العودة الى الصفحة السابقة
شرح سفر التكوين

شرح سفر التكوين

السّنن القويم في تفسير أسفار العهد القديم

للقس . وليم مارش


Table of Contents

Bibliography
مقدمة
مقدمة في أسفار موسى الخمسة وفيها عشرة فصول
المقدمة في سفر التكوين وفيها ستة فصول
اَلأَصْحَاحُ ٱلأَوَّلُ
اَلأَصْحَاحُ ٱلثَّانِي
اَلأَصْحَاحُ ٱلثَّالِثُ
اَلأَصْحَاحُ ٱلرَّابِعُ
اَلأَصْحَاحُ ٱلْخَامِسُ
اَلأَصْحَاحُ ٱلسَّادِسُ
اَلأَصْحَاحُ ٱلسَّابِعُ
اَلأَصْحَاحُ ٱلثَّامِنُ
اَلأَصْحَاحُ ٱلتَّاسِعُ
اَلأَصْحَاحُ ٱلْعَاشِرُ
اَلأَصْحَاحُ ٱلْحَادِي عَشَرَ
اَلأَصْحَاحُ ٱلثَّانِي عَشَرَ
اَلأَصْحَاحُ ٱلثَّالِثَ عَشَرَ
اَلأَصْحَاحُ ٱلرَّابِعَ عَشَرَ
اَلأَصْحَاحُ ٱلْخَامِسَ عَشَرَ
اَلأَصْحَاحُ ٱلسَّادِسُ عَشَرَ
اَلأَصْحَاحُ ٱلسَّابِعُ عَشَرَ
اَلأَصْحَاحُ ٱلثَّامِنَ عَشَرَ
اَلأَصْحَاحُ ٱلتَّاسِعُ عَشَرَ
اَلأَصْحَاحُ ٱلْعِشْرُونَ
اَلأَصْحَاحُ ٱلْحَادِي وَٱلْعِشْرُونَ
اَلأَصْحَاحُ ٱلثَّانِي وَٱلْعِشْرُونَ
اَلأَصْحَاحُ ٱلثَّالِثُ وَٱلْعِشْرُونَ
اَلأَصْحَاحُ ٱلرَّابِعُ وَٱلْعِشْرُونَ
اَلأَصْحَاحُ ٱلْخَامِسُ وَٱلْعِشْرُونَ
اَلأَصْحَاحُ ٱلسَّادِسُ وَٱلْعِشْرُونَ
اَلأَصْحَاحُ ٱلسَّابِعُ وَٱلْعِشْرُونَ
اَلأَصْحَاحُ ٱلثَّامِنُ وَٱلْعِشْرُونَ
اَلأَصْحَاحُ ٱلتَّاسِعُ وَٱلْعِشْرُونَ
اَلأَصْحَاحُ ٱلثَّلاَثُونَ
اَلأَصْحَاحُ ٱلْحَادِي وَٱلثَّلاَثُونَ
اَلأَصْحَاحُ ٱلثَّانِي وَٱلثَّلاَثُونَ
اَلأَصْحَاحُ ٱلثَّالِثُ وَٱلثَّلاَثُونَ
اَلأَصْحَاحُ ٱلرَّابِعُ وَٱلثَّلاَثُونَ
اَلأَصْحَاحُ ٱلْخَامِسُ وَٱلثَّلاَثُون
اَلأَصْحَاحُ ٱلسَّادِسُ وَٱلثَّلاَثُونَ
اَلأَصْحَاحُ ٱلسَّابِعُ وَٱلثَّلاَثُونَ
اَلأَصْحَاحُ ٱلثَّامِنُ وَٱلثَّلاَثُونَ
اَلأَصْحَاحُ ٱلتَّاسِعُ وَٱلثَّلاَثُونَ
اَلأَصْحَاحُ ٱلأَرْبَعُونَ
اَلأَصْحَاحُ ٱلْحَادِي وَٱلأَرْبَعُونَ
اَلأَصْحَاحُ ٱلثَّانِي وَٱلأَرْبَعُونَ
اَلأَصْحَاحُ ٱلثَّالِثُ وَٱلأَرْبَعُونَ
اَلأَصْحَاحُ ٱلرَّابِعُ وَٱلأَرْبَعُونَ
اَلأَصْحَاحُ ٱلْخَامِسُ وَٱلأَرْبَعُونَ
اَلأَصْحَاحُ ٱلسَّادِسُ وَٱلأَرْبَعُونَ
اَلأَصْحَاحُ ٱلسَّابِعُ وَٱلأَرْبَعُونَ
اَلأَصْحَاحُ ٱلثَّامِنُ وَٱلأَرْبَعُونَ
اَلأَصْحَاحُ ٱلتَّاسِعُ وَٱلأَرْبَعُونَ
اَلأَصْحَاحُ ٱلْخَمْسُونَ

List of Tables

1.
2.
3.
4.
5.
6.
7.
8.
9.
10.
11.
12.
13.
14.
15.
16.

Bibliography

السّنن القويم في تفسير أسفار العهد القديم: شرح سفر التكوين. للقس . وليم مارش . Copyright © 2009 All rights reserved Call of Hope. . صدر عن مجمع الكنائس في الشرق الأدنى بيروت 1973. . English title: . German title: . Call of Hope. P.O.Box 10 08 27 D - 70007 Stuttgart Germany http: //www.call - of - hope.com .

مقدمة

تفتقر خزانة الأدب المسيحي إلى مجموعة كاملة من التفاسير لكتب العهدين القديم والجديد. ومن المؤسف حقاً أنه لا توجد حالياً في أية مكتبة مسيحية في شرقنا العربي مجموعة تفسير كاملة لأجزاء الكتاب المقدس. وبالرغم من أن دور النشر المسيحية المختلفة قد أضافت لخزانة الأدب المسيحي عدداً لا بأس به من المؤلفات الدينية التي تمتاز بعمق البحث والاستقصاء والدراسة، إلا أن أياً من هذه الدور لم تقدم مجموعة كاملة من التفاسير، الأمر الذي دفع مجمع الكنائس في الشرق الأدنى بالإسراع لإعادة طبع كتب المجموعة المعروفة باسم: «كتاب السنن القويم في تفسير أسفار العهد القديم» للقس وليم مارش، والمجموعة المعروفة باسم «الكنز الجليل في تفسير الإنجيل» وهي مجموعة تفاسير كتب العهد الجديد للعلامة الدكتور وليم إدي.

ورغم اقتناعنا بأن هاتين المجموعتين كتبتا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين إلا أن جودة المادة ودقة البحث واتساع الفكر والآراء السديدة المتضمنة فيهما كانت من أكبر الدوافع المقنعة لإعادة طبعهما.

هذا وقد تكرّم سينودس سوريا ولبنان الإنجيلي مشكوراً - وهو صاحب حقوق الطبع - بالسماح لمجمع الكنائس في الشرق الأدنى بإعادة طبع هاتين المجموعتين حتى يكون تفسير الكتاب في متناول يد كل باحث ودارس.

ورب الكنيسة نسأل أن يجعل من هاتين المجموعتين نوراً ونبراساً يهدي الطريق إلى معرفة ذاك الذي قال: «أنا هو الطريق والحق والحياة».

القس ألبرت استيرو

الأمين العام

لمجمع الكنائس في الشرق الأدنى

مقدمة في أسفار موسى الخمسة وفيها عشرة فصول

الفصل الأول: في اسم مجموع هذه الأسفار واسم كل منها

تُعرف هذه الأسفار بالاسفار الخمسة وهو ما سماها به مترجموها إلى اليونانية. وأسماؤها المعروفة عندنا اليوم مأخوذ عن اليونانية وهي التكوين Genesis والخروج Exodus واللاويون Leviticus والعدد Arithnoi والتثنية Deuteronomium. سماها مترجموها إلى اليونانية بذلك بمقتضى مواضيعها. أو أسماؤها في العبرانية فهي الكلمات التي في بداءتها. فاسم سفر التكوين فيها (براشيت) أي «في البدء». واسم سفر الخروج (إله شموت) أي «وهذه أسماء». واسم سفر اللاويين (ويقرا) أي «ودعا». واسم سفر العدد (بمدبر) أي «في برية» وجاءت هذه العبارة في العبرانية بعد الكلمة الرابعة من أول السفر. والكلمة الأولى والثانية في أوله (ويدبر) أي «وكلم». واسم سفر التثينة (اله هدبريم) أي «هذا هو الكلام». ويُسمى مجموع هذه الأسفار الخمسة عند العبرانيين بالتوراة أي الشريعة. ويظهر من حرف العطف في أول كل سفر بعد سفر التكوين (انظر تفسير تثنية 1: 3) إنها كانت سفراً واحداً فقسمتها إلى خمسة أسفار طارئة على الأصل وهي من أعمال مترجميها إلى اليونانية ولا بأس فيها.

الفصل الثاني: في منزلة التوراة من الكتاب المقدس المشتمل على أسفار العهد القديم

منزلة الشريعة الإلهية أو «توراة يهوه» من أسفار العهد القديم كالبشائر الأربعة من أسفار العهد الجديد في مجموع الوصايا الأدبية والرمزية والسياسية والاستقلال. ففي التوراة الكلام على آدم الأول من بداءة أمره إلى نهايته. وفي البشائر الكلام على آدم الثاني. وفي التوراة شريعة العدل. وفي البشائر شريعة العدل والنعمة. وفي التوراة سنن الأعمال وفي البشائر سنن الإيمان والأعمال. وفي التوراة قصة انكسار آدم الأول وفي البشائر نبأ انتصار آدم الثاني. وفي التوراة خبر إنقاذ الإسرائيليين من عبودية مصر وفي البشائر بيان إنقاذ المؤمنين من عبودية الشيطان.

الفصل الثالث: في التوراة أو الشريعة قبل السقوط

إن الشريعة التي في لوحي العهد لم تكن قد أُحدثت على جبل سيناء بل كانت في جوهرها قبل كتابتها على اللوحين الحجريين مكتوبة على قلب الإنسان الأول بدليل العقل والنقل. أما دليل العقل فإن الإنسان من مخلوقات الله يعرف خالقها ويعرف منها أنه إله قادر حكيم رحيم وأنه روح أزلي غير متغير في شيء من ذاته وصفاته وأنه يجب أن يُعبد ويُكرم. وقد عرف آدم الله بالإعلان وهو في الفردوس فوق معرفته إياه بالعقل وسمع أوامره ومناهيه كما يتبين من مبادئ سفر التكوين وهذا هو الدليل النقلي. فالذي يخالف شريعة الله يستوجب العقاب بمقتضى العقل والنقل. ولولا سقوط آدم لكفَت الشريعة الطبيعية وأغنت عن شريعة الوحي ولكنه بالسقوط الأول سقط الجنس البشري وضعفت قواه العقلية وفسدت الشريعة الطبيعية بعض الفساد حتى كان لا بد من الوحي والشاهد على ذلك ما أتاه الناس من العقائد الباطلة والأعمال الضارة وهم يحسبونها من مبهجات الله كذبح بنيهم وبناتهم للأصنام أو الشياطين إلى غير ذلك من فظائع الأمور التي لا تزال تجري في القسم الأكبر من الأرض.

الفصل الرابع: في التوراة أو الشريعة من آدم إلى موسى

لا أحد من قرّاء الكتاب المقدس العقلاء يعجز عن معرفة طبيعة الإنسان الأدبية والروحية على ما أُعلن في تاريخ السقوط. إن أول مناهي الشريعة في الفردوس الذي جوهره الطاعة لله وهي جرثومة كل الشريعة الأدبية قوله تعالى «أَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ ٱلْخَيْرِ وَٱلشَّرِّ فَلاَ تَأْكُلْ مِنْهَا» (تكوين 2: 17). والمجرّب مع أنه أصل أبوينا الأولين بتحريك الشهوة الجسدية خاطب روحيهما بقوله «يَوْمَ تَأْكُلاَنِ مِنْهُ تَنْفَتِحُ أَعْيُنُكُمَا وَتَكُونَانِ كَٱللهِ عَارِفَيْنِ ٱلْخَيْرَ وَٱلشَّرَّ» (تكوين 3: 4 - 6). وكانت النتيجة كذلك فانفتحت أعينهما أولاً أنهما عريانان فخجلا إذ رأيا الشر في أنفسهما وأنهما انفصلا عن الله بتعديهما. وهنا يجب أن يذكر أن التفريق بين الخير والشر في نفسه حال روحية أرفع من حال عدم التفريق بينهما. وهذه المعرفة ضرورية للحكمة الروحية (عبرانيين 5: 14). والعبارة التي هي «هُوَذَا ٱلإِنْسَانُ قَدْ صَارَ كَوَاحِدٍ مِنَّا عَارِفاً ٱلْخَيْرَ وَٱلشَّرَّ» (تكوين 3: 22)، هي قول الله نفسه. وإذا حملنا ذلك على التهكم أخطأنا فهم كل فلسفة السقوط البشري. ويمكن أن يُظن من هذا إن الإنسان لمعرفته حينئذ الشر والخير أي حصوله على القدرة على التمييز بين الخير والشر التي هي مبدأ كل الواجبات الدينية والأبدية أُغني عن شريعة الوحي لأنه صار بذلك شريعة لنفسه. لكن هذه المعرفة عينها على ما نص الكتاب وعُرف من تاريخ الإنسان هي سقوطه عينه. وكانت هذه الشريعة الداخلية كالشريعة التي أُعطيت من سيناء في أنها كثرت بها الخطيئة. فإن خطيئة أكل الثمرة المنهي عنها ملأت الأرض إثماً وذنباً وموتاً لا لمجرد فساد الطبيعة البشرية الموروث من آدم بل لكون ذلك نتيجة طبيعية لمعرفة الشر (تكوين 5: 3). فإن الإنسان بالتعدي انفصل عن الله فقوي فيه الميل إلى الشر الذي عرفه فلم تفده معرفة الشر قوة روحية على صنع الخير بل شدّة ميل إلى ضده (رومية 3: 2). ولهذا قال بولس الرسول «قَدْ مَلَكَ ٱلْمَوْتُ مِنْ آدَمَ إِلَى مُوسَى، وَذٰلِكَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَمْ يُخْطِئُوا عَلَى شِبْهِ تَعَدِّي آدَمَ» (رومية 5: 14). أي لم يخطئوا مثل خطيئة أبوينا الأولين تماماً بتعديهم على وصية الله بل بتعديهم على الشريعة المكتوبة في قلوبهم (رومية 2: 15). ولذلك وجب عليهم العقاب أي الموت الذي هو أجرة الخطيئة. واستُثنى من الموت الأبدي الذين ساروا مع الله وعبدوه على رجاء غير المنظور وبالإيمان بالمخلص الموعود به على أثر السقوط وهو في قوله تعالى ما معناه إن نسل المرأة أي المسيح يسحق رأس الحية أي ينتصر على الشيطان ويهدم ملكوته ويشيد ملكوت الله الذي هدمه الإنسان الأول وكان ذلك بنعمة خارقة العادة.

وفي مدة الطوفان كان الله يظهر لبعض الناس على ما يُعرف من التاريخ المقدس وكان يومئذ تقدم الذبائح ولم يذكر ذلك التاريخ إن الله أمر بها على أنه يظهر من أمر هابيل وقايين أن الله أمر آدم وأولاده بالذبائح ومن خوف قايين من القتل لقتله هابيل يُفهم أنه كان معلوماً أن القاتل يُعاقب. ويظهر من كثير من الحوادث بين آدم وموسى إن جوهر الشريعة كان معروفاً بعضه بإعلان الله رأساً وبعضه بإعلانه إياه بواسطة ما كتبه على الضمائر. وما زالت شريعة الرب تزيد إيضاحاً إلى أن أعلنها الله كل الإعلان بكمالها على يد عبده موسى. ولا ريب في أن الشريعة الطبيعية لم تفقد كل قوتها بالسقوط فقد وضع الناس بمقتضى تلك الغريزة كثيراً من القوانين لتأييد الأمن والسلام والطهارة والتقى مع ما أعلنه الله لآدم ونوح وإبراهيم وإسحاق ويعقوب. ولا ريب في أن حكماء الناس يومئذ بذلوا الوسع في إصلاح المجتمع البشري ولكن فساد الطبيعة أعمى الناس عن كثير من الجوهريات الدينية فلم يكن من غنىً عن إعلان الله.

الفصل الخامس: في ضرورة الوحي بالشريعة

قلنا في ما سبق إن الله كتب شريعته الأدبية على ضمائر الناس وإن الإنسان قادر أن يعرف الصانع الأزلي من مصنوعاته وإن الناس وضعوا كثيراً من القوانين لسلامة الأشخاص والشعوب والفوا كثيراً من قوانين العقائد لحفظ معرفة الله وعبادته وإكرامه ولكن فساد الطبيعة غلب نور العقل فماج الأمم في ظلمات حالكة. فبعد أن عرفوا أن الله واحد وأنه روح مثّلوا صفاته بصور وتماثيل مختلفة فتطرق الفساد إلى عقيدة التوحيد فأخذوا يؤمنون بآلهة كثيرة ثم عبدوا الأصنام ونسوا الله فأسلمهم إلى ذهن مرفوض. ويكفيك دليلاً على ذلك ما قاله بولس الرسول في رسالته إلى أهل رومية. ومن ذلك قوله في الأمم «مَعْرِفَةُ ٱللهِ ظَاهِرَةٌ فِيهِمْ، لأَنَّ ٱللهَ أَظْهَرَهَا لَهُمْ، لأَنَّ مُنْذُ خَلْقِ ٱلْعَالَمِ تُرَى أُمُورُهُ غَيْرُ ٱلْمَنْظُورَةِ وَقُدْرَتُهُ ٱلسَّرْمَدِيَّةُ وَلاَهُوتُهُ مُدْرَكَةً بِٱلْمَصْنُوعَاتِ، حَتَّى إِنَّهُمْ بِلاَ عُذْرٍ. لأَنَّهُمْ لَمَّا عَرَفُوا ٱللهَ لَمْ يُمَجِّدُوهُ أَوْ يَشْكُرُوهُ كَإِلٰهٍ، بَلْ حَمِقُوا فِي أَفْكَارِهِمْ، وَأَظْلَمَ قَلْبُهُمُ ٱلْغَبِيُّ. وَبَيْنَمَا هُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ حُكَمَاءُ صَارُوا جُهَلاَءَ، وَأَبْدَلُوا مَجْدَ ٱللهِ ٱلَّذِي لاَ يَفْنَى بِشِبْهِ صُورَةِ ٱلإِنْسَانِ ٱلَّذِي يَفْنَى، وَٱلطُّيُورِ، وَٱلدَّوَابِّ، وَٱلزَّحَّافَاتِ. لِذٰلِكَ أَسْلَمَهُمُ ٱللهُ أَيْضاً فِي شَهَوَاتِ قُلُوبِهِمْ إِلَى ٱلنَّجَاسَةِ، لإِهَانَةِ أَجْسَادِهِمْ بَيْنَ ذَوَاتِهِمِ. ٱلَّذِينَ ٱسْتَبْدَلُوا حَقَّ ٱللهِ بِٱلْكَذِبِ، وَاتَّقَوْا وَعَبَدُوا ٱلْمَخْلُوقَ دُونَ ٱلْخَالِقِ» (رومية 1: 19 - 25). فلم يبق من سبيل إلى إصلاح العقائد والأعمال سوى الوحي الإلهي (طالع الفصل الرابع من دليل الصواب إلى صدق الكتاب).

الفصل السادس: في طريق الوحي بالشريعة أو في أن الشريعة أُعلنت بالتدريج

لا ريب في أن الإنسان قبل السقوط كان شريعة لنفسه لما فيه من النور الطبيعي ولم يكن على لوح قلبه من شريعة الرب سوى الوصية التي موضوعها الطاعة إذ كانت امتحاناً لها. على أن معرفة وجوب الطاعة لله كانت تُعرف أحسن معرفة بالنور الطبيعي قبل فساد الطبيعة. ولما فسد الطبع البشري أخذ الإنسان في الزيغ عن سنة الحق فكان الله يُعلن له ما هو ضروري له بالنظر إلى مقتضى حاله وعلى ذلك نرى الوصايا في التوراة تُعلن على توالي الأزمنة إلى أن أُعلنت الشريعة الأدبية كلها والشريعة الرمزية كلها والشريعة السياسية كلها تقريباً من يوم سيناء وبعده إلى أن استولى الإسرائيليون على أرض الموعد. فكان سبحانه وتعالى يعامل الناس على اختلاف أحوالهم كما يعالج الطبيب المريض بالنظر إلى نوع المرض وأحواله. ولولا جهل البشر الناشئ عن فساد الطبيعة البشرية عموماً ما بلغ كتاب الوحي بالشريعة إلى القدر الذي صار إليه. وكان مع ذلك لنور الوعد بالمنقذ من ذلك الفساد لمحات تزيد وضوحاً على توالي الأوقات إلى أن أشرقت شمس البر بكل قوتها وأُعلن طريق الخلاص أكمل إعلان بمن جلا ظلمات الجهل بنوره وأبطل الموت بموته وأعلن القيامة والخلود بقيامته ونحّى ملاك النقمة ذا السيف المتقلب من طريق شجرة الحياة وعُرف بأنه نور العالم.

الفصل السابع: في شريعة اللوحين الأولى

إن الشريعة التي أعطاها الله على جبل سيناء أعلنها مرتين فكان الإعلان الأول جزءاً من التاريخ في الأصحاح التاسع عشر والأصحاح العشرين من سفر الخروج. والثاني مع شيء من التغيير في الخطاب الذي أتاه موسى على الجبل قبل موته. وكان الموضوع واحداً لأن موسى ذكّر بني إسرائيل بتاريخ الإنسان منذ خلق العالم (تثنية ص 5 وتثنية 4: 32 و33). فليس من أمة من الأمم مهما كانت متواتراتها وقصصها تصورت أن رب السموات والأرض يُعلن لها شريعته «من وسط النار» من النور الذي لا يُدنى منه ويحجب الناس أعينهم عنه من حضرة الله المرهوبة بصوته تعالى نفسه. ففي الخليقة «قال فكان... أمرَ فصار». هذا كان شأنه سبحانه في أعمال الطبيعة. وأما هنا فتكلم بكلمات الشريعة (أي التوراة) للخليقة العاقلة للإنسان الذي خلقه على صورته كشبهه. وفي الأيام الأخيرة كلمه بابنه الوحيد بأكمل وأحسن بيان وأجلى إيضاح. لكن مظاهر إعلانه الشريعة في سيناء كانت من أرهب المناظر ومما لم يُعهد له نظير ولا يكون مثله إلا في اليوم العظيم الرهيب «عِنْدَ ٱسْتِعْلاَنِ ٱلرَّبِّ يَسُوعَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَعَ مَلاَئِكَةِ قُوَّتِهِ، فِي نَارِ لَهِيبٍ، مُعْطِياً نَقْمَةً لِلَّذِينَ لاَ يَعْرِفُونَ ٱللهَ وَٱلَّذِينَ لاَ يُطِيعُونَ إِنْجِيلَ رَبِّنَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ» (2تسالونيكي 1: 7 و8). وأما هول يوم سيناء فقد ذُكر عند إعطاء الشريعة ووصفه بولس الرسول أحسن وصف (انظر عبرانيين 12: 18 - 21) بالهول والرهبة. ولا نستطيع أن نتصور رهبة قداسة الله القادر على كل شيء. والجبل العظيم نفسه الذي أعطى الله عليه الشريعة ووقف تجاهه بنو إسرائيل رهيب جداً في منظره ومنظر ما يحيط به على ما ذكر ستنلي في كتابه المعروف بسيناء وفلسطين فإن الطبيعة هنالك في كل مجلاها الرهيب وخفاياها الهائلة ومنها سيادة السكوت في ذلك القفر العجيب. فإن الرب بعد أن نبه الإسرائيليين وأمرهم بأن يستعدوا للإعلان الإلهي في صباح اليوم الثالث حجبت السُحب الكثيفة السماء ولعلعت البروق وهزمت الرعود وارتفع صوت البوق. وكان ذلك البوق كالبوق الذي يقيم صوته الموتى في مجيء الرب الثاني. فارتجف الإسرائيليون خوفاً حتى إن موسى انحدر إلى حضيض الجبل وكان يرتعد كالقصبة في مهب الريح أمام الرب. وارتفع دخان الجبل إلى السماء كدخان الأتون وتكلم موسى وأجابه الله «من وسط النار والسحاب والظلام» فكان النور لعين الإنسان ظلاماً (انظر تثينة 5: 23). وكان الصوت الخارج من ذلك عظيماً. وكان لك الصوت الرهيب يشتمل على العشر الكلمات وهي الوصايا العشر التي هي مختصر الشريعة التي كُتبت على لوحي الحجر بإصبع الله لا بيد الإنسان. وهذه الوصايا العشر تشتمل على كل الشريعة الأدبية كما فُصل في تفسيرها فارجع إليه إن شئت وقد جمعها ربنا يسوع المسيح بقوله «تُحِبُّ ٱلرَّبَّ إِلٰهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ... تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ» فالشريعة كلها في المحبة محبة الله والقريب (متى 22: 27 و39).

الفصل الثامن: في الشرائع الثانية

إن الله الرحيم لم يقتصر على إعلان الشريعة الأدبية في التوراة فزاد عليها الشرائع الرمزية كمرآة يُرى فيها المسيح ويُشار بها إلى ما أتاه من أعمال الفداء. ففي الشريعة الأدبية أبان للإنسان أنه خاطئ مستحق الهلاك الأبدي وأبان. بالشرائع الرمزية أنه أعد له مخلصاً يفديه بآلامه وموته ويخرج به من الموت الأبدي إلى الحياة الأبدية. فالذبائح كانت تشير إلى صلبه وموته عن المؤمنين والكاهن الأعظم كان يشير إلى وساطته. ودخول ذلك الكاهن إلى قدس الأقداس الأرضية بدم الذبيحة للمغفرة كان يشير إلى دخول المسيح بدم نفسه إلى قدس الأقداس السماوية للمغفرة الأبدية. وقد بيّن كاتب رسالة العبرانيين الرموز وما رمزت إليه بالتفصيل فارجع إليها وإلى تفسيرها. وزاد على ذلك الشرائع السياسية وما يتعلق بها وبالرمزية. وقد بُينت في مواضعها فارجع إليها في تفسير الأسفار الخمسة. وكل الشرائع الثانية لم تكمل إلا بالمسيح كما بين في الرسالة إلى العبرانيين. فالمسيح أثبت الشريعة الأدبية وهي التي سميناها بالشريعة الأولى وأكمل سائر الشرائع التي سميناها بالشرائع الثانية فما أبطل حرفاً من الشريعة وهذا على وفق قوله «لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ ٱلنَّامُوسَ أَوِ ٱلأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ. فَإِنِّي ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِلَى أَنْ تَزُولَ ٱلسَّمَاءُ وَٱلأَرْضُ لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ ٱلنَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ ٱلْكُلُّ» (متى 5: 17 و18).

الفصل التاسع: في كاتب الأسفار الخمسة

أقام العلماء المؤمنون البراهين القاطعة على أن موسى هو كاتب الأسفار الخمسة وذكر تلك البراهين كلها يشغل زماناً طويلاً وصفحات كثيرة وأكثرها لا ينتفع به سوى علماء اللغات السامية فنقتصر هنا على ذكر المفهوم منها والمفيد للعامة والخاصة معاً فنقول:

البرهان الأول: إجماع جمهور مؤمني اليهود والنصارى من أول عصورهم إلى هذه الساعة إن كاتب الأسفار الخمسة ما عدا بعض الآيات منها كنبإ وفاة موسى هو موسى عينه.

البرهان الثاني: إثبات الأنبياء الذين بعد موسى في أسفار ما أوحى إليهم به أن تلك الأسفار لموسى (يشوع ص 1 وقضاة 3: 4 و2ملوك 23: 25 و2أيام 30: 16 وعزرا 3: 2 ونحميا 8: 14 ودانيال 9: 1 وغير ذلك من الآيات).

البرهان الثالث: إثبات المسيح ورسله أن تلك الأسفار لموسى. وإليك بعض الآيات الدالة على ذلك (متى 4: 4 و7 و5: 21 و27 و31 و33 و8: 4 و15: 4 و19: 4 - 9 ولوقا 2: 22 - 29 و16: 29 الخ و24: 27 ويوحنا 1: 45 الخ وأعمال 15: 21 و26: 22 ورومية 10: 5 و19 و1كورنثوس ص 10 و2كورنثوس ص 3 والرسالة إلى العبرانيين كلها). أما بعض الآيات التي ليست لموسى فالمرجح أن يشوع قد كتبها.

البرهان الرابع: نص التوراة (أي الأسفار الخمسة) إن موسى كاتبها (تثنية 31: 9 و24 - 26 انظر الاعتراض الرابع في الفصل العاشر).

البرهان الخامس: إن كاتب هذه الأسفار كان على ما تدل عليه قطعاً من قدماء الناس الذين بينهم وبين آدم أشخاص قليلة عاصر أحدهم الآخر على التوالي (انظر الفصل العاشر). وإنه شاهد أكثر ما ذكر فيها من الأشخاص والأماكن. وعرف عادات المصريين وأعمالهم وغير المصريين من أمم عصره. وإنه كان عالماً محققاً في الحيوان والأمور الطبية والحكمة العقلية والطبيعية والأدبية. وهذا لا يصح على غير موسى. فإنه كان بينه وبين آدم خمسة أشخاص على المعاصرة المتوالية. وإنه وُلد في مصر وبلغ فيها أحسن مبالغ الرجال وتعلم كل حكمة المصريين. وبسط الكلام على هذا يطول فنقتصر على هذا القدر استغناء عن ذلك بما سيقف عليه القارئ في تفاسير هذه الأسفار إن شاء الله.

الفصل العاشر: في الاعتراضات على هذه الأسفار ودفعها

ما فتئ منكرو الوحي يحملون على هذه الأسفار في كل عصر بغية إثبات أنها كاذبة وأتوا بصعوبات كثيرة باعتراضاتهم ولكن المؤمنين بأنها وحي الله وإلهامه لم يتركوا لهم اعتراضاً بلا دفع. ومن تلك الاعتراضات ما يأتي:

الاعتراض الأول: إنه بين آدم وموسى قرون فكيف عرف موسى ما كتبه قبل عصره وليس من تاريخ ولا كتاب قبله. ودفع هذه الاعتراض بأوجه كثيرة نذكر ثلاثة منها:

الوجه الأول: إن موسى أخذ نبأ ما قبله من أسلافه الآباء الموحى إليهم فإن الأمور التي كتبها كانت معروفة عندهم وأخذها أعقابهم على توالي العصور وكانوا يحفظونها في مصر نفسها قبل أن أخرجهم الله منها بواسطة موسى. وإنه كان بين موسى وآدم خمسة أشخاص عاصر أحدهم الآخر على التوالي وهم متوشالح وهذا عاصر آدم مئتي سنة وثلاثاً وأربعين سنة. وسام وهذا عاصر متوشالح ثماني وتسعين سنة. والثالث إسحاق وهذا عاصر ساماً خمسين سنة. والخامس قهات بن لاوي أبو عمرام أبو موسى فيحتمل أن قهات قد عاصر موسى حفيده. وعلى أقل الاحتمالات إن أبا موسى أعلم ابنه بما نقله عن أبيه ونقله أبوه عمن قبله وهكذا إلى أدم (انظر خروج 6: 16 - 21). فإنه كان من موت لاوي إلى ولادة موسى 42 سنة وكان بين لاوي وموسى جده وأبوه فجده عاش 133 سنة وأبوه 137 سنة.

الوجه الثاني: إن موسى عرف أخبار من قبله وحوادث الأزمنة التي مرت قبل إدراكه من صُحف الآباء الذين سلفوه فإن أشهر الباحثين اعتقدوا أن الآباء كانوا يعتنون بتدوين الحوادث بأحسن أحكام. وفقدان هذه المكتوبات ليست بدليل على أنها لم تكن. ولا ريب في أن الكتابة عرفها القدماء فإنه كان ليهوذا خاتم يختم به الصكوك بدليل اسمه ونقش الخواتم مما أتقنه العبرانيون (خروج ص 28).

هذا وإن اكتشاف عاديات أرَك (أي أور الكلدانيين) دل دلالة قاطعة على أن علم الكتابة وتدوين الحوادث في تلك البلاد كان قبل أيام إبراهيم فلم يكن هو بدوياً جاهلاً بل أحد رجال شعب متهذب فلا عجب إن أخذ معه من هناك كتباً قرميدية ذُكر فيها أهم حوادث تاريخ الجنس البشري من آدم إلى عصره.

الوجه الثالث: وهو أحسن ما يُعتمد في هذا البحث أن موسى عرف كل ما كتبه من الأمور السابقة لعصره من وحي الله فإنه بهذا الوحي تنبأ بالمسيح وإذا استطاع أن يعرف بما يكون بعد موته بعصور كثيرة بالوحي أفلا يستطيع أن يعرف به ما كان قبل ميلاده بمثل تلك العصور.

الاعتراض الثاني: إن أسلوب العبارات مختلف في الأسفار الخمسة كما بين سفر الخروج وسفر التثينة فدل ذلك على أن الكتبة مختلفة وأن نسبتها إلى موسى بجملتها باطل. ودفع ذلك بأن اختلاف الأسلوب يكون باختلاف النسق الكلامي للكاتب الواحد. أفلا ترى أن الأسلوب في النثر غير الأسلوب في السجع وفي كل منهما غير الأسلوب في الشعر وفي التاريخ غير الأسلوب في الخطب والمواعظ وسفر التثنية من النسق الآخر فإن جُله خُطب ومواعظ كما لا يخفى على أحد.

الاعتراض الثالث: يُفهم من مواضع كثيرة من الأسفار الخمسة أن بني إسرائيل كانوا مستولين على أرض كنعان مع أنه ظاهر منها أن موسى لم يدخلها. ودفع ذلك بأن هذا الاعتراض من الأوهام فإنه لا آية في تلك الأسفار تدل على أن بني إسرائيل استولوا على أرض كنعان قبل موت موسى سوى أنهم غلبوا الأمم الذين شرقي الأردن وإن سبطين منهم طلبا من موسى أن يعطيهما تلك الأرض وإنهما يتركان نصيبهما من الأرض غربي الأردن لسائر الأسباط. وإن مما يوهم ذلك ما فرضه الله على بني إسرائيل بواسطة موسى كان مما يجب عليهم بعد أن يدخلوا الأرض وهذا سهل الإدراك لكل متأمل.

الاعتراض الرابع: إنه لا يمكن أن يكون موسى كاتب هذه الأسفار الخمسة (أي التوراة لأن هذه الأسفار كما قلنا سابقاً سفر واحد في الأصل والتقسيم طارئ) لأنه لم يعلم أن الساميين كانوا يعرفون الكتابة إلا قبل الميلاد بنحو ألف سنة. ودفع ذلك بأن القول إن الساميين لم يعرفوا الكتابة إلا منذ ذلك العصر لم يثبت بدليل بل قامت الأدلة على أنهم كانوا يعرفونها قبل ذلك العصر بكثير بدليل إن اللوحين الحجريين اللذين أتى بهما موسى كانت عليهما الوصايا مكتوبة فعلى فرض أنه لم يكن الخط العبراني قبلهما فكان منهما على أن موسى كان يعرف الكتابة المصرية فلا نظن أنه لم يستطع أن يضع حروفاً للغته العبرانية ويكتب بها. وقد عرفت العلماء بالمشاهدة أنه كانت الكتابة في بلاد بابل وأشور وسورية وفلسطين قبل زمن موسى وقبل زمن إبراهيم أيضاً أو عند زمن إبراهيم من الحجارة والخزف المكتوب عليهما. وجاء في الانسكلوبيديا البريطانية بناء على ما اكتُشف من الآثار وعُرف من تلك الأسفار أن نشوء الكتابة عند الساميين كان منذ زمن قديم جداً. وقد وُجد من الأثار البابلية والأشورية كتابات قديمة جداً فيها نبأ الخليقة والطوفان وبناء برج بابل وهي تشبه أنباء سفر التكوين في تلك الأمور. فيرجح من ذلك كل الترجيح أن إبراهيم خليل الله كان ممن أحكموا الكتابة وكتب كثيراً من أمور الخليقة وعناية الله بالناس وغير ذلك من المسائل الأرضية والسماوية. وإن الكتابة على أقل ما يُظن كانت في عصره إن لم تكن قبل ميلاده بزمن طويل. ولا ريب في أن موسى تلا صُحف إبراهيم التي حملها الإسرائيليون إلى مصر ويرجح أنها كانت مكتوبة على اللخاف (حجارة بيض رقيقة) أو الصفاج (حجارة عريضة) أو اللبن الرقيق كما شوهد في آثار أشور وبابل العادية. وجاء في التوراة نفسها ما نصه «وَكَتَبَ مُوسَى هٰذِهِ ٱلتَّوْرَاةَ (أي الأسفار الخمسة كما علمت أنها هي التوراة وأنها في الأصل كتاب واحد) وَسَلَّمَهَا لِلْكَهَنَةِ بَنِي لاَوِي» وهذا فوق أنه دليل على أن موسى كان يحسن الكتابة دليل قاطع على أنه هو كاتب الأسفار الخمسة (تثنية 31: 9). ومثل ذلك قوله «فَعِنْدَمَا كَمَّلَ مُوسَى كِتَابَةَ كَلِمَاتِ هٰذِهِ ٱلتَّوْرَاةِ فِي كِتَابٍ إِلَى تَمَامِهَا أَمَرَ ... خُذُوا كِتَابَ ٱلتَّوْرَاةِ هٰذَا وَضَعُوهُ بِجَانِبِ تَابُوتِ عَهْدِ ٱلرَّبِّ» (تنثية 31: 24 - 26). وأتى ذلك موسى بأمر الرب. ففي سفر الخروج «فقال الرب لموسى اكتب هذا تذكاراً في الكتاب وضعه في مسامع يشوع» وهذا يدلنا فوق دلالته على وجود الكتابة يومئذ وأن موسى هو كاتب التوراة أنه كتبها على توالي الأوقات لأنه قال «اكتب هذا... في الكتاب» لا في كتاب. فظهر انه كان قد كتب وسيكتب في السفر وهذا أيضاً دليل آخر على أن الأسفار الخمسة كانت سفراً واحداً.

وبقي غير هذه الاعتراضات وقد ذُكرت مع دفعها في مقدمات الأسفار ومواضعها في التفسير وسترى كل ذلك إن شاء الله. ونختم هذا الفصل بقولنا إن أكثر الاعتراضات على هذه الأسفار أو الترواة واهنة واهية علتها الجهل لأحوال الأزمنة القديمة وعادات أهل العصور الخالية وقِدم عهد شريعة الرب.

المقدمة في سفر التكوين وفيها ستة فصول

الفصل الأول: في اسم هذا السفر

تقدّم الكلام إن الأسفار الخمسة في العبرانية هي التوراة وأصلها كتاب واحد ولكنه قُسم إلى خمسة أقسام مُيز كل بعبارة في أوله كتسمية سفر التكوين براشيت أي «في البدء». والتكوين اسمه في الترجمة إلى اليونانية لأنه أول ما أنبأ به تكوين العالم (انظر الفصل الأول من مقدمة الأسفار الخمسة) وتعمير الأرض بالشعوب.

الفصل الثاني: في أهمية سفر التكوين

إن سفر التكوين من أقدم ما كُتب في العالم حتى رجح بعضهم أنه أقدم كتب الأرض وفيه نبأ أصل العالم الصحيح وخلق الإنسان على صورته تعالى وشبهه وسقوط الجنس البشري وفساده. وهو أصل كل الدين الموسوي والدين المسيحي. وقد كُتب والبشر في صبوته وهو جوهر المواضيع الدينية. وفيه إعلان قدرة الله لأنه أبدع البرايا وإعلان حكمته لأنه أحسن إتقان العالمين على مقتضى ما أودع في العالم المادي من النواميس وكان ترتيب الخلق بحسبها على ما فُضل من خلق كل يوم من أيام الخليقة الستة (انظر تفسير ص 1). وإعلان جوده فإنه بجوده خلق الإنسان وكل ما يحتاج إليه لا لحاجته سبحانه وتعالى إلى الخلق لأنه غني عن كل ما خلق. وتاريخ دخول الخطيئة إلى العالم فإظهار رحمته تعالى وعدله. فرحمته كانت بحفظ الإنسان وعنايته به بعد السقوط وعدله بإخراجه الإنسان من الفردوس إلى أرض الشقاء والبلاء والموت. وفيه من أحسن مجالي رحمة الخالق القدير وحبه للإنسان العاصي الوعد بمنقذٍ من الشقاء والهلاك الأبدي وهو نسل المرأة الذي أمات الموت بموته وأعلن القيامة والخلود بقيامته. والخلاصة إن في هذا السفر بيان كل ما تستطيعه المدارك البشرية من صفات واجب الوجود والحياة الأبدية بفداء الابن الأزلي فهو أسُّ الدين المسيحي ودعامة كل ما فاه به المسيح والرسل والأنبياء.

الفصل الثالث: في مشتملات سفر التكوين

يشتمل سفر التكوين على تاريخ 2369 سنة وهي من آدم إلى وفاة يوسف بن يعقوب. وفيه خمسون أصحاحاً تنقسم إلى أحد عشر قسماً:

  • الأول: خلق السموات والأرض وكل ما فيها من الملائكة والناس والجماد والنبات والبهائم (ص 1: 1 - ص 2: 3).

  • الثاني: مبادئ السموات والأرض (ص 2: 4 - ص 4: 26).

  • الثالث: ما يتعلق بآدم وحواء (ص 5: 1 - ص 6: 8).

  • الرابع: ما يتعلق بنوح (ص 6: 9 - ص 9: 29).

  • الخامس: ما يتعلق بأولاد نوح (ص 10: 1 - ص 11: 9).

  • السادس: ما يتعلق بسام (ص 11: 10 - 26).

  • السابع: ما يتعلق بتارح (ص 11: 27 - ص 25: 11).

  • الثامن: ما يتعلق بإسماعيل (ص 25: 12 - 18).

  • التاسع: ما يتعلق بإسحاق (ص 25: 19 - ص 35: 29).

  • العاشر: ما يتعلق بعيسو (ص 36: 1 - ص 37: 1)

  • الحادي عشر: ما يتعلق بيعقوب (ص 37: 2 - ص 50: 26).

