لغيري ممن يخرجون من السجن ويتعرضون لمثل هذه التجربة: إلى يوم خروجي كنت معتزماً أن أصلح حالي، ولكن سلِّم لي وأنا أغادر السجن أربع أو خمس رسائل كان قد أرسلها إليّ زميل سابق ولم تسلّم إليَّ ساعة وصولها. كانت نيتي أن أعود تواً إلى بيتي، ولكن بعد قراءة هذه الرسائل، آثرت أن أزور هذا الصديق أولاً. وكانت هذه الزيارة علة سقوطي. وطبعاً أرى الآن أن العلة الحقيقية هي ضعف إرادتي، ولكن لا أستطيع أن أنكر أن تلك الرسائل قادتني إلى اتخاذ الخطوة الأولى.

ولو أن هذه الرسائل أعدمت ولم تسلّم إليَّ لذهبت تواً إلى البيت وابتعدت عن طرق الغواية. وإذا كان خطراً أن يقرأ السجين رسالة من زميله وهو في السجن، فإنه أشد خطراً أن تسلّم إليه هذه الرسائل وهو خارج من السجن. وأقول هذا، لا من قبيل التذمر والشكوى، بل لوضع مثل هذه المسائل تحت بصر أولي الأمر.

ذهبت إلى طوكيو لزيارة هذا الصديق، وتحدثنا عن الأيام التي قضيناها في السجن معاً، وعن الحوادث التي وقعت بعد ذلك. وأخبرني عن زميل آخر فرأيت أن أزوره أيضاً، ثم بعد ذلك أعود إلى بيتي في «نجويا».

وكان هذا الزميل - واسمه «سيجوتشي»-معي في نفس الورشة بسجن شيبا. ذهبت فوجدته يدير محلاً لغسل الملابس وكيّها، وكان معه في البيت زوجة وطفل واثنان من المستخدمين. وأخذنا نتحدث عن الأيام الماضية. ولما سألني عن مستقبلي قلت له إني معتزم العودة إلى بيتي والابتعاد عن مسالك الشر. فأظهر رضاءه واغتباطه، ولكنه رجاني أن أبيت الليلة عنده، وأنطلق في الصباح، فقبلت. وفي تلك الليلة تناولنا الخمر معاً وقال لي هذا الزميل: «ما دمت قد اعتزمت العدول عن طرق الشر، فسواء إن بقيت هنا في طوكيو أم ذهبت إلى بلدتك. وخير لك أن تبقى هنا، وثق إني سأكون لك عوناً في كل شيء».

فاقتنعت بسهولة، وفي أقل من أسبوع عثر لي على دار استأجرتها بمبلغ ستة ين في الشهر، واستأجرت حانوتاً صغيراً لبيع الفطائر، وكان هذا في أواخر أكتوبر من سنة 1914. وكان كسبي من هذا العمل يتراوح في اليوم بين سبعة وعشرة قروش. وكنت ألتقي في هذه الأثناء بزميلي القديم «سيجوتشي» ونتعاطى الخمر معاً، ونتحدث عن الذكريات القديمة، وسرعان ما شرعنا في تدبير الخطط لجرائم أخرى. على أنني لم أرضَ أن نرتكب الجرائم داخل حدود المدينة لكيلا نخلق المتاعب لزوجة «سيجوتشي» وطفله.

13 - سرقة نقودي

ويوماً ما سُرقت نقودي. وفي ثورة من ثورات الغضب بعت حانوتي الصغير وقررت مغادرة طوكيو والعودة إلى موطني في «نجويا». وحين أفكر الآن فيما حدث أرى حماقتي في أن أستشيط غضباً إذ يسرق أحدهم نقودي، وذلك لأني أنا نفسي كنت أسرق الآخرين. وكان يجب أن أقدّر شعور الآخرين نحوي. وصارحت «سيجوتشي» بعزمي على الرحيل فقال لي: «ما دمت تريد الرحيل، فلا يقدر أن يعوقك أحد. ولكن إذا وضعت يدك على شيء ما في الريف فارسله إليّ. فقط أرجوك ألا تخبر زوجتي شيئاً»وقد قبلت ظاهرياً، لأني نويت في داخلي أن أكفّ عن السرقة بعد عودتي إلى بيتي.

بلغت «نجويا» في الثالث أو الرابع من شهر فبراير من سنة 1915 وذهبت تواً إلى حيث كنت أسكن، ولكن وجدت كل شيء قد تغير، ولم أجد أثراً لزوجتي. فقضيت تلك الليلة في فندق، وفي المساء زرت هيكل الأسرة، وبعد ذلك تعاطيت الخمر، وفي حالة سكر أنفقت نصف ما لديّ من المال، لأني سكرت بمادة كان يسمونها بحق «ماء المجاذيب». وإني أشمئز الآن حين أفكر في رجل بلغ الأربعين من العمر -مثلي - ينفق ماله في السكر والعربدة كما كنت أفعل.

14 - العثور على زوجتي

وفي اليوم التالي عرفت أين تسكن زوجتي، ولكن وجدتها قد تزوجت من رجل آخر. وكانت قد انقطعت عنها أخباري مدة إحدى عشرة سنة، فظنت أني قد متُّ أو أني قد هجرتها، فتزوجت قبل خروجي من السجن بثلاث سنوات. فلما رأتني دهشت كل الدهشة، وروت لي كل الحوادث التي وقعت في غيبتي وخاصة عن موت أمي. ولم يكن زوجها موجوداً في البيت عند زيارتي لها، وكان مقرراً أن يبيت الليلة خارج منزله، فألحت عليّ أن أبقى معها تلك الليلة، لكنني أبيت ولم أرد أن أخلق لها متاعب أخرى، أو أعكر صفو زواجها الجديد. وهي الآن في عصمة رجل آخر، ولم تعد زوجة لي بعد أن هجرتها إحدى عشرة سنة. وبعد موت أمي وهجر زوجتي لم يبقَ لي أحد في العالم يعطف عليّ أو يفكر فيّ.

وقد آمنت وأنا في السجن بإله يدعى «كومبيرا ساما»، فاعتزمت أن أقوم برحلة إلى «شيكوكو» لأعبد في المعبد هناك. وترى ما الذي حملني على الذهاب هناك؟ هل استحوذت عليّ بعض الخرافات؟ ومع ذلك فقد ارتكبت كل أنواع الجرائم في طريق رحلتي. وإني لأدهش. كيف يرضى الإله الحقيقي عن عبادة تقدّم إليه في مثل هذه الظروف!

15 - الذهاب إلى المعبد

في طريقي قلّ لديّ المال وبدأت أحتاج. وهنا تذكرت أن زميلي «سيجوتشي» أخبرني عن صديق يسكن في «أوساكا» فانطلقت إلى هناك، ووجدت الرجل يسكن في فندق.

بقيت هناك حوالي أسبوع، فنضب كل مالي، لذلك عدلت عن الذهاب إلى معبد «كومبيرا». وكنت ضعيف الإرادة، فراحت الأفكار الرديئة تفرخ في عقلي مرة أخرى، وتذكرت أن زميلي «سيجوتشي» كان قد قال لي أن أبعث إليه بما قد يقع بين يديّ من مسروقات في رحلتي. فحصلت على بعض المواد وأرسلتها بالسكة الحديد إلى طوكيو بعنوان «تسلّم عند الطلب». ولم أرسلها إلى بيته خشية أن تستكشف السرقة ويتعقب البوليس المسروقات، فتقع زوجته في اضطرابات ومتاعب. عدت مرة أخرى إلى أساليبي القديمة، وأرسلت كل شيء سرقته إلى طوكيو.

وسرعان ما بلغت أوساكا حتى ارتكبت جريمة سرقة بالإكراه. ولما كان متعذراً عليّ أن أعلل وجود المال بين يديّ دون أن يكون لي عمل أتكسب منه، ابتعت بعض الحلويات وجلت بها متظاهراً أني بائع حلويات متجول. ثم انطلقت من أوساكا، وفي طريقي أودعت قليلاً من المال هنا وهناك في صناديق توفير البريد، وحملت الدفتر معي لكي أبعد الشبهات عني، لأن الدفتر يشهد لي أني رجل أمين أعمل وأقتصد.

تسكعت من مكان إلى آخر حتى بلغت أخيراً «أوكاياما» حيث ارتكبت سرقتين، ولكن هناك انقضّت عليّ دينونة السماء، فقد أصبت في قدميّ واضطررت إلى الراحة أياماً. ثم عاودت المسير وذهبت إلى «أماجي» وسكنت في بيت لا يسكنه إلا الشحاذون القذرون. على أن هذا لم يكن يعنيني، ولكن لما ذهبت إلى الحمام العام في المدينة رفض صاحبه الإذن لي بالدخول بسبب سكناي في ذلك البيت. فأدى بي هذا إلى مشاجرة مع الرجل وزوجته كان من نتيجتها إلقاء القبض عليَّ وسوقي إلى مركز البوليس. وأحسست أن لزام علي قبل كل شيء أن أبعد الشبهة عني، فأبرزت دفتر التوفير للبوليس وانطلت عليهم هذه الحيلة، وأطلق سراحي.

وهنا يجب عليّ أن أكشف الأفكار التي دارت في مخيلتي وقتئذ: فإنه مع نجاحي في الإفلات من قبضة البوليس، حقدت حقداً شديداً على صاحب الحمام وزوجته لمنعهما إياي من الدخول على الرغم من استعدادي لدفع الأجرة، وعاهدت نفسي على أن أعود يوماً وأقتل أفراد هذه الأسرة كلهم. والآن أرتجف حين أفكر في هذا العزم الأثيم على قتل أسرة برمتها لسبب تافه أغاظني.

بعد هذا ركبت سفينة بخارية حملتني إلى معبد «كومبيرا» الذي كنت أريد زيارته من قبل. وبعد أداء فرائض العبادة في المعبد عدت إلى «أوساكا» حيث ارتكبت سلسلة من الجرائم، ثم بعت الأثاث القليل الذي كنت وضعته في حانوت الحلوى واعتزمت الرجوع إلى طوكيو لرؤية الزميل «سيجوتشي». وفي طريقي وقعت في أيدي مخبر سري، وأخذ في التحقيق معي، فأبرزت له دفتر صندوق التوفير، فأطلق سراحي في غير عناء. ومرة أخرى قبض عليّ البوليس، فأفلت من يده بهذه الطريقة عينها. وأدَّى بي المطاف أخيراً إلى مدينة «كوانا». وفي تلك الليلة هبّت زوبعة عاتية، فأتاحت لي الفرصة للسطو والنهب والسلب. وحوالي منتصف الليل تسللت خفية، ولكن أدركت حالاً أن شخصاً يتعقبني، وبغتة سمعت صوتاً عالياً يصيح: قف! قف! ولكنني هربت ولم أعبأ بالصوت، وارتكبت الجريمة التي دبّرتها، وفي الصباح ركبت القطار إلى «نجويا». وكان هذا في اليوم العشرين من شهر إبريل سنة 1915.

وفي اليوم الثالث والعشرين رجعت إلى طوكيو، فألفيت «سيجوتشي» في كرب عظيم، لأنه قامر وخسر كل شيء حتى الأشياء التي أرسلتها له مما نهبت وسلبت، ووقع في الدين، ولم يجد ما يسدّ به رمق أسرته. ولم يرضَ أن يعترف لي بأنه خسر كل شيء في القمار، وقال لي إنه لم يوفق في عمله. وقد عرفت أنه أضاع ماله في القمار، ولكني تظاهرت بأني مصدّقه. وفي يوم ما قال لي: «يا صاح، أنا متضايق جداً من الوجهة المالية، أفلا نستطيع عمل شيء نفرّج به على أنفسنا؟». فوعدته أن أفعل ما في وسعي لمعونته.