ومما في هذه الأقسام ما كان العالم بدونه في أكثف ظلمات الجهل لم يعلم من أين أتى ولا إلى أين يذهب. وإن الإنسان يتعلم من أول صفحة في هذا السفر في نحو ساعة أكثر مما تعلمه أهل غير الوحي في ما يزيد على أربعة الاف سنة. فهو أقدم تواريخ العالم الصحيحة وفيه أعلن الله نفسه للعالم إعلاناً لم يستطعه أكبر فلاسفة الأرض الإلهيين بدون الوحي. فإن بعضهم ذهب إلى أن العالم لا بداءة له وأنه قائم بما فيه بالنواميس الأزلية وأن ليس من دليل على إمكان الإبداع. وبعضهم ذهب إلى أن المادة قديمة مثل الله وأن الله لم يأت سوى إبداع الصور الطارئة فأنزلوه سبحانه تعالى منزلة البناء والنحات والنجار وسائر صناع البشر فإن جوهر ما يأتونه تغيير صور الأشياء ونقلها كنقل الصخرة بتفصيلها وتركيب أجزائها وجعلها جداراً ونقل النجار الخشب من صورة الجذع إلى صورة الصندوق والباب وهلم جراً. وذهب بعضهم إلى أن الباري تعالى خلق قليلاً من الأنواع وأخذت من قبل نفسها أفرادها وتتنوع فكان من ذلك نشوء الأنواع المختلفة من أدنى البهائم إلى أعلى البشر. وجاء الفلاسفة غير الإلهيين في أصل العالم ما يُضحك العقلاء ويحزنهم من التولد الذاتي ومما يلزم منه صدور الموجود لذاته عن العدم المطلق مع تسليمهم بالبداهة إن القديم لا بد منه وإنه لا يصدر عن العدم المطلق إلا العدم.

الفصل الرابع: في كاتب سفر التكوين

كاتب سفر التكوين موسى لأنه جزء من التوراة المعروفة بالأسفار الخمسة وقد تبين بالأدلة أن كاتب التوراة موسى (انظر مقدمة الأسفار الخمسة الفصل التاسع منها). ولنا فوق ذلك ما يؤيد أنه كاتبه مما يدل أنه كُتب في عصره لا قبله ولا بعده ومن ذلك قوله «إلى اليوم» (ص 19: 37 و38). وذلك اليوم كان فيه الموآبيون أمة كبيرة كما كانت في زمان بني إسرائيل وهم في البرية والعمونيون كذلك. ومنها ذكره الملوك الذين ملكوا أرض أدوم قبل أن قام ملك لإسرائيل وهذا يستلزم أنه لم يُكتب قبل عصر موسى قطعاً ولا يستلزم بالضرورة أنه كان بعد عصره لأن موسى كان يتوقع أن يقوم ملوك على بني إسرائيل (تثنية 17: 14 الخ). (ورأى بعضهم أن أحد الملهمين بعد موسى زاد هذه العبارة هنا وهو مما يحتمل ولا يُقطع به). ومنه إن أسماء المواضع والمدن القديمة ذُكرت مع أسمائها المحدثة التي كانت مشهورة في عصر موسى (ص 14: 2 و7 و8 و17 وص 23: 2 و25: 19). ومنه اتفاق جمهور اليهود منذ القديم على أن كاتبه موسى واتفق اتفاقهم جمهور المسيحيين. نعم إن العلماء في الأزمنة الحديثة وهي منذ زمن الإصلاح ذهب إلى أن سفر التكوين مجموع عدة مكتوبات للآباء الأولين وأعظم أدلته على ذلك أنه تبين له إن الكتبة فريقان فريق كان يدعو الواجب تعالى بإلوهيم (أي الله) وفريق يدعوه بيهوه (أي الرب) وإن الأقدم منه للفريق الأول ما بقي للفريق الآخر. فترى في أول السفر ما نصه «براشيت برا إلوهيم» (أي في البدء برأ الله) وفي أثنائه وأواخره يهوه. قلنا في هذا أمران ينافي ما دل آنفاً على أنه كُتب في عصر موسى على أنا نسلّم بل نرجح إن موسى وقف على ما كتبه الآباء الأولون ولكنه كتب ما ألهمه الله منها وزاد عليه ما أوحى به إليه بدليل أنه جمع يهوه وإلوهيم في عبارة واحدة في ذلك السفر وهي من أقدم عباراته. ففي الأصحاح الثاني ما نصه «يوم عمل الرب الإله» وفي العبرانية (يهوه إلوهيم). وفي الأصحاح الثالث ما لفظه في العربية «فأخرجه الرب الإله» وفي العبرانية (يهوه إلوهيم).

الفصل الخامس: في غاية هذا السفر

غاية هذا السفر بيان إن للكون رباً أزلياً وإنه قادر حكيم وعادل ورحيم وبيان أصول العالمين وعناية الله بالمخلوقات ولا سيما الإنسان الذي خلقه على صورته وشبهه. واختيار الله شعباً له من سلالة إبراهيم وحفظه تعالى لذلك الشعب وتمييزه له وتفضيله إياه على سائر البشر. والعهد الأقدس الذي عهده أرحم الراحمين على نفسه بمخلص يخلص البشر من الهلاك الأبدي ويديم ملكه الروحي ويعظمه إلى الأبد لأنه هو «ملك المولك ورب الأرباب» وهو «الألف والياء البداءة والنهاية».

الفصل السادس: في الاعتراضات على صحة سفر التكوين ودفعها

أتى نفاة الوحي وغيرهم من منكري صحة سفر التكوين باعتراضات كثيرة منها ما يأتي:

  1. إن العبرانيين لم يكونوا يعرفون الكتابة في عصر موسى وإن لا دليل على أن موسى كان يحسن الكتابة. وندفع هذا أولاً بأن هذا الاعتراض عينه دعوى بلا دليل. وثانياً بأن موسى كان في مصر وتعلّم كل حكمة المصريين ولا شك في أنه قرأ مكتوباتهم على الأعمدة المعروفة بالمسلاّت وفي ورق البردي. وكان يسهل عليه أن يختار أو يخترع صوراً للحروف العبرانية إن لم يكن من قبله سبقه إليها كما يرجح وإن آثار الكتابة المصرية تسبق عهد موسى كثيراً. ولا يبعد بل يرجح كل الترجيح إن العبرانيين في عصر موسى كانوا يكتبون على الرقوق ولعل موسى كتب عليها أو على ورق البردي أو على الحجارة على ما سبق في مقدمة الأسفار الخمسة وقد ذُكر في تلك الأسفار إن موسى كتب (انظر مقدمة الأسفار الخمسة فصل 10 اعتراض 4 وهيرودوتس 5: 58). وذُكر في غيرها إن الكتابة كانت قد شاعت بين العبرانيين (انظر قضاة 8: 14).

  2. إن لغة الكتب الأخيرة في العهد القديم لا تختلف عن لغة التوراة ومنها سفر التكوين إلا قليلاً فلو كان موسى هو كاتب ذلك السفر لاختلفت لغته اختلافاً بعيداً عن لغة أحدث أسفار العهد القديم لانتشار اليهود بين الأمم وتقدمهم في المدنية. والجواب إن اللغات الشرقية بقيت ألوفاً من السنين على حالها القديمة فلم تتغير إلا بدخول بعض الألفاظ المحدثة. وإن لغة الأسفار الخمسة كان لها تأثير عظيم في إنشاء كتب الدين وأحدث أسفار الوحي في ذلك العهد. وبقي فوق ذلك إن إنشاء التوراة يختلف عن إنشاء غيرها (وإن قل الاختلاف) في بعض التراكيب والألفاظ وذلك كاف لأن يثبت إن التوراة أقدم أسفار العهد القديم.

  3. إنه يُفهم من الأصحاح الأول من سفر التكوين إن الشمس خُلقت في اليوم الرابع ولكنه ذكر قبل خلقها أنه كان نهار وليل وأيام. ومن المعلوم لكل إنسان أن لا نهار بلا شمس لأن النهار هو الوقت الذي بين طلوع الشمس وغروبها وذلك تناقض ظاهر. وندفع ذلك بأن النهار هنا ليس الوقت بين طلوع الشمس وغروبها بدليل قوله في أول ذلك الأصحاح ودعا الله النور نهاراً والظلمة ليلاً فخلق الله الأيام في المدة الأولى. فكان اليوم حينئذ من مقابلة جزء من الأرض لكتلة منيرة غير منتظمة وتحركها على محورها إلى رجوعها إلى تلك المقابلة (انظر تفسير ص 1: 5).

  4. إن كاتب السفر لم يذكر متى خلق الله الملائكة فلو كان يوحي إليه لعرف ذلك وذكره لأن هنا موضع ذكره. قلنا أولاً ما للموحى إليه أن يُوحى إليه بكل شيء. وثانياً إن قصد الله هنا أن يبين للناس خلقه العالم المادي على ترتيبه لا العالم الروحي. على أن قوله «خلق السموات والأرض» يتضمن خلق الملائكة وغيرهم.

  5. إنه لا يستطيع العقل على ما عُرف من شرائع الطبيعة أن يسلم بترتيب كل المخلوقات في ستة أيام أو مئة ساعة وأربع وأربعين ساعة. وندفع ذلك بوجهين الأول إن القدرة الأزلية تستطيع كل شيء. والثاني قول الجمهور بأن هذه الأيام مدات طويلة. وقد جاء بذلك ترتيب الخلق في الكتاب على وفق الترتيب الذي تقتضيه الشرائع الطبيعية وفي هذا دليل قاطع على أن هذا السفر من وحي الله كما سترى.

  6. إن أعمار الآباء في الأصل العبراني تختلف عنها في الترجمة اليونانية القديمة. وندفع ذلك بأن الترجمة ليست بحجة على الأصل بل الأصل هو الحجة على الترجمة على أن في هذه كلاماً طويلاً يضيق به المقام.

  7. إنه ذُكر أن الكرمة كانت في مصر زمن يوسف بن يعقوب مع أن هيرودوتس وبلوطرخوس المؤرخين صرّحا بأنه لم يكن للمصريين كروم. فندفع هذا الاعتراض أولاً إن الكتاب لم يقل إن الكرمة كانت يومئذ في مصر بل قال «فَقَصَّ رَئِيسُ ٱلسُّقَاةِ حُلْمَهُ عَلَى يُوسُفَ وَقَالَ لَهُ: كُنْتُ فِي حُلْمِي وَإِذَا كَرْمَةٌ أَمَامِي» (تكوين 40: 9). فهل يلزم من نفي المؤرخين كون الكرمة في أرض مصر نفيها من أخيلة الحالمين. وثانياً إن هيرودوتس المؤرخ نفسه قال إن أهل ثيبة (أو ثيبيس) افتخروا بأنهم عرفوا الكروم قبل سائر الأمم. وقد ذكر في الكتاب الثاني أنه كان للكهنة المصريين أن يشربوا خمر العنب. وقد وجد المنقبون في بني حسان في مصر صورة شجرة العنب على أقدم الآثار المصرية (انظر تفسير ص 40: 9).

  8. إن سفر التكوين أجاز الكذب فإن إبراهيم كذب بقوله أن سارة أخته والكتاب لم يذكر أنه خطئ بذلك. وندفع هذا بأن إبراهيم لم يكذب فإن سارة كانت أخته ابنة أبيه حقيقة فقال الحق وأخفى إنها امرأته وعلى فرض أنه كذب فسكوت الكتاب عن خطائه ليس بدليل على إباحته الكذب لنهيه عنه في غير هذا الموضع (انظر لاويين 19: 11).

  9. إن الذي يُعرف من بعض هذا السفر إن الشريعة أُعطيت على طور سيناء ونرى فيه كثيراً منها قد ذُكر قبل ذلك حتى البهائم الطاهرة والنجسة (ص 7: 2). وندفع ذلك بأن الشريعة كانت معروفة وجرى على سنتها الآباء من آدم إلى موسى ولكنها لم تكن مبسوطة ومرتبة كما أعلنها الله لموسى على الطور. وكان بنو إسرائيل عرضى لنسيان شريعة الله لطول تغربهم في أرض مصر الوثنية وتعودهم كثيراً من عادات المصريين فكان من الضرورة أن تؤيد الشريعة الإلهية وتُقرَّر وتُكتَب ويعرفوا أنها شريعة الله وقد أحسن الله إليهم بأن أعلنها لهم على مسمعهم وإظهار آيات حضوره المرهوبة لأبصارهم. ولم يقل الله على الطور أنه لم يكن أحد قبلهم يعرف تلك الشريعة المقدسة أو إنه لم يعلنها لغيرهم.

  10. إن قصة الطوفان لا تصدق وإلا فليبيّن لنا إمكان أن تلك السفينة وسعت ما ذُكر من حيوانات الأرض البهائم والطيور وما تحتاج إليه كل مدة بقائها على وجه الماء وكيف اجتمع الذئب والحمل والأسد إلى غير ذلك مما يضيق الزمان بذكره. وندفع ذلك بأن الطوفان لم يكن عاماً بل خاصاً بالأرض التي سكنها الإنسان وإن البهائم والطيور التي حملها نوح معه هي ما يحتاج إليها هو وبنوه والنساء بعد خروجهم من السفينة (انظر ص 8: 20). وبقي من الاعتراضات ما دون هذه في القوة ودُفعت في مواضعها من التفسير فلا حاجة إلى ذكرها هنا.

  11. إن في هذا السفر ما نصه «كَانَ فِي ٱلأَرْضِ طُغَاةٌ فِي تِلْكَ ٱلأَيَّامِ. وَبَعْدَ ذٰلِكَ أَيْضاً إِذْ دَخَلَ بَنُو ٱللهِ عَلَى بَنَاتِ ٱلنَّاسِ وَوَلَدْنَ لَهُمْ أَوْلاَداً هٰؤُلاَءِ هُمُ ٱلْجَبَابِرَةُ ٱلَّذِينَ مُنْذُ ٱلدَّهْرِ ذَوُو ٱسْمٍ» (تكوين 6: 4). ويُفهم من ذلك إن الملائكة تزوجت الآدميات فولدن الجبابرة وإن المولودين كانوا جبابرة لأن آباءهم ملائكة وهذا من الخرافات التي يبطلها العقل بالبديهة. وندفع ذلك بأربعة أمور:

  • الأول: إنه لا ذكر للملائكة في الآية.

  • الثاني: إن بني الله يطلق على الناس الذين هم من شعب الله.

  • الثالث: إن أول جبار ابتدأ أن يكون على الأرض ليس بابن ملك (أو ملاك) بل ابن إنسان. وقد ذكر الكتاب ذلك صريحاً وهذا قوله «وَكُوشُ وَلَدَ نِمْرُودَ ٱلَّذِي ٱبْتَدَأَ يَكُونُ جَبَّاراً فِي ٱلأَرْضِ» (تكوين 10: 8). وكوش هو ابن حام ابن نوح إنسان ابن إنسان وابنه نمرود هو الجبار منذ الدهر وأول جبابرة الأرض بنص ذلك السفر عينه.

  • الرابع: إن الجبار ليس القوي الجسم كما يفهم العامة بل العاتي الذي يجبر الناس على ما يريد وهذا لا يترتب على أن يكون أبوه من الملائكة. والخلاصة أن المقصود «ببني الله» هم الذين اعتزلوا عبادة الأوثان وهم أبناء شيت «وبنات الناس» (وفي الأصل العبراني بنات آدم) بنات الوثنيين وهم أولاد قايين. وكان أبناء الله الذين اتخذوا بنات الناس أزواجاً ذوي اسم لكونهم كانوا رؤساء قبائلهم وملوكها وألههم الوثنيون وعبدوهم كما كان لغيرهم من الوثنيين على ما جاء من أمر نمرود بن كوش بن حام بن نوح. وسُمي الوثنيون «بأولاد آدم» لأنهم بقوا في المعصية. وسُمي الموحدون «أبناء الله» لأنهم رجعوا إلى الله وأطاعوه إطاعة البنين للآباء واعتنى الله بهم اعتناء الأب بأولاده.

اَلأَصْحَاحُ ٱلأَوَّلُ

1 «فِي ٱلْبَدْءِ خَلَقَ ٱللهُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ».

يوحنا 1: 1 و2 وعبرانيين 1: 10 نحميا 9: 6 ومزمور 146: 6 وإشعياء 44: 24 وإرميا 10: 12 وأعمال 14: 15 و17: 24 وأفسس 3: 9 وكولوسي 1: 16 ورؤيا 4: 11 و10: 6

فِي ٱلْبَدْءِ أي في أول أمر التكوين أو الخلق. فليس هذا البدء بمعنى الأزل كما في قول يوحنا «فِي ٱلْبَدْءِ كَانَ ٱلْكَلِمَةُ» (يوحنا 1: 1) لأن المقصود هناك بيان كون الكلمة أزلياً والمراد هنا أول الشروع في خلق الكواكب ونُظمها التي عالمنا الشمسي أي شمسنا وسياراتها وأقمارها نظام منها. ولا نعلم مقدار الزمان قبل خلق الإنسان إنما نعلم أنه طويل جداً.

خَلَقَ بدع أي بدأ وأنشأ واخترع لا على مثال يُعني أوجد من العدم. و «خلق» معنى برا ( ברא ) في العبرانية كبرأ في العربية. ولعل هذه اللفظة وُضعت أولاً لبرء الباري الخلق على غير مثال سابق ثم أطلقت على الصنع من شيء تجوزاً على أن القرينة تستلزم الإبداع ووُضعت له خاصة أم لم توضع كذلك. فقوله «السموات والأرض» شامل لكل شيء فلا يترك مادة للصنع منها. فالإيجاد من العدم من لوازم العبارة الضرورية وهو أيضاً من لوازم قوله «خلق الله التنانين». و «خلق الله الإنسان» فإنه وإن كان في ذلك صنع من شيء لا يخلو من الإيجاد من العدم وهو إبداع الحياة في مادة الجماد إذ ثبت في العلم اليقيني إن «لا حي إلا من حي».

ٱللهُ هو في العبرانية «إلوهيم» جمع «الوه» ولم يأت المفرد إلا في الشعر. فجاء في المزامير «مَنْ هُوَ إِلٰهٌ غَيْرُ ٱلرَّبِّ» (مزمور 18: 31). وفي العبرانية «من هو إلوه غير يهوه» وهو في السريانية «الوهو» وفي الكلدانية «اللها» وكلها متفرع من العبراني. ومعنى «الوه» قوة أو قدرة. وجاء «إلوهيم» بصيغة الجمع لا لمجرد التعظيم بل لحمل الأفكار البشرية على تصور كل القوى في وحدانية ذي الصفات الحسنى والأفعال العظمى الحي الأزلي. فحصروا في ذلك الاسم الأعظم كل القوى والفواعل والحركات التي كونت بها البرايا أولاً وتضبط وتحفظ بها الآن. ونُسبت هذه كلها في أشعار الفيد الهندية والمكتوبات السامية والأكادية إلى آلهة كثيرة مختلفة. ونُسبت في كتاب الله إلى ألوهيم الإله الواحد. ويرى المسيحيون في هذا الاسم دليلاً على تثليث الأقانيم في اللاهوت ولكن جل المقصود منه هو أن العالم واحد وعمله واحد مهما تعدد عمل القوى الطبيعية في العالمين.

وجاء في (ص 2: 4 - ص 3: 24) «يهوه إلوهيم» أي الرب الإله. ومعنى يهوه أو يهفه في العبرانية الآتي أو الذي سيكون. وندر مجيء هذا التركيب ولكنه جاء في هذين الموضعين عشرين مرة وفي سائر أسفار موسى الخمسة مرة واحدة وذلك في قوله «لَمْ تَخْشَوْا بَعْدُ مِنَ ٱلرَّبِّ ٱلإِلٰهِ» (خروج 9: 30). وجاء في قول المرنم «إِلٰهُ ٱلآلِهَةِ ٱلرَّبُّ تَكَلَّمَ» (مزمور 50: 1) لكنه مقلوب الترتيب كما ترى. فلماذا كثر وروده في هذا النبإ الوجيز.

قال بعضهم في الأصحاح الأول من هذا السفر بيان إن الله هو الخالق ورب الكل وفي الأصحاح الثاني بيان أنه إله العهد مع الإنسان. ومما يجب الانتباه له هنا قوله في نهاية كل يوم «رأى الله ذلك أنه حسن» وقوله بعد خلق الإنسان «فإذاً هو حسن جداً» أي إن الإنسان أحسن كل المخلوقات وتاجها (ص 1: 12 و30). ولكنه سقط وزال حسنه فانفصل عن الله فتنازل سبحانه وتعالى ووعده بمخلص يسحق لرأس الحية (ص 3: 15).

والكلمة «يهوه» أو «يهفه» الآتي مثل «أهيه» في قول الله لموسى «أهيه الذي أهيه» أي يكون الذي يكون أو يأتي الذي يأتي (خروج 3: 14). والآتي في العهد الجديد من أشهر أسماء المسيح الأصلية ومن ذلك ما في قولهم «مبارك الآتي» (متى 21: 9). و «حَتَّى تَقُولُوا: مُبَارَكٌ ٱلآتِي بِٱسْمِ ٱلرَّبِّ» (متى 23: 39). و «أَنْتَ هُوَ ٱلآتِي» (لوقا 7: 19). و «هٰذَا هُوَ بِٱلْحَقِيقَةِ ٱلنَّبِيُّ ٱلآتِي إِلَى ٱلْعَالَمِ» (يوحنا 6: 14 انظر أيضاً يوحنا 11: 27 وعبرانيين 10: 37). واسم الإله المثلث الأقانيم هو «ٱلْكَائِنِ وَٱلَّذِي كَانَ وَٱلَّذِي يَأْتِي» (رؤيا 1: 4).

ونستدل من قول بولس الرسول «ماران أثا» أي الرب يأتي (1كورنثوس 16: 2) إن المسيحيين الأولين لم يفتأوا يسمون المسيح بالآتي. ولنا من كل ذلك إن يهوه العهد القديم هو يسوع العهد الجديد.

والمظنون إن أصل الاسم يهوه من قول حواء «اقتنيت رجلاً من عند الرب» فإنه في العبرانية «قنيتي إيش ات يهوه» أي قنيتي الرجل الذي هو الآتي الموعود به والمخلص هو المخلص المنتظر. قالت ذلك لظنها وتوقعها إن ذلك الولد هو المخلص الذي وُعدت به. وصار من ذلك الوقت إن كل امراة من النسل المختار نسل شيت وسام تتوقع أن يكون ابنها المسيح الآتي.

2 «وَكَانَتِ ٱلأَرْضُ خَرِبَةً وَخَالِيَةً، وَعَلَى وَجْهِ ٱلْغَمْرِ ظُلْمَةٌ، وَرُوحُ ٱللهِ يَرِفُّ عَلَى وَجْهِ ٱلْمِيَاهِ».

إشعياء 34: 11 وإرميا 4: 23 ص 7: 11 ومزمور 104: 6 أيوب 38: 9 أيوب 26: 13 ومزمور 104: 30 تثنية 32: 11

خَرِبَةً وَخَالِيَةً وفي العبرانية «توهو وبوهو» أي قفراً وتشويشاً.

وَعَلَى وَجْهِ ٱلْغَمْرِ ظُلْمَةٌ إن النور ناشئ عن انضغاط دقائق المادة أو تكاثلها أو تموج ناشئ عن الفعل الكيمي. فذكر «الظلمة» موافق لما يقتضيه الخلق والفراغ قبل تكوين الأرض وتركيبها وترتيبها. و «الغمر» في العبرانية «تهوم» أي العمق وهو من أصل معناه تشويش. ومعنى «الغمر» في قول المرنم «غمر ينادي غمراً» (مزمور 43: 7) موج البحر الدائم ومعناه هنا الخلق ومجموع مواد بلا ترتيب. قال العلامة سَيس في كتابه الذي ألفه في التكوين الكلداني «جاء في الأساطير البابلية إن مروداخ الملك غلب تيامت» وتيامت هو «تهوم» في العبرانية وأبرز الترتيب والجمال من التشويش الأصلي.

وَرُوحُ ٱللهِ يَرِفُّ عَلَى وَجْهِ ٱلْمِيَاهِ أو ريح الله. وأكثر مفسري اليهود يفسرون الروح هنا بريح عظيمة من الله. واعتاد العبرانيون أن ينسبوا إلى الله ما يريدون تعظيمه ففي سفر التكوين قول بني حث لإبراهيم «أَنْتَ رَئِيسٌ مِنَ ٱللهِ» أي رئيس عظيم (تكوين 23: 6). وفيه قول راحيل «قَدْ صَارَعْتُ مُصَارَعَاتِ ٱللهِ» أي مصارعات شديدة عظيمة (تكوين 30: 8). وفي المزامير قوله «عَدْلُكَ مِثْلُ جِبَالِ ٱللهِ» أي مثل جبال عظيمة (مزمور 36: 6). وقوله «أغصانها أرز الله» أي أرز عظيم أي كبير الحجم وفي سفر صموئيل الأول «لأَنَّ سُبَاتَ ٱلرَّبِّ وَقَعَ عَلَيْهِمْ» أي سبات ثقيل عميق (1صموئيل 26: 12). وعلى هذا ذهب جماعة من علماء التفسير إلى أن المقصود «بالروح» هنا ريح عظيمة بدد الله بها ظلمات الغمر والخلو. فدل هبوبها على شروع الروح الأزلي في ترتيب أمور العالمين كما دل عصف الريح يوم الخمسين على حضور ذلك الروح وشروعه في ترتيب أمور العهد الجديد. وجاء في مقالة يهودية اسمها الصوهار إن المقصود بالروح هنا روح المسيح. وكثيراً ما اتخذ المسيحيون هذه الآية رمزاً إلى الروح القدس الأقنوم الثالث في اللاهوت مع تسليمهم إن المقصود بها أصلاً ريح إلهية تدل على شروع ذلك الروح القدير في صنع كل شيء وتشير إلى ظهور الروح القدس في العهد الجديد. وجاء في نبوءة إشعياء «يَبِسَ ٱلْعُشْبُ، ذَبُلَ ٱلزَّهْرُ، لأَنَّ نَفْخَةَ ٱلرَّبِّ هَبَّتْ عَلَيْهِ» (إشعياء 40: 7). وفي المزامير «ٱلصَّانِعُ مَلاَئِكَتَهُ (أو رسله) رِيَاحاً » (مزمور 104: 4). وفي العهد الجديد «اَلرِّيحُ تَهُبُّ حَيْثُ تَشَاءُ... هٰكَذَا كُلُّ مَنْ وُلِدَ مِنَ ٱلرُّوحِ» (يوحنا 3: 8). ومعنى العبارة التكوينية أنه «بنفخته السموات مسفرة» وإنه «بِكَلِمَةِ ٱلرَّبِّ صُنِعَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَبِنَسَمَةِ (أي بروح) فَمِهِ كُلُّ جُنُودِهَا» (مزمور 33: 6).

ولا نرى بهذه العبارة وغيرها مجرد فعل الروح المادي أي الخلق بل نرى أيضاً القدرة الإلهية قدرة الأقنوم الثالث من الثالوث الأقدس. ولا موضع هنا للدخول في أن نبين اشتمال هذه الآياة القديمة على كل التعاليم الإلهية التي لم تُعلن الإعلان التام إلا في الإنجيل فنقتصر على أن نقول إن في سفر التكوين أصول كل الحقائق الإنجيلية.

يَرِفُّ عَلَى وَجْهِ ٱلْمِيَاهِ «كَمَا يُحَرِّكُ ٱلنَّسْرُ عُشَّهُ وَعَلَى فِرَاخِهِ يَرِفُّ» (تثنية 32: 11) و هذا أيضاً يشير إلى ذات عاملة. وهنا أمران (1) إن هذا الرف لم ينشأ عن المخلوقات بل عن مبدع خارج عنها وأعلى منها. (2) إنه يشير إلى فعل لطيف ينشئ الحياة والنور بالتدريج. وذلك كله قبل بداءة أيام الخلق الستة.

ويحسن قبل الشروع في تفسير هذا الأصحاح على ترتيب تلك الأيام إن نذكر بالإيجاز ما أبانته العلوم الطبيعية مما سُطر في مؤلفات العلامة الفاضل الدكتور كَنس اللندني الذي أحكم كل العلوم أحسن إحكام ووقف على تمام الوفاق بين سفر الطبيعة وسفر الوحي. وخلاصة ذلك إن في ما تحقق من المكتشفات في عِلمي الهيئة والجيولوجيا أي علم طبقات الأرض خمس عشرة حادثة علمية مرتبة على نسق لا يتغير ثبتت بالأدلة القاطعة. وقد وجدنا تلك الحوادث على ذلك الترتيب في الأصحاح الأول من سفر التكوين كما سترى. فكيف عرف موسى أن يرتب تلك الحوادث على ما يقتضيه العلم الصحيح ولم يدرس كتب المكتشفات الحديثة في الهيئة والكيمياء والجيولوجيا. وكيف يدرس ما لم يكن وما لم يخطر على بال عالم إلا بعد عصره بثلاثة آلاف وخمس مئة سنة ولم يدركوه إلا بشق الأنفس. وهل من سبيل طبيعي إلى معرفة ما اتفق عليه علماء القرن التاسع عشر قبل خمسة وثلاثين قرناً ذلك من أول صنوف المحال. فبقي أن يُقال إما أنه كتب ذلك بالوحي وهو الحق وإما أنه كتبه اتفاقاً أو حدساً أي ظناً وتخميناً وكلاهما باطل لاستحالته في ترتيب خمس عشرة حادثة بلا أدنة خطإ. قال الدكتور كَنس إذا أخذنا خمسة عشر مفتاحاً مختلفة الصور وأردنا ترتيبها بالحدس والاتفاق لاحتمل ذلك أن نخطئ أكثر من ألف ألف وثلاث مئة ألف مليون مرة. ويظهر لك ذلك من ضرب بعض أعداد السلسلة الطبيعية من الواحد إلى الخامس عشر في بعض هكذا: 1×2×3×4×5×6×7×8×9×10×11×12×13×14×15

وحاصل ذلك ... 368 674 307 1 وهذا دليل قاطع على استحالة أن يكون موسى قد أصاب ترتيب الواقع بالحدس والاتفاق وبرهان لامع على أنه كتب بوحي الله.

ولنأخذ هنا في سرد تلك الحوادث لبيان الوفاق العجيب بين الوحي والطبيعة وذلك ما تراه في الجدول الآتي. فانظره ذاكراً إن علم الهيئة أثبت إن المادة كانت في أول أمرها أثيراً أي ألطف من الهواء وكانت مظلمة مشوشة.

خمس عشرة حادثة علمية موافقة لكلام موسى

Table 1. 

عدد الحوادثالعلمموسى   
1كانت عوالم قبل النظام الشمسي «في البدء خلق الله السموات والأرض» ع 1    
2كثف الأثير فكان سديماً منيراً واشتد كثافة فكان منه شموس وعالمون «قال الله ليكن نور» ع 3    
3لما برد وجه الأرض اتحد بعض الغازات المحيطة بها ببعض وامتزج بعضها ببعض فكان من ذلك الهواء والماء «ليكن جلد» ع 6    
4حدث على توالي التبرد ارتجاجات وتشنجات عظيمة انقلبت بها الصخور واندفعت وتفرقت على وجه البحر فكانت من ذلك الجبال والجزائر والقارات «لتجتمع المياه تحت السماء إلى مكان واحد ولتظهر اليابسة» ع 9    
5إن أقدم أنواع النبات الذي آثاره في الصخور هو النبات المائي كبهق الحجر أو حزاز الصخر والفطر والطحلب والخنشار مما لا بزور له فيتولد من الجراثيم نباتات بدلاً منها «وقال الله لينبت الأرض عشباً» ع 11    
6ثم نبع ذلك النوع الأدنى من النبات ذي الأزهار والبزور العارية المسمات بالجمنسيرم نظير الأشجار الحاملة الكنافج كالصنوبر والسرو والأرز «وبقلاً يبزر بزراً» ع 11    
7وتلا ذلك نوع آخر من النبات ذي الزهر دنيء الثمر مما آثاره في الطبقات الفحمية وأما الجنس الأعلى من ذوات الأثمار فكان بعد ذلك «لما غرس الله جنة في عدن» ص 2: 8. «وشجراً ذا ثمر يعمل ثمراً كجنسه بزره فيه» ع 11    
8إن الأرض كانت بمقتضى الأدلة إلى نهاية المدة الفحمية محاطة ببخار حام وكانت كإقليم واحد معتدل ثم ارتفع هذا البخار وانحل وبتغير وقوع أشعة الشمس على التوالي توالت الليالي والأيام والفصول كما هي العلة اليوم «وقال الله لتكن أنوار في جلد السماء لتفصل بين النهار والليل وتكون لآيات وأوقات وأيام وسنين» ع 14    
9إنه بعد الفحمية ظهرت أنواع كثيرة من الحيوانات البحرية وغصت الأبحر بالحيوانات المتنوعة «وقال الله لتفض المياه زحافات ذات نفس حية» ع 20    
10في الطبقات الرملية الحديثة آثار مخالب طيور مختلفة «وليطر طير فوق الأرض على وجه جلد السماء» ع 20    
11في الطقات التي فوق الرملية عظام حيوانات كبيرة جداً من سمك ودبابات «فخلق الله التنانين العظام وكل ذوات الأنفس الحية الدبابة التي فاضت بها المياه كأجناسها» ع 21    
12ظهر قبل البهائم وحوش هائلة كالدينوثيريوم وغيره «فعمل الله وحوش الأرض كأجناسها» ع 25    
13ظهرت البهائم كالبقر والإيل قبل الإنسان في طبقات الصخور الحديثة «والبهائم كأجناسها» ع 25    
14رأى العلامة أغاسيز أنه ظهر أهم الأزهار الحاضرة والأشجار المثمرة والحبوب كالقمح والشعير قُبيل ظهور الإنسان «وغرس الرب الإله جنة في عدن شرقاً. وأنب الرب الإله من الأرض كل شجرة شهية للنظر وجيدة للأكل» ص 2: 8    
15إن أسمى المخلوقات وأنواع الحيوان هو الإنسان «فخلق الله الإنسان على صورته» ع 27    

الخلاصة

Table 2. 

  إنه بمقتضى معرفة كل العلماء لم يخلقنوع جديد من النبات أو الحيوان بعد الإنسان «وفرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل» ص 2: 2    

3 «وَقَالَ ٱللهُ: «لِيَكُنْ نُورٌ» فَكَانَ نُورٌ».

مزمور 33: 6 و9 و148: 5 وعبرانيين 11: 3 مزمور 104: 2 و2كورنثوس 4: 6

وَقَالَ ٱللهُ ليس المقصود إنه تكلم بصوت مسموع ولا إنه كان من يسمع ذلك من الأحياء سوى الأقانيم الثلاثة الذين هم إله واحد ولهم عمل في الخلق بل المقصود إن الله تعالى سن شريعة للكون حينئذ. وكُررت هذه العبارة عشر مرات. فهنا أمر ذي ذات حي لا الاتفاق الخبطي ولا الضرورة غير العاقلة بل أمر ذي يد قادرة على كل شيء وعين بصيرة وقلب محب رحيم. والكلام هنا في أسمى الطبقات وأعلى درجات البلاغة التي هي فوق قدرة البشر. إن الله غني عن الاستعداد وشغل الزمان بإعداد الوسائل وعن كل وسيلة «لأَنَّهُ قَالَ فَكَانَ. هُوَ أَمَرَ فَصَارَ» (مزمور 33: 9). فقوله تعالى هو كل ما هو ضروري ليكون ما أراد. و «قال» في العبرانية كأمر في العربية أي طلب أن يكون ما أراد فالله بقوله صنع ما شاء وأجرى العالمين على شرعه العالم في مصنوعاته. وأوامر الله دائمة أبدية. والعلل التي أبدعها لم تزل كما كانت منذ قال «ليكن نور» وبها يكون النور. فلنا هنا أول شرائع الكون وهو قوله الآتي.

لِيَكُنْ نُورٌ فَكَانَ نُورٌ لم يقل خلق النور بل قال «ليكن فكان». من المحقق الذي لا يختلف فيه اثنان من العلماء إن النور مستقل عن الشمس وينشأ بتموج الأثير فهو ليس بمادة بل حال من أحوال المادة. وكان في الأصل إما من الكهربائية أو من تكاثف العناصر وانضغاطها لما أخذت في أن تترتب. وذلك نتيجة قوة الجذب العامة. وأكثر النور اليوم من الشمس لكنه كثيراً ما ينشأ عن غيرها. وقد ثبت وجود نور غير ضوء الشمس وإن له كل الخواص التي يتوقف عليها نمو النبات وإن هذا النور وُجد في بدء العالمين.

قال العلامة دانا الأميركي «ثبت أن كل ظواهر النور المعروفة نتيجة اهتزاز ذرات المواد على ما تقتضيه خواص المادة باعتبار تركيبها الحاضر وإٰن نواميس الحرارة والفعل الكهربائي والكيمي متعلقة كل التعلق بناموس النور وهما من أصل واحد». وقال «جمع ناموس الجاذبية ذرات المواد فظهرت بحكّ بعضها بعضاً وضغط بعضها بعضاً الكهربائية والمغنطسية وبذا كان وتمّ ناموس الجاذبية العظيم الذي نشأ عنه النور». فكون النور قبل الشمس من مقتضيات النواميس الطبيعية. على أن فرض أن هذا النور من الشمس عينها لا ينافي النبأ بعمل اليوم الرابع. لأن قوله «لتكن أنوار» أي الشمس والقمر لا يستلزم إبداعهما إذ لا مانع من أن يكون المقصود به قشع الأبخرة والسحب عنهما وتعيينهما نورين لفصل الأيام والشهور والأوقات.

4 «وَرَأَى ٱللهُ ٱلنُّورَ أَنَّهُ حَسَنٌ. وَفَصَلَ ٱللهُ بَيْنَ ٱلنُّورِ وَٱلظُّلْمَةِ».

وَرَأَى ٱللهُ ٱلنُّورَ أَنَّهُ حَسَنٌ أي إنه موافق للغاية منه وإنه ضروري لكل حي من النبات والحيوان وإنه نتيجة ناموس الجاذبية العامة وشرط كل حياة مستقبلة. ونحن نرى كل قوى الطبيعة كالحرارة والكهربائية والنسب الكيمية وأشعة رنتجن والهواء والبخار في غاية الحسن وكل ما صنعه الله كذلك لأنه حلق الحسن البديع.

والعبارة الإلهية هنا تؤذن بمرور وقت وتُعلن أن الحكم صدر عن حكمة إلهية ولنا من ذلك ثلاث فوائد:

  • الأولى: رؤيتنا في الخليقة الأدبية «ٱلنُّورُ ٱلْحَقِيقِيُّ ٱلَّذِي يُنِيرُ كُلَّ إِنْسَانٍ آتِياً إِلَى ٱلْعَالَمِ» (يوحنا 1: 9).

  • الثانية: إنه كما أن ضوء الشمس لم ينفذ أولاً الظلام الكثيف المحيط بالأرض كذلك النور الروحي «يُضِيءُ فِي ٱلظُّلْمَةِ، وَٱلظُّلْمَةُ لَمْ تُدْرِكْهُ» (يوحنا 1: 5).

  • الثالثة: إنه كما رُفعت في اليوم الرابع كل الموانع وأضاءت الشمس بلمعانها المجيد هكذا يرفع الله الظلام عن النفس لأنه «ٱللهَ ٱلَّذِي قَالَ أَنْ يُشْرِقَ نُورٌ مِنْ ظُلْمَةٍ، هُوَ ٱلَّذِي أَشْرَقَ فِي قُلُوبِنَا، لإِنَارَةِ مَعْرِفَةِ مَجْدِ ٱللهِ فِي وَجْهِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ» (2كورنثوس 4: 6).

وَفَصَلَ ٱللهُ بَيْنَ ٱلنُّورِ وَٱلظُّلْمَةِ فصل أولاً ثم عيّن الشمس لذلك. ودُعيت الثلاثة الأيام الأولى أيام الترتيب والتفصيل أي أيام «التقاسيم الثلاثة» ففي هذه الآية فُصل بين النور والظلمة وفي السابعة فُصل بين المياه وفي التاسعة جُمعت المياه التي تحت السماء إلى مكان واحد.

ذهب العلامة بِن سمث إلى أنه لم يُخلق في اليومين الأول والثاني شيء جديد بل رُتبت المواد المشوشة وفي اليوم الثالث خُلقت الحياة النباتية. واعلم إن الفصل في اليوم الأول بين النور والظلمة لا يستلزم أن للظلمة وجوداً حقيقياً كالكوائن المستقلة بل إن درجة النور تنوعت حتى كانت مُددٌ ومواضع فيها النور كثر أو قل. وذُكرت نتيجة الخلق في كل يوم أو مدة في نهايته أي إنه حين أخذت ذرات المادة لتحرك شرع الهواء والماء ينفصلان عن الذرات الكثفي أي التي هي أشد كثافة ونتج من ذلك النور. وبعد زمن طويل من ذلك نشأ فراغ حول جرم الأرض. لتقلصها وبعد زمن مثله ظهرت القارات والبحار ولكن بداءة ذلك كله كان حين رف «روح إلوهيم» على المادة وهي «خربة وخالية». فإن قيل كم مضى من الزمان قبل أن أخذ النور والظلمة يتواليان على الترتيب قلنا ذلك لم يستطع العلماء تعيينه ولا الكتاب التفت إليه لأن غاية الكتاب العظمى الدين لا العلم وإن كانا فيه على وفاق.

5 «وَدَعَا ٱللهُ ٱلنُّورَ نَهَاراً، وَٱلظُّلْمَةُ دَعَاهَا لَيْلاً. وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْماً وَاحِداً».

وَدَعَا ٱللهُ ٱلنُّورَ نَهَاراً، وَٱلظُّلْمَةُ دَعَاهَا لَيْلاً أي سمى كلا منهما بما يميزه عن الآخر على طريق السمع وفي ذلك إشارة إلى قصد الله أن يخلق مخلوقاً يميز بين المخلوقات بالأصوات ويدعو الأشياء بأسمائها.

وكانت الأرض قبل الفصل بين الليل والنهار تحيط بها مادة مضيئة فصفورية أو كهربائية كالكرة الغازية المضيئة المحيطة اليوم بالشمس. ولا بد من أن الأرض أخذت حينئذ تدور على محورها فكان من ذلك تعاقب النور والظلمة والحر والبرد الذي أوجب تقلص قشرة الأرض.

وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْماً وَاحِداً المساء في العبرانية «عرب» أي وقت الغروب وقيل معناه مزيج أو خليط كان المقصود به ما بين الغروب والعتمة من ضوء الشفق لأنه وقت اختلاط النور بالظلام. وذُكر هنا المساء قبل الصباح لأن النور كان بعد الظلام. وجاء في زكريا «لاَ نَهَارَ وَلاَ لَيْلَ، بَلْ يَحْدُثُ أَنَّهُ فِي وَقْتِ ٱلْمَسَاءِ يَكُونُ نُورٌ» (زكريا 14: 7).

والصباح بالعبرانية «بقر» (בקר) أصله الشق وفي العربية بَقَرَهُ يبقره بقراً شقّه ويأتي الفعل في العبرانية بمعنى فجر وانفجر. والفجر في العربية شق الشيء شقاً واسعاً ومنه الفجر لأول الصباح. وخلاصة ما ذُكر إن الصباح سُمي بذلك لشق النور جلباب الظلام. ولسبق الظلمة النور والليل النهار. اعتاد أهل المشرق أن يحسبوا بداءة اليوم غروب الشمس ويذكروا المساء قبل الصباح فالعادة على ذلك قديمة جداً على أن الذي في كثير من كتب اللغة العربية إن اليوم من الفجر الأول إلى غروب الشمس ولكنهم يحسبون مساء اليوم من ليلة الغد فيكون أول اليوم الذي هو أربع وعشرون ساعة المساء.