16 - قتيل أوهارو

في اليوم التاسع والعشرين من شهر إبريل ذهبت إلى يوكاهاما بطريق السيارات آملاً أن أسلب شيئاً ما هناك. على أنه لسبب ما لا أدريه لم أقدم على شيء، ورحت أتسكع في المدينة بضعة أيام، ثم قفلت راجعاً سيراً على الأقدام بمحاذاة السكة الحديد، وفي الساعة العاشرة مساء بلغت أحد أحياء مدينة طوكيو، وجلست أستريح أمام أحد مشارب الشاي وكان مقفلاً في تلك الليلة. وفي تلك اللحظة لمحت من بعيد فتاة في الرابعة والعشرين أو الخامسة والعشرين من العمر تسير بمفردها، وانتابتني فجأة شهوة جامحة شريرة قوية، وتلفتّ حولي، ولما لم أجد أحداً، هجمت عليها وأمسكتها. فصرخت الفتاة صرخة عالية: قاتل! قاتل! - ولكي أكتم صوتها، نزعت المنشفة المعلقة في منطقتي، ولففتها حول رقبتها وضغطت عليها ضغطاً شديداً حتى انقطعت أنفاسها. ثم نظرت إلى طرف أكمام ثوبها، فوجدت كيساً يحوي ستة وثلاثين يناً وكتاباً صغيراً، فأخذتهما وهربت. وحينما أفكر الآن في هذه المأساة، أدرك بشاعة الشهوة!

وماذا عساني أن أقول عن نفسي؟ فإنه بسبب هربي لصقت التهمة بعشيق تلك الفتاة الذي قيل إنه قتلها في ثورة من ثورات الغيرة! ولهذا أحسب نفسي أشقى مخلوق عاش على الأرض. حينما أفكر في النفس القديمة التي اقترفت هذه الجريمة الرهيبة، ترتعد فرائص نفسي الحالية جزعاً وفَرقاً، ويقف شعر رأسي أمام هذه الموبقات البشعة المرعبة. ما أشنع هذا الصنيع! وقع الذنب كله على كوموري البريء، عشيق الفتاة، الذي أودع السجن شهوراً طويلة بسبب الجريمة التي ارتكبتها أنا.

في صباح اليوم الثلاثين رجعت إلى طوكيو، إلى منزل سيجوتشي، وتسكعت بضعة أيام كأن شيئاً لم يحدث. ثم رحت أتجول مرة أخرى، فذهبت إلى «نجويا» وارتكبت جريمة سرقة بإكراه. وقبل مغادرة البيت الذي سطوت عليه أوثقت أيدي وأرجل الناس الذين كانوا فيه وتركتهم على هذه الحال. لشدَّ ما كان قلبي قاسياً غليظاً!

وحوالي منتصف مايو رجعت إلى طوكيو، وأخذت أفكر في أني لو تسكعت طويلاً بدون عمل، يشتبه الناس في أمري، ولذلك تظاهرت بالبيع والشراء، وكنت أبيع بأقل من ثمن الجملة لكي أكتسب مودة الذين حولي.

17 - قتيل يوكاهاما

في الرابع عشر أو الخامس عشر من يونيه بدأت أتسكع مرة أخرى، وهذه المرة ركبت القطار إلى يوكاهاما معتزماً أن أسلب وأنهب. وفي الليلة الثامنة عشرة من الشهر دخلت منزلاً، وأوثقت الساكنين فيه، وهددت الزوجة بالقتل إن لم تخبرني عن الموضع الذي خبأت فيه المال. وهنا أخذ الرجل يصيح «حرامي! حرامي!». وقد أحسست أن هذه نهايتي لو أن الجيران خفّوا إلى نجدته. فأخذت منشفة كانت معلقة في الغرفة وربطتها حول رقبته. فلم يكن من الزوجة إلا أن استجمعت كل قواها وصاحت بأعلى صوتها: قاتل! قاتل!-وهنا تناولت حزاماً من أحزمة السيدات كان معلقاً في الغرفة، وأوقعتها على الأرض وربطت به عنقها أيضاً.....

وفي هذه الأثناء سمعت صوتاً من بيت مجاور، فخطفت ساعة الزوجة الذهبية التي كانت موضوعة على مقربة مني ووليت الأدبار. وحين أفكر اليوم في هذه الجريمة أدرك مبلغ نذالتي وخسّتي. ولو أنني كنت شريراً عادياً، لهربت بمجرد سماع صيحات الرجل، ولكنني ممعن في الشر عريق في الجريمة. وأحسب تلك المرأة البائسة قد تحطمت نفسها وهي ترى زوجها يقتل بهذه الطريقة الشنيعة أمام عينيها. وكان من حقها أن تستغيث وتستنجد، ولكنني خنقتها بسبب هذه الاستغاثة! وترى هل كان يشفى غليلها، لو أنها رأت أمام عينيها جسدي يقطع إرباً إرباً!!

وبعد ذلك سرت محاذياً السكة الحديد، ودخلت منزلاً آخر سرقت منه بعض الأشياء وأرسلتها إلى «سيجوتشي». ثم سافرت إلى بلدة أخرى وهناك أيضاً سرقت ونهبت. وبينما أنا سائر في الطريق حوالي منتصف الليل أفكر في ارتكاب جريمة أخرى، أوقفني رجل البوليس ولم يكن ثمة سبيل للإفلات منه، فسرت معه صاغراً، وانتهزت فرصة الظلام وألقيت الخنجر الذي كنت أحمله على جانب الطريق. ولما استجوبوني في مركز البوليس، أبرزت دفتر صندوق التوفير، فأطلق سراحي. ثم عدت مقتفياً الخطى إلى أن عثرت على الخنجر في الطريق، وذهبت لحال سبيلي. ولما كانت الليلة دامسة الظلام، عثرت وسقطت في جدول من الماء ينخفض أربعة عشر قدماً عن الطريق فانكسر ضلع من أضلاعي، ولكني أخذت أسحب نفسي إلى كومة من القش في حقل مجاور، وهناك قضيت ثلاثة أيام وثلاث ليال لا أتحرك، بدون طعام أو شراب. وخيّل إليَّ أني لا بد مائت ولكن تماثلت إلى الشفاء أخيراً، على أنني قضيت مدة طويلة عاجزاً عن ارتكاب أية جريمة.

وبعد هذا أخذت طريقي إلى «هاماتسو»، وهناك استأجرت داراً رخيصة. ولقيت وأنا هناك امرأة بائسة هجرها زوجها ومعها طفل في الحادية عشرة من عمره. وكانت المرأة في ضيق شديد، باعت كل ما لديها حتى ملابسها وملابس ولدها لتفي إيجار مسكنها. ومع قسوة قلبي أحسست بألم من أجلها وأعطيتها مالاً لتسدَّ ديونها. وبقيت هناك ثلاثة أو أربعة أيام أطلعتها في خلالها على الكتاب الذي كنت عثرت عليه في أكمام الفتاة المسكينة التي قتلتها. وفي أثناء محاكمتي فيما بعد جيء بهذه المرأة لتشهد في المحكمة على أنها عاينت الكتاب معي. وهذه الشهادة التي قدمت في وقت لم يكن فيه اعترافي مصدقاً، كانت دليلاً على إثبات الجريمة ضدي. وقبل أن أغادر البلدة أعطيت هذه المرأة قدراً من المال يكفيها لفتح مغسل صغير.

وفي ذلك الحين كنت قد برئت تماماً، فعدت إلى أساليبي القديمة.

18 - سرقة الأسلحة لارتكاب جرائم أخرى

زرت معبد إناري، وقد وقع نظري وأنا هناك على حانوت لبيع السيوف قبالة الهيكل، فدخلت الحانوت تلك الليلة وسرقت سيفاً طوله ثلاثة أقدام وخنجراً طوله قدم واحد. وذات ليلة في أواخر شهر يوليو ذهبت إلى «توياهاشي»، وفي الساعة الثانية صباحاً وجدت نفسي واقفاً أمام حانوت لبيع الفحم، أتفرس في المكان لعلّي أستطيع التسلل إلى داخله. وبغتة سمعت صوتاً عالياً يصيح «حرامي! حرامي!» وحاولت شرذمة من رجال البوليس إلقاء القبض عليّ. فسللت السيف دفاعاً عن نفسي، وبعد معركة دامت خمس عشرة دقيقة جرحت أحد رجال البوليس جرحاً بليغاً، وهربت وفيّ جرح بسيط. وقد أدركت أن المكان محاصر بقوة من البوليس، فاتخذت طريقي نحو نهر عرضه مائة وثمانين قدماً، فعبرته سباحة بعد أن خلعت ملابسي ورفعتها فوق رأسي لكي لا تبتل، ونجوت بنفسي سالماً.

وماذا عساني أن أقول الآن عن هذه النفس الأثيمة. عرفت أن فعالي هذه تكدس أكواماً من الألم والضيق للغير، ومع ذلك لم أرعوِ، وتماديت في الشر. أهذه بلادة حسّ أم هي قسوة قلب؟ إن الألفاظ تعجز عن أن تصف مخلوقاً جامحاً مثلي!

وبعد ذلك اتخذت طريقي إلى جبل قريب وأخفيت خنجري، ثم عدت في رابعة النهار للبحث عنه، فاصطدمت فجأة برجلين يدل مظهرهما على أنهما من المخبرين، فسألاني عن سبب قدومي إلى هنا، فأجبت بدون لجلجة: «إني أشتغل في معرض الوحوش في نجويا، وقد هرب صقر إهمالاً مني، فجئت لأبحث عنه هنا». فاقتنعا بهذه الإجابة وتركاني وشأني.

وفي مساء ذلك اليوم، حوالي الساعة التاسعة، عدت إلى الجبل لأبحث عن الخنجر، وبغتة هجم عليَّ ثلاثة أو أربعة رجال، وصاحوا بصوت عال: «نريد أن نقول لك شيئاً». وكاد هذا الهجوم المفاجئ يكتم أنفاسي، على أنني تذرعت بالشجاعة، وسللت سكيناً كانت معي ورحت أعارك بوحشية، فجرحت أحدهم وفررت قبل أن تجيء النجدة من المكان المجاور. ثم اندفعت نحو نهر وعبرته سباحة، وأخذت أركض نحو خمسة أميال في الظلام، وفي الفجر وصلت إلى مكان يقال له «كورومو» ومن هناك أخذت القطار إلى «نجويا» التي كانت تبعد خمسة عشر ميلاً.

وكان بين الركاب أحد رجال بوليس كورومو، ذاهباً إلى نجويا في مهمة رسمية، وقد سمعته يتحدث مع زميل راكب عن الجريمة التي ارتكبتها في «توياهاشي» فتظاهرت بعدم الاهتمام، على أنني قد خفت خوفاً عظيماً، وأحسست بطول هذه الرحلة. ولا غرابة في ذلك فالإنسان العادي يشعر بالقلق وعدم الاطمئنان وهو مسافر مع أحد رجال البوليس في عربة واحدة، فما بالك بمجرم يتسمع الحديث عن جرائمه.