يَوْماً وَاحِداً اليوم في العبرانية «يوم» لكن رأى كثيرون من علماء العبرانية أن أصله «يحم» وقُلبت الحاء واواً. ويحم في العبرانية كيحم في العربية. وفي هذه يُقال «حم التنور يحمه حماً سجره أي ملأه وقوداً وأحماه. وحمّ الماء يحم حماً سخن». سمي بذلك لما في النهار من حر الشمس. ولكن اليوم في هذه الآية مدة من مُدد الخلق الست لا أربع وعشرون ساعة واستعمال اليوم بمعنى المدة جاء في قوله «يَوْمَ عَمِلَ ٱلرَّبُّ ٱلإِلٰهُ ٱلأَرْضَ وَٱلسَّمَاوَاتِ» (تكوين 2: 4). فاليوم هنا مجموع مُدد الخلق كلها. وجعلها مدة واحدة إذ اعتبر الخلق جملة لا مفصلاً على التوالي. وعلى هذا ذهب أكثر العلماء إلى أن اليوم السابع أي يوم استراحة الله من عمل الخلق هو المدة التي نحن فيها كقول زكريا «وَيَكُونُ يَوْمٌ وَاحِدٌ مَعْرُوفٌ لِلرَّبِّ» (زكريا 14: 7). مشيراً إلى كل مدة النظام المسيحي الإنجيلي. وكقول موسى «أنت اليوم عابر الأردن» مشيراً إلى المدة (انظر تاريخ العهد القديم للدكتور جمس أنس).

وحسب الكلدانيون مدة العالمين 43200 سنة وترتيب الخلق المتوالي لم يُعرف إلا بوحي الله والوفاق بين كلام الوحي ونبإ الطبيعة على غاية الكمال. ولا تزال طبقات الصخور رافعة أعلام الشهادة به. فعلم الجيولوجيا خدم الدين أحسن خدمة بحل المشاكل في هذا التاريخ القديم.

6 «وَقَالَ ٱللهُ: لِيَكُنْ جَلَدٌ فِي وَسَطِ ٱلْمِيَاهِ. وَلْيَكُنْ فَاصِلاً بَيْنَ مِيَاهٍ وَمِيَاهٍ».

أيوب 37: 18 ومزمور 104: 2 وإشعياء 40: 22

لِيَكُنْ جَلَدٌ فِي وَسَطِ ٱلْمِيَاهِ الجَلد على ما يظهر من مصطلحات النصرانية وهو في العبرانية «رقيع» ومعناه فيها شيء مبسوط. وجاء في سفر إشعياء «ٱلَّذِي يَنْشُرُ ٱلسَّمَاوَاتِ كَسَرَادِقَ، وَيَبْسُطُهَا كَخَيْمَةٍ لِلسَّكَنِ» (إشعياء 40: 22). وفي سفر أيوب «هَلْ صَفَّحْتَ مَعَهُ ٱلْجَلَدَ ٱلْمُمَكَّنَ كَٱلْمِرْآةِ ٱلْمَسْبُوكَةِ» (أيوب 37: 18). والرقيع في العربية السماء الأولى وقد يطلق على كل سماء. والجَلَد في المعروف من كتب اللغة العربية اليوم إصابة الأرض الجليد والقوة والشدة والأرض المستوية ولغة في الجِلد. واستعمالها بمعنى الرقيع قديم في كتب الدين المسيحي العربية ولعلها عربية الأصل في هذا المعنى فقلّ استعمالها عند غير النصارى من أهل اللغة العربية فيه حتى نُسي. ونص كتب اللغة على أن الجلد لغة في الجِلد يحملنا على ظن أنه وُضع أولاً للطراف وهو بيت من الجِلد ربما كان على هيئة القبة. وكثيراً ما عبر الكتبة الملهمون عن الرقيع بأنه خيمة وقبة كالعرب وتصوروا لها كوى ونوافذ وأبواب. فجاء في هذا السفر «َٱنْفَتَحَتْ طَاقَاتُ ٱلسَّمَاءِ» (تكوين 7: 11). وفي سفر المزامير «أَمَرَ ٱلسَّحَابَ مِنْ فَوْقُ، وَفَتَحَ مَصَارِيعَ ٱلسَّمَاوَاتِ» (مزمور 78: 23). وفي سفر ملاخي «إِنْ كُنْتُ لاَ أَفْتَحُ لَكُمْ كُوى ٱلسَّمَاوَاتِ» (ملاخي 3: 10). وإذا سلمنا برأي علماء الجيولوجيا إن الأرض في هذه المدة كانت كتلة ملتهبة منيرة لزم أن يكون الرقيع حلقة اعتدال بين حرارة الأرض تحته والأثير فوقه وهذه الحلقة هي أصل الجو ويُسمى أيضاً اللوح والسكاك وهو بقية ما كان من الكتلة الغازية متوسطاً عند استواء قوتي الدفع والجذب واتزانها.

7 «فَعَمِلَ ٱللهُ ٱلْجَلَدَ، وَفَصَلَ بَيْنَ ٱلْمِيَاهِ ٱلَّتِي تَحْتَ ٱلْجَلَدِ وَٱلْمِيَاهِ ٱلَّتِي فَوْقَ ٱلْجَلَدِ. وَكَانَ كَذٰلِكَ».

ص 7: 11 وأيوب 26: 8 ومزمور 104: 13 و148: 4 وأمثال 8: 28

وَفَصَلَ بَيْنَ ٱلْمِيَاهِ ٱلَّتِي تَحْتَ ٱلْجَلَدِ وَٱلْمِيَاهِ ٱلَّتِي فَوْقَ ٱلْجَلَدِ هذا وصف بسيط لما نراه كل يوم وهو أن المياه تجري وتجتمع على وجه الأرض وفوقها رقيع السحب والغيوم وإنها تقع قطرات من الأبخرة المائية المنتشرة في الجو. وهذا على وفق تعبير العامة وما قررته مبادئ العلم الطبيعي لأن المياه التي تصعد من الأرض والبحر إلى الجو بخاراً تجتمع سحباً بانفصال بعض كريات الماء عن بعض بقوة كهربائية وتحملها الرياح وتبسطها في رحاب الجو إلى أن تقع على الأرض مطراً. والكتاب المقدس لا يفتأ يورد قوانين إنشاء المطر ووقوعه وسقيه الأرض أعظم برهان طبيعي على حكمة الله وجودته مثل أنه تعالى «لَمْ يَتْرُكْ نَفْسَهُ بِلاَ شَاهِدٍ وَهُوَ يَفْعَلُ خَيْراً، يُعْطِينَا مِنَ ٱلسَّمَاءِ أَمْطَاراً وَأَزْمِنَةً مُثْمِرَةً» (أعمال 14: 17). فلو لم يكن من رقيع أو منطقة فضاء صافية حول الأرض لالتفّت الأرض بضباب كثيف دائم لا ينفذه ضوء الشمس واستمرت الحال المذكورة في قوله «كُلُّ عُشْبِ ٱلْبَرِّيَّةِ لَمْ يَنْبُتْ بَعْدُ، لأَنَّ ٱلرَّبَّ ٱلإِلٰهَ لَمْ يَكُنْ قَدْ أَمْطَرَ عَلَى ٱلأَرْضِ» (تكوين 2: 5). واستعمال موسى تعبير العامة في أمر الجلد لا ينفي أنه كتب بالوحي لأن ذلك اصطلاح كل الكتبة الملهمين. فجاء في الإنجيل «غربت الشمس» (مرقس 1: 32) ونحن نعلم إن الشمس ثابتة بالنظر إلينا إنما تغرب بحسب الظاهر. والحقيقة أنّ محدّب سطح الأرض يحجبها بدورانها على محورها ولكن هذا لا ينفي أن الإنجيلي كتب بشارته بالوحي لأن أفضل علماء الفلك اليوم يعبّرون عن حجب الأرض للشمس بغروب الشمس.

8 «وَدَعَا ٱللهُ ٱلْجَلَدَ سَمَاءً. وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْماً ثَانِياً».

ع 5

وَدَعَا ٱللهُ ٱلْجَلَدَ سَمَاءً من سما أي علا وارتفع فمعنى السموات العاليات أو المرتفعات كقوله «مُدُنٌ عَظِيمَةٌ مُحَصَّنَةٌ إِلَى ٱلسَّمَاءِ» (تثنية 1: 28). و «السموات» في الآية الأولى أقسام الفضاء غير المتناهي. وفي الآية الثامنة «الجو» وهو كرة الهواء المحيطة بالأرض ولم يُعرف علوها تماماً إنما عُلم أن العلو الذي عنده ينكسر النور المحدث للشفق نحو خمسة وأربعين ميلاً ووراءها الأثير الذي لا ثقل له.

ومما يحسن الانتباه له هنا أنه لم يُقل على أثر عمل اليوم الثاني «إنه حسن» ولعل علة ذلك إن عمل اليومين الثاني والثالث كعمل واحد إذ في الأثنين «فصل المياه». وإذ كانت منطقة البخار المائي لم تزل بعيدة عن وجه الأرض بقيت في صورة السحاب والبخار ولكن لما صارت قطرات نزلت على وجه الأرض بفيضان عظيم. ولما بردت قشرة الأرض فتقلصت وتشنجت نشأت أودية ولخافيق (أي شقوق) هبطتها المياه وحينئذ رأى الله تقدماً جديداً وحكم بأنه حسن.

9، 10 «9 وَقَالَ ٱللهُ: لِتَجْتَمِعِ ٱلْمِيَاهُ تَحْتَ ٱلسَّمَاءِ إِلَى مَكَانٍ وَاحِدٍ، وَلْتَظْهَرِ ٱلْيَابِسَةُ. وَكَانَ كَذٰلِكَ. 10 وَدَعَا ٱللهُ ٱلْيَابِسَةَ أَرْضاً، وَمُجْتَمَعَ ٱلْمِيَاهِ دَعَاهُ بِحَاراً. وَرَأَى ٱللهُ ذٰلِكَ أَنَّهُ حَسَنٌ».

أيوب 26: 10 و38: 8 ومزمور 33: 7 و104: 7 إلى 9 وأمثال 8: 29 وإرميا 5: 22

لِتَجْتَمِعِ ٱلْمِيَاهُ قال غسينيوس اللغوي المشهور الأصل في العبراني يفيد معنى القطران أكثر مما يفيد معنى الاجتماع إلى مكان واحد وهذا القطران لم يمكن إلا بعد أن برد سطح الأرض بإشعاع الحرارة إلى الفضاء. قلنا والكلمة العبرانية «يقرو» من «قرأ» ولها عدة معان جمع كقرى في العربية. ففي القاموس «قرى الماء في الحوض يقريه قرياً وقرى جمعه». وأضاف وهو كقرى في العربية أيضاً واستخرج وهذا يوافق ما قاله ذلك اللغوي على تقدير إن القطر خرج مما كان فيه بخاراً على أن الاجتماع إلى مكان واحد لا يمنع من أن يكون الماء المجتمع وقع قطراً وأي مانع من أن نقول اجتمع القطر إلى مكان واحد.

إِلَى مَكَانٍ وَاحِدٍ أي قرار البحر. من تأمل في عمق البحر وعلو أعلى الجبال عرف شدة القوة الجارفة التي غيّرت سطح الأرض في اليوم الثالث. واتساع البحر بالنسبة إلى البر عظيم جداً والسرّ في ذلك أنه لو كان اتساعه أقل من اتساع البر أو كاتساعه ما نشأ عنه المطر الكافي لنمو النبات وحياة الحيوان.

لْتَظْهَرِ ٱلْيَابِسَةُ يظهر إن هذا العمل كان بسيطاً جداً والواقع إنه اقتضى تدبيراً خاصاً من تدابير الخالق القدير لأنه لو بقيت طبقات الصخور على وضع أفقي مستوٍ أو كانت مرتبة كقشر البصلة لغطى الماء كل وجه الأرض على عمق واحد تحت كرة الهواء. والذي يظهر لنا من علم الجيولوجيا ومن المشاهد الطبيعية إن تلك الطبقات تكسرت وتشققت ودُفعت إلى وجه الأرض ورُكم بعضها على بعض بهيجان البراكين الناشئة عن النيران التي في جوف الأرض ثم جرفت السيول بعضها وفتّتته على توالي السنين والحقب. وهذا كان عمل اليوم الثالث. ولنا من هذا العمل آيات على حكمة الخالق بيّنات.

  • الأولى: تنوّع حاصلات الأرض النباتية بارتفاع التلال والجبال لتذخر عليها الثلوج وينبت عليها ما لا ينبت في السهول والأودية.

  • الثانية: الوصول إلى المعادن الضرورية للإنسان كالحديد والذهب والفضة والنحاس والفحم والملح والزيت المعدني. فإن الله أعدّ ذلك كله للإنسان قبل أن يخلقه لينتفع به عند وجوده ولولا انقلاب الصخور كذلك امتنع وصوله إليها.

  • الثالثة: نشوء الأودية فإنه لو لم تكن ما جرت المياه وتفرّقت على وجه الأرض بل ركدت في منافع عظيمة فأفسدت الهواء فامتنعت حياة الإنسان والبهائم.

  • الرابعة: نشوء الأتربة المختلفة بانحلال الصخور وتفتتها وانتشارها على وجه الأرض فموافقتها لكل أنواع النبات والحيوان.

  • الخامسة: وفرة الينابيع والأنهر والخلجان والبحور والبحيرات من العذب والمالح التي كانت راحة وبركة للإنسان وتسهيلاً لأعماله وأسفاره.

11 - 13 «11 وَقَالَ ٱللهُ: لِتُنْبِتِ ٱلأَرْضُ عُشْباً وَبَقْلاً يُبْزِرُ بِزْراً، وَشَجَراً ذَا ثَمَرٍ يَعْمَلُ ثَمَراً كَجِنْسِهِ، بِزْرُهُ فِيهِ عَلَى ٱلأَرْضِ. وَكَانَ كَذٰلِكَ. 12 فَأَخْرَجَتِ ٱلأَرْضُ عُشْباً وَبَقْلاً يُبْزِرُ بِزْراً كَجِنْسِهِ وَشَجَراً يَعْمَلُ ثَمَراً بِزْرُهُ فِيهِ كَجِنْسِهِ. وَرَأَى ٱللهُ ذٰلِكَ أَنَّهُ حَسَنٌ. 13 وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْماً ثَالِثاً».

ع 29 وتثنية 32: 2 وإشعياء 37: 27 وعبرانيين 6: 7 ص 2: 9 متّى 7: 16 و17 ولوقا 6: 44 ويعقوب 3: 12

لِتُنْبِتِ ٱلأَرْضُ عُشْباً وَبَقْلاً يُبْزِرُ بِزْراً، وَشَجَراً الخ هذا مما ذكرناه في جدول الحوادث الخمس عشرة وهو الحادثة الخامسة منها. أي إن أقدم أنواع النبات الذي آثاره في الصخور هو النبات المائي كبهق الحجر أو حزاز الصخر والفطر والطحلب والخنشار مما لا بزور له فيتولد من الجراثيم والطحلب.

وفي هذه الآية المخلوق الثاني وكان المخلوق الأول المادة التي رُتبت في نطام الكون بما عيّنه الله من النواميس الآلية والكيمية. وهذه النواميس لا تزال عاملة لكنها لا يمكنها أن تزيد ذرة على ما أبدعه الحياة النباتية ثم الحياة الحيوانية ولا يقدر على ذلك سوى الأزلي الذي هو على كل شيء قدير. وفي هذا العمل ثلاثة مخلوقات.

  1. العشب و هو الأصل العبراني «دشا» أي ما يعلو وجه الأرض من الخضرة النباتية غير مرتفع بالنمو. وفي العربية «دسا نقيض زكا» أي نقيض نما فإذاً المقصود به الطحلب على أنواعه كبهق الحجر وأمثاله وهو ما نشاهده اليوم على وجه الصخر ويظهر لنا بالمجهر أي المنظر المكبر عشباً دقيقاً ومن هذه الرتبة كل ا نباتات النامية من داخل.

  2. البقل وهو في الأصل العبراني «عشب» والمقصود به ما نما وحمل بزراً من الأعشاب كالحنطة وأشكالها من ذوات الحبوب أي القطاني.

  3. الشجر وهو النبات البالغ أعلى درجات الارتقاء مما قام على ساق خشبية وغشى بزره لحم وأكثره صالح للأكل كالأثمار التي يتناولها الناس.

فهذه ثلاث رتب للنبات. الرتبة الأولى نشأت إلى نهاية المدة الفحمية. وهذه لم تثبت بالمشاهدة لآثارها في طبقات الصخور لكن حكمنا بها التزاماً لأن الأشجار المثمرة لا تنبت إلا بعد ظهور الشمس بحرّها والحبوب لم تظهر إلا قبيل خلق الإنسان فكانت له طعاماً. وعلى هذا يتبين أن النبات لم يكمل إلا في اليوم السادس وهو المدة التي خلق فيها الحيوان المحتاج إلى أنواع النبات العالية. فالنبأ الإلهي بخلق النبات في هاتين الآيتين يُثبت أنه كان على سبيل التدريج. وهذا مما أثبتته الآثار في طبقات الصخور لأنه لما خلق الله «الدشا» اي الأنواع الطحلبية أبدع ناموس العالم النباتي وهذا العمل الأول يتضمن كل ما وليه من درجات الارتقاء في المملكة النباتية. والقانون الكتابي الصحيح في ذلك إن النبأ بعمل يستلزم كل أموره ومتعلقاته في الحال والمستقبل. وإنا أخبرنا في كل يوم من أيام الخلق بمخلوق جديد فيعتبر باقياً وهو وكل نواميسه متدرجاً في الكمال. فاليابسة التي وُجدت في اليوم الثالث لم تجف دفعة فتصلح لسكن الحيوانات البرية وتأصل النبات حتى اليوم السادس. ونستدل من علم الجيولوجيا أن الهواء الذي خُلق في اليوم الثاني لم يخلص من الغازات السامة ليصلح لتنفس الحيوان إلا بعد أزمنة طويلة تحولت فيها تلك الغازات فحماً بنمو النبات الكثيف الذي امتص تلك الغازات. فإذاً لما قال الله في اليوم الثالث «لتنبت الأرض عشباً وبقلاً... وشجراً» أمر بأن يكون ذلك جارياً على سنن الكمال متدرجاً إليه على ما تقتضيه أحوال الأرض والحيوان الذي خُلق عليها. ففي عمل الله الترتيب فلم يخلق شيئاً قبل وقته فصنع كل شيء حسناً على سنن حكمته الأزلية.

14، 15 «14 وَقَالَ ٱللهُ: لِتَكُنْ أَنْوَارٌ فِي جَلَدِ ٱلسَّمَاءِ لِتَفْصِلَ بَيْنَ ٱلنَّهَارِ وَٱللَّيْلِ، وَتَكُونَ لآيَاتٍ وَأَوْقَاتٍ وَأَيَّامٍ وَسِنِينٍ. 15 وَتَكُونَ أَنْوَاراً فِي جَلَدِ ٱلسَّمَاءِ لِتُنِيرَ عَلَى ٱلأَرْضِ. وَكَانَ كَذٰلِكَ».

مزمور 8: 3 و74: 16 و136: 7 إرميا 10: 2 ويوئيل 2: 30 و31 ومتى 24: 29 مزمور 74: 17 و104: 19

كان عمل اليوم الرابع ترتيب العالم الشمسي على ما هو عليه الآن دون غيره وفيه توالي الليل والنهار بغروب الشمس وشروقها. فيُفهم من ذلك أنه لم تُبدع الشمس حينئذ بل إنها صارت إلى ما نعرفة

لِتَكُنْ أَنْوَارٌ أو منارات على ما في الحاشية. النور في العبرانية «أور» لكن فيها ما عُرب بالأنوار هنا «مُارُت» ومعناها منار أو منارة.

إن الله في اليوم الأول خلق النور وفي ذلك الوقت أخذ النور (وهو ضوء كهربائي أو كيمي) يشتد ويكثف بكثافة الغازات المنتشرة في الفضاء حتى اجتمع حول مراكز أو أجزاء متحركة وهكذا تكونت الأجرام السماوية على ما ذُكر سابقاً لكن النورين أو النيّرين الزاهرين لم يظهرا في الجو الصافي إلا في اليوم الرابع. واليوم الرابع هو بداءة المثلث الثاني من أيام الإبداع الستة. فكان أكثر عمل الخالق إلى هذا اليوم ترتيبياً. وفي هذه المدة اشتد فعل الحرارة والماء والغازات. ولكن لما ظهر النبات كثُر التقدم من الأدنى إلى الأعلى والأشرف بما أودعه الله من نواميس التركيب.

وفي اليوم الرابع أمران الأول تبرُّد وجه الأرض إلى حد احتياجها إلى الحرارة من خارج. والثاني فترة طويلة في الخلق فإنه لم يخلق فيه شيء جديد ولا سُنّ ناموس جديد ولا أُظهر عامل جديد في العالم. وإنما صفا الهواء وجف سطح الأرض وأخذت النباتات تمتص الغازات الضارة السامة وتقشعت السحب الكثيفة عن الشمس فضاءت وزادت لمعاناً وسطعت أشعة القمر وتوقدت النجوم توقداً ضعيفاً. وربما كثفت في ذلك اليوم الشمس إلى أنصارت إلى مثل كمالها اليوم.

وذهب العلامة لنكي الفلكي على التسليم بصحة الرأي السديمي إلى أن المدة منذ تكوين الشمس إلى اليوم نحو 000 000 18 سنة وإنه لا ينفذ ضوءها بالإشعاع إلا بعد مدة ليست أقل من ذلك. وإن الشمس تتغير دائماً ويظن أنها عند نهاية خدمتها للأرض تجذب كل السيارات إلى سطحها فتقع عليه وينتهي نظام العالم المادي. ولعل ذلك يكون في نهاية اليوم السابع الذي نحن فيه لأن في مدة هذا اليوم وهي المدة السابعة ليس من خلق جديد فهو مدة إجراء النواميس غير المتغيرة بلا إيجاد معدوم ولا إعدام موجود.

لِتَفْصِلَ بَيْنَ ٱلنَّهَارِ وَٱللَّيْلِ (ع 14) لينام الناس ويستيقظوا في أوقات معينة حفظاً لصحتهم. وهذا من الأدلة على حكمة الخالق أبي أرواحنا وصانع أجسادنا وجودته فإنه يسدل حجاب المساء فيدعو الإنسان إلى الراحة ثم يرفعه عن وجه الصباح فيدعوه إلى العمل.

لآيَاتٍ أي علامات يميّز بها نهاية الليل وبداءة النهار وحدود الأسابيع والأشهر والسنين. ويحتمل أنه أراد هنا «بالآيات» صور البروج وهي اثنتا عشرة صورة من صور النجوم في المنطقة السماوية المعروفة بمنطقة البروج التي استخدمها القدماء لتحديد الأوقات.

أَيَّامٍ وَسِنِينٍ اتخذ الإنسان في كل عصر من عصوره حركات الأجرام السماوية قياساً لمرور الزمان. قال بردمان إن الناس تعلموا من الحركات المختلفة كشروق الشمس وغروبها ومصير القمر بدراً وهلالاً وتعاقب نجوم الصبح والمساء ومرور النجوم بالهاجرة تقسيم الوقت إلى ثوان ودقائق وساعات وأيام وأسابيع وفصول ومواقيت وسنين وقرون وأدهار. وعلى هذا صبغت المقاييس الزمانية كالساعة والمزاولة (أي الساعة الشمسية) وبُني التقويم والزيج والخرنولوجيا والتاريخ. فالشمس والقمر والنجوم هي المقاييس القانونية التي يقسم بها الإنسان الزمان فلا خرنولوجيا بلا قياس محكم لليوم والسنة. ولا تاريخ بلا خرنولوجيا. ولا اختبار جنسي أو أمّي بلا تاريخ. ولا تقدم بلا ذلك الاختبار. ولا تمدن بلا تقدم. وإذا أبطلنا تقسيم الزمان ونحن في الحال الحاضرة وكوننا مركبين من نفس وجسد كنا كالساعة بلا معدّل فتسرع تارة وتبطئ أخرى وتصبح نفوسنا في تشويش ويختلط الوجدان والتصورات الماضية والمستقبلة ويسقط الإنسان في هاوية التوحش.

والآيات والأيام والسنون جاءت في الكتاب لمعان مختلفة. والأيام في هذه الآية كأيامنا لا مُدد الخلق. وجاءت الآيات في قول إرميا «لاَ تَتَعَلَّمُوا طَرِيقَ ٱلأُمَمِ، وَمِنْ آيَاتِ ٱلسَّمَاوَاتِ لاَ تَرْتَعِبُوا، لأَنَّ ٱلأُمَمَ تَرْتَعِبُ مِنْهَا» (إرميا 10: 2) بمعنى الكسوف والخسوف وذوات الأذناب والشهب والنيازك ودوران البروج بمقتضى الظاهر على ما يُرجح. وجاءت لمثل ذلك في قوله تعالى «وَتَكُونُ عَلاَمَاتٌ فِي ٱلشَّمْسِ وَٱلْقَمَرِ وَٱلنُّجُومِ... وقُوَّاتِ ٱلسَّمَاوَاتِ تَتَزَعْزَعُ» (لوقا 21: 25). وفي نبوءة يوئيل وسفر الأعمال ما نصه «وَأُعْطِي عَجَائِبَ فِي ٱلسَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ وَآيَاتٍ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنْ أَسْفَلُ» (يوئيل 2: 30 وأعمال 2: 19). وفي سفر المزامير «وَتَخَافُ سُكَّانُ ٱلأَقَاصِي مِنْ آيَاتِكَ» (مزمور 65: 8). وخلاصة كل ما ذُكر إن الأجرام السماوية خُلقت للإضاءة ولقياس الوقت ولعلامات تُظهر قدرة الله العجيبة.

والأوقات في العبرانية (מוערים) «موعديم» وهي غير مقصورة على الأشهر وفصول السنة بل تشمل الاحتفالات والأعياد الدينية التي أمر الله الإسرائيليين بحفظها بعد ذلك. ففي نبوءة إشعياء «وَيَكُونُ مِنْ هِلاَلٍ إِلَى هِلاَلٍ وَمِنْ سَبْتٍ إِلَى سَبْتٍ، أَنَّ كُلَّ ذِي جَسَدٍ يَأْتِي لِيَسْجُدَ أَمَامِي» (إشعياء 66: 23). وفي المزامير «صَنَعَ ٱلْقَمَرَ لِلْمَوَاقِيتِ. ٱلشَّمْسُ تَعْرِفُ مَغْرِبَهَا» (مزمور 104: 19).

16 «فَعَمِلَ ٱللهُ ٱلنُّورَيْنِ ٱلْعَظِيمَيْنِ: ٱلنُّورَ ٱلأَكْبَرَ لِحُكْمِ ٱلنَّهَارِ، وَٱلنُّورَ ٱلأَصْغَرَ لِحُكْمِ ٱللَّيْلِ، وَٱلنُّجُومَ».

مزمور 148: 3 وإشعياء 40: 26

فَعَمِلَ ٱللهُ ٱلنُّورَيْنِ ٱلْعَظِيمَيْنِ أي الشمس والقمر. ليس القمر عظيماً كالشمس بل ليس كوكباً عظيماً لكن الكتاب وصفه بالعظمة جرياً على إدراك العامة له بمقتضى الظاهر لأن القمر يظهر أعظم من السيارات جداً مع أنه أصغر منها كذلك. فحجم الأرض يعدل 49 حجماً من أمثال حجم القمر. وحجم المشتري يعدل 1280 مثل حجم الأرض و62720 مثل حجم القمر. ومعنى «عَمَل» هنا عيّن لا خَلق.

ٱلنُّورَ ٱلأَكْبَرَ لِحُكْمِ ٱلنَّهَارِ، وَٱلنُّورَ ٱلأَصْغَرَ لِحُكْمِ ٱللَّيْلِ، وَٱلنُّجُومَ «النجوم» معطوفة على «النور الأصغر» لا على «الليل». فالمعنى إنه عمل القمر والنجوم لحكم الليل. و «النور الأكبر» هو الشمس وهي في العبرانية (שמש) وأصل معناها خادم لأنها تخدم الأرض بنورها وحرارتها. ولعلها سُميت بذلك منعاً للإنسان من عبادتها فإن عبادة الشمس سبقت كل العبادات الوثنية. ومعنى قوله «لحكم النهار» تعيين النهار بالشروق والغروب.

17 - 19 «17 وَجَعَلَهَا ٱللهُ فِي جَلَدِ ٱلسَّمَاءِ لِتُنِيرَ عَلَى ٱلأَرْضِ، 18 وَلِتَحْكُمَ عَلَى ٱلنَّهَارِ وَٱللَّيْلِ، وَلِتَفْصِلَ بَيْنَ ٱلنُّورِ وَٱلظُّلْمَةِ. وَرَأَى ٱللهُ ذٰلِكَ أَنَّهُ حَسَنٌ. 19 وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْماً رَابِعاً».

إرميا 31: 35 مزمور 136: 7 إلى 9

قال غرلاك الألماني: إن عمل الثلاثة الأيام الأولى يقابل عمل الثلاثة الأيام الأخيرة

بيان ذلك

  • في اليوم الأول خلق النور

  • في اليوم الثاني الجلد أي الجو مع المياه

  • في الثالث اليابسة وثوبها النباتي الأخضر

  • في الثلاثة الأيام الأولى خلق الجماد

  • في الثلاثة الأولى حصلت اليابسة على أعلى درجات الارتقاء أي بداءة النظام النباتي

  • في اليوم الرابع الأنوار في السماء

  • في اليوم الخامس السمك والطيور

  • في السادس حيوانات البر والإنسان

  • في الثلاثة الأخرى سكان الأرض الأحياء

  • في الثلاثة الأخرى حصل العالم الحيواني بل كل الخليقة على أعظم غايتها بحلق الإنسان

وكل تاريخ التوراة التابع لهذا كُتب لأجل الإنسان وأما الأجرام السماوية وهي الشمس والقمر والنجوم فقد ذُكرت لمجرد كونها أنواراً لخدمة الأرض. وهل في غير ذلك من تلك الأجرام سكان. ذلك ليس لنا أدنى أنباء به أو تلميح إليه.

20 «وَقَالَ ٱللهُ: لِتَفِضِ ٱلْمِيَاهُ زَحَّافَاتٍ ذَاتَ نَفْسٍ حَيَّةٍ، وَلْيَطِرْ طَيْرٌ فَوْقَ ٱلأَرْضِ عَلَى وَجْهِ جَلَدِ ٱلسَّمَاءِ».

مزمور 104: 25 و26 لاويين 11: 10 ع 24 وص 2: 7 ص 2: 19

الكلام في الآيات 20 - 23 بيان ما خُلق في اليوم الخامس وهو الحيوانات الدنيا كالزحافات والسمك والطيور. وعمل هذا اليوم مختص بأرضنا. (راجع جدول الحوادث الخمس عشرة ع 2) ولنا في الآيات التاسعة والعاشرة والحادية عشرة أنه بعد نهاية المدة الفحمية ظهر أنواع كثيرة من الحيوانات البحرية وغصت البحار بالحيوانات المختلفة (ع 20). ولنا في الطبقات الرملية الحديثة آثار مخالب وأظفار طيور مختلفة على وفق قوله «وليطر طير الخ». وفي الطبقات التي فوق الرملية عظام حيوانات هائلة كالسمك والدبابات على وفق قوله «فخلق الله التنانين العظام الخ» (ع 21).

لِتَفِضِ ٱلْمِيَاهُ زَحَّافَاتٍ وفي العبرانية لتفض فيضاً (ישרצו המים שרץ) (يشرصو هميم شرص). وجاءت هذه اللفظة في قوله «َكُلَّ ٱلْحَيَوَانَاتِ... لْتَتَوَالَدْ فِي ٱلأَرْضِ (وفي العبرانية لتشرص) وَتُثْمِرْ وَتَكْثُرْ عَلَى ٱلأَرْضِ» (ص 8: 17). وقوله «فيفيض النهر ضفادع» (خروج 8: 3). فيظهر من هذه الآيات إن ليس معنى «زحافات» حيوانات دبابة بل حيوانات متوالدة كثيراً. وتُطلق هذه اللفظة على أنواع السمك الصغرى وعلى الفأر والحلزون والورل والضب والوزغ (لاويين 11: 29) والطيور (لاويين 11: 23) أي على أنواع الحيوان ذات البيوض المتكاثرة على حد قول المرنم «هُنَاكَ دَبَّابَاتٌ بِلاَ عَدَدٍ» (مزمور 104: 24).

ذَاتَ نَفْسٍ حَيَّةٍ أي ذات نفس أو نسمة أي حيوانات أو مخلوقات ذات حس لا كالجماد. ولا إشارة في هذا إلى العقل أو القوة العاقلة المختصة بالإنسان (انظر تفسير ص 2: 7).

ففي الآية العشرين تدرج من عمل اليوم الرابع الذي فيه نما النبات نمواً عجيباً سريعاً إلى عمل آخر من أعمال الخلق به أوجد الله البهائم التي تحيا بالتنفس. فكما كان نمو أول النبات بالجراثيم الأولى الوضيعة كانت بداءة الحيوان وضيعة فتقدم من الحييوينات والهوام إلى السمك والدبابات. وكانت خاصة الحيوانات في اليوم الخامس كثرة توالدها. ولا يستلزم هذا النص أن السمك والدبابات بلغت أرفع درجاتها قبل خلق ما هو أدنى منها رتبة من حيوانات البر. إنما يستفاد منه إن الحييوينات المجهرية (أي المكرسكوبية) في الماء والحييوينات البيوض سبقت الولود أو ذوات الثدي. والدفائن في طبقات الصخور تشهد بخلق الحيوانات وكثرتها في هذه المدة. قال العلامة ليكُنتي الجيولوجي أول الحيوانات هو البحرية والأبحر القديمة غصت بالحيوانات فعدد الأنواع الباقية آثارها في الصخور السيلوريانية فقط 10074 وفوق هذه صخور رملية قديمة ديفونية غاصة بآثار أنواع السمك الوافرة.

وَلْيَطِرْ طَيْرٌ فَوْقَ ٱلأَرْضِ عَلَى وَجْهِ جَلَدِ ٱلسَّمَاءِ يؤيد هذا شهادة الصخور الديفونية لأن فيها بقايا الأفيمرس وطول جناحيه خمس وعشرون قدماً. وعلى الأرض اليوم ستة أنواع من الحيوانات التي طول أصغرها خمس عشرة قدماً وأكبرها خمس وعشرون قدماً. وكان في المدة الفحمية الطباشيرية 175 نوعاً من الحيوان طول بعضها عشرون قدماً وبعضها ثلاثون قدماً وبعضها ثمانون قدماً ومنها التياتنوسور وطوله مئة قدم وعلو أصغره ثلاثون قدماً.

21 «فَخَلَقَ ٱللهُ ٱلتَّنَانِينَ ٱلْعِظَامَ، وَكُلَّ نَفْسٍ حَيَّةٍ تَدِبُّ ٱلَّتِي فَاضَتْ بِهَا ٱلْمِيَاهُ كَأَجْنَاسِهَا، وَكُلَّ طَائِرٍ ذِي جَنَاحٍ كَجِنْسِهِ. وَرَأَى ٱللهُ ذٰلِكَ أَنَّهُ حَسَنٌ».

أيوب 7: 12 وإشعياء 27: 1 وحزقيال 32: 2

فَخَلَقَ هذا ذكر ثان للخلق لأن العالم الحيواني شيء جديد غير المواد التي خلقها الله في البدء ورتبها في الأيام الأربعة. وقد أجمع علماء العصر بمقتضى المكتشفات أنّ أصل كل نبات وحيوان كريات آلية أو عضوية صغيرة أكثرها لا يُرى إلا بالمجهر (أي المكرسكوب). ولكن عجز العلم الإنساني عن بيان أصل هذه الكريات وأصل الحياة فيها لأنه «لا حي إلا من حي» فالقائلون بالنشوء الدرويني أو غيره أنّ تنوع الأفراد لا مهرب لهم من التسليم بأن الحياة من مبدعات الخالق القادر على كل شيء إذا أرادوا الحق. فالعقل البشري يقدر أن يرى الظواهر الطبيعية لكنه يعجز عن إدراك أصلها ومبدعها لأنه لا يدرك تكون العناصر الأصلية ولا القوة الجاذبة ولا الاتحاد الكيمي ولا حقيقة النور ولا مبدأ الحياة النباتية ولا مبدأ الحياة الحيوانية ولا العقل الإنساني.

كَأَجْنَاسِهَا... كَجِنْسِهِ كررت هذه اللفظة سبع مرات في أربع آيات ومعناها إن الشجرة التي بزرها فيها تثمر كجنسها والسمك يلد سمكاً كجنسه والطير كجنسه والبهيمة كجنسها. ولا برهان على نشوء جنس جديد من اختلاط نوعين أو جنسين أو تحوّل جنس إلى آخر لأن الله تعالى خلق في البدء كل الأجناس وهي لا تلد إلا مثل جنسها.

ٱلتَّنَانِينَ الحيوانات الطويلة كالحيات الكبيرة والتماسيح. ففي المزامير «كَسَرْتَ رُؤُوسَ ٱلتَّنَانِينِ عَلَى ٱلْمِيَاهِ» (مزمور 74: 13). وفي حزقيال «هَئَنَذَا عَلَيْكَ يَا فِرْعَوْنُ مَلِكُ مِصْرَ، ٱلتِّمْسَاحُ (وفي الحاشية التمساح) ٱلْكَبِيرُ ٱلرَّابِضُ فِي وَسَطِ أَنْهَارِهِ» (حزقيال 29: 3). وفي إشعياء «أَلَسْتِ أَنْتِ ٱلْقَاطِعَةَ رَهَبَ (أي مصر) ٱلطَّاعِنَةَ ٱلتِّنِّينَ» (إشعياء 51: 9). وهي عبارة عن الحيوانات الكبيرة التي تعيش في الماء والهواء أو في البر والبحر معاً.

22 «وَبَارَكَهَا ٱللهُ قَائِلاً: أَثْمِرِي وَٱكْثُرِي وَٱمْلإِي ٱلْمِيَاهَ فِي ٱلْبِحَارِ. وَلْيَكْثُرِ ٱلطَّيْرُ عَلَى ٱلأَرْض».

ع 28

بَارَكَهَا أي منحها قوة التوالد والتكاثر حتى صارت ما لا يحصيها عدّ. وجاء معنى «بارك» الإكثار في عدة آيات منها. «وَبَارَكُوا رِفْقَةَ وَقَالُوا لَهَا: أَنْتِ أُخْتُنَا. صِيرِي أُلُوفَ رَبَوَاتٍ» (تكوين 24: 60 انظر أيضاً مزمور 128: 3 و4).

23 «وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْماً خَامِساً».

يَوْماً خَامِساً لا تفيدنا الجيولوجيا شيئاً من أموره الأربعة الأيام الأولى. وما استفدناه من ذلك إنما استفدناه من علم الهيئة والكيمياء والطبيعيات ولكن شهادة الجيولوجيا بأمور اليوم الخامس كافية وافية. ففي الطبقتين الكمبريّة والسيلورية آثار الحيوانات الصدفية وفي الصخور الديفوينة فوقها آثار السمك وفي صخور المدة الفحمية عظام الدبابات وفوقها آثار التنانين الهائلة وفوقها آثار طيور كبيرة. فنستدل من كل ذلك على أن مدة اليوم الخامس كانت طويلة جداً. ويظهر إن خلق الأنواع المختلفة من النبات والحيوان كان تدريجياً وإن الخالق جلّ وعلا لم يسرع في الخلق. وشهادة الصخور مما يزيد بيان حكمة الله ووفرة أعماله العجيبة وتعظيم البرايا لقدرته الأزلية.

إن أهل النشوء الدرويني وأمثاله يزعمون أن كل أجناس النبات والحيوان وأنواعهما من أصل واحد (انظر كتاب الحق اليقين في النشوء والارتقاء للأستاذ إبراهيم الحوراني) وليس من أدنى برهان على انتقال الآثار في الطبقات تثبت خلق كل نوع مستقلاً.

24 «وَقَالَ ٱللهُ: لِتُخْرِجِ ٱلأَرْضُ ذَوَاتِ أَنْفُسٍ حَيَّةٍ كَجِنْسِهَا: بَهَائِمَ، وَمَا يَدِبُّ، وَوُحُوشَ أَرْضٍ كَأَجْنَاسِهَا. وَكَانَ كَذٰلِكَ».

ص 2: 19 وجامعة 3: 20

هذه الآية وما بعدها إلى نهاية الآية الحادية والثلاثين بيان خلق البهائم والدبابات ووحوش الأرض والإنسان في اليوم السادس. وفي هذا اليوم أربع حوادث تظهر القدرة الإلهية الأولى خلق الحيوانات العليا. والثانية خلق الإنسان. والثالثة التدبير المؤكد دوام الحيوانات ونموها. والرابعة تعيين النبات طعاماً للإنسان والحيوان.

وكان خلق الإنسان عملاً ممتازاً مستقلاً. فإنه وإن خُلق في اليوم السادس الذي خُلقت فيه الحيوانات العليا لم يُخلق معها إنما خُلق في آخر ذلك اليوم أو تلك المدة بعد تأمل الله والمشورة بين الأقانيم الإلهية الثلاثة. وفي خلق الإنسان تقدم عجيب أعظم مما في درجات الخلق السابقة فإنا لم نر في الأعمال السابقة سوى إجراء النواميس الطبيعية التي وضعها الخالق. والدرجة العليا التي بلغها الحيوان غير الناطق هي درجة الفطرة الغريزية البهيمية. ولكننا رأينا في الإنسان الحرية والاختيار والعقل وقوة النطق. فمهما استنبط النشوئيون من الآراء الغريبة والتعليلات المخترعة في شأن نشوء الجسد الإنساني وارتقائه لا يقدروا إلا أن يجدوا بين ذلك وبين طبيعة الإنسان العقلية والأدبية بوناً عظيماً وهوة عميقة فاصلة كالهوة بين الوجود والعدم.

لِتُخْرِجِ ٱلأَرْضُ ذَوَاتِ أَنْفُسٍ حَيَّةٍ كَجِنْسِهَا الخ هذا كقوله تعالى «لتفض المياه زحافات الخ» (ع 20). وليس المعنى في الآيتين أن لكل من المياه والأرض قوة ذاتية أو أنه وُكل إليهما إبداع الحيوان. فالمقصود إن حيوانات البر أُظهرت حيوانات الماء بأمر الله وقدرته وإرادته الخالقة.

25 « فَعَمِلَ ٱللهُ وُحُوشَ ٱلأَرْضِ كَأَجْنَاسِهَا، وَٱلْبَهَائِمَ كَأَجْنَاسِهَا، وَجَمِيعَ دَبَّابَاتِ ٱلأَرْضِ كَأَجْنَاسِهَا. وَرَأَى ٱللهُ ذٰلِكَ أَنَّهُ حَسَنٌ».