19 - الهرب من أوساكا

بلغنا «نجويا» حوالي المساء، وبقيت حتى الصباح، ثم انطلقت لأرتكب جرائم أخرى. وبينما كنت مجتازاً قبالة باب الهيكل لمحت أربعة أو خمسة من الشحاذين جالسين يتحدثون معاً. ولم يكن في نيتي أن أصغي إلى حديثهم، على أن حب الاستطلاع دفعني إلى ذلك، فأنصت وإذا بهم يتحدثون عن الجرائم التي ارتكبتها، وكيف خفي أمرها على البوليس. وجلست معهم أستفهم عرضاً عن بعض الأشياء، فقيل لي إن عدة سرقات قد ارتكبت منذ ثلاثة أيام، وإن اثنين من رجال البوليس أصيبا بجروح خطيرة، وإن السارق قد هرب، ويقال إنه مختبئ الآن في «نجويا» والبوليس جاد في البحث عنه، حتى أنه كثيراً ما أقلق راحة هؤلاء الشحاذين ظناً منه أن السارق قد يكون واحداً منهم.

بعد هذا ثبت لي أنه من الخطر أن أبقى في «نجويا» وخاصة لأن ليس لي عمل ظاهر أعتاش منه، فانطلقت هارباً إلى جهة الغرب، إلى أوساكا، حيث مكثت عشرة أيام. وهناك تذكرت الإهانة التي لحقت بي من صاحب الحمام وزوجته، وكان المكان قريباً فاعتزمت أن أذهب إليهما لأنتقم لنفسي. ما أسود قلبي!!

وهنا أريد أن أشرح كيف عرف البوليس أمر الخنجر الذي خبأته في الجبل، فتربص لي: عثر فلاح من القرى المجاورة على الخنجر مخبئاً بين قش الأرز، فأبلغ عنه البوليس فوراً، فسارع ووضع كميناً من رجاله حول المكان.

والآن لنعد إلى القصة: غادرت أوساكا إلى كوبا، وهناك حلَّ بي مرة أخرى قضاء السماء، إذ أصبت في عينيّ وكدت أفقد البصر، ولذلك اضطررت مرغماً أن أمتنع عن الأذى. على أنني مع ذلك كنت أفكر في طريقة ما للانتقام من صاحب الحمام، فسرت حتى بلغت مكاناً يدعى «أكاشي» وهناك ساءت حالة عينيّ إلى حد لم أستطع معه السير، ولم ينفع لي علاج، فاعتزمت العودة إلى طوكيو، وأرسلت خطاباً إلى «سيجوتشي» لكي يبعث لي بعض النقود، وفي نهاية أكتوبر عدت بالقطار إلى طوكيو.

وكانت حالة «سيجوتشي» قد بلغت حداً من الشقاء لا يطاق، وكان قد بدد كل الأشياء التي نهبتها وأرسلتها له، بل باع ملابس زوجته وأطفاله. وكانت عيناي ما فتئتا مريضتين، فلم أستطع أن أخرج وأسرق شيئاً له، لذلك اضطررت أن أبيع ما لدي من الثياب وأعين الأسرة بالمال. ثم دخلت في مستشفى خيري للعلاج، وما أن حلَّ أول نوفمبر حتى كنت قد عوفيت تماماً.

20 - الجريمة الأولى في طوكيو

وفي يوم ما جاءني «سيجوتشو» وتوسل إليَّ أن ننهب بعض الأشياء ليتمكن من القيام بأود أسرته. وكانت عيناي ما زالتا كليلتين، ولم أرد أن أرتكب شيئاً في طوكيو خشية أن تحيق النتائج السيئة بزوجة سيجوتشو وأطفاله الأبرياء. ولم أكن قد ارتكبت أية جريمة في طوكيو من قبل.

فاتفقت على أن أعين «سيجوتشي» بشرط أن يكون نشاطنا خارج مدينة طوكيو، لكنه أكد لي أن ليس ثمة خطر البتة. وما كان في وسعي أن أخرج إلى الريف منفرداً لضعف نظري، فارتضيت أن أعمل داخل المدينة بعد أن شهدت شقاء الأسرة وبؤسها. وبهذا العمل كومت أحزاناً وآلاماً على رأس هذه الأسرة الشقية. وإن قلبي لينفطر الآن حين أذكر هذه الأمور كلها.

وفي ليلة ذهبت مع سيجوتشي إلى أحد أحياء المدينة وحاولت التسلل إلى منزل، فاستيقظ الخادم وأخذ يرجمني حتى اضطررت إلى الهرب فغضبت وعزمت على أن أعود يوماً ما وأحرق المنزل كله. وحينما أفكر الآن في هذا الأمر أراني غراً أحمق، فإن ذلك الخادم الأمين لم يقم إلا بواجبه نحو سيده، وكان حريصاً على صيانة ممتلكاته، ومع ذلك قد حقدت عليه ورغبت في إيذائه.

21 - الاعتراف بجريمة القتل في أوهارو

وبعد هذا لم يكن مأموناً أن يعود أحدنا إلى بيت «سيجوتشي». وفي الثامن من شهر ديسمبر اعتزمنا أن نرحل معاً إلى الريف. ولكن أدركنا غضب السماء. في تلك الليلة داهمنا ونحن في طريقنا إلى مسكننا خمسة من رجال البوليس، وألقوا القبض علينا وساقونا إلى مركز البوليس، وكان القبض علينا بسبب الاشتباه في جريمة السطو التي حاولناها ليلة البارحة، ولكن لعدم توفر الأدلة فكرت في أنه قد يكون هيناً تضليل رجال البوليس والإفلات كما فعلت في الماضي غير مرة.

وضعت في خلية في مركز البوليس مع سبعة أو ثمانية كانوا يتحدثون فيما بينهم عن بعض جرائم القتل التي حدثت حول طوكيو. وقالوا إن هذا القاتل أو ذاك قد ألقي القبض عليه، وذكروا بينهم «كوموري» الذي حوكم من أجل قتل الفتاة في أوهارو. فلما سمعت هذا قلت لنفسي:

«كيف يحاكمون كوموري من أجل هذه الجريمة وأنا فاعلها». ولم أكد أصدق أذني، ولكن علمت بعدئذ أن الرجال عرفوا الوقائع كلها، وعرفوا أن رجلاً بريئاً حوكم من أجل جريمة أوهارو.

بدأت أفكر. حينما كان يلقى القبض عليّ وأحاكم من أجل جرائمي، كانت نفسي تمتلئ حقداً وكراهية لرجال البوليس والمخبرين والقضاة ووكلاء النيابة، وكنت دائماً أظهر عدم الرضى بالأحكام التي كانت تصدر ضدي، هذا على الرغم من أني المرتكب الحقيقي لهذه الجرائم. وكل مجرم يشعر هذا الشعور عينه. فليت شعري ماذا يكون شعور كوموري البريء وهو يزج في السجن شهوراً ويُتهم بجريمة لم يرتكبها؟ وما شأن أسرته وأقاربه؟ لا أستطيع أن أعبر بالألفاظ ولا بأية وسيلة أخرى عن الآلام التي لا بد أنهم يعانونها. إن الإنسان لا يموت إلا ميتة واحدة، لذلك قررت أن أعترف بجرمي وأنقذ كوموري البريء.

بعد ثلاثة أو أربعة أيام اعترفت بجريمة القتل. ولكن وأنا بعد في مركز البوليس، وضع معي في الخلية عينها رجل من «أوكازاكي» فسألته عن الأحداث التي جرت هناك، فقال لي إن جريمة سرقة وقعت في «توياهاشي» قتل فيها أحد رجال البوليس، وكذلك وقعت مشاجرة بين لص وبين بوليس آخر في الوقت عينه، وقتل رجل بوليس آخر وفر اللص. وما كنت أدري قبل الآن أني قتلت رجلي البوليس وظننت أني أصبتهما بجروح فقط. لذلك قررت أن أعترف بجرائمي كلها جملة واحدة، وفعلاً اعترفت في الحال بكل شيء.

نقلت من مركز البوليس إلى السجن، حيث أكتب هذه القصة في الثلاثين من شهر ديسمبر من سنة 1915-وكلما أنظر إلى الوراء، أدرك أن كل ما جرى كان بتدبير من الله. يومئذ ما عرفت شيئاً عن قلب الله، وأما الآن فإني أؤمن أن الله قد مسَّ أعماق قلبي.

22 - ذكريات وتأملات

إلى هنا رسمت صورة تخطيطية لحياتي، من طفولتي إلى نهاية الفترة الإجرامية. ولكن أريد أن أرجع هنا إلى الوراء لأقص شيئاً عن الحياة التي عشتها قبل أن أزج في سجن شيبا في سنة 1904 - إن الجرائم التي اكتشفت لم تكن إلا بعض حوادث السلب والنهب التي ارتكبتها فعلاً، وعندئذ حسبت نفسي محظوظاً أن أفلت من بين براثن القانون. وحينما أفكر الآن في هذه الحوادث أحسب نفسي أشرّ الخطاة، فمنذ أن بلغت التاسعة عشرة نظرت إلى ممتلكات الآخرين ومقتنياتهم كأنها ملك لي، ونهبت متاعهم - لا مرة ولا مرتين، بل مرات لا حصر لها.

ولقد عانيت في بعض الأحيان شقاء لا يوصف وعناء منقطع النظير. فمرة طاردني المخبرون فهربت إلى الجبال حيث اختبأت ثمانية أيام لم أذق فيها طعاماً، ولم أشرب إلا الماء. وفي زمهرير الشتاء قضيت الليالي الثلجية في العراء أنتفض من البرد كالطائر المبلل، وفي ليالي الصيف القائظة كادت تأكلني أسراب البعوض. عانيت صنوفاً من الحرمان والمتاعب القاسية. وإذ أفكر الآن لا أرى شيئاً عقيماً مثل الجريمة. ولو أنفقت النشاط الذي أنفقت، وعانيت الأتعاب التي عانيت، في سبيل العيش الشريف. لأفلحت ونفعت. يا لضيعة تلك الآلام التي قاسيتها من أجل الجريمة!! ولم أعان هذا كله وحدي، بل قد سببت آلاماً للغير، وفي النهاية لم يبق شيء أستطيع أن أقول إنه لي. ولا أمتلك اليوم شيئاً سوى أعمالي الشريرة وجرائمي الشنيعة، وهذه لاصقة بي لا تنفصم عني.

وهنا أريد أن أقول إن رجلي البوليس اللذين جرحتهما في «توهاشي» و «أوكازاكي» لم يموتا.

23 - بعد الموت؟

والآن أرجو أن تسمح لي أن أقصَّ كيف آمنت من أعماق قلبي بتعاليم يسوع المسيح وأنا في السجن، وسأروي قصتي كما حدثت تماماً دون إخفاء أو تزويق. والذين يقرأون القصة من أهل العلم والعقل والفطنة قد يرون في قصتي أشياء كثيرة غير منسجمة ولا متناسقة، ولكن أرجو هؤلاء أن يتسامحوا معي، ويعطفوا على جهود إنسان غير مثقف يرغب في أن يعلن مكنونات قلبه دون اصطناع أو تكلف:

في أواخر شهر ديسمبر من سنة 1915 نقلت من مركز البوليس إلى سجن طوكيو، ولكي أكفر عن خطاياي اعترفت بكل شيء، وأحسست أن نهاية حياتي قد دنت. ويوماً بعد يوم جلست وحدي في خليّتي لا أكلم أحداً ولا أعمل شيئاً. وفي ذات ليلة بعد أن هجع كل الناس وهدأت الحركة في السجن، استيقظت ورحت أفكر في الذنوب والآثام التي اقترفتها. وقد أيقنت أني لا بد مائت بعد اعترافي، ولكن ترى ماذا يحدث لي لو أنني مت كما أنا؟ وإلى أين أذهب؟ وهل لي نفس، أم أنا جسد فانٍ لا غير؟ لست أدري. فإن كانت لي نفس، فلا بد أن تنحدر إلى هاوية الجحيم. حقاً أن مستقبلي مظلم، وقد ضاقت بي نفسي كلما فكرت في هذا كله. في أيام قوتي وبأسي، وحينما عُنيت فقط بالشهوة والمال، لم تخطر على بالي هذه الأفكار، أما الآن وشبح الموت يحملق في وجهي، فقد برّح بي ألم لا أطيقه. وأني أؤكد أني أقول الحق خالصاً لا كذب فيه.