ص 6: 20 و7: 14 و8: 17 و19 وهوشع 2: 18

فَعَمِلَ ٱللهُ وُحُوشَ ٱلأَرْضِ الخ أي الحيوانات المتنفسة وهي ثلاثة أجناس:

  • الأول: البهائم أي الحيوانات غير الناطقة ولا سيما المجترة الكبرى التي دجنت بسهولة وخدمت الإنسان ونفعته.

  • الثاني: الدبابات وهي في العبرانية (רמש) (رمش) أي دب كما في قول المرنم «فَيَصِيرُ لَيْلٌ. فِيهِ يَدِبُّ كُلُّ حَيَوَانِ ٱلْوَعْرِ» (مزمور 104: 20). وقوله «تُسَبِّحُهُ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ، ٱلْبِحَارُ وَكُلُّ مَا يَدِبُّ فِيهَا» (مزمور 69: 34). وفي سفر اللاويين «شَرِيعَةُ ٱلْبَهَائِمِ، وَٱلطُّيُورِ، وَكُلِّ نَفْسٍ حَيَّةٍ تَسْعَى فِي ٱلْمَاءِ، وَكُلِّ نَفْسٍ تَدِبُّ عَلَى ٱلأَرْضِ» (لاويين 11: 46). ومن الجلي أن الدبابات هنا الحيوانات القصيرة القوائم التي تسير على الأرض كأنها تزحف وإن المقصود بها بعض الحيوانات البرية دون البحرية.

  • الثالث: «وحوش الأرض» وهي في العبرانية (חיה) أي حيّة والمقصود بها الوحوش البرية المفترسة التي لا تدجن.

    26 «وَقَالَ ٱللهُ: نَعْمَلُ ٱلإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا، فَيَتَسَلَّطُونَ عَلَى سَمَكِ ٱلْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ ٱلسَّمَاءِ وَعَلَى ٱلْبَهَائِمِ، وَعَلَى كُلِّ ٱلأَرْضِ وَعَلَى جَمِيعِ ٱلدَّبَّابَاتِ ٱلَّتِي تَدِبُّ عَلَى ٱلأَرْضِ».

في هذه الآية تكملة عمل اليوم السادس أي خلق الإنسان.

وَقَالَ ٱللهُ: نَعْمَلُ ٱلإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا هذا وصف أعظم مخلوقات اليوم السادس فإنه لما تم إعداد المسكن اقتضت الحكمة إعداد الساكن. وقوله «نعمل» بصيغة الجمع كما في لفظة «إلوهيم» إشارة إلى تثليث الأقانيم الإلهية لكن لا نحسب ذلك برهاناً قاطعاً بل نرى أنه سر غامض كغيره من أسرار هذا الأصحاح العجيب. وفي قوله في الآية الثانية «وروح الله» أصل إعلان الروح القدس الذي تم في العهد الجديد. وفي لفظة «إلوهيم» جرثومة تعدد الأقانيم الذي أُعلن في الإنجيل إعلاناً تاماً. ففي أول كتاب الله كل مبادئ الحقائق الإلهية والصور والرموز والإشارات والأشواق والمخاوف والموعيد والإنذارات والنبوءات التي كانت تقوى وتزيد وضوحاً من عصر إلى عصر وتجري كنهر عظيم وحين نستنتج إن ذلك كان مقصوداً منذ البدء. ومعنى «نعمل» هنا نخلق من لا شيء. والإنسان في العبرانية (אדם) (آدم) أي جنس الإنسان. وعلى هذا قوله «هٰذَا كِتَابُ مَوَالِيدِ آدَمَ، يَوْمَ خَلَقَ ٱللهُ ٱلإِنْسَانَ. عَلَى شَبَهِ ٱللهِ عَمِلَهُ ذَكَراً وَأُنْثَى خَلَقَهُ (وفي الأصل العبراني خلقهم) وَبَارَكَهُ وَدَعَا ٱسْمَهُ آدَمَ (أي إنساناً) يَوْمَ خُلِقَ» (ص 5: 1 و2). ومعنى آدم أحمر. قال يوسيفوس سُمي بذلك لأنه صُنع من التراب الأحمر وقال غيره لأن جلده كان أحمر أي حسناً. وأشهر اللغويين لا يعرفون مما اشتق تمام المعرفة. والإنسان في لغة أشور أَدَمَو أو أدمْو. و «أدموت» في العبرانية الأرض المفلوحة. والأُدمة في العربية السّمرة والأَدَم والأَدْم البشرة. والأديم الجلد أو أحمره أو مدبوغه وما ظهر من الأرض. والمقصود «بالإنسان» هنا الجنس البشري مطلقاً.

وليس المقصود بقوله «على صورتنا كشبهنا» الصورة الجسدية بل الصورة العقلية والأدبية الروحية لأن الإنسان بالنظر إلى جسده ليس على صورة الله. وما جسده إلا واسطة يتسلط بها على الحيوان والطبيعة. وجسده منتصب كمن يحكم ويتسلط وأما هو بالنظر إلى النفس فعلى صورته تعالى أي ذو عقل وشعور وإرادة واختيار وقوى أدبية وقدرة على ملازمة القداسة. ولم يخسر الإنسان صفاته العقلية والأدبية بسقوطه لكنها ضعفت وتدنست بذلك السقوط فبقيت ولم تتلاشً وهي أساس الرجاء في مستقبله الأدبي. إن تلك الصفات كانت كاملة في الإنسان يسوع المسيح. والإنسان الساقط متى خُلق جديداً في المسيح حصل بالفعل على ما كان له بالقوة من الكمال الذي لم يحصل آدم عليه.

قال الدكتور كنس إنني أتصور أن الله سبحانه وتعالى قال لربوات الملائكة ورؤساء الملائكة «لنعمل الإنسان» كأنه شاء أن تشاهد الخليقة السماوية كلها تاج الخليقة الأرضية. وعلى هذا قوله «عِنْدَمَا تَرَنَّمَتْ كَوَاكِبُ ٱلصُّبْحِ مَعاً، وَهَتَفَ جَمِيعُ بَنِي ٱللهِ» (أيوب 38: 7).

فَيَتَسَلَّطُونَ عَلَى سَمَكِ ٱلْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ ٱلسَّمَاءِ وَعَلَى ٱلْبَهَائِمِ، وَعَلَى كُلِّ ٱلأَرْضِ وَعَلَى جَمِيعِ ٱلدَّبَّابَاتِ فقوله «يتسلطون» بصيغة الجمع دليل على أن ليس المقصود بالإنسان آدم وحواء فقط بل كل الجنس البشري. وهذا برهان على أن صورة الله لم يفقدها الإنسان بعد السقوط كما قال أوغسطينوس. وذلك موافق لما سبق من آيات هذا الأصحاح المبيّنة الأجناس والأنواع لا الأفراد. ويفيد أن الإنسان يشبه الله في سلطته على الخليقة الدنيا وإخضاعه الحيوانات وحوشها وبهائمها لنفسه لكي تخدمه وتساعده.

والمقصود من قوله «وكل الأرض» كل ساكن على الأرض أو نابت عليها فإن الله أعطى الناس أن يتصرّفوا بكل هذه كما يشاؤون.

27 «فَخَلَقَ ٱللهُ ٱلإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ ٱللهِ خَلَقَهُ. ذَكَراً وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ».

ص 5: 1 و9: 6 وجامعة 7: 29 وأعمال 17: 28 و29 و1كورنثوس 11: 7 وأفسس 4: 25 وكولوسي 3: 10 و يعقوب 3: 9 ص 2: 21 و22 و5: 2 ومتّى 19: 4 ومرقس 10: 6

فَخَلَقَ كرّر قوله «خلق» في نبإ خلق الإنسان ثلاث مرات لأمرين الأول إثبات أن الإنسان مخلوق جديد لم يكن قبلاً وإنه لم ينشأ عن نوع سبقه لأنه كان في الحقيقة أكمل المبدعات بالقوة الإلهية الخالقة ويختلف عن سائر الحيوان بالجنس والنوع لا بمجرد الرتبة والدرجة مع مشابهة جسده لأجساد البهائم شيئاً. والثاني إظهار الخالق ابتهاجه بإتمام قصده المجيد.

ذَكَراً وَأُنْثَى ذُكرت الأنثى هنا قبل أن تُخلق لأن الله قصد أن يكون الجنس الإنساني ذكراً وأنثى للتسلسل. وتفصيل خلق المرأة في (ص 2).

خَلَقَهُمْ هذا بيان أن الحكم عام يُراد به خلق الجنس البشري لأن ضمير الجمع لا ينطبق على آدم وحواء دون غيرهما وإلا لقال خلقهما لا خلقهم.

28 «وَبَارَكَهُمُ ٱللهُ وَقَالَ لَهُمْ: أَثْمِرُوا وَٱكْثُرُوا وَٱمْلأُوا ٱلأَرْضَ، وَأَخْضِعُوهَا، وَتَسَلَّطُوا عَلَى سَمَكِ ٱلْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ ٱلسَّمَاءِ وَعَلَى كُلِّ حَيَوَانٍ يَدِبُّ عَلَى ٱلأَرْضِ».

ع 22 وص 8: 17 و9: 1 و7 ولاويين 27: 9 ومزمور 137: 3 و128: 3 ص 9: 2 ومزمور 8: 6 إلى 8 وعبرانيين 2: 7 ويعقوب 3: 7

وَبَارَكَهُمُ (انظر معنى «بارك» في تفسير ع 22) أي جعل فيهم قوة التوالد والتكاثر.

أَثْمِرُوا وَٱكْثُرُوا هذا بيان أن الزيجة من شؤون الإنسان الطبيعية القانونية لنفعه وسعادته ولتمتلئ الأرض سكاناً يتمجد الله بهم.

ٱمْلأُوا ٱلأَرْضَ لم يخلق الله الأرض لتبقى قفراً بل لتكون مسكناً لقبائل البشر.

أَخْضِعُوهَا وفي العبرانية (כבשה) (كبشه). (وفي العربية الكبش سيد القوم وفيها «نكس» ذلل ولعلها في الأصل كبس فوقع القلب فيها ومثلها أبس). ولقوله «اخضعوها» معنيان الأول السيادة على الأرض المادية بالفلاحة والنقب والزراعة واستخراج الكنوز المعدنية وردم الأودية وتمهيد التلال وبناء الجسور فوق الأنهر وخرق الجبال وتركيب السفن في البحار والأنهار وإخضاع القوات الطبيعية للانتفاع بها كالبخار والكهربائية والحرارة والجاذبية وما أشبه ذلك. والثاني ماي لي هذا الأمر في الآية وهو التسلط على السمك والطيور والبهائم من اتخاذها طعاماً واستخدامها لحمل الأثقال وجر المركبات وما أشبه هذه.

29 «وَقَالَ ٱللهُ: إِنِّي قَدْ أَعْطَيْتُكُمْ كُلَّ بَقْلٍ يُبْزِرُ بِزْراً عَلَى وَجْهِ كُلِّ ٱلأَرْضِ، وَكُلَّ شَجَرٍ فِيهِ ثَمَرُ شَجَرٍ يُبْزِرُ بِزْراً لَكُمْ يَكُونُ طَعَاماً».

ص 2: 16 و3: 18 و9: 3 ومزمور 104: 14 و15

أَعْطَيْتُكُمْ ليس المعنى إن الله أباح لهم كل الأثمار كأنه لم يكن مباحاً فإن الطعام ضروري لحياة الإنسان ووجودها على سنن تركيب الجسد فإن لم يأكل الإنسان يمت ويتلاشى الجنس فيكون عدم الأكل انتحاراً بل المقصود إن الله عيّن تلك الأثمار وجعلها طعاماً جوهرياً وقواماً أصلياً لحياة الجنس البشري أي إنه خلق الإنسان ذا طبيعة يوافقها الطعام النباتي أكثر من غيره من الأطعمة.

30 «وَلِكُلِّ حَيَوَانِ ٱلأَرْضِ وَكُلِّ طَيْرِ ٱلسَّمَاءِ وَكُلِّ دَبَّابَةٍ عَلَى ٱلأَرْضِ فِيهَا نَفْسٌ حَيَّةٌ، أَعْطَيْتُ كُلَّ عُشْبٍ أَخْضَرَ طَعَاماً. وَكَانَ كَذٰلِكَ».

أيوب 38: 41 ومتّى 6: 27 مزمور 104: 27 و145: 15 و 16 و147: 9

ذكر في الآية الحادية عشرة ثلاثة أنواع من النبات وهي «العشب» و «البقل» و «الشجر» وأعطى الإنسان أكمل النوعين وأعلاهما طعاماً. وفي الآية الثلاثين أعطى البهائم والطيور العشب الأخضر أي النوع الأدنى. ولا نريد بذلك أن الله منع الحيوانات والطيور من أكل الأثمار والبزور بل إن أصل قوام أجسادها أوراق العشب وسوقه. وفي كل هذا دليل على أن الإنسان أعلى من سائر الحيوان. ومما يستحق الذكر هنا إن الطعام المعيّن للإنسان هو من النوع الذي يستلزم إعداداً خاصاً وطبخاً ليصلح للأكل كالقمح والحبوب والبقول وكثير من الأثمار. ولزوم إعداد هذه الأطعمة وطبخها كان من أكثر أسباب الترفيه والتهذيب الإنساني في اجتماع العيال حول مائدة الطعام.

وهل اعتاد الإنسان أكل اللحوم قبل الطوفان. إن الله أباح لنوح ونسله بعد ذلك أكلها بقوله: «كل دابة حية تكون لكم طعاماً» أي جميع الحيوانات التي تصلح للأكل (تكوين 9: 3).

ولا صعوبة في فرض إن أولاد آدم قبل الطوفان أكتفوا بأكل الأثمار والنباتات لأن السواد الأعظم من قبائل أسيا اليوم لا يأكلون اللحم إلا نادراً لكنهم يتناولون اللبن والجبن وغيرهما من نتاج الحيوان. فالطعام الأصلي المعيّن للإنسان نباتي. والتصريح بإباحة أكل اللحوم لم يكن إلا بعد الطوفان. ولكن السلطة التي وُهبت للإنسان في الآية الثامنة والعشرين على السمك والطير وكل حيوان تستلزم جواز ذلك. والجلود التي لبسها آدم وحواء عند طردهما من الفردوس برهان على ذبح البهائم قبل السقوط. وذُكر بعد السقوط أنه قدّم هابيل من أبكار غنمه ومن سمانها (ص 4: 4) وذلك دليل على أن الذي قدم هذه الذبيحة أكل منها هو وعياله لأن هذا كان أكله رسماً دينياً يقدم قسم منه لله ويحرق على المذبح ويأكل الباقي الإنسان المقدِّم الذبيحة كأنه ضيف الله. ولنا من ذلك أن نسل شيث قبل الطوفان لم يأكل اللحم أكلاً عادياً بل حين تقديم الذبائح وإن الله بعد الطوفان أباح أكل اللحم مطلقاً. ونرى في ذلك حكمة الله ورحمته للإنسان فإنه في الأقاليم الشمالية والجنوبية الباردة يقل النبات ويكثر الحيوان الموافق للطعام ويحتاج الإنسان إلى أكل اللحم هناك أكثر من سكان الأقاليم الحارة والمعتدلة.

31 «وَرَأَى ٱللهُ كُلَّ مَا عَمِلَهُ فَإِذَا هُوَ حَسَنٌ جِدّاً. وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْماً سَادِساً».

مزمور 104: 24 و31 و1تيموثاوس 4: 4

وَرَأَى ٱللهُ كُلَّ مَا عَمِلَهُ فَإِذَا هُوَ حَسَنٌ جِدّاً هذه خاتمة بركات الله على عمله التام في اليوم السادس أي يوم الجمعة وفيها إشارة إلى قول المسيح يوم الجمعة الذي أكمل فيه الخليقة الثانية الجديدة «قد أكمل» (يوحنا 19: 30). ونرى من قوله تعالى هنا «حسن جداً» إن العالم قبل خلق الإنسان كان حسناً فقط وإنه على أثر خلقه صار حسناً جداً. وهذا الحكم يختص بالإنسان باعتبار كونه جنساً فيصح بعد السقوط كما صح قبله. فلا نزال على هذا نتيقن مع ما نزل بالإنسان من وفرة الشرور والمصائب من سوء تصرفه بالاختيار الذي وهبه الله له إن غاية الله في العالم هي رحمته لإظهار مجده وإنه تعالى يفرح بأعماله (مزمور 104: 31 انظر أيضاً مزمور 85: 10 ورومية 5: 15).

والغاية من تكرار كلمة «حسن» في الأصحاح الأول توجيه أفكارنا إلى المباينة بين الحال الأصلية والحال الحاضرة لنعلم أنه مهما كان الآن من التشويش في العالم فذلك لم يكن قبل السقوط وإنه كان يتعدى الإنسان. ولنا من هذا الأصحاح تسع حقائق:

  • الأولى: وجوب الشكر لله على هذا النبإ الثمين الذي لا يقدَّر فإننا لولاه لتوغّلنا في أودية الأوهام ومجاهل الظلام والتخيلات الباطلة والتصورات العاطلة في أصل العالمين ومبدعها. وما كان أكثر الأسئلة التي تزعجنا وتعجزنا عن الإجابة لولا ذلك النبأ العظيم. إن هذا التاريخ الوجيز البسيط يحل أعظم المشاكل التي تشغل العقل البشري وتعجز العقول عن حلها إلى الأبد. فبه يستطيع الولد الصغير أن يعرف منه في ساعة واحدة أكثر مما عرفه علماء اليونان والفرس والمصريين والصينيين في ثلاثة آلاف سنة.

  • الثانية: وجوب أن نتعجب من جودة الله كما نتعجب من عظمة قدرته على الخلق «يَا لَعُمْقِ غِنَى ٱللهِ وَحِكْمَتِهِ وَعِلْمِهِ! مَا أَبْعَدَ أَحْكَامَهُ عَنِ ٱلْفَحْصِ وَطُرُقَهُ عَنِ ٱلٱسْتِقْصَاءِ! لأَنْ مَنْ عَرَفَ فِكْرَ ٱلرَّبِّ، أَوْ مَنْ صَارَ لَهُ مُشِيراً؟ أَوْ مَنْ سَبَقَ فَأَعْطَاهُ فَيُكَافَأَ» (رومية 11: 33 - 35).

    ما أعظم وما أوسع خزائن الحياة والوجود التي لله القادر على أن يوجد من العدم هذا المقدار الوافر من الكائنات الحية العقلية وأن يمنح الجميع مثل هذه السعادة وهذا السرور. إنه لم يخلق الخليقة العقلية لحاجة بل عمل ذلك من إرادته ومسرته الإلهية فإنه كان قادراً أن يبقى منفرداً إلى الأبد مكتفياً بكمالاته الأزلية ولكن جودته الفائقة المدارك حملته على أن يخلق من ملئه غير المحدود ألوفاً وربوات لا تُحصى من العالمين والبرايا العقلية وأن يمنحها طبيعة قابلة السعادة والسرور فما أعظم محبة الله ورحمته وحنوه. إن داود النبي دعا في المزمور المئة والثامن والأربعين كل المخلوقات إلى التسبيح لاسم الرب «لأنه أمر فخُلقت وثبتها إلى الدهر والأبد» كأن البشر والبهائم والجماد شركاء في الحمد والتسبيح.

  • الثالثة: إن خالق العالمين هو خالقنا فنحن مديونون له بكل قوى عقولنا وأجسادنا فعلينا أن نبذلها في خدمته وأن نخضع له ونسلم أنفسنا لك التسليم لإرشاده وحفظه.

  • الرابعة: إن الزيجة رسم إلهي يُقصد به نفع الإنسان وسعادته فإنه بالزيجة يتعلم الطاعة والخضوع للناموس والاعتبار لحقوق غيره في المال والإكرام. وبها يجد مبادئ الدين والآداب والعواطف الحسنة الطاهرة فأهل البيت مدرسة إعدادية.

  • الخامسة: إن عمل اليدين شريف ومكرّم فإن الله عيّن لآدم عمل اليد قبل السقوط.

  • السادسة: إن البهائم خاضعة للإنسان. فللأسد أنياب وللتمساح درع من جلده كالحديد وللطيور أجنحة وللسمك زعانف للمدافعة عن الحياة ولكن ليس للإنسان سوى القوى العقلية في هذا الشأن فيها يخضع الله له بمقتضى أمر الله.

  • السابعة: إن غاية الله من الخَلق إظهار مجده «يَكُونُ مَجْدُ ٱلرَّبِّ إِلَى ٱلدَّهْرِ. يَفْرَحُ ٱلرَّبُّ بِأَعْمَالِهِ» (مزمور 104: 31).

  • الثامنة: إن القبائل الوثنية القديمة كلها حسبت الله والطبيعة شيئاً واحداً ولم تعرف إن الله مستقل عن العالم ولا أنه خلق العالم من العدم. وأما تلك الأمة التي عيّنها الله واسطة لتسطير التاريخ المقدس إلى أن يأتي ملء الزمان ومشتهى الأمم (حجي 2: 7) فقد عرفت منذ البدء أن المادة ليست أزلية وأنها أُبدعت في زمان وفي بداءة الزمان. وإن الله العلي على العالمين علواً لا حدّ له كان منذ الأزل قبل إيجاده العالمين من لا شيء بقدرة إرادته على حسب قوله «قال الله ليكن... فكان». «لأَنَّهُ قَالَ فَكَانَ. هُوَ أَمَرَ فَصَارَ» (مزمور 33: 9).

  • التاسعة: إن التثليث ونسبة المثلث الأقانيم إلى الخلق أُعلنا أكمل إعلان في العهد الجديد بعد اتخاذ الابن طبيعة الإنسان بالمسيح وانسكاب الروح القدس على كل جسد. ولنا من ذلك أن العالم خُلق من الآب بالابن للروح «لأَنَّ مِنْهُ وَبِهِ وَلَهُ كُلَّ ٱلأَشْيَاءِ» (رومية 11: 36). و «كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ» (يوحنا 1: 3). و «ٱلْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ» (كولوسي 1: 16. وهو «ٱلَّذِي بِهِ أَيْضاً عَمِلَ ٱلْعَالَمِينَ» (عبرانيين 1: 2).

اَلأَصْحَاحُ ٱلثَّانِي

في هذا الأصحاح مراجعة نبإ خلق آدم وحواء ونسبة ذلك إلى الفداء ووضع السبت وجنة عدن والزواج الطاهر مع البسط وزيادة الإيضاح.

والآيات الثلاث الأولى من هذا الأصحاح بمنزلة جزء من الأصحاح الأول وهي تتضمن القصد الإلهي منه لأن غاية نبإ الخلق في ستة أيام هو إظهار مباركة الله للسبت. وإثبان أنه فُرض للراحة. ولذلك نُسبت الراحة فيه إلى الذي لا يتعب ولا يعيي. ولهذه الغاية عينها وصف درجات الخَلق وعبّر عن مدّاته بالأيام. إن الله الخالق أكرم العمل الإنساني بوصف عمله في الخلق. والغاية من ذلك بيان مسرّة الله براحة الإنسان الأسبوعية وهذا النص أساس الوصية الرابعة. قال العلامة سميث إن الأكاديين حفظوا سبتاً ولكنهم قدسوه للشمس والقمر والسيارات الخمسة. ولا تزال أيام الأسبوع تُسمى في شمالي أروربا بأسماء آلهة الكسندنافيّين. وتلك الأسماء باقية لهذا العهد في اللغة الإنكليزية. فالأحد «سنداي» أي يوم الشمس. والاثنين «مونداي» أي يوم القمر. والثلاثاء «تويسداي» أي يوم وُدن إله الأبطال. والخميس «ثرسداي» أي يوم ثور إله الرعد. والجمعة «فريداي» أي يوم فريغا إله الزواج. والسبت «ساترداي» أي يوم ساترنس وهو زُحل أكبر آلهة اليونان والرومان.

وفي هذه النبإ الإلهي ما يحمل على الاحتراس من كل نوع من أنواع العبادة الوثنية وهو أن السبت رسم الله الأحد الضابط الكل.

1 «فَأُكْمِلَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ وَكُلُّ جُنْدِهَا».

تثنية 4: 19 و17: 3 ونحميا 9: 6 ومزمور 33: 6 وإشعياء 34: 4 و45: 12 ومتّى 24: 29

أُكْمِلَتِ أي بُلغت الكمال بالتدريج. كان الله قادراً أن يُكمل عمل الخلق في يوم واحد ولكن الأدلة الظاهرة في تركيب طبقات الصخور والدفائن أي الحيوانات والنباتات المتحجرة فيها تثبت تقصي دهور كثيرة وإن أيام الخلق كانت مدات طويلة.

كُلُّ جُنْدِهَا الجند في الأصل العبراني (צבאם) (صبام) بالميم والأكثر في غير هذا الموضع (צבא) (صبا) بلا ميم.وجمعه (צבאות) (صباءوت) وجاءت هذه اللفظة بلا الميم في (نحميا 9: 6) ومعناها جمهور أو جيش عرمرم. وجاءت بمعنى جمهور الملائكة في قول ميخا «رَأَيْتُ ٱلرَّبَّ جَالِساً عَلَى كُرْسِيِّهِ وَكُلُّ جُنْدِ ٱلسَّمَاءِ وُقُوفٌ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ» (2أيام 18: 18). وبمعنى كل أجرام السماء وقوات الأرض بناء على كثرتها ونظامها وتنوعها في قول إشعياء «يَدَايَ أَنَا نَشَرَتَا ٱلسَّمَاوَاتِ، وَكُلَّ جُنْدِهَا أَنَا أَمَرْتُ» (إشعياء 45: 12). وقول الرسول «لَوْلاَ أَنَّ رَبَّ ٱلْجُنُودِ أَبْقَى لَنَا نَسْلاً الخ» (رومية 9: 29 انظر أيضاً إشعياء 6: 3 ونحميا 9: 6) وبمعنى كل المخلوقات في قول المرنم «بِكَلِمَةِ ٱلرَّبِّ صُنِعَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَبِنَسَمَةِ فَمِهِ كُلُّ جُنُودِهَا» (مزمور 33: 6). وفي الترجمة السامرية «كل أجزائها» وفي السبعينية واللاتينية «كل زينتها». وفي بعض غيرهما «كل جيشها المنتظم». والمقصود كل شيء على حسب جنسه ونظامه وترتيبه.

تنبيه: نرى هنا من إكمال عمل الخلق أن الخالق وضع نواميس للطبيعة ومن ذلك الوقت لم يغير شيئاً في تلك النواميس. نعم إنه عمل أحياناً أعمالاً فوق الطبيعة لكنه لم يأتِ ما ينافي الطبيعة التي أسسها. إن نواميس الطبيعة ليست إلا طرقاً يجري فيها الخالق كل أعماله في المادة. ولا برهان على خلق أجناس جديدة بعد نهاية أسبوع الخلق الأصلي. إن الخلق كان تدريجياً لإظهار كل درجات العمل وترتيبها والغاية الإلهية فيها ولأجل تعليم الإنسان وإبهاج جنود السماء حين «َهَتَفَ جَمِيعُ بَنِي ٱللهِ» (أيوب 38: 7).

2 «وَفَرَغَ ٱللهُ فِي ٱلْيَوْمِ ٱلسَّابِعِ مِنْ عَمَلِهِ ٱلَّذِي عَمِلَ. فَٱسْتَرَاحَ فِي ٱلْيَوْمِ ٱلسَّابِعِ مِنْ جَمِيعِ عَمَلِهِ ٱلَّذِي عَمِلَ».

خروج 20: 11 و31: 17 وعبرانيين 4: 4

فَرَغَ... مِنْ عَمَلِهِ أي من عمل الخلق الأصلي فقط بدليل قوله له المجد «أَبِي يَعْمَلُ حَتَّى ٱلآنَ وَأَنَا أَعْمَلُ» (يوحنا 5: 17). وقد سبق الكلام في أن الله أبدع نواميس طبيعية لم تزل جارية وهي تتقدم وتتغير بالنظر إلى الأحوال والإقليم. ففراغ الله من العمل في اليوم السابع لا يستلزم أن الله خلق شيئاً فيه فلا حامل على بدل السابع بالسادس كما في ترجمة السبعين. والراحة المنسوبة إلى الله كناية عن ذلك الفراغ لا لأنه جل وعلا تعب أو أعيا.

ٱلْيَوْمِ ٱلسَّابِعِ معنى السبعة الكمال والإتمام ولذلك دُعيت السبعة عدداً كاملاً. وعلى ذلك «سَجَدَ (يعقوب) إِلَى ٱلأَرْضِ سَبْعَ مَرَّاتٍ» (تكوين 33: 3). وكان الكاهن ينصح من الدم سبع مرات أمام الرب (لاويين 4: 6) وكانت الحيوانات الطاهرة التي دخلت الفلك سبعة سبعة (تكوين 7: 2). والبقرات والسنابل في حلم فرعون سبعة (تكوين 41: 2 - 7). ومدة كل من ستين الخصب والقحط سبعة (تكوين 41: 26 - 32). واحتفل اليهود باليوم السابع والسنة السابعة. وكانت السنة اليوبيلية سبع مرات سبع سنين. وذُكر في سفر الرؤيا سبع كنائس وسبع منائر وسبعة أرواح وسبعة ختوم وسبعة أبواق وسبعة رعود وسبعة جامات وسبع ضربات وسبعة ملائكة (انظر أيضاً 1صموئيل 2: 5 وأيوب 5: 19 وأمثال 26: 16 و15). ويدل قول الكتاب «سبع مرات» و «سبعة أضعاف» على الكثرة والتمام غالباً (تكوين 4: 15 و24). و «سبعون مرة سبع مرات» على كل الكمال (متى 18: 21 و22).

إن في السبت الأول شيئاً خاصاً فإن الله الآب قصد فيه فداء الإنسان والله الابن تمم فيه ذلك الفداء والله الروح القدس جعل فيه عمل الفداء ذا تأثير في خلاص الناس.

3 «وَبَارَكَ ٱللهُ ٱلْيَوْمَ ٱلسَّابِعَ وَقَدَّسَهُ، لأَنَّهُ فِيهِ ٱسْتَرَاحَ مِنْ جَمِيعِ عَمَلِهِ ٱلَّذِي عَمِلَ ٱللهُ خَالِقاً».

تثنية 5: 12 و14 ونحميا 9: 14 وإشعياء 58: 13

وَبَارَكَ ٱللهُ ٱلْيَوْمَ ٱلسَّابِعَ هذا اليوم الوحيد الذي باركه الله فميّزه بأن فضّله على غيره من أيام الأسبوع وعيّنه لغاية مقدسة (انظر الوصية الرابعة).

كانت بداءة حفظ السبت الرسمي في أيام موسى (خروج 31: 13 - 17 و35: 2) ولكن كانت بداءة مباركة الله السبت وتقديسه إياه قبل قطع عهد مع الإنسان. فلنا من ذلك أن الراحة الأسبوعية فرض إلهي عام دائم مستقل عن الناموس الموسوي الرمزي. والسبب المضاف إلى الوصية الرابعة دليل قاطع على أن علة تعيين السبت للراحة استراحة الرب من عمل الخلق في اليوم السابع. فالراحة الأسبوعية من الفروض الإلهية وهبة الله للإنسان في كل العصور إلى نهاية العالم. وهو يوم واحد من سبعة موقوف للراحة الجسدية والعقلية والخدمة الروحية كالعبادة والتسبيح. والسبت كما قال المسيح في كلامه عليه جُعل للإنسان ويجوز فيه أعمال الرحمة والأعمال الضرورية. ولفظة «أُذكر» في أول الوصية الرابعة دليل على فرض السبت راحة قبل تلك الأيام. ولولا ذلك لقال احفظوا يوماً من السبعة. وقوله «لأن في ستة أيام صنع الرب السماء والأرض الخ... لذلك بارك الرب يوم السبت وقدسه» يثبت أيضاً كون هذه الراحة الأسبوعية على كل بني آدم (راجع تاريخ العهد القديم صفحة 131).

وحفظ يوم واحد من الأسبوع ضروري لأمور:

  • الأول: إنه موافق لنظام الإنسان والحيوان الطبيعي للاحتياج إلى الاستراحة من العمل كل سبعة أيام وقد ثبت ذلك بالامتحانات المتوالية في المعامل والمصانع في البلاد المتمدنة.

  • الثاني: إنه أفضل منحة للإنسان بالنظر إلى مصالحه الاجتماعية بل إنه حجر الأساس في كل نظام المجتمع الإنساني وأحسن وسيلة إلى حفظ الشرائع المدنية الأدبية وتأييدها وبدونه يقوى الكفر وتكثر الجرائم وينحطّ العالم الأدبي ويسرع إلى الدمار.

  • الثالث: إن الاستراحة في اليوم السابع لا غنى عنها لحفظ نفع الإنسان الروحي وترقيته. إن الله فرض ذلك اعتناء بخلاص الناس لأنه يدعوهم في ذلك اليوم أفراداً وإجمالاً إلى عبادته وتمجيده بأعماله في الخلق والعناية والنعمة وإلى قراءة كتابه والاشتراك في عبادته وحفظ فرائض كنيتسه وأسرارها وإبقائها في العالم على حسب عهد نعمته. فحفظ يوم الراحة من مقتضيات حفظ المعرفة لله في كل الأرض ولذلك حاول الكفرة والملحدون والمعطلون في كل العصور إلغاءه كما كان في تشرين الأول من سنة 1793 أيام الانقلاب الفرنسي.

  • الرابع: إن السبت كان أول يوم تقضى على الإنسان في الأرض أي أن أول يوم على أثر خلقه كان اليوم السابع. واليوم الأول من كل أسبوع هو السبت المسيحي الآن حتى يجد الإنسان اليوم كما وجد في البداءة الراحة والسلام في يسوع المسيح ثم يخرج إلى أعمال الأسبوع متبهجاً به شاكراً له.

  • الخامس: إن لكل من النظم الثلاثة الأبوي والموسوي والمسيحي سبتاً. كان السبت قبل الشريعة الموسوية ولم يُبطل بإبطال الرموز والرسوم الموسوية اللاوية وذلك لأن يوم الراحة فُرض لكل الأزمنة والشعوب وهو ضروري لنا كما كان للآباء الأولين.

  • السادس: إن تقسيم الوقت إلى أسابيع كان من عمل الله وأمره فالناس كلهم مكلفون به في كل عصر ولذلك كرر الأمر بحفظ اليوم السابع أي سُبع الوقت في الوصية الرابعة فهو من المبادئ الأدبية الأبدية التي لا تتغير ولا تُبطل. قال المسيح «ٱلسَّبْتُ إِنَّمَا جُعِلَ لأَجْلِ ٱلإِنْسَانِ» (مرقس 2: 27).

  • السابع: إن يوم الراحة وهو اليوم السابع بُدل بالأحد بناء على ما أتاه المسيح ورسله. وفي العهد القديم إشارة إلى هذا البدل فإن اليوم الذي بعد السبت كان يوم فرائض مقدسة ويوم تقديم الباكورات للرب (1كورنثوس 15: 20 ولاويين 23: 11 ويوحنا 20: 21 و19: 26 وأعمال 20: 7 و1كورنثوس 16: 2 ورؤيا 1: 10).

  • الثامن: إن علة تعيين اليوم السابع يوم راحة ليس بأمر فلكي كالشهر المبني على حركات القمر والسنة المبنية على دوران الأرض حول الشمس فتقسيم الوقت إلى أسابيع لا يمكن التعليل عنه إلا بأنه كان بأمر الله وفرضه.

  • التاسع: إن وجود يوم مقدس أسبوعي بين الأمم لم ينشأ إلا من التعيين الإلهي الأصلي. فالمجوس ووثنيو الهند وألمانيا قدسوا اليوم السابع. ودعا هوميروس الشاعر اليوناني وهسيودس وكاليماخس اليوم السابع مقدساً. وقال لوسيانس الروماني إن اليوم السابع كان يوم عطلة لأولاد المدارس. وقال يوسيبيوس حسب أكثر الفلاسفة والشعراء اليوم السابع مقدساً. وقال برفيريوس إن الفينيقيين قدسوا يوماً واحداً من السبعة. ومثلهم المصريون والأشوريون والبابليلون والصينيون وبعض القبائل في أوساط إفريقية ولا يمكن أن تكون علة ذلك إلا أمر الله في البدء.

  • العاشر: إن اليوم السابع يوم راحة فاستراحة الإنسان كل يوم سابع ضرورية له كما أن راحة الليل ضرورية له بعد تعب النهار. وراحة أيام الشتاء ضرورية للنبات بعد النمو والإزهار والإثمار. فيوم الراحة ضروري لصحة الإنسان الجسدية والروحية والعقلية.

ٱسْتَرَاحَ مِنْ جَمِيعِ عَمَلِهِ ٱلَّذِي عَمِلَ ٱللهُ خَالِقاً (وفي الحاشية الذي خلق الله عاملاً). هذا تكرار ما سبق للتقرير والمعنى إن الله فرغ من عمل الخلق الأصلي ومن كل أعماله في الأيام الستة ومن تدبير ما خلقه عدّة للإنسان.

وليس لليوم السابع من مساء فيُظن أن كل المدة من اليوم السادس إلى نهاية العالم هو اليوم السابع الإلهي أي مدة كف الله عن الخلق من العدم.

التواليد

(وهي في العبرانية توليدوت أي تواليد أو مواليد وهي اثنان الأول مواليد السموات والأرض والثاني مواليد آدم انظر ص 5).

4 «هٰذِهِ مَبَادِئُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ حِينَ خُلِقَتْ، يَوْمَ عَمِلَ ٱلرَّبُّ ٱلإِلٰهُ ٱلأَرْضَ وَٱلسَّمَاوَاتِ».

ص 1: 1

هٰذِهِ مَبَادِئُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ حِينَ خُلِقَتْ المبادئ هنا التواليد وهي تشغل هذه الآية وما بعدها إلى (ص 4: 26). فسفر التكوين بعد ما في أوله إلى هذه الآية يُقسم إلى عشرة أقسام بعضها طويل وبعضها قصير وتُسمى في العبرانية «توليدوت» أي تواليد أو مواليد. وعلى هذا سمى متى البشير إنجيله «كتاب ميلاد يسوع المسيح» (متى 1: 1). وليس معنى هذا جدول سلف الإنسان بل جدول خلَفه ونسله ومعناه بالنظر إلى السموات والأرض ما عقب الخلف وخلفه.

الأقسام العشرة

  • الأول: تواليد السموات والأرض (ص 2: 4).

  • الثاني: مواليد آدم (ص 5: 1).

  • الثالث: مواليد نوح (ص 6: 9).

  • الرابع: مواليد بني نوح (ص 10: 1).

  • الخامس: مواليد سام (ص 11: 10).

  • السادس: مواليد تارح (ص 11: 27).

  • السابع: مواليد إسماعيل (ص 25: 12).

  • الثامن: مواليد إسحاق (ص 25: 19).

  • التاسع: مواليد عيسو (ص 36: 1).

  • العاشر: مواليد يعقوب (ص 37: 2).

وفي هذه الأقسام العشرة ما يدل على أنها من أصول مختلفة جمعها موسى ورتبها بإرشاد الروح القدس وإلهامه. ولا مانع من أن يكون بعضها وصل إليه من أخنوخ ونوح وسام وإبراهيم ويعقوب ويوسف وإنها كانت محفوظة من عصر إلى عصر. فإن قيل لم تكن الكتابة معروفة في تلك الأعصار فلم يكن من تاريخ قلنا اكتُشف في آثار مدينة أرك التي هي أور الكلدانيين عدد وافر من الألواح القرميدية والأساطين عليها كتابة حجج وأخبار وصكوك إيجار ورُقُم وسجلات تدل على درجة عالية من التمدن. وهي قبل الميلاد بأكثر من ألفي سنة أي قبل عصر إبراهيم. ووُجد أيضاً كتابات على ورق البردي كورق مصر في العصور الخالية. فلا يبعد أن إبراهيم أخذ معه من أُور مكتوبات وتواريخ صحيحة كتبها رجال الله من نسل شيت وسام وسلمها إلى إسحاق وإسحاق إلى يعقوب. ولعل يوسف جمعها في كتاب وصل إلى يد موسى. وهذا يوضح لنا أصل أسفار المواليد العشرة. وأما الأصحاح الأول فلا يمكن بيان أصله إلا بوحي الله الخاص لأنه نبأ الخلق الذي يستحيل أن تُعرف حوادثه بدون وحي الله.

يَوْمَ عَمِلَ ٱلرَّبُّ ٱلإِلٰهُ معنى «يوم» هنا مدة الأيام الستة الأولى. وهذا دليل على أن اليوم في الأصحاح الأول لا يعني بالضرورة مدة أربع وعشرين ساعة لأن اللفظة نفسها تعني هنا كل الزمان السابق من بدء الخلق. وفي الأصحاح الأول تاريخ العالم بالإجمال. وأما الأصحاح الثاني فهو تاريخ العالم بالنسبة إلى الإنسان وتاريخ الإنسان بالنسبة إلى الخلاص بالفداء. وفي الآيتين الخامسة والسابعة مراجعة عمل اليومين الثالث والسادس. وأما الآية الرابعة فيجوز أن تكون ملحقاً للأصحاح الأول وأن تكون مقدمة للأصحاح الثاني لأنها متعلقة بالاثنين.

ٱلرَّبُّ ٱلإِلٰهُ «يهوه إلوهيم» (انظر تفسير ص 1: 1 وتاريخ العهد القديم صفحة 129). ذِكر «يهوه» في بداءة هذا القسم أي توليد السموات والأرض يشير إلى بداءة تاريخ الفداء وأن الله هو رب الفداء أي رب العهد الجديد الذي هو عهد الخلاص الذي كان يتوقع أن يتم بواسطة المخلص الآتي.

5 «كُلُّ شَجَرِ ٱلْبَرِّيَّةِ لَمْ يَكُنْ بَعْدُ فِي ٱلأَرْضِ، وَكُلُّ عُشْبِ ٱلْبَرِّيَّةِ لَمْ يَنْبُتْ بَعْدُ، لأَنَّ ٱلرَّبَّ ٱلإِلٰهَ لَمْ يَكُنْ قَدْ أَمْطَرَ عَلَى ٱلأَرْضِ، وَلاَ كَانَ إِنْسَانٌ لِيَعْمَلَ ٱلأَرْضَ».

ص 1: 12 ومزمور 104: 14 أيوب 38: 26 إلى 28 ع 15 وص 3: 23 و4: 2 و12 وتثنية 38: 39

هذه الآية تكرار نبإ ما خُلق في اليوم الثالث تمهيداً لخبر غرس الرب جنة عدن. ونعلم من الجيولوجيا أن هذا النبأ صحيح منطبق كل الانطباق على الواقع لأنه لما كانت الأرض حامية إلى حد لا يوجد فيها عنده ماء إلا في الهيئة البخارية لم يكن من نبات طبعاً. إن المطر أخذ يهطل في اليوم الثاني وفي الثالث انكشفت الأبخرة فكانت البحار. وفي هذا اليوم عينه أخذ النبات الأخضر يكسو وجه الأرض الجاف. وليست غاية موسى من إعادة نبإ تكوين النبات في هذه الآية نبأ الخلق الأصلي (ص 1: 12) بل إيضاح نسبة الإنسان إلى يهوه أي الرب فلذلك اقتصر على ذكر كل ما مضى من أعمال الخلق كأنها كانت في يوم واحد.