24 - هدية عيد رأس السنة في السجن

انتهت سنة 1915 وحلَّ رأس السنة الجديدة، وفي الصباح باكراً قُدِّم إليَّ طعام رأس السنة، بدلاً من جراية السجن العادية. وقيل لي أن سيدتين تدعى إحداهما مس وست والأخرى مس مكدونالد، قد أرسلتاه إليَّ. ترى من تكونان هاتان السيدتان؟ لم أسمع بهما من قبل، وتمنعت أن أقبل هدايا من أناس لا أعرفهم. ولكن حارس السجن أخبرني أن السيدتين مرسلتان مسيحيتان، وقد بعثتا بهذا الطعام مسوقتين بعامل الشفقة والعطف، وليس ما يمنع من قبول هذه الهدية. وحين أفكر الآن، أفهم كيف يقلب قلب المجرم الأشياء! ولا يمكن وصف هذا القلب باللفظ أو المثل. لما كنت في العالم سلبت الناس أشياءهم دون تفكير أو ندم ولكن الآن حين يقدّم لي شيء مجاناً أرفضه! ما سرُّ هذا الانقلاب الأحمق!

أرسل إليَّ الطعام في الثلاثة أيام الأولى من السنة الجديدة، وبعد ذلك بأيام أرسل إليَّ العهد الجديد (الإنجيل) وثلاثة كتب مسيحية أخرى من المصدر عينه، ولكن وضعتها على الرف ولم ألقِ إليها نظرة.

25 - زيارة مس وست

وفي ذات يوم زارتني سيدة تدعى مس وست وتحدثت إليَّ عن يسوع المسيح. ولما كنت في العالم، ما كنت أصغي إلى أي حديث عن ديني، وطبيعي أني رفضت أن أسمع شيئاً عن المسيحية. على أنني شكرتها من أجل الزيارة، وكنت متأدباً لطيفاً. وقد تكررت هذه الزيارة فيما بعد.

26 - المؤثرات الأولى

وفي يوم أحسست بالملل من جراء الكسل، ورغبة في قتل الوقت فقط، تناولت الانجيل من فوق الرف، وألقيت نظرة غير جدية، على بدايته وفي وسطه. وأخذت أقلّب الصفحات، ولفت نظري هذه الكلمات:

«وَحِينَ تَمَّتِ ٱلأَيَّامُ لٱرْتِفَاعِهِ ثَبَّتَ وَجْهَهُ لِيَنْطَلِقَ إِلَى أُورُشَلِيمَ، وَأَرْسَلَ أَمَامَ وَجْهِهِ رُسُلاً، فَذَهَبُوا وَدَخَلُوا قَرْيَةً لِلسَّامِرِيِّينَ حَتَّى يُعِدُّوا لَهُ. فَلَمْ يَقْبَلُوهُ لأَنَّ وَجْهَهُ كَانَ مُتَّجِهاً نَحْوَ أُورُشَلِيمَ. فَلَمَّا رَأَى ذٰلِكَ تِلْمِيذَاهُ يَعْقُوبُ وَيُوحَنَّا، قَالاَ: «يَا رَبُّ، أَتُرِيدُ أَنْ نَقُولَ أَنْ تَنْزِلَ نَارٌ مِنَ ٱلسَّمَاءِ فَتُفْنِيَهُمْ، كَمَا فَعَلَ إِيلِيَّا أَيْضاً؟» فَٱلْتَفَتَ وَٱنْتَهَرَهُمَا وَقَالَ: «لَسْتُمَا تَعْلَمَانِ مِنْ أَيِّ رُوحٍ أَنْتُمَا! لأَنَّ ٱبْنَ ٱلإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُهْلِكَ أَنْفُسَ ٱلنَّاسِ، بَلْ لِيُخَلِّصَ». فَمَضَوْا إِلَى قَرْيَةٍ أُخْرَى» (لوقا 9:51-56).

ثم وضعت الكتاب جانباً، وقلت في نفسي إن هذه أقوال إنسان أراد أن يعلّم البشر طريق الفضيلة. ولم أتأثر بغير هذا. وبعدئذ تناولت الكتاب وقرأت هذه الكلمات:-

«وَكَانَ جَمِيعُ ٱلْعَشَّارِينَ وَٱلْخُطَاةِ يَدْنُونَ مِنْهُ لِيَسْمَعُوهُ. فَتَذَمَّرَ ٱلْفَرِّيسِيُّونَ وَٱلْكَتَبَةُ قَائِلِينَ: «هٰذَا يَقْبَلُ خُطَاةً وَيَأْكُلُ مَعَهُمْ». فَكَلَّمَهُمْ بِهٰذَا ٱلْمَثَلِ: «أَيُّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ لَهُ مِئَةُ خَرُوفٍ، وَأَضَاعَ وَاحِداً مِنْهَا، أَلاَ يَتْرُكُ ٱلتِّسْعَةَ وَٱلتِّسْعِينَ فِي ٱلْبَرِّيَّةِ، وَيَذْهَبَ لأَجْلِ ٱلضَّالِّ حَتَّى يَجِدَهُ؟ وَإِذَا وَجَدَهُ يَضَعُهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ فَرِحاً، وَيَأْتِي إِلَى بَيْتِهِ وَيَدْعُو ٱلأَصْدِقَاءَ وَٱلْجِيرَانَ قَائِلاً لَهُمُ: ٱفْرَحُوا مَعِي، لأَنِّي وَجَدْتُ خَرُوفِي ٱلضَّالَّ. أَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُ هٰكَذَا يَكُونُ فَرَحٌ فِي ٱلسَّمَاءِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ أَكْثَرَ مِنْ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ بَارّاً لاَ يَحْتَاجُونَ إِلَى تَوْبَةٍ» (لوقا 15:1-7).

ومع هذا لم أؤمن بما قرأت. وقلت هذه كلمات قد يرددها أي مبشر. ووضعت الإنجيل على الرف وأهملت القراءة فيه زمناً. وبعد أيام أحسست بالملل من الكسل مرة أخرى، فتناولت الكتاب وأخذت أقرأ. وفي هذه المرة قرأت قصة دفع المسيح إلى أيدي بيلاطس، ومحاكمته ظلماً وعدواناً، وقتله صلباً.

وهنا بدأت أفكر. إن هذا الإنسان الذي يسمونه يسوع قد جاهد كي يقود الآخرين إلى طريق الفضيلة، ومن القسوة أن يُصلب لمجرد أن آراءه تخالف آراء القوم الآخرين. وحتى أنا المجرم القاسي، أحسست أنه من العار أن يعامله أعداؤه هذه المعاملة الشائنة.

27 - «يا أبتاه اغفر لهم»

قرأت، فأخذت بهذه الكلمات: «فَقَالَ يَسُوعُ: «يَا أَبَتَاهُ، ٱغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ» (لوقا 23:34). فوقفت وكأن طعنة نجلاء قد غارت إلى صدري. ترى ما معنى هذا؟ أهو محبة قلب المسيح؟ أم هو عطفه وإشفاقه؟ لست أدري. والذي أعلمه يقيناً أني آمنت بقلب شاكر وأخذتني هذه العبارة البسيطة إلى قلب المسيحية.

وهذا ما فكرت فيه: أعتقد أن أعدى أعداء الإنسان هو الذي يطلب نفسه ليزهقها. ليس عدو أعظم من هذا. وفي الوقت الذي كانت تنتزع نفس يسوع منه، صلّى من أجل أعدائه لإله السماء: «يَا أَبَتَاهُ، ٱغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ» . ومن يكون هذا غير ابن الله؟ إن الإنسان العادي تمتلئ نفسه غضباً وكراهية وحقداً لأتفه الأشياء. أما يسوع فقد صلّى من أجل أعدائه في الوقت الذي كانت تؤخذ حياته منه-تلك الحياة التي لم يكن لها مثيل. أكان هذا ممكناً للإنسان العادي؟ لا أظن ذلك. إذاً لا مناص من القول إنه هو الله.

ويقول رجال الدين والرعاة والذين يشاهدون الناس يموتون، إن الكلمات الأخيرة التي يتفوه بها الإنسان، تخرج من أعماق قلبه. وهو لا يموت والأكاذيب على شفتيه. وقد كانت كلمات يسوع الأخيرة «يَا أَبَتَاهُ، ٱغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ» ، ولذلك لا يسعني إلا أن أؤمن بأنها تكشف سرّ قلبه.

28 - هدايا السجن

والآن أريد أن أتحدث عن الأفضال الإلهية التي منحتها في السجن بعد أن آمنت بالمسيح. نلت أولاً ذلك الخلاص الأبدي الذي لا يفنى، خلاص العنصر الأهم في الإنسان وهو النفس، كما هو مكتوب «مَنْ يَسْمَعُ كَلاَمِي وَيُؤْمِنُ بِالَّذِي أَرْسَلَنِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَلاَ يَأْتِي إِلَى دَيْنُونَةٍ، بَلْ قَدِ ٱنْتَقَلَ مِنَ ٱلْمَوْتِ إِلَى ٱلْحَيَاةِ» (يوحنا 5:24) وأيضاً «مَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ لاَ أُخْرِجْهُ خَارِجاً» (يوحنا 6:37).

وإذا نحن آمنا بصدق هذه الكلمات، نوقن أن الله لم يتخلّ عنا بل قد خلّص نفوسنا خلاصاً أبدياً.

ولم أعرف أن للإنسان نفساً إلا وأنا في السجن. وذلك لأنه كان قد زرع في فناء السجن الأقحوان لتسرَّ أعين الناظرين. وفي ميعاد الأزهار تبسم بألوان جميلة، ولكن في الشتاء يقتلها الصقيع والبرد. وعيوننا الخارجية تحدثنا بأن الأزهار قد ماتت، ولكن الحقيقة غير ذلك، فإنه في موسم الأزهار تعود البراعم إلى الظهور وتتفتح الأزهار مرة أخرى. ولا يسعني إلا أن أؤمن بأن الله الذي لا يسمح بموت هذه الأزهار، قد خلق في الإنسان نفساً تعيش إلى الأبد.

ثم فضل آخر أضفاه عليّ الله: لما كنت حراً كنت أتنقل شرقاً وغرباً في العالم، ورأيت وسمعت أشياء كثيرة، وجزت اختبارات متنوعة. واليوم أنا جالس في خابية السجن محروماً من الحرية، ومع ذلك فأنا أكثر رضى وأوفر غبطة من أيام الحرية. في السجن حيث لا يتوفر لي إلا الطعام الجاف الفقير، يفيض قلبي بالشكر أكثر مما كنت في العالم يوم تلذذت بكل ما اشتهت نفسي. في خابية السجن التي لا تزيد عن تسعة أقدام طولاً وستة أقدام عرضاً، أشعر بسعادة أوفر مما لو كنت في أكبر القصور التي شهدتها عيناي في العالم. أستطيع الآن التغلب على كل ألم في نفسي، ومهما تكن الأتعاب التي أعانيها، فإن قلبي يفيض بهجة وسروراً. ولكل يوم فرحته. كل هذه الأشياء يرجع الفضل فيها إلى نعمة يسوع المسيح وبركته الإلهية.

والآن أتحدث عن أكبر الأفضال جميعاً - قوة يسوع المسيح التي لا يم