6 «ثُمَّ كَانَ ضَبَابٌ يَطْلَعُ مِنَ ٱلأَرْضِ وَيَسْقِي كُلَّ وَجْهِ ٱلأَرْضِ».

أيوب 38: 9

ثُمَّ كَانَ ضَبَابٌ الخ «لأَنَّهُ يَجْذِبُ قَطَرَاتِ ٱلْمَاءِ. تَسُحُّ مَطَراً مِنْ ضَبَابِهَا» (أيوب 36: 27). ومعنى ذلك إن أصل المطر من الضباب كما نرى باختبارنا. وقد علمنا من نبإ الأصحاح الأول أنه كانت مدّات طويلة بين المطر الأول وخلق الإنسان وإنه في كل تلك المدّات خُلقت أجناس متوالية من الحيوانات كل منها موافق لأحوال العالم في زمانه. ولكن في هذه الآية تكرار ثلاث حوادث بالإيجاز الأولى حلول الضباب حول الأرض وكون ذلك مانعاً من وجود الإنسان. والثانية انقشاع الأبخرة وإعداد الأرض للإنسان. والثالثة خلق الإنسان.

7 «وَجَبَلَ ٱلرَّبُّ ٱلإِلٰهُ آدَمَ تُرَاباً مِنَ ٱلأَرْضِ، وَنَفَخَ فِي أَنْفِهِ نَسَمَةَ حَيَاةٍ. فَصَارَ آدَمُ نَفْساً حَيَّةً».

ص 1: 14 و27 و3: 19 و23 وأيوب 33: 6 ومزمور 103: 14 وجامعة 12: 7 و1كورنثوس 15: 47 أيوب 33: 4 و زكريا 12: 1 وأعمال 17: 25 ص 7: 22 وأيوب 27: 3 وإشعياء 2: 22 و1كورنثوس 15: 45

في هذه الآية نبأ خلق الإنسان بالنظر إلى تاريخه الأدبي.

وَجَبَلَ ٱلرَّبُّ ٱلإِلٰهُ آدَمَ تُرَاباً مِنَ ٱلأَرْضِ وجاء في الآية السابعة والعشرين من الأصحاح الأول «فخلق الله الإنسان على صورته» إشارة إلى خلق روح الإنسان على صورة الله. وكرر القول «على صورة الله خلقه» ولكن إذ كان المقصود في تلك الآية الجنس الإنساني في الجنسين الذكر والأنثى لا آدم وحده زاد قوله «ذكراً وأنثى خلقهم» والمقصود في الآية هنا تركيب جسد الإنسان فقط في نظامه ومكانه ومهنته ولذلك قال «جبَل» أي صاغ أو صوّر التراب إنساناً ليُعرف من أي شيء كان جسد الإنسان. وليس بين النبأين من منافاة فهما على تمام الوفاق. وليس الكلام مجرد التكرار فإنه نبأ جديد لتكملة النص الإلهي. وذُكر هنا الإنسان آدم لإظهار تركيب جسده من تراب الأرض. فإنه لم يقل جبله من ذهب أو ألماس بل من التراب الذي لا قيمة له. ومعنى آدم تراب أحمر لأنه منه جبل الإنسان وبه يشتغل ويعمل ومنه يحصل على أسباب المعاش. قال كلوينس «ليفتخر الجهال بعد هذا النبإ بفضل طبيعتهم». قد عرفنا من علم الكيمياء أن العناصر التي رُكبت منها الصخور والأتربة والمياه والمعادن هي عينها التي رُكب منها لحم الإنسان وعظامه ودمه وكل جسده. وجاء في سفر أيوب «أَنَا أَيْضاً مِنَ ٱلطِّينِ جُبِلْتُ» (أيوب 33: 6). وجاء في الجامعة «فَيَرْجِعُ ٱلتُّرَابُ إِلَى ٱلأَرْضِ كَمَا كَانَ» (جامعة 12: 7). وفي أيوب أيضاً «اُذْكُرْ أَنَّكَ جَبَلْتَنِي كَٱلطِّينِ. أَفَتُعِيدُنِي إِلَى ٱلتُّرَابِ» أيوب 10: 9) وقال بولس «ٱلإِنْسَانُ ٱلأَوَّلُ مِنَ ٱلأَرْضِ تُرَابِيٌّ» (1كورنثوس 15: 47). فما أدنى أصل الإنسان وما أكثر أسباب اتضاعه أمام الله لكنه امتاز عجباً في تركيب جسده وقوة عقله (مزمور 139: 14).

وَنَفَخَ فِي أَنْفِهِ نَسَمَةَ حَيَاةٍ فالحياة البشرية لم تنشأ عن تركيب الإنسان الجسدي ولا عن الارتقاء من حيوان أدنى منه فإنها مبدعة أبدعها الله رأساً. وليس المقصود أن الله جبل الطين وصيّره جسداً ميتاً ثم نفخ فيه الحياة بل إنه نفخ في أنفه نسمة حياة عند خلقه. وهذا النفخ لم يكن لغير الإنسان من الحيوان ولهذا كان فيه ما يميزه عن سائر الحيوان. و «نسمة حياة» في العبرانية «نسمة حييم» وهي لم تذكر في غير هذه الآية. وهذه النسمة ليست هي الروح العامة. قال أوبرلين «إن النسمة هي الروح في حال الحركة العاقلة». وأطلقت كلمة «روح حياة» على الحيوانات التي دخلت الفلك اثنين اثنين (تكوين 6: 17 و7: 15). وأما قوله «كل ما في أنفه نسمة حياة» فهو تغليبي أُطلق على الإنسان وسائر الحيوان وغلب جانب الإنسان لأنه الأعلى. وقال اليكوت عبارة «نسمة حياة» لا تشير إلى طبيعة الإنسان الروحية إذ ورد «كُلِّ دَبَّابَةٍ عَلَى ٱلأَرْضِ فِيهَا نَفْسٌ حَيَّةٌ» (ص 1: 30). وجاء «زَحَّافَاتٍ ذَاتَ نَفْسٍ حَيَّةٍ» (ع 20). و «لِتُخْرِجِ ٱلأَرْضُ ذَوَاتِ أَنْفُسٍ حَيَّةٍ» (ع 24) أي حياة الناس والحيوانات الطبيعية التي تقوم بالتنفس وتناول الأكسجين من الهواء. وإن فضل الإنسان على الحيوان إنما هو من كيفية منح الله إياه هذه الحياة لا من انه نفس حية.

وفي هذا مجاز إذ نسب فيه إلى الله أعمال وحركات إنسانية. ففي الأصحاح الأول الذي هو ملخص تاريخ الخلق إن الله (إلوهيم) أمر فصار وفي المكرر هنا إن الله جبل وبنى ونفخ وإنه رفيق الشخص الذي خلقه وصديقه. وبهذا ظهرت محبة الله الذي أعد للإنسان وطناً وخلق له آنسةً به معينة له وشريكة في أفراحه وأحزانه وإنه تعالى سرّ بمواهب الإنسان العقلية وأحضر أمامه كل أجناس الحيوان ليسمي كلاً منها. وكسا الساقطين على أثر سقوطها ثياباً موافقة. وهذا النبأ في غاية البساطة والوضوح لكنه يتضمن تعليماً ونفعاً لكل الناس في كل الأزمنة لأنه ينبئ بمحبة الله للإنسان وسمو صفاته تعالى وعلوه على كل المخلوقات وإنه الخالق الضابط الكل «يهوه إلوهيم» هو نفسه صديق المخلوق العقلي الذي منحه هو عقلاً وإرادة واختياراً.

8 «وَغَرَسَ ٱلرَّبُّ ٱلإِلٰهُ جَنَّةً فِي عَدَنٍ شَرْقاً، وَوَضَعَ هُنَاكَ آدَمَ ٱلَّذِي جَبَلَهُ».

ص 13: 10 وإشعياء 51: 3 وحزقيال 28: 13 ويوئيل 2: 3 خروج 27: 23 و28: 13 ع 15

وَغَرَسَ ٱلرَّبُّ ٱلإِلٰهُ جَنَّةً أي فردوساً.

فِي عَدَنٍ شَرْقاً (انظر تاريخ العهد القديم صفحة 143). ليس في القسم الشرقي من عدن كما يتبادر إلى الذهن بل في بلاد عدن التي هي شرقي الموضع الذي كتب فيه مؤلف سفر التكوين. ومعنى «عدن» مسرة وبهجة فجاء في سفر الملوك الثاني «وَبَنِي عَدَنَ ٱلَّذِينَ فِي تَلاَسَّارَ» (2ملوك 19: 12). وجاء في نبوءة إشعياء «َيَجْعَلُ بَرِّيَّتَهَا كَعَدَنٍ وَبَادِيَتَهَا كَجَنَّةِ ٱلرَّبِّ. ٱلْفَرَحُ وَٱلٱِبْتِهَاجُ يُوجَدَانِ فِيهَا» (إشعياء 51: 3). وفي نبوءة حزقيال «حُرَّانُ وَكِنَّةُ وَعَدَنُ» (حزقيال 27: 23). وفي نبوءة عاموس «َأَقْطَعُ ٱلسَّاكِنَ مِنْ بُقْعَةِ آوِنَ، وَمَاسِكَ ٱلْقَضِيبِ مِنْ بَيْتِ عَدَنٍ» (عاموس 1: 5).

وموقع عدن مجهول والآراء فيه كثيرة مختلفة والظاهر أن الفردوس كان شرقي الأرض المقدسة غربي أسيا. ولعله كان عند مخرج نهر الفرات ودجلة جبال أرمينية أو بين شعب هذين النهرين. ومعنى جنة «فردوس» كما ذكرنا أو حديقة أو بستان مسور فصله عن سائر بلاد عدن غرس فيه أنواع الأشجار لنباتات المناسبة للإنسان الصالحة أن تكون له طعاماً لذيذاً. وأُطلق الفردوس في العهد الجديد على السماء (2كورنثوس 12: 4) فإن بولس اختُطف إلى الفردوس أي إلى السماء الثالثة.

وَوَضَعَ هُنَاكَ آدَمَ ٱلَّذِي جَبَلَهُ (انظر ع 15) «وَأَخَذَ ٱلرَّبُّ ٱلإِلٰهُ آدَمَ وَوَضَعَهُ فِي جَنَّةِ عَدَنٍ لِيَعْمَلَهَا وَيَحْفَظَهَا» وهذا لا يستلزم آدم خُلق خارج الجنة ثم حُمل إليها بل إن الجنة أُعدت له عند خلقه.

9 «وَأَنْبَتَ ٱلرَّبُّ ٱلإِلٰهُ مِنَ ٱلأَرْضِ كُلَّ شَجَرَةٍ شَهِيَّةٍ لِلنَّظَرِ وَجَيِّدَةٍ لِلأَكْلِ، وَشَجَرَةَ ٱلْحَيَاةِ فِي وَسَطِ ٱلْجَنَّةِ، وَشَجَرَةَ مَعْرِفَةِ ٱلْخَيْرِ وَٱلشَّرِّ».

ص 1: 12 حزقيال 31: 8 ص 3: 22 وأمثال 3: 18 و11 ورؤيا 2: 7 و22: 2 و14 ع 17 وص 3: 5

في هذه الآية إعادة الأنباء بما عُمل في اليوم الثالث في زيادة ذِكر الشجرتين وذلك لأن الإنسان وُضع في هذه الجنة لامتحانه وكان محاطاً بكل أنواع المشتهيات واللذات.

شَهِيَّةٍ لِلنَّظَرِ ظل الأشجار الكثيفة مما يلذ كل بشر به ويشتهيه وذُكر هنا قبل ذكر أنها طعام نافع. يظهر من هذا النبإ إن الله بجودته أعد للإنسان في الفردوس كل نوع من اللذّات وكل ما تشتهيه نفسه حتى لا يكون له عذر في طلبه أكثر مما أُعطي فما أعجب كفر الإنسان بالنعمة وتعديه شريعة الله التي لم تمنعه عن سوى شجرة واحدة وهي شجرة معرفة الخير والشر.

شَجَرَةَ ٱلْحَيَاةِ قال بعضهم أنه كان لهذه الشجرة خاصة تجديد قوى الإنسان الجسدية حتى أنه مع كون جسده قابلاً للفناء لأنه من تراب الأرض لو تناول من هذه الشجرة لعاش إلى الأبد بدليل قوله «لَعَلَّهُ يَمُدُّ يَدَهُ وَيَأْخُذُ مِنْ شَجَرَةِ ٱلْحَيَاةِ أَيْضاً وَيَأْكُلُ وَيَحْيَا إِلَى ٱلأَبَدِ» (تكوين 3: 22). وذهب بعضهم إلى أن هذه الشجرة الدائمة الخضرة والنضارة كانت رمزاً إلى الحياة الأبدية الموعود بها آدم بشرط الطاعة الكاملة وإن أبوينا الأولين كانا يتناولان منها كأنها سر مقدس مدة برهما الأصلي وإنها كانت رمزاً إلى المسيح أيضاً «فِيهِ كَانَتِ ٱلْحَيَاةُ، وَٱلْحَيَاةُ كَانَتْ نُورَ ٱلنَّاسِ» (يوحنا 1: 4). وهو الذي فيه الشجرتان شجرة الحياة وشجرة المعرفة بأثمارهما المباركة. والحكمة «هِيَ شَجَرَةُ حَيَاةٍ لِمُمْسِكِيهَا، وَٱلْمُتَمَسِّكُ بِهَا مَغْبُوطٌ» (أمثال 3: 18). وهي «ٱلطَّرِيقُ وَٱلْحَقُّ وَٱلْحَيَاةُ» (يوحنا 14: 6). و «القيامة والحياة» (يوحنا 11: 25). وجاء في سفر الرؤيا إن يوحنا رأى شجرة الحياة التي فُقدت بالسقوط وذلك قوله «وَعَلَى ٱلنَّهْرِ مِنْ هُنَا وَمِنْ هُنَاكَ شَجَرَةُ حَيَاةٍ تَصْنَعُ ٱثْنَتَيْ عَشَرَةَ ثَمَرَةً، وَتُعْطِي كُلَّ شَهْرٍ ثَمَرَهَا، وَوَرَقُ ٱلشَّجَرَةِ لِشِفَاءِ ٱلأُمَمِ». وقال «طُوبَى لِلَّذِينَ يَصْنَعُونَ وَصَايَاهُ لِكَيْ يَكُونَ سُلْطَانُهُمْ عَلَى شَجَرَةِ ٱلْحَيَاةِ» (رؤيا 22: 2 و14). وفي نبوءة حزقيال ما نصه «وَعَلَى ٱلنَّهْرِ يَنْبُتُ عَلَى شَاطِئِهِ مِنْ هُنَا وَمِنْ هُنَاكَ كُلُّ شَجَرٍ لِلأَكْلِ، لاَ يَذْبُلُ وَرَقُهُ وَلاَ يَنْقَطِعُ ثَمَرُهُ. كُلَّ شَهْرٍ يُبَكِّرُ لأَنَّ مِيَاهَهُ خَارِجَةٌ مِنَ ٱلْمَقْدِسِ، وَيَكُونُ ثَمَرُهُ لِلأَكْلِ وَوَرَقُهُ لِلدَّوَاءِ» (47: 12). إن كلا من شجرتي الحياة والمعرفة تجاه الأخرى والأكل من الأولى حياة والأكل من الثانية موت. وكما أنه لكل عهد جزءان الوعد والتكليف هكذا كان لنا سران أحدهما علامة وختم للشيء الموعود به والآخر ختم وعلامة للمطلوب أو المكلف به. فشجرة الحياة أعلنت وختمت الحياة الموعود بها وشجرة المعرفة أعلنت وختمت الطاعة المطلوبة التي امتحنت بنهي الله.

قال بعضهم ليس في أسفار موسى من إشارة إلى خلود النفس ولكن الإشارة إلى ذلك هنا في غاية الوضوح.

فِي وَسَطِ ٱلْجَنَّةِ أي في داخلها لا في مركزها.

شَجَرَةَ مَعْرِفَةِ ٱلْخَيْرِ وَٱلشَّرِّ يُظن إن هذا الاسم دُعيت الشجرة به بعد السقوط لأنه قبل السقوط لم يكن أبوانا الأولان قد عرفا الشر وما كانا يستطيعان معرفته بمجرد النمو العقلي لأن ذلك إما بالشعور بالخطإ وإما بمشاهدته في آخر.

قال بوش سُمّيت معرفة الخير والشر لأن آدم بأكله منها عرف الخير بفقده له والشر باختباره إياه. وقال فرنكا هذه المعرفة هي إدراك الفرق بين الخير والشر لا المعرفة بالاختبار. وقال بن سمث هذه الشجرة هي المنهي عنها في قوله «وَأَمَّا ثَمَرُ ٱلشَّجَرَةِ ٱلَّتِي فِي وَسَطِ ٱلْجَنَّةِ فَقَالَ ٱللهُ: لاَ تَأْكُلاَ مِنْهُ وَلاَ تَمَسَّاهُ لِئَلاَّ تَمُوتَا» (ص 3: 3) وإنه لم يكن لهما أن يحصلا على هذه المعرفة السامية بدون مخالفة أمر الله. وقال جاكوبوس إن هذه الشجرة رمز إلى المعرفة الإلهية التي لا يجوز للإنسان أن يشتهيها لأنه لا يحيا باتباع رأي نفسه ومشورتها بل بالإيمان وبإخضاع عقله وإرادته لله. وكان الشر قد دخل قبل ذلك بسقوط بعض الملائكة فلم يرد الله أن يعرف الإنسان الشر. وليس لهذه الشجرة من ذكر في موضع آخر من الكتاب المقدس لأنها أتمت غايتها في الجنة أذ وُضعت لامتحان الإنسان أيخضع لله أم لا وبرفضه هذا الخضوع سقط هو نسله على توالي العصور تحت اللعنة. «وَبَيْنَمَا هُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ حُكَمَاءُ صَارُوا جُهَلاَءَ» (رومية 1: 22). «وهذا الروح هو روح ضد المسيح» (2تسالونيكي 2: 4). «إنه يجلس في هيكل الله كإله مظهراً نفسه أنه إله» ولذلك أقيم الكروبيم (وهم ملائكة المعرفة) ولهيب سيف متقلب لحراسة طريق شجرة الحياة.

10 «وَكَانَ نَهْرٌ يَخْرُجُ مِنْ عَدَنٍ لِيَسْقِيَ ٱلْجَنَّةَ، وَمِنْ هُنَاكَ يَنْقَسِمُ فَيَصِيرُ أَرْبَعَةَ رُؤُوسٍ».

وَكَانَ نَهْرٌ يَخْرُجُ مِنْ عَدَنٍ لِيَسْقِيَ ٱلْجَنَّةَ كان ذلك النهر في أرض عدن وكان يجري في الجنة ثم يخرج منها وينقسم إلى أربعة أنهر رئيسية أو بمنزلة الرؤوس وفي العبرانية «راشيم».

11، 12 «11 اِسْمُ ٱلْوَاحِدِ فِيشُونُ، وَهُوَ ٱلْمُحِيطُ بِجَمِيعِ أَرْضِ ٱلْحَوِيلَةِ حَيْثُ ٱلذَّهَبُ. 12 وَذَهَبُ تِلْكَ ٱلأَرْضِ جَيِّدٌ. هُنَاكَ ٱلْمُقْلُ وَحَجَرُ ٱلْجَزْعِ».

ص 10: 29 و25: 18 و1صموئيل 15: 7 عدد 1: 7 خروج 25: 7 و18: 9 و20

اِسْمُ ٱلْوَاحِدِ فِيشُونُ معنى فيشون الفائض أو الجاري بعنف وموقعه مجهول. وأما الفرات ودجلة فمعروف مخرج كل منهما ومواقعه. ويرجّح أن مخرج كل من النهرين الآخرين في جبال أرمينية. ولعل فيشون هو نهر فاسس أو هاليس الجاري من جبال أرمينية إلى البحر الأسود المار بكنخيس بلاد الذهب.

أَرْضِ ٱلْحَوِيلَةِ كانت الحويلة على ما يرجّح في القسم الشمالي الشرقي من بلاد العرب (انظر تاريخ العهد القديم صفحة 147 و148) وكانت حويلة من أبناء كوش. وفي (ع 13) إن نهر حيجون يحيط بأرض كوش والظاهر إن هذا الاسم أُطلق على غير بلاد واحدة. وإذا صح أن الحويلة كلخيس شرقي البحر الأسود كانت بلاد كوش أيضاً قبيلة الحويلي الأكسوسيين قرب ميديا وبحر قزيين لأن قبيلة الحويلي الساكنة بين قزيين ونهر فلكا حفظت اسم الحويلة ويسمى أهل تلك البلاد إلى اليوم بحر قزيين ببحر خويلنسكي.

حَيْثُ ٱلذَّهَبُ يوجد الذهب في الجبال التي شرقي البحر الأسود.

ٱلْمُقْلُ وَحَجَرُ ٱلْجَزْعِ المقل الكندر الذي يتدخن به اليهود وصمغ شجرة ومنه هندي وعربي وصقلي والكل يتداوى به (محيط المحيط). وظنه بعضهم نوعاً من اللؤلؤ. وفي تذكرة داود الضرير الأنطاكي ما معناه المقل عند الإطلاق يراد به صمغه وإنه شجر كالكندر والجزع هو الخرز اليماني فيه سواد وبياض تشبه به العيون (محيط المحيط). وفي قاموس الدكتور بوست «حجر كريم يُرى فيه عدة ألوان مرتبة في خطوط متوازية وكان ثميناً جداً». وفي عجائب المخلوقات للقزويني «قال أرسطو هو حجر ذو ألوان كثيرة يؤتى به من اليمن أو الصين». وفي تذكرة أُلي الألباب ما نصّه «هو حجر مشطب فيه كالعيون بين بياض وصفرة وحمرة وسواد».

13 « وَٱسْمُ ٱلنَّهْرِ ٱلثَّانِي جِيحُونُ. وَهُوَ ٱلْمُحِيطُ بِجَمِيعِ أَرْضِ كُوشٍ».

إشعياء 18: 1 وإرميا 13: 23 وحزقيال 20: 10 وصفنيا 3: 10

وَٱسْمُ ٱلنَّهْرِ ٱلثَّانِي جِيحُونُ. وَهُوَ ٱلْمُحِيطُ بِجَمِيعِ أَرْضِ كُوشٍ معنى جيحون الماء المنفجر أو انفجار المياه ظنه بعضهم نهر الأكسوس الجاري إلى الشمال الشرقي من بلاد أرمينية إلى بحر قزيين. ورأى العلامة سيس الشهير أنه نهر أركسيس الجاري غرباً من أرض بابل إلى برية كوش في العربية ولا يمكننا أن نعيّنه تمام التعيين. وذُكرت أرض كوش في نبوءة إشعياء (إشعياء 18: 1) و أهلها في نبوءة إرمياء (إرميا 13: 23).

14 «وَٱسْمُ ٱلنَّهْرِ ٱلثَّالِثِ حِدَّاقِلُ. وَهُوَ ٱلْجَارِي شَرْقِيَّ أَشُّورَ. وَٱلنَّهْرُ ٱلرَّابِعُ ٱلْفُرَاتُ».

دانيال 10: 4 ص 10: 11 و22 و25: 18 وإشعياء 7: 20 و8: 7 ص 15: 18 وتثنية 1: 7 وإرميا 2: 18 و46: 2

نَّهْرِ حِدَّاقِلُ... ٱلْفُرَاتُ اسم حداقل اليوم دجلة والفرات باق على اسمه القديم. و «حدّ» في لغة الأكاديين نهر و «داقل» سهم. ومعناه في العبرانية خفة وسرعة. ويسمى في السريانية دكلات ودجلات وفي العربية دجلة وهو الفاصل بين أشور وما بين النهرين وينابيعه الغربية في أسيا الصغرى قرب ينابيع الفرات ونهر أركس وهاليس وتجتمع فروعه قرب ديار بكر وينابيعه الشرقية في كردستان يجري بعد مروره بالجبال في مضيق عميق إلى سهل أشور. وعرضه عند الموصل نحو 300 قدم إلا أنه يفيض في الشتاء فيمتد إلى كل جانب وقد يكسر القوارب. ولهذا النهر فروع ذات شأن تتفرغ قبل مروره بالموصل وبعده. منها الزاب الأكبر والزاب الأصغر وفيه عدة مدافع (أي شلالات) ويتسع قرب بغداد فينتهي عرضه إلى ست مئة قدم وعمقه في بعض المواضع عشرون قدماً. وطول دجلة من ينبوعه إلى ملتقاه بالفرات 1146 ميلاً.

والفرات معناه الطامي في العبرانية ولفظه في لغة الأكاديين يرات ومعناه المقدس أو المعوج. وهو أكبر نهر في غربي أسيا طوله 1680 ميلاً تجري فيه السفن الكبرى سبعين ميلاً إلى البصرة وتجري فيه الصغرى التي تحملها أربع أقدام من الماء 197 ميلاً إلى ديره وله مخرجان أحدهما شمالي جبل أرارط فيجري إلى الجنوب الغربي ثم الشرقي على حدود سورية ولكون مجراه أعلى مجرة دجلة يسهل جريانه شرقاً إلى دجلة. وذُكر هذا النهر في العهد القديم كثيراً وفي سفر الرؤيا ودُعي في نحو 26 آية «النهر» بالتعريف تفصيلاً ودُعي في (تكوين 15: 18) «النهر الكبير».

15 «وَأَخَذَ ٱلرَّبُّ ٱلإِلٰهُ آدَمَ وَوَضَعَهُ فِي جَنَّةِ عَدَنٍ لِيَعْمَلَهَا وَيَحْفَظَهَا».

ع 8 ع 5

عاد الكاتب هنا إلى ما ذُكر في (ع 8) من أنه وضع هناك آدم الذي جبله ففرغ من وصف الجنة وأخذ هنا في نبإ تعيينه سكنه في الجنة وخدمته وامتحانه بالشجرة.

وَضَعَهُ أي جعل له مسكناً للراحة في الجنة وولاه إدارتها.

لِيَعْمَلَهَا أي ليفلحها ويزرعها ويغرسها لا بالتعب وعرق الجبين بل الفرح والسرور واللذة وذلك لأن الإنسان العاقل لا يلذ إلا بالعمل وباستعمال قواه الجسدية والعقلية لأن ذلك من مقتضيات طبيعة الإنسان الجسدية والعقلية والروحية. فلم يتركه الخالق للكسل الممل بل حمله على العمل لملاحظة حكمة الله في خلق النبات والحيوانات والطيور ولتمرين قواه العقلية وزيادته تعجباً وشكراً وحباً له. وكانت الجنة موقع عمله وهيكل عبادته يقدم فيها ذبائح الحمد والتسبيح. وهذا آل إلى سعادة آدم لأن الأرض كانت كثيرة الخصب ولم تكن قد لُعنت.

وَيَحْفَظَهَا هذا يستلزم أنها كانت عرضة للأخطار الخارجية. نعم إنها لم تكن حينئذ معرّضة لليبس أو الذيول (تثنية 28: 22) لكنه كان لا بد من حفظها من الطيور والوحوش وشدة الرياح والحر ومنع الحية من دخولها كما كان لا بد له من حفظه لنفسه وتوقيه من تعدي شريعة الله.

16 «وَأَوْصَى ٱلرَّبُّ ٱلإِلٰهُ آدَمَ قَائِلاً: مِنْ جَمِيعِ شَجَرِ ٱلْجَنَّةِ تَأْكُلُ أَكْلاً».

ص 1: 29

أَوْصَى كانت الوصية ضرورية ليخضع الإنسان فالحكم ضروري في كل مكان حتى السماء ويضطر إليه الإنسان في حال الطهارة على الأرض. طلب الله من الإنسان الطاعة ثم أمطر عليه بركاته وكل اللذات الجسدية.

مِنْ جَمِيعِ شَجَرِ ٱلْجَنَّةِ تَأْكُلُ أباح له التمتع بكل ما يحتاج إليه ليظهر له إن هذه البركات ليست له بحق شرعي وأنه تعالى هو وهبها له وإن له أن يمنع عنه ما يشاء. وما أباح له ذلك إلا محبة له. وهذا شأن الإنجيل بدليل قوله «فَلْيَأْخُذْ مَاءَ حَيَاةٍ مَجَّاناً» (رؤيا 22: 17).

17 « وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ ٱلْخَيْرِ وَٱلشَّرِّ فَلاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، لأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتاً تَمُوتُ».

ع 9 2 3: 1 و3 و11 و17 ص 3: 3 و19 ورومية 5: 12 و6: 23 و1كورنثوس 5: 21 ويعقوب 1: 15

وَأَمَّا أي مع الإباحة نهي وهذا بداءة امتحان الإنسان. قيل إن سلطة الله منعمة ولكن نعمته متسلطة فالنعمة لها عرش. دُعي الإنسان هنا إلى تسليم رأيه وإرادته إلى إرادة الله أبيه. وقصد الله بذلك خير الإنسان الأعظم لأنه لم يمكن الإنسان أن يتناول من شجرة الحياة إلا بأن يحرم نفسه الاشتراك في حقوق الله وامتيازاته المختصة به ويخضع طوعاً لحكم الله وإرادته المعلنة.

يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا أي وقت تأكل فيوم هنا بمعنى مدة غير معيّنة طويلة أو قصيرة. فكما وضع الله في اليوم الثالث ناموس نمو النبات مع أن أعظم الأشجار لم يكن قد أُظهر لأنه لم يظهر إلا بعد ظهور الحياة الحيوانية على الأرض كذلك وضع ناموس موت الإنسان أي قبوله الموت بأكله الثمر المنهي عنه. فبهذا العمل انتقل الإنسان من الحال الفردوسية التي كان يمكنه فيها أن يحيا أبداً إلى حال الموت وأن لا بد منه في المستقبل. ولم يكن هذا الناموس الجديد على آدم فقط بل على نسله أيضاً في كل عصر.

رجّح بعضهم إن شجرة المعرفة لم يُمنع من الأكل منها لمجرد كونها ممتحن الطاعة بل لكونها مع ذلك شجرة ترددت إليها الحيّة وأكلت منها فنهى الله الإنسان عن الاقتراب إليها لئلا يقع في تجربة. واستدل على ذلك بقوله «فَرَأَتِ ٱلْمَرْأَةُ أَنَّ ٱلشَّجَرَةَ جَيِّدَةٌ لِلأَكْلِ» (ص 3: 6) أي رأت الحية تأكل منها بلذة فاشتهت أن تأكل هي فسقطت في التجربة اقتداء بها وإطاعة لها.

تنبيه

إن نهي الله للرجل نهي للمرأة أيضاً لأنها جزء منه.

مَوْتاً تَمُوتُ هذا من عواقب المعصية فتلك الشجرة كانت شجرة موت كما كانت الأخرى شجرة حياة ولا يتمتع الإنسان بشجرة الحياة إلا بالامتناع عن شجرة الموت. أي لم يحصل على المعرفة التي هي حياة إلا بالامتناع عن شجرة المعرفة «وذلك عجيب في أعيننا». ومن هنا نعلم إن الإنجيل جهالة عند حكماء العالم ويجب أن نصير جهلاء لنصير حكماء. والمصدر في قوله «موتاً تموت» مؤكد أي تموت لا محالة ولم يمت موتاً جسدياً في حال أكله من الشجرة بل مات موتاً روحياً بانفصاله عن حياة الله وهذا أدى به إلى الموت الجسدي لأن التعلق بين النفس والجسد يستحيل بقاؤه مع الانفصال عن الله «وأجرة الخطية موت وأما هبة الله فحياة أبدية بيسوع المسيح ربنا» (رومية 5: 12 و17 وأفسس 2: 3). يوم أكل الإنسان من الشجرة صار ميتاً بالذنوب والخطايا (أفسس 2: 1). قال كلوينوس إن نوع الموت المشار إليه هنا يُعرف من نقيضه أي نوع الحياة التي سقط منها.

تنبيهات

  1. إنه لا مناقضة بين النص الإلهي وشهادة طبقات الصخور فإنه كانت الحيوانات تموت قبل آدم بقرون كثيرة ولا شك في أن الوحوش المفترسة كانت تفترس غيرها في أيام آدم فلا بد أنه شاهد موت بعضها فعرف ما هو الموت وفهم معنى النهي الإلهي والقصاص المتعلق بالتعدي.

  2. إن ما في (رومية 5: 12 و1كورنثوس 15: 21) يشير إلى موت الإنسان لا إلى موت البهائم. فقول الرسول «كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ ٱلْخَطِيَّةُ إِلَى ٱلْعَالَمِ، وَبِٱلْخَطِيَّةِ ٱلْمَوْتُ، وَهٰكَذَا ٱجْتَازَ ٱلْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ ٱلنَّاسِ، إِذْ أَخْطَأَ ٱلْجَمِيعُ» (رومية 5: 12) بيان إن الموت اجتاز إلى الجنس البشري قصاصاً على الخطية فهو موت روحي نتيجته موت جسدي. وبذلك زُرع في جسد الإنسان برر الانحلال والفناء وصار وراثاً لجميع الأوجاع والأمراض والويلات التي اعترته واعترت نسله بعده.

  3. إن بعضهم اعترض بأن المقصود بالموت هنا الموت الجسدي أبداً أي ملاشاة الجسد وأن لا خلود إلا للمؤمنين وإن الأشرار يُبادون نفساً وجسداً. ونجيب على ذلك بأمرين الأول أنه لو كان هذا المقصود لتلاشى آدم وحواء وانتهى الجنس بأسره. وإذا كان الإعدام عقاب الإثم فأين العذاب الأبدي الذي ذكره المسيح. والثاني إن كيفية الموت المشار إليه هنا نعرفه بمقابلته بالحياة الصالحة الأدبية والروحية والأبدية التي كانت للإنسان في حال الطهارة.

  4. إن آدم لم يدرك قوة كلام الله وشدة العقاب الذي أُنذر به تمام الإدراك إذ لم يكن قد اختبر شيئاً منه لكنه أُخبر بخطاء الملائكة الساقطين. ونحن ندرك معنى التهديد من نتائج معصية آدم الهائلة التي لم تخطر على بال مرتكبها ولم تظهر إلا بالحوادث التابعة لها.

18 «وَقَالَ ٱلرَّبُّ ٱلإِلٰهُ: لَيْسَ جَيِّداً أَنْ يَكُونَ آدَمُ وَحْدَهُ، فَأَصْنَعَ لَهُ مُعِيناً نَظِيرَهُ».

1كورنثوس 1: 9 و1تيموثاوس 2: 13

هذه الآية فصل إضافي يشتمل على خلق المرأة ووضع شريعة الزيجة.

لَيْسَ جَيِّداً أَنْ يَكُونَ آدَمُ وَحْدَهُ لأن الله خلق الإنسان ذا جهاز جسدي وعواطف عقلية وقلبية وأميال موافقة لمشاركة غيره في اللذات والأفكار والانفعالات ولم يكن جيداً أن يبقى وحده أيضاً بالنظر إلى طبيعته الجديدة الروحية وسعادته.

فَأَصْنَعَ لَهُ وفي (ص 1: 26) «لنصنع الإنسان» بصيغة الجمع فإذا كان ذلك إشارة إلى كون الله ذا أقانيم فالإشارة هنا إلى وحدة اللاهوت الجوهرية.

مُعِيناً نَظِيرَهُ أي مثله وشريكاً له موافقاً لنفسه. من اصطلاح الكتاب تمثيل المحبوب أمام المحب ففي إشعياء «أسوارك أمامي دائماً» (إشعياء 49: 16). إن سعادة الزيجة تقوم بكون المرأة مثل الرجل تماماً بل أن يرى فيها صورته ويراها رفيقة موافقة له.

19 «وَجَبَلَ ٱلرَّبُّ ٱلإِلٰهُ مِنَ ٱلأَرْضِ كُلَّ حَيَوَانَاتِ ٱلْبَرِّيَّةِ وَكُلَّ طُيُورِ ٱلسَّمَاءِ، فَأَحْضَرَهَا إِلَى آدَمَ لِيَرَى مَاذَا يَدْعُوهَا، وَكُلُّ مَا دَعَا بِهِ آدَمُ ذَاتَ نَفْسٍ حَيَّةٍ فَهُوَ ٱسْمُهَا».

ص 1: 24 ص 6: 20

هاتان الآيتان كلام معترض قبل إكمال الإنباء بخلق المرأة ومنح الرجل المعين والرفيق الذي يحتاج هو إليه. ومال هنا المؤلف إلى وصف ما صنعه الله في خلق الحيوانات ونسبة الإنسان إليها ولم يأت ذلك لبيان ان الحيوان غير الناطق خُلق بعد الإنسان بل لبيان حكمة الإنسان في تسميته البهائم بعد عرضها عليه.

فَأَحْضَرَهَا إِلَى آدَمَ لِيَرَى مَاذَا يَدْعُوهَا هذا لا يستلزم أنها صُفّت أمام آدم في وقت واحد وإنه سمى كل واحد منها كذلك بل المقصود إن آدم رأى جميع البهائم في الجنة وعرف عاداتها وخواصها ثم سمّى كلا منها باسم مناسب له ولعله سماها بألفاظ تشبه أصواته أو لونها أو طبعها أو شيئاً آحر من أمور هيئتها الخارجية. والمرجّح أن ذلك كان بُعيد خلقها وقبل تفرقها في أقطار الأرض. وقدر أن يحضرها لأنه خالقها.

واعترض بعضهم بأن حيوانات الأقاليم المختلفة يختلف بعضها عن بعض وإن حيوانات الأقاليم الحارة لا تعيش في الأقاليم الباردة كأقاليم الدائرة الشمالية مثلاً وندفع هذا الاعتراض بأننا نرى اليوم في مشاهد الحيوانات في عواصم أوربا وأميركا كل أجناس الحيوانات من دبّ الدائرة الشمالية إلى فيل خط الاستواء تعيش معاً بلا صعوبة. ولا برهان على أن الحيوانات كانت قد تفرقت إلى كل الأقاليم قبل هذه الحادثة.

20 «فَدَعَا آدَمُ بِأَسْمَاءٍ جَمِيعَ ٱلْبَهَائِمِ وَطُيُورَ ٱلسَّمَاءِ وَجَمِيعَ حَيَوَانَاتِ ٱلْبَرِّيَّةِ. وَأَمَّا لِنَفْسِهِ فَلَمْ يَجِدْ مُعِيناً نَظِيرَهُ».

قصد الله في هذه الآية أموراً كثيرة نذكر ستة منها:

  1. أن يشعر الإنسان بسيادته على سائر الحيوان وأنواعه.

  2. إن الإنسان سمى البهائم بالنظر إلى نسبته إليها ونسبتها إليه.

  3. زيادة معرفة الإنسان بحياة الحيوان وطبائعه وخدمته له.

  4. تمرين أدوات النطق والتكلم بتدبيره إياها بدعوتها أو زجرها.

  5. بيان إن الله خلق له نطقاً وقوة على التعبير ولما سمى الحيوانات تقدم في اللغة وأرشده الله إلى اختيار الألفاظ الموافقة لكل أجناس الحيوان.

  6. بيان أنه تعالى بعرضه كل أجناس الحيوان على آدم وتمكينه إياه من إمعان النظر فيها وفي صفاتها وفي خواصها أظهر له وحدته ووحشته إذ لم تكن تلك الحيوانات تتكلم أو تشاركه في أفكاره ولذاته واشتياقاته ومحبته لله خالقه الكريم. فإنه رأى في كل الحيوانات ذكراً وأنثى ولكنه لم ير له معيناً نظيره. ولهذا لم تُذكر هنا الزحافات والسمك. ولكن تلك البهائم مهما خدمته لم تنفعه المنفعة المطلوبة منفعة الأنس إذ لم تستطع أن تخاطبه أو تشاركه في أفكاره وطبيعته العقلية الأدبية.

21 «فَأَوْقَعَ ٱلرَّبُّ ٱلإِلٰهُ سُبَاتاً عَلَى آدَمَ فَنَامَ، فَأَخَذَ وَاحِدَةً مِنْ أَضْلاَعِهِ وَمَلأَ مَكَانَهَا لَحْماً».

ص 15: 12 و1صموئيل 26: 12

في هذه الآية بيان خلق المرأة بالتفصيل فإن خلقها ذُكر قبلاً بالإيجاز وخلقها في اليوم السادس (ص 1: 27). سُر الله أن يخلقها من الرجل لا لأنه تعالى كان محتاجاً إلى مادة يخلق منها بل ليُظهر بذلك حقيقة ذات شأن وهي أن الرجل والمرأة جسد واحد وإن الجنس البشري كان من الوالدين الأولين كما كانت المرأة من الرجل. وإن رئاسة آدم الطبيعية للجنس أساس رئاسته العهدية. فالإنسان الأول لم يكن مجرد فرد بل كان في صلبه كل الجنس فلذلك عُيّن نائباً عنهم في عهد الأعمال.

سُبَاتاً أي نوماً ثقيلاً. ففي هذا السفر أنه وقع على إبراهيم سبات (تكوين 15: 12). ولما أراد الله أن يقطع عهداً معه أوقع عليه سباتاً. ولما قصد أن يهب لآدم معينة له أوقع عليه نوماً ثقيلاً. وأُشير إلى أمثال ذلك بقول شاعر العبرانيين «فِي ٱلْهَوَاجِسِ مِنْ رُؤَى ٱللَّيْلِ عِنْدَ وُقُوعِ سُبَاتٍ عَلَى ٱلنَّاسِ» (أيوب 4: 13). ولعل الله أعلن له في الرؤيا كل الحادثة وطيف تلك المرأة التي أُخذت منه.

وَاحِدَةً مِنْ أَضْلاَعِهِ قال سمث إن اللفظة العبرانية لم تُترجم ضلعاً إلا هنا وإن معناها غالباً جنبٌ أو خاصرة وإن المرأة أُخذت من إحدى شاكلتي الإنسان فلا يكون الإنسان كاملاً بدونها.

قال جاكوبس كان لله أن يخلق المرأة من العدم ولكنه لم يستحسن أن يخلقها إلا على أسلوب يفيد معنىً روحياً وهو نسبة الكنيسة إلى المسيح. كان آدم هذا رمزاً إلى آدم الثاني وكانت المرأة التي أُعطيها في الزيجة المقدسة رمزاً إلى الكنيسة التي أُخذت من جنب المسيح الذي طُعن لتقديسها ومصيرها عروس الخروف وبيان أنها والمسيح واحد (رؤيا 21: 2 وأفسس 5: 28 - 32) إن المعترضين على هذا النبإ يجهلون معناه الحقيقي الروحي إذ يحسبونه لغزاً أو مثلاً فقط.

وَمَلأَ مَكَانَهَا لَحْماً لا صعوبة في هذا النبإ أكثر مما في كل أنباء المعجزات الإلهية. والنص كله عجيب وكله بمقتضى مسرّة الله. ومن العبث المباحثات والتخيلات في شأن تركيب جسد آدم قبل نزع الضلع منه وبعده. إن الله ملأ مكان الضلع لحماً أي لحم طرفي الفراغ حتى يبقى جسده كاملاً. والتفسير المعنوي هو أن ليس للرجل عوض عما أُخذ منه إلا المرأة التي هي جنبه المفقود.

ذهب بعض المنتقدين إلى أن كل الحوادث في هذا الأصحاح والذي بعده أساطير خرافية أو أمثال أدبية خيالية لا حقيقية أي أنهم لما رأوا الحوادث المذكورة ذات فوائد ومعان روحية حسبوا النبأ كله صورة رمزية. والحق أن فيها كل علامات الصحة التاريخية فضلاً عن الحقائق الروحية. ولنا هنا أربع ملاحظات:

  1. إن الأساطير الخرافية يغلب أن تكون قصصاً طويلة والنبأ هنا وجيز.

  2. إنه إن لم يكن هذا النبأ تاريخ أصل الإنسان الحقيقي لم يبق لنا من تاريخ له.

  3. إنه إن كان هذا النبأ خرافة كان كل تاريخ قديم خرافة ولم يبق لنا أدنى معرفة لما كان في الأزمنة القديمة.

  4. إن القصص الخرافية التي في الكتابات الكلدانية والبابلية مما يتعلق بالخلق والطوفان أصنامية قبيحة سمجة فظة تختلف كل الاختلاف عن هذا النبإ الطاهر السامي على أن تلك الخرافات دليل على أنها كلها نُقلت عن الأصل الإلهي لكنها تغيرت وتحرفت بعد انحطاط نسل آدم انحطاطاً أدبياً وسقوطه في العبادة الوثنية فنسبوا إلى آلهتهم الباطلة كل الأعمال والمعجزات الإلهية.

وقيل إن المرأة لم تؤخذ من رأس الإنسان لتفوقه شرفاً ولا من رجليه ليدوسها بل من جنبه وقوامه لتكون معادلة له. ومن قرب قلبه ليحبها ويكرمها.

22 « وَبَنَى ٱلرَّبُّ ٱلإِلٰهُ ٱلضِّلْعَ ٱلَّتِي أَخَذَهَا مِنْ آدَمَ ٱمْرَأَةً وَأَحْضَرَهَا إِلَى آدَمَ».

ص 3: 12 وأمثال 18: 22 وعبرانيين 13: 4

وصف في هذه الآية خلق المرأة بأنه عمل اقتضى زماناً واعتناء إلهياً لبيان أنها لم تكن مما يستخف به أو يُصنع بلا إحكام وتأنٍ بل مما يقتضي حكمة ومهارة وعناية. كان الله جبلها وصاغها حسناً لإظهار أن الرجل عاجز عن صنع معين لنفسه ولكن الله قدر على ذلك لأنه قادر على كل شيء.

بَنَى كما يبني الإنسان بيتاً وهو مجاز حسن ففي سفر أيوب إن الناس «سُكَّانُ بُيُوتٍ مِنْ طِينٍ» (أيوب 4: 19). وفي رسالة كورنثوس إن جسدنا «بَيْتُ خَيْمَتِنَا ٱلأَرْضِيُّ» (2كورنثوس 5: 1).

أَحْضَرَهَا إِلَى آدَمَ للزواج الطاهر. ودُعي الزواج في سفر الأمثال «عهد الله» (أمثال 2: 17). والإحضار هنا تقديم المرأة للرجل بعهد الزواج المكرم «ٱلزَّوْجَةُ ٱلْمُتَعَقِّلَةُ فَمِنْ عِنْدِ ٱلرَّبِّ» (أمثال 19: 14). إن كل خطوة في هذا النبإ تزيد الزواج شرفاً وكرامة لأن الله تعالى أحضر المرأة للرجل ختام أعمال خلقه إشارة إلى أنه أكمله وهي من آدم. وهي الشيء الذي كان له والذي فقده عينه فرجعت إلى الإنسان أكثر مما خسر لما أُخذت منه إذ أخذها الخالق بيده وقدمها لآدم زوجها. وهذا التعبير على وجه التمثيل الذي به تُنسب إلى الله الحركات الإنسانية والأعضاء الجسدية. وتنازل الله إلى ذلك لضعفنا وجهلنا ولا نعلم كيف ظهر لآدم لكن لا يبعد أنه ظهر بهيئة منظورة كما ظهر ملاك العهد. ولا يستلزم ما ذُكر إن الله جبل اللحم ونحت الضلع كما يجبل النحات الطين أو ينحت الحجر بل أنه خلق المرأة من قسم من جسد آدم على أسلوب لا ندركه. وخلاصة النبإ إن الزواج مقدس وأنه نتج عن ذلك أن مقام المرأة ونظام الزواج لم ينحط بين شعب اليهود الانحطاط الأدبي بين أكثر قبائل الأرض.

23 «فَقَالَ آدَمُ: هٰذِهِ ٱلآنَ عَظْمٌ مِنْ عِظَامِي وَلَحْمٌ مِنْ لَحْمِي. هٰذِهِ تُدْعَى ٱمْرَأَةً لأَنَّهَا مِنِ ٱمْرِءٍ أُخِذَتْ».

ص 29: 14 وقضاة 9: 2 و2صموئيل 19: 12 و13 ومتّى 19: 5 وأفسس 5: 31 و1كورنثوس 11: 8

ٱلآنَ أي في هذا الوقت أو في هذه الحادثة بالنظر إلى الفرق بين خلق هذه الزوجة وأزواج الحيوانات التي رآها وسماها.

عَظْمٌ مِنْ عِظَامِي أي بضعة مني ومعين لي. وجاء العظم في الأصل العبراني بمعنى الشيء بعينه فقوله «في ذلك اليوم عينه دخل نوح» في العبرانية «في عظم هذا اليوم» فيكون معنى «عظم من عظامي» أنا ونفسي.

وَلَحْمٌ مِنْ لَحْمِي هذا يشير إلى الصفات اللطيفة ودماثة أخلاق امرأته. وعلى هذا التاريخ بنى بولس الرسول علة قداسة النسبة الزيجية بقوله «فَإِنَّهُ لَمْ يُبْغِضْ أَحَدٌ جَسَدَهُ قَطُّ بَلْ يَقُوتُهُ وَيُرَبِّيهِ، كَمَا ٱلرَّبُّ أَيْضاً لِلْكَنِيسَةِ. لأَنَّنَا أَعْضَاءُ جِسْمِهِ، مِنْ لَحْمِهِ وَمِنْ عِظَامِهِ» (أفسس 5: 29 و30). وذكر هذا النبإ في العهد الجديد يثبت أنه تاريخ إلهي ويرينا قصد الله في خلق المرأة على هذه الكيفية وهو تعظيم احترام الزواج وبيان أنه رسم إلهي. ونرى منه درجة معرفة آدم بتسميته المرأة.

هٰذِهِ تُدْعَى ٱمْرَأَةً لأَنَّهَا مِنِ ٱمْرِءٍ أُخِذَتْ الإنسان في العبرانية إيش والمرأة إيشة (مونث إيش) ومعنى إيش كائن عاقل. فصرّح آدم بهذا الاسم أن الإنسان وحده هو المخلوق على الأرض ذا نطق ووجدان. ودعا آدم زوجته بعد ذلك حواء أي حياة لأنه مصدر حياة نسلها. فإيشه يشير إلى طبيعتها وأكثر الاسماء القديمة يشير إلى طبيعة المسمى وأحواله.

24 «لِذٰلِكَ يَتْرُكُ ٱلرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِٱمْرَأَتِهِ وَيَكُونَانِ جَسَداً وَاحِداً».

مزمور 45: 10 ومرقس 10: 7 ص 34: 3 متّى 19: 5 ومرقس 10: 7 و8 و1كورنثوس 6: 16 وأفسس 5: 31

هل هذه الآية كلام آدم أو هي كلام موسى أو الخالق سبحانه وتعالى. فالجواب واضح من قول المسيح «أَمَا قَرَأْتُمْ أَنَّ ٱلَّذِي خَلَقَ مِنَ ٱلْبَدْءِ خَلَقَهُمَا ذَكَراً وَأُنْثَى؟ وَقَالَ: مِنْ أَجْلِ هٰذَا يَتْرُكُ ٱلرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ الخ» (متى 19: 4 و5). أي إن الله قال ذلك القول المهم في أول وضعه سنة الزواج وأشار إلى المستقبل بالنبوءة وأثبت إن الزواج نظام إلهي مؤيد. وبعد ذلك نهى الله في الوصية السابعة عن كل ما ينجس الزواج أو يقلل اعتباره. فاتضح إن روح الله ألهم موسى بكتابة هذا الكلام تصديقاً إلهياً لنسبة الزواج. وغاية النبإ كله أن يثبت كون الزواج رسماً إلهياً.

يَتْرُكُ ٱلرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ هذا بيان إن النسبة بين الزوجين أهم من النسبة بين الولد والوالد. قال كلوينوس ليس المعنى إن الابن المتزوج معفى من كل ما عليه لوالديه أو إن العلاقة الطبيعية بينهما تُعدم بل المقصود أنه لا يجوز أن يترك الإنسان امرأته. ولنا من هذا ثلاث حقائق:

  1. إن الإشارة هنا إلى رجل واحد وامرأة واحدة إذ لم يقل يلتصق بنسائه بل بامرأته.

  2. إن نسبة الزواج أقدس نسبة بين البشر.

  3. إن قول الرب «إِنَّ مُوسَى مِنْ أَجْلِ قَسَاوَةِ قُلُوبِكُمْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تُطَلِّقُوا نِسَاءَكُمْ. وَلٰكِنْ مِنَ ٱلْبَدْءِ لَمْ يَكُنْ هٰكَذَا» (متى 19: 8) نصٌّ على تحريم الطلاق. ولكن المسيح أجاز الطلاق لأمر واحد وهو الزنى ولكنه لم يجز للزاني أن يتزوج ثانية بل أجازه للمعتدى عليه فإن زنى الرجل أُبيح للمرأة أن تتزوج ثانية وإن زنت المرأة أُبيح للرجل كذلك.

25 «وَكَانَا كِلاَهُمَا عُرْيَانَيْنِ، آدَمُ وَٱمْرَأَتُهُ، وَهُمَا لاَ يَخْجَلاَنِ».

ص 3: 7 و10 و11

هذه الآية وصف للبر الأصلي والبساطة التي هي كبساطة الأطفال وهذا بالطبع من خواص اللذَين لم يعرفا خيراً ولا شراً. إن الخجل ثمر الشعور بالخطيئة فلو لم يشعرا بالخطاء لم يخجلا من عريهما وعلى هذا قال بعضهم الثياب دليل على خطيئتنا وستار لخجلنا وعارنا فمن يفتخر بثيابه فهو كالمتسول يفتخر بخِرَقه البالية واللص يفتخر بقيده في السجن. وكما أن السارق يتذكر بقيوده سرقته يجب علينا كذلك كلما لبسنا ثيابنا أن نذكر خطايانا. إن آدم وامرأته شعرا بعريهما في أول سقوطهما بتعديهما. والخجل الطبيعي بين الشعوب المتمدنة شهادة دائمة بصدق هذا التاريخ.

فائدتان

(1) إن الإنسان خُلق على صورة الله في أربعة أمور:

  • الأول: المعرفة فإنه عرف معرفة عجيبة نسبته إلى الله وإلى الحيوانات وإلى المرأة عند نظره إياها.

  • الثاني: البر في حفظه نسبته إلى الخالق وكل الخليقة.

  • الثالث: القداسة فإنه وجد أعظم لذته بمحبة الله وخدمته.

  • الرابع: سلطته على الخليقة رئيساً وسيداً لها وسلطته على الأرض رمز إلى ارتفاع الإنسان بالمسيح.

(2) إن النظام الإلهي الحاضر على الأرض يأمر بما يأتي:

  • الأول: الشغل والعمل وينتج عن ذلك التقدم والعمران.

  • الثاني: السلطة السياسية على حسب أنواعها ودرجاتها.

  • الثالث: الزواج مع كل البركات الناشئة عنه وهذه الامتيازات الثلاثة حصون الهيئة الاجتماعية فالويل للذي ينقل تخم أصحابه أو يحرّض على العصيان أو يستهين بقداسة الزواج.

اَلأَصْحَاحُ ٱلثَّالِثُ

1 «وَكَانَتِ ٱلْحَيَّةُ أَحْيَلَ جَمِيعِ حَيَوَانَاتِ ٱلْبَرِّيَّةِ ٱلَّتِي عَمِلَهَا ٱلرَّبُّ ٱلإِلٰهُ، فَقَالَتْ لِلْمَرْأَةِ: أَحَقّاً قَالَ ٱللهُ لاَ تَأْكُلاَ مِنْ كُلِّ شَجَرِ ٱلْجَنَّةِ؟».

رؤيا 12: 9 و20: 2 متّى 10: 16 و2كورنثوس 11: 3

وَكَانَتِ ٱلْحَيَّةُ الحيّة في العبرانية «نحش» فهي والحنَش في العربية من أصل واحد قُلبت فيه بعض الأحرف.

أَحْيَلَ وفي العبرانية «عروم» وفي العربية العَرِم المؤذي وعرمه آذاه شديداً وأعرمه جنى عليه ما لم يجنه ومعناها في العبرانية أوفر مكراً وخداعاً. وتأتي بمعنى أذكى وأدهى وعلى هذا جرت ترجمة السبعين فكأن شرها كان بأن استخدمت ذكاءها للخداع. والظاهر من النص إن حواء لم تظهر أدنى دهشة أو تعجُب من مخاطبة الحية لها. وهذا يدل على أنه كان قد مرّ عليها زمان طويل في الفردوس حتى عرفت كثيراً من طبائع الحيوانات فيه وألِفتها.

فَقَالَتْ لِلْمَرْأَةِ أغوت الحيّة المرأة لتغوي الرجل فإنها من فرط احتيالها رأت إغواءه بواسطة معينته وحبيبته الوحيدة من سكان الفردوس أسهل من الإتيان إليه رأساً. وهل كانت هذه الحية حية حقيقية استخدمها الشيطان أو كانت الشيطان نفسه ظهر بصورة حية وهل تكلمت حقيقة أو لا وهل الكلام مجاز وتمثيل ذلك لا نعلمه وترك الجواب على هذه المسائل خير من إتيانه ما لم نقف على ما يدل على اليقين. فعلينا إن نذكر هنا إن الله قصد إخبارنا بتجربة الإنسان وسقوطه ودخول الخطيئة إلى العالم على ذلك الأسلوب فيجب أن نقتصر على معرفة المقصود من النبإ. وسيأتي تفصيل ذلك في تفسير (ع 14).

أَحَقّاً قَالَ ٱللهُ الاستفهام هنا للتعجب والإنكار معاً كأنها قالت أعجب كل العجب من أن الله يقول ذلك وهو مما لا أكاد أصدقه. وغايتها من ذلك إن توقع في نفس حواء أن الباري سبحانه وتعالى قاس ظالم ومن كل كذلك وجب أن لا يُطاع وأن تنسي المرأة أن الرب الإله «يهوه إلوهيم» الرحيم المحسن هو الذي نهى عن الأكل من تلك الشجرة.

مِنْ كُلِّ شَجَرِ ٱلْجَنَّةِ لم يقل الله ذلك فهذا كذب من الحيّة قصدت منه حمل حواء على زيادة الكره لله.

2، 3 «2 فَقَالَتِ ٱلْمَرْأَةُ لِلْحَيَّةِ: مِنْ ثَمَرِ شَجَرِ ٱلْجَنَّةِ نَأْكُلُ، 3 وَأَمَّا ثَمَرُ ٱلشَّجَرَةِ ٱلَّتِي فِي وَسَطِ ٱلْجَنَّةِ فَقَالَ ٱللهُ: لاَ تَأْكُلاَ مِنْهُ وَلاَ تَمَسَّاهُ لِئَلاَّ تَمُوتَا».

ص 2: 17

فَقَالَتِ ٱلْمَرْأَةُ أبانت حواء الواقع غير منتبهة للحيلة.

4 «فَقَالَتِ ٱلْحَيَّةُ لِلْمَرْأَةِ: لَنْ تَمُوتَا!».

ع 13 ويوحنا 8: 44 و2كورنثوس 11: 3

لَنْ تَمُوتَا نسبت هنا الكذب والاحتيال إلى الله جلّ وعلا.

5 «بَلِ ٱللهُ عَالِمٌ أَنَّهُ يَوْمَ تَأْكُلاَنِ مِنْهُ تَنْفَتِحُ أَعْيُنُكُمَا وَتَكُونَانِ كَٱللهِ عَارِفَيْنِ ٱلْخَيْرَ وَٱلشَّرَّ».

ع 7 أعمال 12: 22 و2تسالونيكي 2: 4 ص 2: 9 وتثنية 1: 39 و2صموئيل 14: 17 و1ملوك 3: 9

تَكُونَانِ كَٱللهِ في معرفة الخير والشر. كانت حواء في جوابها على كلام الحيّة الأول مصيبة ولكنها لعدم انتباهنا لقصد الحيّة بكذبها ولم تظنها كذبت قصداً لأنها هي لم تكن قد عرفت ما هو الكذب سقطت في التجربة وخسرت السعادة. ويجب هنا أن لا نشدد اللوم على حواء كأننا خير منها فإنها لم تجرب بغرض دنيء بل بالمعرفة وبلوغ الكمال فشاءت أن ترتفع إلى مقام فوق مقامها الطبيعي لكنها أثمت بمخالفة نهي الله ولذلك سقطت.

6 «فَرَأَتِ ٱلْمَرْأَةُ أَنَّ ٱلشَّجَرَةَ جَيِّدَةٌ لِلأَكْلِ، وَأَنَّهَا بَهِجَةٌ لِلْعُيُونِ، وَأَنَّ ٱلشَّجَرَةَ شَهِيَّةٌ لِلنَّظَرِ. فَأَخَذَتْ مِنْ ثَمَرِهَا وَأَكَلَتْ، وَأَعْطَتْ رَجُلَهَا أَيْضاً مَعَهَا فَأَكَلَ».

1تيموثاوس 2: 14 ع 12 و17

فَرَأَتِ ٱلْمَرْأَةُ... فَأَخَذَتْ وَأَكَلَتْ وَأَعْطَتْ فترى من هذا إن السقوط لم يكن دفعياً بل تدريجياً. رأت الشجرة فهاجت الشهوة إذ حركها جمالها وصلاحها للأكل وترتب الفائدة العظيمة عليه فكان جمالها جاذباً للنظر. وصلاحها للأكل جاذباً للنفس وشهوتها. وترتب اتساع المعرفة والعلم على الأكل منها على ما قالت الحية جاذباً للعقل. فكان هنالك جاذب حسي وجاذب عقلي وجاذب وجداني فلم يبق في حواء شيء لم يقُد إلى التجربة فعجزت عن مقاومتها فسقطت ولكنها لو اعتصمت بالإيمان بالله لغلبت كل تلك الجواذب وثبتت. ولما صارت إلى ذلك أخذت من الثمرة وأعطت زوجها فأكل معها وسقط معها. وهذه أول مرة دُعي آدم رجلها.

7 «فَٱنْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا وَعَلِمَا أَنَّهُمَا عُرْيَانَانِ. فَخَاطَا أَوْرَاقَ تِينٍ وَصَنَعَا لأَنْفُسِهِمَا مَآزِرَ».

ع 5 وص 21: 19 وعدد 22: 31 و2ملوك 6: 20 وأعمال 26: 18 ص 2: 25 ورؤيا 16: 15

فَٱنْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا أي شعرا بمعصيتهما على أثر أكلهما من الثمرة التي نهاهما الله عن الأكل منها. ويظهر من سياق الكلام أنهما أكلا معاً وإلا كان خطأ حواء مضاعفاً بإغرائها آدم بالأكل لأنها بذلك تكون قادته إلى الشر الذي عرفته. على أن فعلها لا يخلو من بعض المعرفة والاستحسان ولا بد من أن آدم أطاعها طمعاً بأن يصير مثل الله فكان شريكها أيضاً في علة الإقدام على المعصية. لكن تلك المعرفة التي حصلا عليها كانت شراً من الجهل لأنها أوجبت عليهما الموت بعد الخزي والعار. نعم إنهما حصلا على تنبه الذهن واتساع العلم لكن ذلك كلفهما نفقة عظيمة وهي البر والسلام.

فَخَاطَا أَوْرَاقَ تِينٍ لا داعي إلى القول بأن هذا التين نوع من الموز وهو المعروف عند النباتيين «بموزا بارادسياكا» أي الموز الفردوسي الذي يبلغ طول ورقته عشر اقدام. وإن الكلمة في الأصل العبراني (תאנה) (تانه) جاءت في سائر ما ذُكرت فيه من المواضع بمعنى التين المعتاد فهو من أقدم ما عرفه البشر من الأشجار وانتفعوا به. والصعوبة هنا في قوله «خاطا» ومترجم السريانيّة انتبه لذلك وصعب عليه إثبات أن حواء كانت عرفت الخياطة وتحكمها ولذلك ترجم العبارة بقوله «لصقا أوراق التين». والحق إن الكلمة العبرانية تعني عملاً أكثر من هذا. والمرجّح أنه مرّ وقت طويل بين معصيتهما وعقابهما عليها ولذلك لم يسرعا إلى التستر فكان لهما أن ينظرا في الوسيلة فاخترعا الخياطة غير المحكمة.

مَآزِرَ جمع مئزر وهو ما يستر العورة من الحقوين إلى أسفل.

8 «وَسَمِعَا صَوْتَ ٱلرَّبِّ ٱلإِلٰهِ مَاشِياً فِي ٱلْجَنَّةِ عِنْدَ هُبُوبِ رِيحِ ٱلنَّهَارِ، فَٱخْتَبَأَ آدَمُ وَٱمْرَأَتُهُ مِنْ وَجْهِ ٱلرَّبِّ ٱلإِلٰهِ فِي وَسَطِ شَجَرِ ٱلْجَنَّةِ».

خروج 19: 19 و1ملوك 19: 12 وأيوب 38: 1 ومتّى 3: 17 رؤيا 21: 3 نشيد الأنشاد 2: 17 و4: 6 إرميا 23: 24 وعاموس 9: 3

وَسَمِعَا صَوْتَ ٱلرَّبِّ ٱلإِلٰهِ مَاشِياً فِي ٱلْجَنَّةِ هذا يدل على أن الله كان يظهر لهما في الفردوس ويخاطبهما وإنهما كانا في خير نعمة وقربى من ربهما قبل ان يعصياه ولعله كان يظهر لهما في هيئة ملاك.

عِنْدَ هُبُوبِ رِيحِ ٱلنَّهَارِ أي عند انخفاض الحر وأخذهما في التنزه فكان رب الجنة يعاشرهما في ذلك الوقت المناسب للعشرة. والكلمة العبرانية (מחהלך) المترجمة بماشٍ تفيد السَّير للمسرة.

فَٱخْتَبَأَ آدَمُ وَٱمْرَأَتُهُ مِنْ وَجْهِ ٱلرَّبِّ ٱلإِلٰهِ كان ذلك نتيجة المعصية فهربهما من الله كان أمراً جديداً فإنهما كانا قبل السقوط يسرَّان بالمشي معه ولكنه لم يتركهما كما تركاه بل طلبهما. واستناج الآباء الأولون من ذلك إن ما أتاه الله كان إنباء بتجسد الابن الذي جاء ليطلب ما قد هلك. والذي نراه هنا أنّ أول عواقب الخطيئة الخجل لأنهما اجتهدا قبل كل شيء في أن يسترا جسديهما وأنّ ثانيهما الخوف لأنهما هربا واختبأا لكن صوت الله وصل إليهما وبعد التوبيخ والقصاص وهب لهما الشفاء والرجاء.

9 «فَنَادَى ٱلرَّبُّ ٱلإِلٰهُ آدَمَ: أَيْنَ أَنْتَ؟».

أَيْنَ أَنْتَ الاستفهام هنا للتوبيخ ولحمل المسؤول على الإقرار عن علة ما أتاه لا لطلب الفهم لأن الله عرف أين كان ووجه الصوت إلى مخبإه. فكأنه تعالى قال له يا آدم قل لي لماذا هربت مني بعد أن كنت تسرع إليّ مسروراً بلقائي فأين كنت وإلى أين صرت. والظاهر أن آدم فهم ذلك لأنه أجابه ببيان العلة لا ببيان المخبإ كما في الآية التالية.

10 «فَقَالَ: سَمِعْتُ صَوْتَكَ فِي ٱلْجَنَّةِ فَخَشِيتُ، لأَنِّي عُرْيَانٌ فَٱخْتَبَأْتُ».

خروج 3: 6 و1يوحنا 3: 20

لأَنِّي عُرْيَانٌ فَٱخْتَبَأْتُ هذا جواب سؤال عن العلة لا جواب سؤال عن المكان. والذي جعل عريه علة الهرب من الله عصيانه فإنه قبل ذلك كان يلاقي ربه وهو عريان بلا خجل ولا خشية. فانظر إن آدم اتخذ هنا نتيجة الخطيئة عذراً وأولاده جارون مجراه.

11 «فَقَالَ: مَنْ أَعْلَمَكَ أَنَّكَ عُرْيَانٌ؟ هَلْ أَكَلْتَ مِنَ ٱلشَّجَرَةِ ٱلَّتِي أَوْصَيْتُكَ أَنْ لاَ تَأْكُلَ مِنْهَا؟».

مَنْ أَعْلَمَكَ أَنَّكَ عُرْيَانٌ نبّه الله بهذا ضمير آدم وجعله يشعر بنقصه وإن سوء حاله نتيجة عمله فالاستفهام هنا للتنبيه.

12، 13 «12 فَقَالَ آدَمُ: ٱلْمَرْأَةُ ٱلَّتِي جَعَلْتَهَا مَعِي هِيَ أَعْطَتْنِي مِنَ ٱلشَّجَرَةِ فَأَكَلْتُ. 13 فَقَالَ ٱلرَّبُّ ٱلإِلٰهُ لِلْمَرْأَةِ: مَا هٰذَا ٱلَّذِي فَعَلْتِ؟ فَقَالَتِ ٱلْمَرْأَةُ: ٱلْحَيَّةُ غَرَّتْنِي فَأَكَلْتُ».

ص 2: 22 أيوب 31: 33 وأمثال 28: 13 ع 4 و5 و2كورنثوس 11: 3 و1تيموثاوس 2: 14

هِيَ أَعْطَتْنِي أي أكلت إطاعة لمن خلقتها لي. لم يشعر آدم بما كان عليه من التكليف والمسوؤلية وما عليه من الواجبات لمن خُلقت له معيناً وأنه كان يجب عليه أن يحرسها ويساعدها على التجربة. ومن الخطإ أن نظن إن آدم حاول بذلك أن يجعل اللوم على حواء ثم على الله الذي أعطاه إياها فالأولى أن نفهم إن آدم أجاب بالواقع التاريخي حسب الظاهر وإنه كان عليه أن يفعل ما فعل.

فَقَالَتِ ٱلْمَرْأَةُ: ٱلْحَيَّةُ غَرَّتْنِي جواب حواء أحسن من جواب آدم لأن فيه اعترافاً بأنها خُدعت وضلت وتعدّت وصية الله. وفي جواب آدم أنه فعل ما كان يجب عليه لحواء من الطاعة والتسليم.

14، 15 «14 فَقَالَ ٱلرَّبُّ ٱلإِلٰهُ لِلْحَيَّةِ: لأَنَّكِ فَعَلْتِ هٰذَا، مَلْعُونَةٌ أَنْتِ مِنْ جَمِيعِ ٱلْبَهَائِمِ وَمِنْ جَمِيعِ وُحُوشِ ٱلْبَرِّيَّةِ. عَلَى بَطْنِكِ تَسْعَيْنَ وَتُرَاباً تَأْكُلِينَ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكِ. 15 وَأَضَعُ عَدَاوَةً بَيْنَكِ وَبَيْنَ ٱلْمَرْأَةِ، وَبَيْنَ نَسْلِكِ وَنَسْلِهَا. هُوَ يَسْحَقُ رَأْسَكِ، وَأَنْتِ تَسْحَقِينَ عَقِبَهُ».

ص 4: 11 وتثنية 33: 24 إشعياء 65: 25 و ميخا 7: 17 متّى 3: 7 و13: 38 و23: 33 ويوحنا 8: 44 وأعمال 13: 10 و1يوحنا 3: 8

لِلْحَيَّةِ إن الحيّة خدعت أبوينا عمداً بغية أن تقودهما إلى المعصية فلم يكن لها من عذر فعوقبت بلا فداء.

هذا العقاب جاء موافقاً لصورة المجرب والمقصود به عقاب الشيطان لا عقاب الحيوان فإن الحيّة لم تكن سوى تمثيل له. وفي ذلك ثلاثة مقاصد:

  • الأول: إن الحيّة عوقبت بالسعي على البطن واللعنة من جميع البهائم والوحوش أي الحيوانات الداجنة والحيوانات الآبدة. والحية المعروفة اليوم ليست من تلك الحيوانات فيُظن أن الحية كانت مستوية القامة حسناء وإنها كانت داجنة عند آدم وكانت في بيته. ولكن مثل هذا التغير من خواص الأساطير التمثيلية والمعنى أن الشيطان صار بما أتاه إلى حال الذل والانحطاط والقبح كما صارت الحية إلى تلك الحال بعد بديع الجمال وإنه لا زال يغوي الآدميين ويضرهم مع ما صار إليه من الخزي وسوء المنقلب.

  • الثاني: إن الحيّة عُوقبت بأكل التراب كناية عن الخيبة والدناءة وكذا أمر الشيطان فإنه بتجربته أعلن خزي نفسه ومجد الله. ومثله ملتون الشاعر في قصيدته المسماة بالفردوس المفقود ببطل إن كان ساقطاً والحق أنه عدو روحي ذليل.

  • الثالث: دوام العداوة بين الحيّة والناس فهي تلدغ عقب الإنسان في سبيله وهو يطأها في ذلك السبيل ويسحقها. والواقع ينبئك بكره الناس للحية مع حسن صورة كثير من أنواعها. وقتلى لدغ الحيّات في البلاد الحارة كالهند أكثر من قتلى الوحوش المفترسة والعداوة الدائمة بين الإنسان والشيطان أظهر من أن تبيّن الناس الحيات والشيطان غريزي.

نَسْلِهَا... يَسْحَقُ رَأْسَكِ هنا الأمر كله وما بقي من أسفار الوحي إيضاح له وتفصيل للحرب والنصرة الأخيرة. وهنا المقصود من كل النبإ السابق على الصورة المذكورة. وفيه نرى النسبة الحّبية بين الله والإنسان والحب المنسوب إلى يهوه العهد الذي هو ذات لا ألوهية مجردة. فإن الله الرحيم غرس للإنسان الجنة وأنبت له فيها كل لذيذ وطيب ونافع وولاه إياها وجعلها له سكناً وأذن له أن يمشي معه فيها ووهب له التمتع بطيب العيش بما ولاه من العناية بها والأعمال فيها ومشاهدة أعمال العناية والتقدم في سنن المعرفة وترقية القوى العقلية ولما رأى أنه وحده من العقلاء الحسيين خلق له الزوجة اللطيفة الحسناء المحبوبة ولم يترك شيئاً يقتضيه كمال سعادته. ومع هذه كله عصاه ولكن الله لم يتركه للهلاك الأبدي بل وعده بمخلص وقائد يحارب الشيطان فيمشي هو تحت راية ذلك القائد العظيم ويجاهد فيفوز وينتصر ولا يكون انتصاره بقوة نفسه بل بقوة «نسل المرأة». وهذا النسل أسّ كل الوحي وحجر زاويته وروح النبوءة كلها. وكنى بنسل الحيّة عن كل جنود الشيطان.

16 «وَقَالَ لِلْمَرْأَةِ: تَكْثِيراً أُكَثِّرُ أَتْعَابَ حَبَلِكِ. بِٱلْوَجَعِ تَلِدِينَ أَوْلاَداً. وَإِلَى رَجُلِكِ يَكُونُ ٱشْتِيَاقُكِ وَهُوَ يَسُودُ عَلَيْكِ».

مزمور 48: 6 وإشعياء 13: 8 و21: 3 ويوحنا 15: 21 ص 4: 7 ونشيد الأنشاد 7: 10 و1كورنثوس 11: 3 و14: 34 وأفسس 5: 22 إلى 24 وتيطس 2: 5 و1بطرس 3: 1 و5 و6

وَقَالَ لِلْمَرْأَةِ الخ لم يلعن المرأة كما لعن الحيّة لكنه عاقبها على إطاعتها للحيّة وإخطائها إليه تعالى وجعل عقابها أمرين:

الأول: إكثار أتعاب حبلها ووجع ولادتها. نعم إن من عقابها أحزانها واضطرابها بأمور كثيرة في هذا العالم ولكن ذلك مشترك فذكر هنا عقابها المختص بها وهو أعظم رزاياها في هذه الدنيا فإنها تتعب بالحبل أشد الأتعاب وتتعرض بالولادة للموت مع شديد الألم على أنها تفرح بعد الولادة بأن أتت بإنسان جديد في العالم.

يعسر على علماء الطبيعيات التعليل عن سبب أمراض حبل النساء وأوجاع الولادة بخلاف البهائم لأن هذه البهائم تحبل وتلد في صحة أحسن صحتها المعتادة وميلادها غالباً سهل بلا ألم. فلا يمكن تفسير هذا الفرق إلا بالعقاب الإلهي المذكور في هذه الآية.

الثاني: اشتياقها إلى رجلها وسيادته عليها. فانظر كيف انقلبت حالها أن الرجل كان يشتاق إليها ويطيعها كأنها تسود عليه قبل المعصية. والخلاصة أنها كانت مشتاقاً إليها فصارت مشتاقة وكانت مُطاعة سائدة فصارت مُطيعة مسودة. ومعنى اشتياقها إلى الرجل الخ ميلها أن يكون لها زوج وأنها تحبه وتخضع له وصارت في حال تفتقر فيها إلى ذلك. لكن بعض الناس جاز الحدّ بالتسلّط عليها. فإن هذا العقاب بلغ مبلغاً عظيماً بين الوثنيين فإن المرأة عندهم هبطت إلى أدنى دركات الذلّ. ولم تكن قليلة الذل عند اليهود وإن لم تهبط عندهم هبوطها عند الوثنيين فإن الرجل اليهودي كان يشتري المرأة من أبيها ويجعلها رهن إرادته في كل شيء. والمسيح ألغى هذا العقاب كله فالمرأة المسيحية كالرجل في الإنسانية والكرامة (غلاطية 3: 28).

17 - 19 «17 وَقَالَ لآدَمَ: لأَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِ ٱمْرَأَتِكَ وَأَكَلْتَ مِنَ ٱلشَّجَرَةِ ٱلَّتِي أَوْصَيْتُكَ قَائِلاً: لاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، مَلْعُونَةٌ ٱلأَرْضُ بِسَبَبِكَ. بِٱلتَّعَبِ تَأْكُلُ مِنْهَا كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ. 18 وَشَوْكاً وَحَسَكاً تُنْبِتُ لَكَ، وَتَأْكُلُ عُشْبَ ٱلْحَقْلِ. 19 بِعَرَقِ وَجْهِكَ تَأْكُلُ خُبْزاً حَتَّى تَعُودَ إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي أُخِذْتَ مِنْهَا. لأَنَّكَ تُرَابٌ وَإِلَى تُرَابٍ تَعُودُ».

ص 2: 17 ص 5: 29 وإشعياء 24: 5 و6 ورومية 8: 20 و22 أيوب 5: 7 ومزمور 127: 2 وجامعة 2: 23 و3: 10 أيوب 31: 40 وهوشع 10: 8 ومتّى 7: 16 وعبرانيين 6: 8 ص 1: 29 ومزمور 104: 14 و2تسالونيكي 3: 10 ص 2: 7 ص 2: 17 وأيوب 21: 27 و34: 15 ومزمور 104: 29 و146: 4 وجامعة 3: 20 و12: 7 و رومية 5: 12

وَقَالَ لآدَمَ هنا أول ما سمي الإنسان بآدم بدون أداة التعريف وما سبق ذُكر بها فهنا علم وما سبق اسم جنس. ولم يقصر ما قال عليه وحده بل جعله على نسله كله.

لأَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِ ٱمْرَأَتِكَ ما كان قد اتخذه عذراً هو الذي كان مؤاخذة فكأنه تعالى قال له اعتذرت بأنك سمعت لامرأتك فأقول لك أن ذلك السمع عينه هو خطيئتك لأنه كان يجب عليك أن تسمع لقولي لا لقولها ولا سيما إن قولها مناف لقولي.

شَوْكاً وَحَسَكاً تُنْبِتُ لَكَ... بِعَرَقِ وَجْهِكَ تَأْكُلُ خُبْزاً وهنا انقلبت حال آدم كما انقلبت حال حواء فإن العالم ساد عليه بعد أن كان سيداً له. كانت الأرض تنبت له أطيب الأثمار وأنفعها فصارت تنبت له أخبثها وأضرها. وليس المعنى أنه خلق هذه جديداً بل جعلها تنبت بلا عناء الفلاحة والزراعة وجعل الجيدة محتاجة إلى ذلك بالتعب والألم. وقد ثبت في علم النبات إن بزرة واحدة من بزور الشوك تُنتج أول سنة 2400 بزرة وفي السنة الثانية 5760000 بزرة وهلم جراً.

لأَنَّكَ تُرَابٌ هذا التعليل يدل على أن الموت كان من أحوال الإنسان الأصلية وإن الخلود من أحوال روحه. والبرهان الذي أقامه الأسقف بتلر على خلود النفس يستلزم موت الجسد فإنه قال الموت انحلال المركّب وانقسامه إلى أجزائه ولكن النفس جوهر بسيط فلا ينحل ولا ينقسم. وكان جسد آدم مركباً من أجزاء التراب المختلفة فكان قابلاً الانحلال والانقسام. وكان لأبوينا الأولين أن يخلدا في الجنة على سبيل المنحة الإلهية لا البنية الطبيعية كما دل على ذلك شجرة الحياة الرمزية ولكنهما فقدا تلك المنحة بالمعصية. وكان عرق الجبين مؤذناً بذلك لأنه من صنوف الانحلال.

20 «وَدَعَا آدَمُ ٱسْمَ ٱمْرَأَتِهِ «حَوَّاءَ» لأَنَّهَا أُمُّ كُلِّ حَيٍّ».

وَدَعَا آدَمُ ٱسْمَ ٱمْرَأَتِهِ «حَوَّاءَ» لأَنَّهَا أُمُّ كُلِّ حَيٍّ وفي العبرانية (הוה) (حوه) وفي اليونانية (ZOE) ونوقش في اللفظة العبرانية أموصوف هي أي حياة كما في ترجمة السبعين أم صفة أي محيية أو معطية حياة بمعنى أنها تنتج أحياء. كان الموت حينئذ من أحوال آدم فكانت امرأته في درجة عالية من الاعتبار لأنه كان دوام الإنسان وإن «نسل المرأة» الذي ينهض البشر من السقوط نسلها. فإذاً كان عقاب المرأة بأنه تكثيراً كثر أتعاب حبلها وإنها بالوجع تلد أولاداً من أسباب جعلها ثمينة في عيني الرجل وبأنه يكون اشتياقها إلى رجلها حمله على أن ينظر إليها بالحنو والمحبة. ولم يفه بشيء من التوبيخ لها فتفسير قوله في الآية الثانية عشرة بأنه جعل الحق عليها وعلى الله سبحانه وتعالى خطأ والصواب ما فسرناه به في موضعه فهو لم يلُم حواء ولم يلُم خالقه بل كان معناه ما خلاصته إني لم أحسب أكلي من الثمرة خطيئة لأني اقتديت في ذلك بالمعينة المحبوبة الشريفة التي أعيطتنيها ورأيتها من خير هباتك. والتفت إليها حينئذ وسماها «حواء» أي حياته والمعوّضة عليه عما خسره والتي ستلد من ينقذه من الموت.

21 «وَصَنَعَ ٱلرَّبُّ ٱلإِلٰهُ لآدَمَ وَٱمْرَأَتِهِ أَقْمِصَةً مِنْ جِلْدٍ وَأَلْبَسَهُمَا».

ع 7

أَقْمِصَةً مِنْ جِلْدٍ هذا يدل على أن الحيوانات ذُبحت في الفردوس ولم يتحقق نصاً أن الإنسان كان يتخذ لحوم البهائم طعاماً إلا بعد الطوفان ولم يكن طعامه قبل ذلك سوى البقول والأثمار وسائر الأطعمة النباتية (انظر تفسير ص 1: 29). ولم يكن من ذبيحة قبل أن تدخل الخطيئة الأرض فإن تلك الجلود من جلود البهائم التي كان آدم يذبحها لله ثبت إن الله علّم آدم على أثر سقوطه في الخطيئة أن «لا مغفرة بلا سفك دم».

«22 وَقَالَ ٱلرَّبُّ ٱلإِلٰهُ: هُوَذَا ٱلإِنْسَانُ قَدْ صَارَ كَوَاحِدٍ مِنَّا عَارِفاً ٱلْخَيْرَ وَٱلشَّرَّ. وَٱلآنَ لَعَلَّهُ يَمُدُّ يَدَهُ وَيَأْخُذُ مِنْ شَجَرَةِ ٱلْحَيَاةِ أَيْضاً وَيَأْكُلُ وَيَحْيَا إِلَى ٱلأَبَدِ».

ع 5 ص 2: 9 ورؤيا 2: 7 و22: 2

كَوَاحِدٍ مِنَّا (انظر تفسير ص 1: 26) انحط الإنسان بالسقوط أدبياً وارتفع عقلياً فعرف أنه مستقل وأخذ يزاول الاختيار والعمل بمقتضى الإرادة إلى غير ذلك من أمور المشابهة لله.

لَعَلَّهُ يَمُدُّ يَدَهُ كان آدم حينئذ قد أخذ يتعرّض لأعمال الله ويفسد الصالحات فلو صار إلى حياة جسدية خالدة لحارب الله وخلع طاعته ووقع هو ونسله في شر الشقاء ولكنه لا يفتأ يميل إلى الخلود ويطلبه على أنه كان في جهاد وحزن وتوبة وإيمان وموت ولهذا لم يكن الفردوس الوطن المناسب له. فالله برحمته أمره بترك الفردوس ليعيش في أحوال مناسبة لمصلحته الأدبية والروحية.

23 «فَأَخْرَجَهُ ٱلرَّبُّ ٱلإِلٰهُ مِنْ جَنَّةِ عَدَنٍ لِيَعْمَلَ ٱلأَرْضَ ٱلَّتِي أُخِذَ مِنْهَا».

ص 2: 5 و4: 2 و9: 20

لِيَعْمَلَ ٱلأَرْضَ هذا هو عين عمله في الآية الخامسة عشرة من الأصحاح الثاني فبقي عمله وتغيرت حاله.

24 «فَطَرَدَ ٱلإِنْسَانَ، وَأَقَامَ شَرْقِيَّ جَنَّةِ عَدَنٍ ٱلْكَرُوبِيمَ، وَلَهِيبَ سَيْفٍ مُتَقَلِّبٍ لِحِرَاسَةِ طَرِيقِ شَجَرَةِ ٱلْحَيَاةِ».

ص 4: 16 خروج 25: 18 وحزقيال 10 عدد 22: 23

فَطَرَدَ ٱلإِنْسَانَ في هذا إكراه لآدم على ترك الجنة فإنه خرج من بيت سعادته كارهاً شاعراً أنه أتى ما يغيظ الله وإن طرده من عواقب معصيته وعقاب عليها وإن كان ذلك خيراً له لِما صار إليه من الأحوال المنافية لأحواله السابقة. واختلفت الآراء في مدة إقامة آدم وحواء في الفردوس والأرجح أنها كانت طويلة قبل السقوط وقصيرة بعده.

وَأَقَامَ فأغلق دونه باب الفردوس إلى الأبد.

شَرْقِيَّ جَنَّةِ عَدَنٍ بقي آدم ساكناً في أرض عدن ولعله كان حذاء الفردوس أي قريباً منه (قابل بهذا ما في ص 4: 16).

ٱلْكَرُوبِيمَ كان الكروبيم مثال العظمة والقوة وهم في العبرانية جمع «كروب» وهو مخلوق سماوي مشتق على ما قال بعضهم من الكرب أي الشق والحرث. وقال بعضهم مجهول الأصل. وقال آخر إن كان الكروب من أصل سامي أي من لفظة سامية اشتق منها فربما هو مقلوب ركوب أي مركوب على وفق قول المرنم «رَكِبَ عَلَى كَرُوبٍ» (مزمور 18: 10). (ولعله من الكرب بمعنى القرب في العبرانية ولم يزل معنى القرب في هذه المادة في العربية ففي القاموس «كاربه قاربه» فإن الكروبيم من الملائكة المقربين). وهو في الفارسية بمعنى الحارس. وصورة الكروب على ما في سفر الخروج صورة ذي جناحين ولعلها صورة ثور ذي أجنحة والوجه وجه إنسان كما تبين من عاديات التمثايل التي اكتُشفت في آثار نينوى (انظر حزقيال 25: 20 و1: 5 الخ وقابل ذلك مع ما في رؤيا 4: 6 - 8) وصورها تختلف عن صور الحيوانات الأربعة المذكورة في حزقيال (حزقيال 1: 5) التي هي نظير حيوانات سفر الرؤيا (رؤيا 4: 6 - 8).

وكان عمل الكروبيم في آية التفسير حراسة الفردوس لئلا يرجع الإنسان إليه. وكان عمل الكروب الإشاري على غطاء التابوت حراسته أيضاً لئلا يدنو منه سوى الحبر الأعظم في يوم الكفارة وكروب الرؤيا يخلتف عن ذلك في العمل والإشارة.

اَلأَصْحَاحُ ٱلرَّابِعُ

ترتيب الحياة البيتية والمعيشة غير الفردوسية

1 «وَعَرَفَ آدَمُ حَوَّاءَ ٱمْرَأَتَهُ فَحَبِلَتْ وَوَلَدَتْ قَايِينَ. وَقَالَتِ: ٱقْتَنَيْتُ رَجُلاً مِنْ عِنْدِ ٱلرَّبِّ».

فَحَبِلَتْ وَوَلَدَتْ قَايِينَ وَقَالَتِ في هذا الأصحاح تاريخ بيت قايين وسلالته الشريرة الفاجرة لكنها كانت لا تنقص عن سلالة شيت في نشر المدنية فإنها اشتغلت بالحراثة وتربية الغنم والماشية واخترعت الصناعات المعدنية والموسيقى فصنعت أدوات النحاس والحديد (ع 22) فسهلت بذلك مشقات الحياة.

ٱقْتَنَيْتُ رَجُلاً مِنْ عِنْدِ ٱلرَّبِّ وفي الأصل العبراني (את יהוה) (ات يهوه) فيكون المعنى اقتنيت رجلاً الذي هو الرب. و «ات» هنا لا تختلف عن «ات» التي في الآية الأولى من الأصحاح الأول. وفي هذه الآية تدل على أن حواء كانت متوقعة أن هذا الرجل الذي اقتنته هو «يهوه» عهد الفداء أي المسيح الموعود به وهذا جرثومة الدين المسيحي التي نمت وصارت شجرة عظيمة. على أن العبارة «من عند الرب» لا تقصر عن الإشارة إلى خروج المسيح من عند الله. نعم إن يهوه هو اسم الله الأزلي بقطع النظر عن الأقانيم لكن الروح القدس خصصه في العهد الجديد بالمسيح.

2 «ثُمَّ عَادَتْ فَوَلَدَتْ أَخَاهُ هَابِيلَ. وَكَانَ هَابِيلُ رَاعِياً لِلْغَنَمِ، وَكَانَ قَايِينُ عَامِلاً فِي ٱلأَرْضِ».

ص 3: 23 و9: 20

هَابِيلَ ظن الدكتور أوبرت إن هابيل هو آبيل الآشوريين ومعناها ابن ولا نرى ما يحمل على إيثار الأشوري على العبراني. ومعنى هابيل غير ثابت أو زائل كالنفس والبخار ولا نظن أنها سمته بهذا لتوقعها أنه تحت عقاب الخطية بل الذي نظنه أنها لقبته بذلك على أثر قتله ولم يكن قد عاش كثيراً. وكانوا لا يسمون الأولاد إلا بعد أن يكبروا بل التسمية للأولاد لم تكن معتادة إلا بعد أن كثر الناس واحتاجوا إلى تمييز بعض الأشخاص من بعض على أنهم كانوا يغيرون الأسماء بعد زمن طويل من هذا العهد لأمر من الأمور الدينية أو الدنيوية ويلقبون بألقاب تشير إليها فليكن ما هنا من ذاك فقد لُقب عيسو بأدوم ويعقوب بإسرائيل.

وَكَانَ هَابِيلُ رَاعِياً لِلْغَنَمِ، وَكَانَ قَايِينُ عَامِلاً فِي ٱلأَرْضِ كان آدم ابن مئة وثلاثين سنة حين ولد شيتاً (ص 5: 3) فكان الوقت كافياً لزيادة بيت آدم (ع 14 - 17) ولنشوء سجايا ولديه الأكبرين أي قايين وهابيل. وكان من طبع الأول الخشونة والقوة لما اقتضاه عمله من المشقة فقويت عضلاته واشتدت بنيته. وكان من طبع الثاني الرفق والأناة ومزاولة التفكير والتأمل وأبوه آدم كان يعتني بالبهائم في الفردوس فكان لهابيل ميل إلى ذلك وكان لآدم بنات ولقايين زوجة حين قتل أخاه (ع 17).

3، 4 «3 وَحَدَثَ مِنْ بَعْدِ أَيَّامٍ أَنَّ قَايِينَ قَدَّمَ مِنْ أَثْمَارِ ٱلأَرْضِ قُرْبَاناً لِلرَّبِّ، 4 وَقَدَّمَ هَابِيلُ أَيْضاً مِنْ أَبْكَارِ غَنَمِهِ وَمِنْ سِمَانِهَا. فَنَظَرَ ٱلرَّبُّ إِلَى هَابِيلَ وَقُرْبَانِهِ».

خروج 22: 29 ولاويين 2: 12 وعدد 18: 12 خروج 13: 12 وعدد 18: 17 وأمثال 3: 9 عبرانيين 11: 4

وَحَدَثَ مِنْ بَعْدِ أَيَّامٍ أي بعد وقت طويل غير معيّن لا أسبوع أو سنة.

قُرْبَاناً الخ وفي العبرانية تقدمة شكر أو هدية وهذا القربان غير القرابين التي كانت في عصر اللاويين ولا نعرف من أمره إلا أنه كان عملاً من أعمال العبادة. فكل من الأخوين قرّب قرباناً فقبل قربان أحدهما ورفض الآخر. ودليلنا على ذلك قول الكتاب «بِٱلإِيمَانِ قَدَّمَ هَابِيلُ لِلّٰهِ ذَبِيحَةً أَفْضَلَ مِنْ قَايِينَ» (عبرانيين 11: 4). فاختلاف القربانين باختلاف القلبين. وعلى ذلك كان قربان قايين من أثمار أرضه غير الممتازة وكان قربان هابيل من أبكار غنمه ومن سمانها. وفي قربان هابيل إشارة إلى الإيمان بالمنقذ الموعود به لأن قربانه ذبيحة دموية وقربان قايين ليس كذلك.

5 «وَلٰكِنْ إِلَى قَايِينَ وَقُرْبَانِهِ لَمْ يَنْظُرْ. فَٱغْتَاظَ قَايِينُ جِدّاً وَسَقَطَ وَجْهُهُ».

أمثال 21: 27 وإشعياء 1: 13 و15 و66: 3 وعاموس 5: 22 ص 31: 2

فَٱغْتَاظَ قَايِينُ جِدّاً أي اشتعل قلبه بنار الغضب حسداً لأخيه. فالحسد من الخطايا القديمة الولود وكان أول أولاده الغضب والقتل.

سَقَطَ وَجْهُهُ وجم أي أطرق لشدة الحزن والغيظ.

6 «فَقَالَ ٱلرَّبُّ لِقَايِينَ: لِمَاذَا ٱغْتَظْتَ وَلِمَاذَا سَقَطَ وَجْهُكَ؟»

لِمَاذَا الخ الاستفهام إنكاري مقترن بالتوبيخ فكأنه تعالى يقول لا علة لغيظك وسقوط وجهك سوى شر فعلك.

7 «إِنْ أَحْسَنْتَ أَفَلاَ رَفْعٌ. وَإِنْ لَمْ تُحْسِنْ فَعِنْدَ ٱلْبَابِ خَطِيَّةٌ رَابِضَةٌ، وَإِلَيْكَ ٱشْتِيَاقُهَا وَأَنْتَ تَسُودُ عَلَيْهَا».

ص 19: 21 و32: 20 وأيوب 11: 15 و22: 26 و2كورنثوس 3: 18 ص 3: 16

إِنْ أَحْسَنْتَ أَفَلاَ رَفْعٌ أي أن تحسن بدل الإساءة التي أتيتها رُفع وجهك بالإحسان بدل سقوطه بها (ع 6) ورفع الوجه ورفع الرأس كناية عن الفوز والرضى (انظر أيوب 10: 15 و11: 15). ومعنى الإحسان هنا التوبة وعمل الصلاح.

وَإِنْ لَمْ تُحْسِنْ فَعِنْدَ ٱلْبَابِ خَطِيَّةٌ رَابِضَةٌ أي وإن تسيء بأن لم ترجع عن الإساءة افترستك الخطيئة وأهلكتك فإنها كامنة لك على القرب منك فاحذر إذاً وتب يُرفع رأسك. وفي هذا أظهر الله رحمته للخاطئ وفتح لتوبته الباب لينجو من الهلاك الرابض عند الباب فما كمل عليه إلا أن يحسن فيباركه الله.

وَإِلَيْكَ ٱشْتِيَاقُهَا وَأَنْتَ تَسُودُ عَلَيْهَا مثل الخطيئة براغب في افتراسه وأبان له أنه قادر على أن يغلبها ويدفعها كما يستطيع أن يفعل السيد بالعبد أي أن الخطيئة لا تسود على الإنسان إذا لم يشأ سيادتها عليه وإنه قادر على أن يغلبها لأنه يسود عليها على أنها تشتاق أن تسود عليها وتغلبه فليحذر السيد من أن يكون عبداً لعبده. ولنا من ذلك عزاء عظيم فإن الإنسان مع سقوطه وفساد قلبه وطبيعته بذلك السقوط أعد الله له معونة يغلب بها الإثم الراصد لكل بشر. وفي هذه الآية آراء غريبة لبعض المفسرين عدلنا عن ذكرها لعدم فائدتها.

8 «وَكَلَّمَ قَايِينُ هَابِيلَ أَخَاهُ. وَحَدَثَ إِذْ كَانَا فِي ٱلْحَقْلِ أَنَّ قَايِينَ قَامَ عَلَى هَابِيلَ أَخِيهِ وَقَتَلَهُ».

متّى 23: 35 و1يوحنا 3: 12 ويهوذا 11

وَكَلَّمَ قَايِينُ هَابِيلَ أَخَاهُ وزيد في السامرية والسبعينية والسريانية واللاتينية «لنخرج إلى الحقل» وهذه الزيادة ليست في شيء من النسخ العبرانية ولا في سوى ذلك من الترجمات والحواشي سوى حاشية في النسخة الأورشليمية. ورأى بعضهم من هذه العبارة إن قايين كان مسالماً لأخيه إلى حين. وقال بعضهم أنه أنبأه بما كان بينه وبين الرب. وذهب بعضهم إلى أن معناها غير مفهوم بلا الزيادة. والظاهر أن زيادة قوله «لنخرج إلى الحقل» تُركت من الأصل لدلالة باقي الآية عليها. وهذا كثير في اللغات السامية ويعرف في العربية بإيجاز الحذف فيكون تقدير الكلام «وقال قايين لأخيه هابيل لنخرج إلى الحقل فخرجا وحدث الخ». ومثال ذلك في العبرانية قول موسى «بِٱلْغَدَاةِ يُزْهِرُ فَيَزُولُ. عِنْدَ ٱلْمَسَاءِ يُجَزُّ فَيَيْبَسُ» (مزمور 90: 6) أي يزهر فيذبل فيبيس فيسقط فيزول ومثاله في العربية «سل سيفه فقتله» أي سل سيفه فضربه به فقتله. وقول أبي الطيّب:

Table 3. 

أتى الزمان بنوه في شبيبتهفسرهم وأتيناه على الهرم    

أي أتيناه على الهرم فساءنا.

وَحَدَثَ إِذْ كَانَا فِي ٱلْحَقْلِ الخ حيث كانت غنم هابيل ترعى على ما رأى بعضهم وقال إنه لا يظن قايين كان عازماً على قتل هابيل لأن قايين لم يعرف قبلاً ماذا كان موت الإنسان بل يرى كما رأى العلامة فيلبسون أنه كان خصام دائم بين الفلاحين والرعاة الذين كانت قطعانهم تأتي الزرع وترعاه ولعل قطعان هابيل أتت حقول قايين ورعت فهاج حسد قايين لأخيه وحمي غيظه السابق (ع 5) فضربه قبل أن عرف النتيجة فسفك دمه فوقف خائفاً أمام جثة أول قتيل.

ولا نرى من حاجة إلى هذا التكلف فإن قايين كان يعرف قتل الحيوان من الذبائح كما عرف هابيل الذي ذبح من أبكار غنمه وسمانها (ع 4) فأظهر له المودة أولاً وسأله أن يخرجا إلى الحقل للتنزه وشفى غيظه بضربه إياه بغية إيلامه شديداً فقتله بلا عمد على ما يرجّح لأنه لم يذنب إليه بشيء يحمله على قتله عمداً. وهذا يقدر أن يأتيه كثير من أحداث الناس الذين لم يشاهدوا ميتاً ولا قتيلاً ولا ذبيحاً.

9 «فَقَالَ ٱلرَّبُّ لِقَايِينَ: أَيْنَ هَابِيلُ أَخُوكَ؟ فَقَالَ: لاَ أَعْلَمُ! أَحَارِسٌ أَنَا لأَخِي؟».

ص 9: 5 ومزمور 9: 12 يوحنا 8: 44

فَقَالَ ٱلرَّبُّ لِقَايِينَ: أَيْنَ هَابِيلُ أَخُوكَ سؤال الرب لقايين هنا كسؤاله لأبيه في ما مر (انظر ص 3: 9 والتفسير) فنبهه الله بهذا الكلام على فظاعة ما ارتكبه فإنه لما قتل أخاه ذهب غير شاعر بذلك كما يجب ولعله اعتذر لنفسه بأن الحق كان على أخيه بامتيازه عليه وهو أصغر منه. ولما نبهه الله لم يستطع أن يسكت ضميره وكان صوت الله يكرر في خياله فيسمع على توالي الدقائق «أين هابيل أخوك».

فَقَالَ: لاَ أَعْلَمُ! أَحَارِسٌ أَنَا لأَخِي ما ارتكب الإنسان إثماً إلا ولد له إثماً آخر أوآثاماً حسد قايين فغضب فقتل فكذب على الله فلامه وأنكر عليه سؤاله.

10 «فَقَالَ: مَاذَا فَعَلْتَ؟ صَوْتُ دَمِ أَخِيكَ صَارِخٌ إِلَيَّ مِنَ ٱلأَرْضِ».

إشعياء 26: 21 وعبرانيين 12: 24 ورؤيا 6: 10

صَوْتُ دَمِ أَخِيكَ صَارِخٌ إِلَيَّ أي كيف تنكر إثمك وأنا العالم كل شيء شاهد عليك وأثاره ظاهرة لعيني. فهذا الدم دم أخيك الذي أشاهده كمظلوم يطلب إليه أن أنتقم له منك. وهنا قايين كان بين صوتين رهيبين صوت ضميره على الأرض وصوت الله من السماء وبينهما صوت دم أخيه الذي يصرخ إلى الله بغية الانتقام والعالم كله يقول لا سلام للأشرار. وما أحسن هنا قول كاتب الرسالة إلى العبرانيين «دم رش يتكلم أفضل من هابيل» أي دم المسيح الذي يتكلم تكلماً أفضل من تكلم هابيل لأن دم هابيل كان يطلب النقمة ودم المسيح يطلب الرحمة.

11، 12 «11 فَٱلآنَ مَلْعُونٌ أَنْتَ مِنَ ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي فَتَحَتْ فَاهَا لِتَقْبَلَ دَمَ أَخِيكَ مِنْ يَدِكَ! 12 مَتَى عَمِلْتَ ٱلأَرْضَ لاَ تَعُودُ تُعْطِيكَ قُوَّتَهَا. تَائِهاً وَهَارِباً تَكُونُ فِي ٱلأَرْضِ».

ص 3: 14 إشعياء 26: 21 أيوب 31: 39

فَٱلآنَ أي لأجل ذنبك.

مَلْعُونٌ أَنْتَ مِنَ ٱلأَرْضِ وفي العبرانية «من الأدمة» أو من الأرض المحروثة. قايين أول إنسان لعنه الله ولعنه بلعنة تخرج من الأرض فجعل الأرض التي سلط الإنسان عليها تتسلط على قايين وتعاقبه. وكان هذا الامتياز للأرض لأن قايين دنسها. ومعنى ذلك أنه إذا حرث الأرض وزرعها لا تأتيه بالغلال كما يدل عليه الكلام الآتي.

مَتَى عَمِلْتَ ٱلأَرْضَ لاَ تَعُودُ تُعْطِيكَ قُوَّتَهَا هذا تفسير لقوله تعالى «ملعون أنت من الأرض» ومعنى «قوتها» هنا غلتها من تسمية المسبب باسم السبب.

تَائِهاً وَهَارِباً تَكُونُ فِي ٱلأَرْضِ هذا عاقبة ما قبله ونتيجته فإنه متى انقطعت غلاله قصد أرضاً أخرى بغية أن تغل له فتكون كالتي قبلها فيهرب إلى أخرى وتوبيخ الضمير يجري وراءه فيكون فقيراً معدماً متعباً قلقاً يحيط به البلاء من كل جانب.

13، 14 «13 فَقَالَ قَايِينُ لِلرَّبِّ: ذَنْبِي أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُحْتَمَلَ. 14 إِنَّكَ قَدْ طَرَدْتَنِي ٱلْيَوْمَ عَنْ وَجْهِ ٱلأَرْضِ، وَمِنْ وَجْهِكَ أَخْتَفِي وَأَكُونُ تَائِهاً وَهَارِباً فِي ٱلأَرْضِ، فَيَكُونُ كُلُّ مَنْ وَجَدَنِي يَقْتُلُنِي».

إشعياء 24: 20 و53: 12 مزمور 51: 11 أيوب 15: 20 إلى 24 ص 9: 6 وعدد 35: 19

ذَنْبِي أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُحْتَمَلَ أي ذنبي مما لا يُغفر بالتوبة فلا أستطيع أن أحمل العقاب عليه لأن ما لا يُغفر قصاصه لا يُحتمل. وهذا لا يستلزم اليأس من الرحمة بل فرط الشعور بفظاعة الإثم. وهنا شدة اعتراف قايين تقابل شدة ذنبه ولهذا لم تُدم اللعنة عليه كما سترى.

إِنَّكَ قَدْ طَرَدْتَنِي هذا وما بعده بيان لعجزه عن احتمال العقاب الذي أوجبه عليه ذنبه الفظيع ومعنى قوله «طردتني» عاقبتني بما يستلزم طردي.

وَمِنْ وَجْهِكَ أَخْتَفِي كما اختفى أبوه (ص 3: 8). قال بعضهم إن قايين بقوله هذا أبان أنه لم يكن قد عرف أن الله في كل مكان. قلنا هذا ليس من اللوازم الضرورية فربما أخفى الإنسان وجهه عن نظر من يخجل منه وهو في حضرته لعجزه عن احتمال نظره إليه.

كُلُّ مَنْ وَجَدَنِي يَقْتُلُنِي أكد من قال إن قايين لم يكن قد عرف إن الله في كل مكان بأن قايين لو عرف ذلك لطلب وقايته ولكنه لما كان قد عزم على الهرب والاختفاء من وجه الله ظن إن الله لا يكون حيث يبلغ بالهرب فلا يقيه وهو استلزام غير ضروري أيضاً لاحتمال إن معنى قايين إن غضبك عليّ لا يبقى محلاً لوقايتك إياي.

ومن الناس الذين كل من وجده منهم يقتله ومن أين هم. قال بعض المفسرين إنه كان لآدم أولاد تناسلوا وكثروا وانتشروا في الأرض لم يذكرهم الكتاب ويفصل أمرهم بدليل قوله «ولد بنين وبنات» (ص 5: 4). وإن من أولئك البنين من كان من حزب هابيل طبعاً فينتقمون منه فإن من عادة الكتاب أن يقتصر على ذكر بعض النسل وقد جاء ذلك في مواضع كثيرة. وقال جماعة إن الله خلق أناساً غير آدم إنما كان آدم أسماهم ويدل على ذلك قوله «فَخَلَقَ ٱللهُ ٱلإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ ٱللهِ خَلَقَهُ. ذَكَراً وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ» (ص 1: 27) وهذا خلق كثيرين لا خلق واحد ولا ذِكر فيه لآدم فهو ليس واحداً منهم إنما ذُكر خلقه بعد ذلك في قوله «وَجَبَلَ ٱلرَّبُّ ٱلإِلٰهُ آدَمَ تُرَاباً مِنَ ٱلأَرْضِ الخ» (ص 2: 7). وذهب فريق ورجحه الأكثرون إلى أن قايين قال ذلك لاعتقاده إن في الأرض أناساً كثيرين غير أسرته لعدم معرفته إن ليس سواها وكيف كان يمكنه أن يعرف إن ليس على وجه الدنيا سوى آدم ونسله. ومن الطبع أن يعتقد أنه يجد أين ذهب رجالاً ونساءً وبنين يبلغهم أنه قاتل فيخشون آذاه ويقتلونه.

15 «فَقَالَ لَهُ ٱلرَّبُّ: لِذٰلِكَ كُلُّ مَنْ قَتَلَ قَايِينَ فَسَبْعَةَ أَضْعَافٍ يُنْتَقَمُ مِنْهُ. وَجَعَلَ ٱلرَّبُّ لِقَايِينَ عَلاَمَةً لِكَيْ لاَ يَقْتُلَهُ كُلُّ مَنْ وَجَدَهُ».

لاويين 26: 28 حزقيال 9: 4 و6

فَقَالَ لَهُ ٱلرَّبُّ لِذٰلِكَ وجاء في أكثر تراجم التوراة «ليس كذا». وعلى ذلك يكون المعنى لا يقع ما تخشاه. وعلى عبارة المتن يكون المعنى لأنك تخشى ذلك. أو (وهو الذي نراه) لأنك اعترفت بذنبك وسلّمت أنك لا تستحق المغفرة ولو تبت.

فَسَبْعَةَ أَضْعَافٍ يُنْتَقَمُ مِنْهُ أي انتقاماً كاملاً لأن السبعة في مصطلح الكتاب عدد كامل. وذلك لأن قايين كف عن شرّه ولم يعد يُعتبر أنه قاتل. ورأى بعضهم إن قايين كان تحت حماية الدين ويحيا الحياة الدينية وإن السبعة عدد مقدس لأنه أيام الخليقة مع يوم راحة لله. ولنا من هذا جرثومة شريعة الرحمة ببناء مدن الملجأ للقاتلين بلا عمد. ولعل قايين كان يقصد إيلام هابيل دون قتله فقتله هابيل كان على غير عمد كما ذُكر آنفاً.

وَجَعَلَ ٱلرَّبُّ لِقَايِينَ عَلاَمَةً لم يعلق عليه علامة بل جعل له شيئاً من الأمور الطبيعية آية على أنه يقيه كما جعل قوس السحاب علامة الأمن من طوفان آخر يهلك سكان الأرض كطوفان نوح.

16 «فَخَرَجَ قَايِينُ مِنْ لَدُنِ ٱلرَّبِّ، وَسَكَنَ فِي أَرْضِ نُودٍ شَرْقِيَّ عَدَنٍ».

2ملوك 13: 23 و24: 20 وإرميا 23: 39 و52: 3 ص 3: 24

فَخَرَجَ قَايِينُ مِنْ لَدُنِ ٱلرَّبِّ (انظر تفسير ص 3: 8). قال بعضهم «المرجّح إن آدم وأهل بيته كانوا يتوجهون في الصلاة إلى الفردوس فظن قايين بمهاجرته من كل أرض عدن يرى نفسه وراء رؤية الله إياه» (انظر قول هذا البعض في تفسير ع 14).

وَسَكَنَ فِي أَرْضِ نُودٍ ذهب نوبل إلى أنها الصين ولكنه أبعد كثيراً. وقال آخر إنها الهند. وكل ما لنا من اليقين أنه هاجر إلى أسيا الشرقية وإذ لم يذكر في بيان أصول الإيمان (ص 10) إن أحداً من نسل نوح ذهب شرقاً تبع كثيرون فيلبسون ونوبل إن المغل أي الصينين سلالة قايين.

قايين ونسله

17 «وَعَرَفَ قَايِينُ ٱمْرَأَتَهُ فَحَبِلَتْ وَوَلَدَتْ حَنُوكَ. وَكَانَ يَبْنِي مَدِينَةً، فَدَعَا ٱسْمَ ٱلْمَدِينَةِ كَٱسْمِ ٱبْنِهِ حَنُوكَ».

مزمور 49: 11

وَعَرَفَ قَايِينُ ٱمْرَأَتَهُ هذه المرأة أخته وأجاز الله ذلك يومئذ رحمة منه لئلا ينقطع النسل وينقرض البشر. ولا ريب في أن حواء في المدة الطويلة بين ميلاد قايين وشيت كانت قد ولدت كثيرين. وهذا يستفاد من قوله «تَكْثِيراً أُكَثِّرُ أَتْعَابَ حَبَلِكِ» (ص 3: 16) ومنج ملتهم البنات (ص 5: 4).

وَوَلَدَتْ حَنُوكَ لا ريب في أن هذا الاسم ذو شأن عظيم بالنسبة إلى الدلالة على سجية قايين لأن معناه «هذّب» أو «ّرب». وجاء في هذا المعنى في قول الحكيم «ربّ الولد» (أمثال 22: 6). وجاء بمعنى تدشين البيت (تثنية 20: 5) وأصل المعنى التهذيب والوقف لله. ومَن هُذّب أو عُلّم الآداب والدين ووُقف للرب عُدّ شخصاً مقدساً فتكون هذه التسمية دلالة على أن بيت قايين كان بيتاً دينياً وإن قايين كان حينئذ قد أخلص التوبة واتقى الله وإن الله رفع عنه اللعنة وصارت الأرض تعطيه قوتها وإن ذلك كان مقدمة تقدم سلالة قايين في اختراع الصناعات وتأسيس المدنية.

وَكَانَ يَبْنِي مَدِينَةً أي آخذاً في بنائها. ولم يكن يومئذ من الناس من بلغوا أن يكونوا سكان مدينة لكن قايين رأى النسل يكثر فأخذ يعد له مدينة ليسكن معاً ولا يتفرق.

فَدَعَا ٱسْمَ ٱلْمَدِينَةِ كَٱسْمِ ٱبْنِهِ حَنُوكَ أي مدينة تهذيب ووقف لله لسكان مهذبين مقدسين للرب ولعله بنى في وسطها معبداً ومدرسة لأن التعليم قديم جداً.

18 «وَوُلِدَ لِحَنُوكَ عِيرَادُ. وَعِيرَادُ وَلَدَ مَحُويَائِيلَ. وَمَحُويَائِيلُ وَلَدَ مَتُوشَائِيلَ. وَمَتُوشَائِيلُ وَلَدَ لاَمَكَ».

وَوُلِدَ لِحَنُوكَ عِيرَادُ المدينة في العبرانية «عير» وكان قايين يبني مدينة فلعل ذلك نبهه أو نبّه حنوك على أن يسمي المولود عيراد أي مدنياً على ما يظن.

مَحُويَائِيلَ... مَتُوشَائِيلَ... لاَمَكَ معنى «محويائيل» مضروب من الله و «متوشائيل» بطل الله. و «لامك» في العبرانية بلا ألف وأصله ممات ولكن يستدل على أن معناه قوي من هذه المادة في بعض اللغات السامية. وفي العربية اليلمك الشاب القوي والياء زائدة. وهذا الاسم جاء في سلالة شيت كما جاء في سلالة قايين. وسلالة قايين سلالة الحياة المدنية وسلالة شيت سلالة الحياة المقدسة. ولامك قايين كان ذا امرأتين ومن نسله جاء مخترعو الأسلحة فهو خلاف لامك شيت أبي نوح أي راحة وسلام.

19 - 21 «19 وَاتَّخَذَ لاَمَكُ لِنَفْسِهِ ٱمْرَأَتَيْنِ: ٱسْمُ ٱلْوَاحِدَةِ عَادَةُ وَٱسْمُ ٱلأُخْرَى صِلَّةُ. 20 فَوَلَدَتْ عَادَةُ يَابَالَ ٱلَّذِي كَانَ أَباً لِسَاكِنِي ٱلْخِيَامِ وَرُعَاةِ ٱلْمَوَاشِي. 21 وَٱسْمُ أَخِيهِ يُوبَالُ ٱلَّذِي كَانَ أَباً لِكُلِّ ضَارِبٍ بِٱلْعُودِ وَٱلْمِزْمَارِ. 22 وَصِلَّةُ أَيْضاً وَلَدَتْ تُوبَالَ قَايِينَ ٱلضَّارِبَ كُلَّ آلَةٍ مِنْ نُحَاسٍ وَحَدِيدٍ. وَأُخْتُ تُوبَالَ قَايِينَ نَعْمَةُ».

1صموئيل 16: 23 وأيوب 30: 31 ومزمور 33: 2 أيوب 21: 12 و30: 31 ومزمور 150: 4

وَاتَّخَذَ لاَمَكُ لِنَفْسِهِ ٱمْرَأَتَيْنِ هل كان لامك أول من سنّ تعدد الزوجات ذلك غير محقق لكنه موافق لسجيته المنحرفة وشراسته. واسما امرأتيه يدلان على التقدم في المدنية والتهذيب في تلك العصور القديمة. ولا أظن إنا نحتاج إلى الرجوع إلى اللغة الأشورية لفهم معناهما ففي العبرانية ما هو كاف لذلك «فعادة» في الأشورية «عدهاتو» أي ظلام. و «صلّة» فيها «ظلاتو» أي ظلال الليل. و «عادة» في العبرانية زينة ولا سيما حلية الإنسان و «صلّة» ظل وهذا قريب جداً من معناها في الأشورية. وأولادها مختلفون فيابال ابن عادة الأكبر اتخذ حياة البادية أي كان بدوياً وذلك على وفق معنى اسمه فإن معناه جوّال وقبائل البادية تعده أمامها الأول. واسم أخيه وهو الأصغر يوبال أي موقّع على آلات الطرب «وكان أباً لكل ضارب بالعود والمزمار» وكان ابن صلّة أعلى من ابني عادة فإنه كان ضارب كل آلة من نحاس وحديد. إن النحاس كثيراً ما يوجد كتلاً على وجه الأرض ولذلك كان من أول المعادن التي استعملها الإنسان وهو ليّن بالنسبة إلى الحديد فينطرق بسهولة. وسبق الصرف منه الشِبهان وهو المعروف بالنحاس الأصفر لأن الأقدمين لم يعرفوه وهو خليط من النحاس والتوتيا. واكتشاف الحديد كان من علل التقدم العظيمة في الصناعة المعدنية ومعرفة سبكه جعلته من أثمن المعادن عند اليونانيين وكان يأتي إليهم قليل منه في زمان أوميروس من الشمال. وقال رولنسون إن الفضة كانت من مواد التجارة في ما بين النهرين ولكن الحديد كان لقلته يعدّ ثميناً جداً وذُكر توبال في الفارسية نحاس. ومعنى قايين في اللغات السامية القديمة حداد أو صانع معادن (وفي العربية القين الحداد ويطلق على كل صانع). فمعنى قايين هنا غير معنى اسم قايين ابن آدم. وعلى ما ذكرنا يكون معنى توبال قايين صانع نحاس وحديد أي نحّاس وحداد.

وَأُخْتُ تُوبَالَ قَايِينَ نَعْمَةُ نعمة هنا كنعمي في سفر راعوث (راعوث 1: 2) ومعناه جمال وحب أو محبوبية. من عادة الكتاب كأكثر الناس القدماء أن لا يذكر النساء في الأنساب فذكر بعضهن هنا يراد به الدلالة على أحوال الأقدمين فدل اسمها على التقدم العظيم في التأنق وتهذيب الذوق واللغة علاوة على تقدمهم في الصناعة. ويظهر من تسمية هذه المرأة بجمال ومحبوبية إن الأقدمين كانوا يعتبرون المرأة أكثر مما يعتبرها اليوم المنحطون في المدنية وأكثر المدعين التمدن. فإن رباني اليهود احتقروا المرأة حتى جعلوها شيطاناً.

23، 24 «23 وَقَالَ لاَمَكُ لٱمْرَأَتَيْهِ عَادَةَ وَصِلَّةَ: ٱسْمَعَا قَوْلِي يَا ٱمْرَأَتَيْ لاَمَكَ، وَأَصْغِيَا لِكَلاَمِي. فَإِنِّي قَتَلْتُ رَجُلاً لِجُرْحِي، وَفَتىً لِشَدْخِي. 24 إِنَّهُ يُنْتَقَمُ لِقَايِينَ سَبْعَةَ أَضْعَافٍ، وَأَمَّا لِلاَمَكَ فَسَبْعَةً وَسَبْعِينَ.

ع 15

وَقَالَ لاَمَكُ الخ قول لامك هنا شعر قاله لما حصل على الأسلحة التي صنعها له ابنه توبال قايين ففرح بها وافتخر لأنه رأى بها القوة والمنعة وهذا معرب شعره نظما

Table 4. 

زوجتَي لامك سمعاً وأصغيالكلامي عادتي وصلّتي    
اقتل المرء الذي يجرحني والفتى النائل منه شدختي    
فلقايين انتقام سبعةوليَ السبعون فوق السبعة    

فكأنه يقول يا امرأتي إني صرت بهذه الأسلحة أمنع من عقاب الجو حتى انتقم للضرر الزهيد بالعظيم. وقوله «قتلت» بصيغة الماضي لتأكيد وقوع المستقبل. و «الفتى» هنا في العبرانية الولد ولكن الولد فيها يأتي بمعنى الفتى (انظر ص 21: 14). ولنا مما ذُكر أن الشعر قديم جداً وأن بني قايين بلغوا مبلغاً عظيماً من القوة والتقدم والغنى. وبهذه الأبيات ختم المؤلف تاريخ نسل قايين.

التعويض عن هابيل بشيت

25 «وَعَرَفَ آدَمُ ٱمْرَأَتَهُ أَيْضاً، فَوَلَدَتِ ٱبْناً وَدَعَتِ ٱسْمَهُ شِيثاً، قَائِلَةً: لأَنَّ ٱللهَ قَدْ وَضَعَ لِي نَسْلاً آخَرَ عِوَضاً عَنْ هَابِيلَ. لأَنَّ قَايِينَ كَانَ قَدْ قَتَلَهُ».

ص 5: 3

عِوَضاً عَنْ هَابِيلَ لأَنَّ قَايِينَ كَانَ قَدْ قَتَلَهُ إن آدم كان قد خسر بكره قايين وتلوه هابيل فكان شيت عوضاً عنهما لأنه صار بمنزلة البكر لآدم. ولعل ذلك كان بالنبوة كما كان من أمر سليمان بن داود. ومعنى «شيت» في العبرانية عوض ومعين فإنه كان عوضاً عن هابيل وعيّن رئيساً لآل آدم.

26 «وَلِشِيثَ أَيْضاً وُلِدَ ٱبْنٌ فَدَعَا ٱسْمَهُ أَنُوشَ. حِينَئِذٍ ٱبْتُدِئَ أَنْ يُدْعَى بِٱسْمِ ٱلرَّبِّ».

ص 5: 6 ص 2: 32 وصفنيا 3: 9 ورومية 10: 13 و1كورنثوس 1: 2

أَنُوشَ أي إنساناً. وهنا لنا دليل آخر على تقدم اللغة فقد رأينا أنه صار فيها للإنسان ثلاثة أسماء آدم وإيش (تكوين 2: 23) وأنوش. وفي اللغة السريانية والكلدانية اسم المسيح بار أنوش أي ابن الإنسان.

حِينَئِذٍ ٱبْتُدِئَ أَنْ يُدْعَى بِٱسْمِ ٱلرَّبِّ أي أخذت جماعة الله (إلوهيم) تنادي باسمه وتدعوه في عبادتها إياه بالرب (يهوه). فحواء لم تدعه قبلاً باسمه يهوه بل باسمه إلوهيم كما رأيت. وأما ما مر من أن قايين وهابيل قدما للرب (يهوه) فهو قول كاتب السفر لا قولهما. وقد صرّح ذلك الكاتب في نبإ السقوط بأن الخالق هو الرب الإله (يهوه إلوهيم) أي الله الآتي ليظهر إن إلوهيم ويهوه (أي الله والرب) واحدٌ. قد مر من ولادة قايين إلى ولادة أنوش مئتان وخمس وثلاثون سنة والناس يعتبرون قيمة الوعد الثمينة الذي وعد الله به أمهم الأولى (ص 3: 15). وهي نفسها حين ولدت البكر ظنته أنه هو الذي يسحق رأس الحية ويردها إلى الفردوس الذي فقدته. ولعلهم لم يكونوا حينئذ حصلوا على التعاليم الكاملة المتعلقة بذات الله وبطبيعته فإن ذلك كان من شأن الأنبياء (عبرانيين 1: 1) لكنهم علموا أن الواجب الوجود الله وإنهم مكلفون بأن يعبدوه. ومن الخطإ أن يظن المفسرون إن حواء وأنوش وغيرهم من معاصريهما كانوا يعرفون كل ما يعرفونه هم اليوم إنما عرفوا حينئذ إن يهوه اسم الإله الخالق ولم يشع هذا الاسم كل الشيوع إلا يوم صار اسم إله العهد الإسرائيلي.

اَلأَصْحَاحُ ٱلْخَامِسُ

2 كتاب توليدوت أي مواليد آدم

وهو القسم الثاني من أقسام المواليد أو التواليد العشرة (انظر ص 2: 4).

سلسلة الآباء من آدم إلى نوح

1 «هٰذَا كِتَابُ مَوَالِيدِ آدَمَ، يَوْمَ خَلَقَ ٱللهُ ٱلإِنْسَانَ. عَلَى شَبَهِ ٱللهِ عَمِلَهُ».

1أيام 1: 1 ولوقا 3: 38 ص 1: 26

هٰذَا كِتَابُ مَوَالِيدِ آدَمَ (انظر تفسير ص 2: 4).

عَلَى شَبَهِ ٱللهِ إن الإنسان سقط لكنه لم يزل الكتاب ينسب إليه المخلوقية على صورة الله فهذا الشبه الإلهي لم يفقده الإنسان بالسقوط فإن هذا الشبه لا يقوم بالبر الأصلي وحده ولذلك لم يغير بدخول الخطية إلى العالم أو بدخول الإنسان عالم الخطية. نعم إن الإنسان تدنس بالإثم والإنسان بمنزلة إناء لذلك الشبه المقدس (قابل هذا بما في 2كورنثوس 4: 7).

2 «ذَكَراً وَأُنْثَى خَلَقَهُ، وَبَارَكَهُ وَدَعَا ٱسْمَهُ آدَمَ يَوْمَ خُلِقَ».

ص 1: 27

ذَكَراً وَأُنْثَى (انظر تفسير ص 1: 27).

3 «وَعَاشَ آدَمُ مِئَةً وَثَلاَثِينَ سَنَةً، وَوَلَدَ وَلَداً عَلَى شَبَهِهِ كَصُورَتِهِ وَدَعَا ٱسْمَهُ شِيثاً».

ص 4: 25

عَلَى شَبَهِهِ كَصُورَتِهِ أي وارث ولده الصورة التي أخذها من الله.

شِيثاً (انظر تفسير ص 4: 25).

4 «وَكَانَتْ أَيَّامُ آدَمَ بَعْدَ مَا وَلَدَ شِيثاً ثَمَانِيَ مِئَةِ سَنَةٍ، وَوَلَدَ بَنِينَ وَبَنَاتٍ».

ص 1: 28

وَلَدَ بَنِينَ وَبَنَاتٍ أي كان لآدم غير قايين وهابيل وشيث من الأولاد.

5 - 8 «5 فَكَانَتْ كُلُّ أَيَّامِ آدَمَ ٱلَّتِي عَاشَهَا تِسْعَ مِئَةٍ وَثَلاَثِينَ سَنَةً، وَمَاتَ. 6 وَعَاشَ شِيثُ مِئَةً وَخَمْسَ سِنِينَ، وَوَلَدَ أَنُوشَ. 7 وَعَاشَ شِيثُ بَعْدَ مَا وَلَدَ أَنُوشَ ثَمَانِيَ مِئَةٍ وَسَبْعَ سِنِينَ، وَوَلَدَ بَنِينَ وَبَنَاتٍ. 8 فَكَانَتْ كُلُّ أَيَّامِ شِيثَ تِسْعَ مِئَةٍ وَٱثْنَتَيْ عَشَرَةَ سَنَةً، وَمَاتَ».

ص 3: 19 ورومية 5: 14 ص 4: 26

تِسْعَ مِئَةٍ وَثَلاَثِينَ سَنَةً معرفة الأعداد في التوراة صعبة جداً لأن الأسلوب العبراني في ضبط الأعداد كان بأحرف يُضم بعضها إلى بعض وإذ لم يكن لمجموعها معنىً سهل تغييرها بلا قصد ولذلك اختلفت أعداد المواليد في العبرانية والسامرية والسبعينية. فالوقت بين طرد آدم من الجنة إلى الطوفان 1656 سنة بمقتضى العبرانية و1307 سنين بمقتضى السامرية و2262 بمقتضى السبعينية. على أن الثلاث تتفق على مُدد أعمار بعض الآباء. والظاهر أنه لا يوثق بأعداد السبعينية. وأما أعداد السامرية فتقرب من أعداد العبرانية. وقال جيروم إن أحسن النسخ السامرية على وفق العبرانية في ذلك لكنه لم يصل إليها شيء مما ذكره.

ولا شك في أن التوراة أبانت طول أعمار الناس قبل الطوفان وقصرها بعده تدريجاً ولم تقتصر على ذلك بل أنبأتنا أيضاً بأن العمر يطول جداً في العصر المسيحي حتى تكون أيام الطفولة مئة سنة ومعدل حياة البالغ كحياة الشجرة (إشعياء 65: 20 و22). ونحن نسلم بقول الفيسيولوجيين إن معظم عمر الإنسان في هذا العصر مئة وعشرون سنة وأعظم ما يمكن مئة وخمسون سنة. وما من قوة في البنية ولا في الاعتدال والعفاف ولا في الأطعمة النباتية تزيد حياة الإنسان إلى ما وراء ذلك الحد. ولهذا ظن كثيرون أنه لم يُقصد في الأنساب القديمة في التورارة إلا الأنسال أو الدول. أو إنه اختبر أسماء قليلة مما حُفر على الأعمدة أو رُسم على الحجارة أو طُبع على الأجر يوم كان أسلوب الكتابة وكذا ونسب إلى كل منها ما نسب إليه من السنين عبارة عن زمن طويل غير محدود. واستدلوا على أن تلك الأنساب كانت لا تخلو من الصناعة بأن مواليد آدم عشرة ومواليد سام عشرة (ص 11: 10 - 26). وبأنه حُذف بعض الأشخاص من سلسلة ربنا لتكون ثلاثة أقسام كل منها أربعة عشر. ومن المسلم أنه كان بعض الأسماء يحذف من الأنساب العبرانية وكان ذلك من المصطلحات المسلم بها. فإنه لم يُذكر في نسب موسى سوى أربعة أشخاص لاوي وقهات وعمرام وموسى (أيوب 6: 1 - 3) وذُكر في نسب يهوشع أحد عشر (1أيام 7: 23 - 27). وهذا كاف لأن يقنع كل إنسان ذي لب بأنه يجب أن لا نتخذ هذه الأنساب للمقاصد التاريخية لأنها لم تُقصد لذلك إنما قُصدت لبيان الأبكار وحقوق البكر ورؤوس الأنساب. ولكن طول أعمار الذين قبل الطوفان لا تقتصر فائدته على المقصود من الأنساب لأنه جزء جوهري من النبإ وبيّنة على وجوب اعتبار الحديث القديم المتواتر وإن كان من أسرار التوراة ولنا من الآية الثالثة من الأصحاح السادس ما يخالف البركة حتى يمكننا أن نحسب أنه حدث في عصر الطوفان تغيّر في بنية الإنسان الطبيعية قصر به عمره بالتدرج إلى مئة وعشرين سنة.

ويجب أن نزيد هنا على ما تقدم ما أثبته العلماء اليوم وهو أن أسماء الأعداد من واحد إلى عشرة هي هي في أقسام اللغات الثلاث القديمة الكبرى وأما أسماء ما فوق العشرة ففيها اختلاف بعيد ولا شيء مشترك بينها فالذين قبل الطوفان لم يكن عندهم من أسماء الأعداد سوى العشرة وعليه عجزوا عن إدراك الأعداد التي هي أكثر من ذلك ولهذا جعلوا الأنساب عشرة عشرة وكان ذلك شأنهم منذ آدم إلى قبل تبلبل الألسنة بقليل أي إلا أيام نوح.

9 - 17 «9 وَعَاشَ أَنُوشُ تِسْعِينَ سَنَةً، وَوَلَدَ قِينَانَ. 10 وَعَاشَ أَنُوشُ بَعْدَ مَا وَلَدَ قِينَانَ ثَمَانِيَ مِئَةٍ وَخَمْسَ عَشَرَةَ سَنَةً، وَوَلَدَ بَنِينَ وَبَنَاتٍ. 11 فَكَانَتْ كُلُّ أَيَّامِ أَنُوشَ تِسْعَ مِئَةٍ وَخَمْسَ سِنِينَ، وَمَاتَ. 12 وَعَاشَ قِينَانُ سَبْعِينَ سَنَةً، وَوَلَدَ مَهْلَلْئِيلَ. 13 وَعَاشَ قِينَانُ بَعْدَ مَا وَلَدَ مَهْلَلْئِيلَ ثَمَانِيَ مِئَةٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَوَلَدَ بَنِينَ وَبَنَاتٍ. 14 فَكَانَتْ كُلُّ أَيَّامِ قِينَانَ تِسْعَ مِئَةٍ وَعَشَرَ سِنِينَ، وَمَاتَ. 15 وَعَاشَ مَهْلَلْئِيلُ خَمْساً وَسِتِّينَ سَنَةً، وَوَلَدَ يَارِدَ. 16 وَعَاشَ مَهْلَلْئِيلُ بَعْدَ مَا وَلَدَ يَارِدَ ثَمَانِيَ مِئَةٍ وَثَلاَثِينَ سَنَةً، وَوَلَدَ بَنِينَ وَبَنَاتٍ. 17 فَكَانَتْ كُلُّ أَيَّامِ مَهْلَلْئِيلَ ثَمَانِيَ مِئَةٍ وَخَمْساً وَتِسْعِينَ سَنَةً، وَمَاتَ».

وَعَاشَ أَنُوشُ تِسْعِينَ سَنَةً هذا برهان قاطع على أن السنة هنا ليست مدة دوران القمر كما ذهب بعضهم وإلا لزم أن يكون أنوش ولد ابنه وهو ابن تسعين شهراً قمرياً أي نحو سبع سنين ونصف سنة شمسية ومثله إن قينان يوم ولد ابنه لم يكن قد جاوز سن السبعين فلو كان الأمر كذلك للزم أنه ولده وهو في نحو سن السادسة. ومثله أن مهللئيل وُلد له وهو في سن الخامسة والستين.

18 - 23 «18 وَعَاشَ يَارِدُ مِئَةً وَٱثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ سَنَةً، وَوَلَدَ أَخْنُوخَ. 19 وَعَاشَ يَارِدُ بَعْدَ مَا وَلَدَ أَخْنُوخَ ثَمَانِيَ مِئَةِ سَنَةٍ، وَوَلَدَ بَنِينَ وَبَنَاتٍ. 20 فَكَانَتْ كُلُّ أَيَّامِ يَارِدَ تِسْعَ مِئَةٍ وَٱثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ سَنَةً، وَمَاتَ. 21 وَعَاشَ أَخْنُوخُ خَمْساً وَسِتِّينَ سَنَةً، وَوَلَدَ مَتُوشَالَحَ. 22 وَسَارَ أَخْنُوخُ مَعَ ٱللهِ بَعْدَ مَا وَلَدَ مَتُوشَالَحَ ثَلاَثَ مِئَةِ سَنَةٍ، وَوَلَدَ بَنِينَ وَبَنَاتٍ. 23 فَكَانَتْ كُلُّ أَيَّامِ أَخْنُوخَ ثَلاَثَ مِئَةٍ وَخَمْساً وَسِتِّينَ سَنَةً».

يهوذا 14 ص 6: 9 و17: 1 و24: 40 و2ملوك 20: 3 ومزمور 128: 1 وميخا 6: 8 وملاخي 2: 6

يَارِدُ ظن بعضهم معنى هذا الاسم انحدار ولا سيما انحدار الماء ولهذا اجتهد كثيرون في أن يبينوا أنه فارونا إله الماء عند الهنود. ورأى علماء العصر المتبارون في تفسير الألفاظ القديمة إن معناه منفجر. وقال المستر سَيس إن معنى هذه الكلمة في الأشورية خادم فقال جورج رولينسون هذا لا يكفي ولا نقدر أن نعرف معنى هذه الأسماء ما لم نقف على كل اللغات السامية ونحكم معرفتها. (قلنا ورسم يارد في العبرانية (ירד) (يرد) وهو في العربية مضارع ورد أي دنا من الماء أو أتى الماء ليستقي أو ليشرب). وكونه ولد أخنوخ وهو في سن المئة والثانية والستين يدل على أن أخنوخ لم يكن ابنه الأكبر إنما صار بمنزلة البكر لسموه. ويلاحظ هنا أن أخنوخ هو السابع من آدم والعدد السابع عدد مقدس وعدد الكمال فبلغ أخنوخ المقام الأعلى بين الآباء ورُفع إلى السماء خالداً لا يذوق الموت.

24 - 28 « 24 وَسَارَ أَخْنُوخُ مَعَ ٱللهِ، وَلَمْ يُوجَدْ لأَنَّ ٱللهَ أَخَذَهُ. 25 وَعَاشَ مَتُوشَالَحُ مِئَةً وَسَبْعاً وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَوَلَدَ لاَمَكَ. 26 وَعَاشَ مَتُوشَالَحُ بَعْدَ مَا وَلَدَ لاَمَكَ سَبْعَ مِئَةٍ وَٱثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَوَلَدَ بَنِينَ وَبَنَاتٍ. 27 فَكَانَتْ كُلُّ أَيَّامِ مَتُوشَالَحَ تِسْعَ مِئَةٍ وَتِسْعاً وَسِتِّينَ سَنَةً، وَمَاتَ. 28 وَعَاشَ لاَمَكُ مِئَةً وَٱثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَوَلَدَ ٱبْناً».

2ملوك 2: 11 وعبرانيين 11: 5

وَسَارَ أَخْنُوخُ مَعَ ٱللهِ وتُرجم في السبعينية «وأرضى أخنوخ الله» ومنها اقتبس كاتب الرسالة إلى العبرانيين (عبرانين 11: 5). والسيرة مع الله تستلزم هذا المعنى (انظر تفسير ص 4: 18).

ٱللهَ أَخَذَهُ لم يختم آخر نبإه بالخاتمة المحزنة التي هي «مات» كما ختم أنباء غيره من الآباء. ومعنى «أخذه» نقله (عبرانيين 11: 5) إلى السماء «لكي لا يرى الموت» وذلك لسبب إيمانه بالله وارتقائه إلى درجة عالية في الحياة الروحية. ولنا هنا أقدم نقل بلا موت إلى العالم الأبدي وهذا يدلنا على أن طول الحياة على الأرض ليس بالسعادة العظمى. وكان ذلك الانتقال بلا ألم ولا انحلال ولا موت وكان إلى حضرة الله رأساً. فأخنوخ أول إنسان من ولد آدم نجح بعد السقوط وبلغ أعلى المنازل على أن ذلك لم يكن بلا مساعدة خاصة وبركة خاصة من لقادر على كل شيء وذلك ما فقده آدم في الفردوس للمعصية. وقد عرفنا من رسالة يهوذا (ع 14 و15) إن أخنوخ نُقل من مكان فشا فيه الشر وساد إلى مكان قداسة لا يدخله فساد. ولعله في ذلك الوقت حدث الزواج بين نسل قايين ونسل شيث وفسد به كل الناس. ورأى فيلبسون من قوله «الله أخذه» إن ذلك تلطف بالتعبير عن الوفاة قبل إكمال العمر وإن في ذلك دليل على وجود حياة وراء هذه الحياة الأرضية. ونزيد على ذلك إن نقل أخنوخ في متوسط العصر الذي قبل الطوفان وإن حياته كانت على الأرض 365 سنة وهو عدد الأيام في السنة الشمسية. وكانت سنة العبرانيين 354 يوماً. وسنة الكلدانين 360 يوماً. واستنتاج بعضهم من ذلك إن أخنوخ الإله الذي هو الشمس لا أساس له (انظر تفسير ص 4: 18).

29 - 31 «29 وَدَعَا ٱسْمَهُ نُوحاً، قَائِلاً: هٰذَا يُعَزِّينَا عَنْ عَمَلِنَا وَتَعَبِ أَيْدِينَا بِسَبَبِ ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي لَعَنَهَا ٱلرَّبُّ. 30 وَعَاشَ لاَمَكُ بَعْدَ مَا وَلَدَ نُوحاً خَمْسَ مِئَةٍ وَخَمْساً وَتِسْعِينَ سَنَةً، وَوَلَدَ بَنِينَ وَبَنَاتٍ. 31 فَكَانَتْ كُلُّ أَيَّامِ لاَمَكَ سَبْعَ مِئَةٍ وَسَبْعاً وَسَبْعِينَ سَنَةً، وَمَاتَ».

ص 3: 18

وَدَعَا ٱسْمَهُ نُوحاً هذا أول مثال لتسمية الولد عند ولادته منذ أيام حواء وكل من الاسمين كان على غير المقصود منه. فإن معنى نوح راحة ولم يأت براحة بل بالطوفان عقاباً على الإثم. وقد رأينا إن شدة شوق لامك إلى الراحة مضادة كل التضاد لكبرياء سميه الذي من نسل قايين (قابل بهذا ما في ص 4: 18).

هٰذَا يُعَزِّينَا... تَعَبِ أَيْدِينَا هذه الآية فقرتا سجع في العبرانية.

ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي لَعَنَهَا ٱلرَّبُّ في الأصحاح الثاني قال إن الله لعن الأرض (ص 2: 3). وقال في الأصحاح الثالث إن الرب الإله لعنها (ص 3: 17). وقال هنا إن الرب لعنها فأبان إن الله والرب (إلوهيم ويهوه) واحد. وأراد «بالتعب» هنا التعب المُحزن كما في (ص 3: 16 و17).

32 «وَكَانَ نُوحٌ ٱبْنَ خَمْسِ مِئَةِ سَنَةٍ. وَوَلَدَ نُوحٌ: سَاماً، وَحَاماً، وَيَافَثَ».

ص 6: 10 و9: 18

ٍوَكَانَ نُوحٌ ٱبْنَ خَمْسِ مِئَةِ سَنَة لا نعلم ما علة إنه لم يكن لنوح من ابن قبل أن بلغ سن خمس مئة ولا يمنع هذا من أن كان له أبناء غيره لم يستحقوا الذكر والمجاة معه. على أنه مما يستحق الذكر أنه لم يكن ولد لأحد من أولاده الثلاثة الذين كانوا معه في الفلك إلا بعد الطوفان (انظر ص 11: 10). فسام ومعنى اسمه اسم أي صيت ومجد كان صاحب البكورية وجدّ ربنا يسوع المسيح. وحام ومعنى اسمه أسود كان جد المصريين والكوشيين وغيرهم من سودان إفريقية والعربية. ويافث ومعنى اسمه منتشر أو متسع وعلى قول بعضهم حسن كان جد أكثر الأوربيين وبعض أمم أسية أو آسيا.

اَلأَصْحَاحُ ٱلسَّادِسُ

1 «وَحَدَثَ لَمَّا ٱبْتَدَأَ ٱلنَّاسُ يَكْثُرُونَ عَلَى ٱلأَرْضِ، وَوُلِدَ لَهُمْ بَنَاتٌ».

ص 1: 28

لَمَّا ٱبْتَدَأَ ٱلنَّاسُ يَكْثُرُونَ وفي العبرانية «لما ابتدأ آدم يكثر» فالترجمة الحرفية «لما ابتدأ الإنسان» الخ. والمرجح إن تكاثر نسل آدم كان بطيئاً لمرور سنين كثيرة على كل من الآباء قبل أو يُولد البكر. على أنه لم يكن من الضروري أن كل من ذُكر اسمه في النسب كان هو البكر في الواقع. ولعله بدل البكر بغير البكر في بعض المواليد كما بدل قايين بشيث. فنوح وُلد وأبوه في سن المئة والثانية والثمانين. واختبر لتقواه أن يكون مجدداً للجنس البشري ولعله كان له كثير من الإخوة والأخوات أكبر منه. وكان لكل من الآباء بنون وبنات. وقايين بنى مدينة ولا ريب في أنه لم يبنها إلا لأنه كان لها سكان من بنيه وبناته. والمرجّح أنّ فساد أولاد آدم أخذ يكثر من أيام أخنوخ كما ذكرنا.

2 «أَنَّ أَبْنَاءَ ٱللهِ رَأَوْا بَنَاتِ ٱلنَّاسِ أَنَّهُنَّ حَسَنَاتٌ. فَٱتَّخَذُوا لأَنْفُسِهِمْ نِسَاءً مِنْ كُلِّ مَا ٱخْتَارُوا».

تثنية 14: 1 ومزمور 73: 15 ومتّى 5: 9 خروج 34: 16 وتثنية 7: 3 و4 ويشوع 23: 12 و13 وعزراً 9: 2 ونحميا 13: 23 إلى 27 و2كورنثوس 6: 14 و15

أَبْنَاءَ ٱللهِ وفي العبرانية «بني إلوهيم» وتُرجمت بثلاثة معانٍ الأول وهو ما في التفاسير اليهودية الشرفاء أو أرباب الرتب العالية. والثاني الملائكة ويعضد هذا ما جاء في رسالتي يهوذا وبطرس (يهوذا 6 و2بطرس 2: 4) لكن ذلك مع هذا غير محقق وبعيد عن التصديق لأن الملائكة لا يتزوجون ولا يزوجون. والثالث وهو الذي عليه الجمهور إنهم أبناء شيث وإنهم تزوجوا من تزوجوا لمجرد الشهوة ففسد النسل. وإن «بنات الناس» بنات قايين. ولكن لم يبينوا كيف كان مواليد هؤلاء جبابرة. وقال مفسرو اليهود والعارفون أسرار اللغة العبرانية إنه لا يُراد بأبناء إلوهيم (على ما في الأصل العبراني) الصالحون أو الأتقياء فإن معنى إلوهيم الأقوياء وهذا المعنى لا ينفك عن هذه اللفظة (انظر خروج 15: 11 وقابله بما في خروج 12: 12 و21: 6 و22: 8 و 9 و1صموئيل 2: 25) وجاء أبناء إلوهيم في سفر أيوب بمعنى الشرفاء (أيوب 1: 6) وفي المزامير بمعنى الأقوياء أو الأشداء (مزمور 29: 1).

ومن هؤلاء الأبناء الجبابرة. قال بين سمث قبل الجواب على هذه المسئلة أوجه الأفكار إلى قصد الكتاب «ببنات الناس» فأقول إنه على ما في الأصل العبراني «لما ابتدأ آدم يكثر وولد لهم بنات إن أبناء الله رأوا بنات آدم... فاتخذوا لأنفسهم نساء». وعلى قاعدة التفسير الصحيحة يكون بنات آدم في الآية الأولى هن بنات آدم في الآية الثانية وهن اللواتي اتخذهن أبناء الله زوجات ولا يُنكر أن المقصود بآدم هنا الشيثيون. وجاءت هذه العبارة على أثر بيان نسب نوح إلى آدم. والكلام على قايين كان قد انتهى حتى إن شيث ذُكر بناء على أنهم أقوياء شهوانيون وانتهى تاريخهم. فآدم الذي قيل في الآية الثالثة إن روح الله لا تدين فيه هو الشيثيون الذين مع كونهم الشعب المختار الذي صارت البكورية إليه سقطوا وسلكوا في سُبل الشر. وصاروا إلى غاية الفساد بناء على فساد نسائهم باقترانهن برجال فوقهن قوة وشجاعة ومعرفة بالحرب وصنع أدواتها. ومن هؤلاء الرجال الأقوياء إنهم هم أولاد قايين لا محالة. فإننا رأينا في (ص 4: 17 - 24) إن قايين مؤسس الهيئة المدنية والحياة الاجتماعية والاسم الذي سمى ابنه به يدل على إن نسله كان مدرباً فإن القايينيين تقدموا تقدماً سريعاً في الصناعة والغنى والمدنية والريع والجندية والكبرياء وأخذوا يظهرون بسالتهم وعجبهم قدام أزواجهم الشيثيات حتى تعجب بهم. وكفاك دليلاً على ذلك شعر لامك الحماسي الذي أبان فيه إن قوته أحد عشر ضعفاً من قوة جده قايين لأن قوة قايين كانت سبعة وقوته سبعة وسبعين (ص 4: 24). فخالط أبناء القايينيين أخوالهم وأولاد أخوالهم الشيثيين ففسدوا جميعاً. فخلاصة قول بين سمث إن أبناء الله هم سلالة قايين وإن أبناء الله على ما تفيد اللغة العبرانية هم الأقوياء وإن بنات الناس هم بنات سلالة شيث.

3 «فَقَالَ ٱلرَّبُّ: لاَ يَدِينُ رُوحِي فِي ٱلإِنْسَانِ إِلَى ٱلأَبَدِ. لِزَيَغَانِهِ هُوَ بَشَرٌ، وَتَكُونُ أَيَّامُهُ مِئَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً».

نحميا 9: 30 وغلاطية 5: 16 و17 و1بطرس 3: 19 و20 مزمور 78: 39 وإشعياء 31: 3 1بطرس 3: 20 و2بطرس 2: 5

فَقَالَ ٱلرَّبُّ لما سقط الشيثيون قصر ربهم يهوه أعمارهم حتى لا يستطيعوا إطالتها فوق المعدل الذي عيّنه بوسيلة من الوسائل ولا بمراعاة كل قوانين الصحة.

لاَ يَدِينُ رُوحِي فِي ٱلإِنْسَانِ إِلَى ٱلأَبَدِ أي لا يتولى الروح الذي أعطيته إياه جسده زماناً طويلاً كالأبد كما تولى أجساد الذين قبل الطوفان (قابل هذا بما في تثنية 15: 17 الخ). و «الإنسان» هنا في العبرانية آدم فأكثر الإشارة فيه إلى سلالة شيث.

هُوَ بَشَرٌ أي لحم ودم أو جسد كسائر الحيوان فيناسب أن يحيا زماناً قصيراً كسائر الحيوان.

4 «كَانَ فِي ٱلأَرْضِ طُغَاةٌ فِي تِلْكَ ٱلأَيَّامِ. وَبَعْدَ ذٰلِكَ أَيْضاً إِذْ دَخَلَ بَنُو ٱللهِ عَلَى بَنَاتِ ٱلنَّاسِ وَوَلَدْنَ لَهُمْ أَوْلاَداً هٰؤُلاَءِ هُمُ ٱلْجَبَابِرَةُ ٱلَّذِينَ مُنْذُ ٱلدَّهْرِ ذَوُو ٱسْمٍ».

عدد 13: 33 ص 10: 9 ص 11: 4 وعدد 16: 2 و1أيام 5: 24 وأيوب 30: 8

طُغَاةٌ وفي العبرانية «نفليم ونفيليم» وجاءت هذه اللفظة في سفر العدد بمعنى الجبابرة. (وهي في اللغة العبرانية جمع نفيل كنبيل في العربية وهو يقرب منه معنى كما يقرب منه لفظاً فإن من معانيه في العربية الجسيم والعبرانية تدل على أن المقصود بهم الجسام الأقوياء الأبدان).

هٰؤُلاَءِ هُمُ ٱلْجَبَابِرَةُ وفي العبرانية «جبريم» ومعناها الأبطال المحاربون وفي العربية العتاة المتكبرون.

5 «وَرَأَى ٱلرَّبُّ أَنَّ شَرَّ ٱلإِنْسَانِ قَدْ كَثُرَ فِي ٱلأَرْضِ، وَأَنَّ كُلَّ تَصَوُّرِ أَفْكَارِ قَلْبِهِ إِنَّمَا هُوَ شِرِّيرٌ كُلَّ يَوْمٍ».

1بطرس 3: 20 1أيام 28: 9 و29: 18 وأمثال 6: 18 ص 8: 21 ومزمور 14: 1 إلى 3 وإرميا 17: 9 ومتّى 15: 19 ومرقس 7: 21 و22

تَصَوُّرِ أي أفكار وكل ما في الذهن من حركات النفس وكل ما في القلب من الأميال.

كُلَّ يَوْمٍ وفي الأصل العبراني «كل اليوم» أي من الصباح إلى المساء. أي إن كل مدة اليقظة والأعمال والأقوال والحركات. وهذا دليل على أنهم لم يتفرغوا لسوى الشر بلا شعور بشيء من توبيخ الضمير.

6 «فَحَزِنَ ٱلرَّبُّ أَنَّهُ عَمِلَ ٱلإِنْسَانَ فِي ٱلأَرْضِ، وَتَأَسَّفَ فِي قَلْبِهِ».

مزمور 78: 40 وإشعياء 63: 10 وأفسس 4: 30

فَحَزِنَ ٱلرَّبُّ أَنَّهُ عَمِلَ ٱلإِنْسَانَ أي كان كمن يحزن على ما عمل في هدم عمله فإنه تعالى هدم ما بنى من الهيكل الإنساني بالطوفان ولولا رحمته ما أبقى أحداً. إن الله يسخط على الخاطئ لخطيئته ويتأسف على الخطيئة حباً بالخاطئ ولولا ذلك لأهلك الجميع.

إذا قصرنا النظر في علم الله السابق وقدرته على كل شيء رأينا إن كل الأشياء معيّنة منه تعالى وإذا نظرنا فقط إلى اختيار الإنسان المشهور بحرية الإرادة رأينا كل شيء راجعاً إلى إرادة الإنسان وعمله فيجب قبول الرأيين وإن قصرت عقولنا عن إدراكها.

إن اختيار الإنسان في التاريخ المقدس جلي جداً لأنه يتوقف عليه التكليف والمسؤولية. وفي هذا النبإ يُمثل لنا غرق البشر بطوفان ثم تقصير الحياة على وجه يدل أنه محزن ومؤلم لله ومخالف لإرادته الصالحة للناس غير أنهما ضروريان بالنظر إلى شر الجنس الشيثي أو الشيتي المختار.

7 «فَقَالَ ٱلرَّبُّ: أَمْحُو عَنْ وَجْهِ ٱلأَرْضِ ٱلإِنْسَانَ ٱلَّذِي خَلَقْتُهُ: ٱلإِنْسَانَ مَعَ بَهَائِمَ وَدَبَّابَاتٍ وَطُيُورِ ٱلسَّمَاءِ. لأَنِّي حَزِنْتُ أَنِّي عَمِلْتُهُمْ».

2ملوك 21: 13

أَمْحُو عَنْ وَجْهِ ٱلأَرْضِ أي أفني والأرض هنا في العبرانية «أدمه».

ٱلإِنْسَانَ مَعَ بَهَائِمَ وقع مصاب الإنسان على البهائم أيضاً لأن نصيبها بنصيب الإنسان (رومية 8: 19 - 22). ولكن القول بهلاك كل البهائم بالطوفان ليس مما تقتضيه الآية بالضرورة فالأرجح أنّ المقصود حيوانات الأرض التي بلغها الطوفان ولم يذكر الوحوش هنا لأن الدواجن كانت أكثر مصاباً.

8 «وَأَمَّا نُوحٌ فَوَجَدَ نِعْمَةً فِي عَيْنَيِ ٱلرَّبِّ».

ص 19: 19 وخروج 33: 12 و13 و16 و17 ولوقا 1: 30 وأعمال 7: 46

أَمَّا نُوحٌ فَوَجَدَ نِعْمَةً هذه أول آية في التوراة ذُكرت فيها النعمة وبها خُتمت مواليد آدم. فترى رحمة الله لم تفارق الإنسان مع أن العدل كان مواظباً طلب عقابه. فكان قصد الله تجديد البشر بنوح وأولاده لا قرضهم ولذلك كان ترتيب الأشياء مع نوح أحسن وأعلى منه قبله.

3 مواليد نوح (ص 6: 9 إلى ص 9: 28)

وهو القسم الثالث للمواليد

9 «هٰذِهِ مَوَالِيدُ نُوحٍ: كَانَ نُوحٌ رَجُلاً بَارّاً كَامِلاً فِي أَجْيَالِهِ. وَسَارَ نُوحٌ مَعَ ٱللهِ».

ص 7: 1 وحزقيال 14: 14 و20 وعبرانيين 11: 7 و2بطرس 2: 5 ص 5: 22

كَانَ نُوحٌ رَجُلاً بَارّاً كَامِلاً فِي أَجْيَالِهِ أي كانت أعماله مما تجيز أن يخلص من الهلاك الذي حتم على الناس يومئذ. فالبر والكمال هنا نسبي لا حقيقي لأنه لا حي يتبرر أمام الله. ولا ريب في أن نوحاً كان يرغب في الكمال الحقيقي ويسعى وراءه على قدر طاقته. ومعنى «أجياله» هنا معاصروه. وكان نوح كذلك لأنه صار مع الله (انظر تفسير ص 5: 22).

10 «وَوَلَدَ نُوحٌ ثَلاَثَةَ بَنِينَ: سَاماً، وَحَاماً، وَيَافَثَ».

ص 5: 32

وَوَلَدَ نُوحٌ ثَلاَثَةَ بَنِينَ (انظر تفسير ص 5: 32 والتفسير).

11 «وَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ أَمَامَ ٱللهِ، وَٱمْتَلأَتِ ٱلأَرْضُ ظُلْماً».

خروج 32: 7 وتثنية 32: 5 ص 10: 9 و13: 13 ولوقا 1: 6 ورومية 3: 19 حزقيال 8: 17 و28: 16 وحبقوق 2: 8 و17

ٱلأَرْضُ ذكر الأرض في الآيات الثلاث هنا ست مرات بلفظة «أرض» في العبرانية لا بلفظة «ادمه» كما في الآية السابقة. ومن هنا يتبين إن الأرض التي فسدت ليست كل وجه الكرة بل الجزء الذي يسكنه الإنسان الذي فسد.

12 «وَرَأَى ٱللهُ ٱلأَرْضَ فَإِذَا هِيَ قَدْ فَسَدَتْ، إِذْ كَانَ كُلُّ بَشَرٍ قَدْ أَفْسَدَ طَرِيقَهُ عَلَى ٱلأَرْضِ».

ص 11: 5 و18: 21 ومزمور 14: 2 و33: 13 و14 و53: 2

ٱلأَرْضَ... فَسَدَتْ أي استخدمها الإنسان للإفساد فصارت محل الفساد.

إِذْ كَانَ كُلُّ بَشَرٍ قَدْ أَفْسَدَ طَرِيقَهُ عَلَى ٱلأَرْضِ هذا تعليل للعبارة التي قبله أي أنّ المادة لا توصف بالصلاح أو الطلاح الأدبي الذي هو الفساد لكنها فسدت بإفساد الإنسان فيها بإطلاقه لنفسه العنان في ميادين الشهوات الجسدية (انظر تفسير ع 7).

13 «فَقَالَ ٱللهُ لِنُوحٍ: نِهَايَةُ كُلِّ بَشَرٍ قَدْ أَتَتْ أَمَامِي، لأَنَّ ٱلأَرْضَ ٱمْتَلأَتْ ظُلْماً مِنْهُمْ. فَهَا أَنَا مُهْلِكُهُمْ مَعَ ٱلأَرْضِ».

إرميا 51: 13 وحزقيال 7: 2 و3 و6 وعاموس 8: 2 ع 17

نِهَايَةُ كُلِّ بَشَرٍ قَدْ أَتَتْ أَمَامِي العبارة من اصطلاح الملوك الأرضيين فإنهم قبل أن يأمروا بإجراء الحكم يُرفع إليهم الحكم ليرى هل هو على وفق الشريعة فإن رآه كذلك أمر بالإجراء وإلا فلا.

مُهْلِكُهُمْ لأن الحكم على مقتضى الشريعة فما تُرجم «بالإفساد» في (ع 12) تُرجم «بالإهلاك» هنا. ففي العبرانية المشاكلة وهو ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته فكأنه قال أفسدوا الأرض فأفسدهم أي أجازيهم على إفسادهم بالإهلاك وهذا من المحسنات في اللغة العبرانية والعربية. ومنه قول عمرو بن كلثوم:

Table 5. 

ألا لا يجهلن أحد علينافنجهل فوق جهل الجاهلينا    

أي فنقتلهم جزاء على جهلهم.

مُهْلِكُهُمْ مَعَ ٱلأَرْضِ أي مميتهم وسائر الأحياء على الأرض.

14 «اِصْنَعْ لِنَفْسِكَ فُلْكاً مِنْ خَشَبِ جُفْرٍ. تَجْعَلُ ٱلْفُلْكَ مَسَاكِنَ، وَتَطْلِيهِ مِنْ دَاخِلٍ وَمِنْ خَارِجٍ بِٱلْقَارِ».

اِصْنَعْ... فُلْكاً الفلك في العبرانية «تبت وتبه» أي تابوت والمقصود سفينة كالتابوت.

مِنْ خَشَبِ جُفْرٍ وفي العبرانية «عصي جفر» (والجيم في العبرانية كالجيم المصرية ومعنى «عصي» عشب أو شجر والقريب من لفظ الجيم العبرانية من الحروف العربية الغين والكاف والقاف. فعلى ذلك يكون المعنى شجر الكفر أو شجر القفر والكفر والقفر في العربية القير والزفت) وقال بعض المفسرين معنى خشب الجفر الأشجار الزفتية كالشجر المعروف عند النباتيين باسم كبريسوس سمبر فيرنس أي السرو وهو شجر مستقيم الساق دائم الخضرة كثير البقاء كان الأقدمون يفضلونه على غيره في عمل السفن.

مَسَاكِنَ أي مخادع في ثلاث طبقات.

بِٱلْقَارِ وهو القير والزفت والحمَر. فإذاً السفينة الطوفانية صُنعت حيث يُستخرج القار بسهولة وهو كذلك في بلاد أشور حيث ينابيع الزفت في أيامنا.

15 «وَهٰكَذَا تَصْنَعُهُ: ثَلاَثَ مِئَةِ ذِرَاعٍ يَكُونُ طُولُ ٱلْفُلْكِ، وَخَمْسِينَ ذِرَاعاً عَرْضُهُ، وَثَلاَثِينَ ذِرَاعاً ٱرْتِفَاعُهُ».

ذِرَاعٍ المقصود بالذراع هنا ما طوله طول ذراع اليد من المِرفق إلى رأس الأصبع الوسطى. واعتبروا الذراع أنه ربع قامة الإنسان وذلك نحو ثماني عشرة عقدة فيكون طول السفينة على هذا التقدير 450 قدماً وعرضها 75 قدماً وعلوها 45 قدماً. والسفينة المسماة «غريت أسترن» أي الشرقية الكبيرة أكبر منها فإن طولها 680 قدماً.

ومثل هذه السفينة في تلك الأيام مما كان يصعب السفر فيها فصُنعت ليس للسير بل لأن تطفو على وجه الماء.

16 «وَتَصْنَعُ كَوّاً لِلْفُلْكِ، وَتُكَمِّلُهُ إِلَى حَدِّ ذِرَاعٍ مِنْ فَوْقُ. وَتَضَعُ بَابَ ٱلْفُلْكِ فِي جَانِبِهِ. مَسَاكِنَ سُفْلِيَّةً وَمُتَوَسِّطَةً وَعُلْوِيَّةً تَجْعَلُهُ».

ص 8: 6 ص 7: 20

كَوّاً الكِوّ الكَوّة والكُوّة وهي الخرق في الحائط لدخول الضوء والهواء والأرجح إن هذه الكوّة كانت خرقاً طويلاً متصلاً حول الفلك تحت أطراف السقف بين الاضلاع على علو ذراع.

بَابَ المرجّح أنّ هذا الباب كان للطبقات الثلاث وكان غيره من المنافذ في مخادع المواشي ليخرج منها الماء عند غسلها وتنظيفها ويدخل الضوء والهواء إليها وصُنعت بترك الألواح بين الأضلاع.

17 «فَهَا أَنَا آتٍ بِطُوفَانِ ٱلْمَاءِ عَلَى ٱلأَرْضِ لأُهْلِكَ كُلَّ جَسَدٍ فِيهِ رُوحُ حَيَاةٍ مِنْ تَحْتِ ٱلسَّمَاءِ. كُلُّ مَا فِي ٱلأَرْضِ يَمُوتُ».

ع 13 و ص 7: 4 و21 إلى 23

بِطُوفَانِ في العبرانية «مَبوّل» وهذه اللفظة تُستعمل لسوى طوفان نوح إلا في المزمور التاسع والعشرين لكن في ذلك إشارة إلى طوفان نوح.

كُلَّ جَسَدٍ فِيهِ رُوحُ حَيَاةٍ... يَمُوتُ هذا يؤيد القول بأن الطوفان كان عاماً. ولكنا نقول إن الأرض التي ذُكرت في هذه الآية لا مانع من فهم أنها الأرض التي كان يعرفها نوح وأهل عصره.

18 «وَلٰكِنْ أُقِيمُ عَهْدِي مَعَكَ، فَتَدْخُلُ ٱلْفُلْكَ أَنْتَ وَبَنُوكَ وَٱمْرَأَتُكَ وَنِسَاءُ بَنِيكَ مَعَكَ».

ص 7: 1 و7 و13 و1بطرس 3: 20 و2بطرس 2: 5

عَهْدِي لم يكن عهد الرب (يهوه) لآدم ولا للشيثيين إلا منذ أيام أنوش (ص 4: 26) وظهر في أمر نوح وعُرف الله «بالرب» (أي يهوه) ولكنه كان أُظهر في عصر موسى وعهوده فنسبة نوح إلى الله أن العلاقة بينه وبين الرب كانت أكثر وأشد من العلاقة بين آدم والله. والعلاقة بين موسى والرب أشد من العلاقة بين نوح والرب ولذلك صح أن تُدعى التوراة بالعهد القديم والعهد الجديد معاً. ومعنى «العهد» هنا إما الاتفاق بين أثنين وهما حيّان أو صك به يوصي الحي بتركته لمن يستولي عليها بعد موته (عبرانيين 9: 16 و17).

19 - 22 «19 وَمِنْ كُلِّ حَيٍّ مِنْ كُلِّ ذِي جَسَدٍ، ٱثْنَيْنِ مِنْ كُلٍّ تُدْخِلُ إِلَى ٱلْفُلْكِ لٱسْتِبْقَائِهَا مَعَكَ. تَكُونُ ذَكَراً وَأُنْثَى. 20 مِنَ ٱلطُّيُورِ كَأَجْنَاسِهَا، وَمِنَ ٱلْبَهَائِمَ كَأَجْنَاسِهَا، وَمِنْ كُلِّ مَا يَدِبُّ عَلَى ٱلأَرْضِ كَأَجْنَاسِهِ. ٱثْنَيْنِ مِنْ كُلٍّ تُدْخِلُ إِلَيْكَ لٱسْتِبْقَائِهَا. 21 وَأَنْتَ، فَخُذْ لِنَفْسِكَ مِنْ كُلِّ طَعَامٍ يُؤْكَلُ وَٱجْمَعْهُ عِنْدَكَ، فَيَكُونَ لَكَ وَلَهَا طَعَاماً. 22 فَفَعَلَ نُوحٌ حَسَبَ كُلِّ مَا أَمَرَهُ بِهِ ٱللهُ. هٰكَذَا فَعَلَ».

ص 7: 8 و9 و15 و16 ص 7: 8 و9 و15 ص 7: 5 و9 وخروج 40: 16 وعبرانيين 11: 7

مِنْ كُلِّ حَيٍّ مِنْ كُلِّ ذِي جَسَدٍ، ٱثْنَيْنِ يظهر من هذا ومن عظم سعة الفلك إن نوحاً لم يكلف بتخليص أهل بيته والحيوانات الداجنة فقط بل كُلف أيضاً بحفظ الوحوش والطيور والزحافات أيضاً. ولا بد في ذلك كله من المعجزة لكي لا تفنى المفترسة البهائم بعد الخروج من الفلك إذا لا يكون حينئذ ما تأكله السباع. وإذا كان القادر على كل شيء هو المعتني فلا نرى شيئاً من الصعوبة في هذا الأمر. وهو ليس على الله بأصعب من حفظ نوح ومن معه. وكل الحيوانات في السفينة والذي أعد الطعام في تلك السفينة يسهل عليه أن يعده خارجها أو يحفظ الحياة بلا طعام إلى حين.

فوائد

  1. اقتران شعب الله بالزواج مع الأشرار شر عظيم فلنحذر تزوج أولادنا غير المؤمنين.

  2. فساد جنسنا يعلمنا الاتضاع لان جراثيم نفس هذه الشرور هي فينا.

  3. كانت صفات نوح صالحة وإيمانه بالله سامياً وثبت في إيمانه على رغم المعيّرين ولم يبال بتعييرهم.

  4. خير لنا أن نخلص مع القليلين ولا نهلك مع الكثيرين.

اَلأَصْحَاحُ ٱلسَّابِعُ

1 «وَقَالَ ٱلرَّبُّ لِنُوحٍ: ٱدْخُلْ أَنْتَ وَجَمِيعُ بَيْتِكَ إِلَى ٱلْفُلْكِ، لأَنِّي إِيَّاكَ رَأَيْتُ بَارّاً لَدَيَّ فِي هٰذَا ٱلْجِيلِ».

ص 6: 18 وع 7 و13 ومتّى 24: 38 ولوقا 17: 27 وعبرانيين 11: 7 و1بطرس 3: 20 و2بطرس 2: 5 ص 6: 9 ومزمور 33: 18 و19 وأمثال 10: 9 و2بطرس 2: 9

ٱدْخُلْ كان بناء السفينة قد تم. وبعد أسبوع شغله نوح بجمع الحيوانات كان عليه أن يدخلها. وكثيرون من المفسرين ظنوا أن نوحاً شغل بصنع الفلك مئة وعشرين سنة. ولكن الذي ساقهم إلى هذا الظن ما في الآية الثالثة من الأصحاح السادس ففهموها على غير معناها المقصود وهو تعيين مدة حياة الإنسان في المستقبل.

2 «مِنْ جَمِيعِ ٱلْبَهَائِمِ ٱلطَّاهِرَةِ تَأْخُذُ مَعَكَ سَبْعَةً سَبْعَةً ذَكَراً وَأُنْثَى. وَمِنَ ٱلْبَهَائِمِ ٱلَّتِي لَيْسَتْ بِطَاهِرَةٍ ٱثْنَيْنِ: ذَكَراً وَأُنْثَى».

ع 8 ولاويين 11 وتثنية 14: 3 إلى 20 لاويين 10: 10 وحزقيال 44: 23

مِنْ جَمِيعِ ٱلْبَهَائِمِ ٱلطَّاهِرَةِ ماذا أراد بالبهائم الطاهرة هنا والشريعة اللاوية لم تكن قد وُضعت فليس المقصود بها التي أُحل أن تؤكل ولا المقصود بها الداجنة هنا هي التي كانت تقدم قرابين منذ أيام آدم وهابيل وأنها حُفظت في السفينة ليقدم نوح قرابينه منها عند خروجه من الفلك وليكون باقيها نافعاً له مدة بقاء الأرض خالية من سواها. ولعل البهائم الطاهرة منها البقر والغنم والمعزى. والبهائم غير الطاهرة الجمل والفرس والحمار وأمثالهما مما ينتفع الإنسان بها ومن أخص الطيور الطاهرة الحمام.

سَبْعَةً سَبْعَةً (هذا يدلنا على أن الطوفان لم يكن عاماً وإلا استحال أن يسع الفلك كل تلك الحيوانات وما تحتاج إليه من الطعام والخدمة التي تتعذر على ثمانية أنفس. ولكن إذا كان خاصاً كانت تلك الحيوانات قليلة كأن تكون من حيوانات أرض عدن وما جاورها. وقول بعضهم بأن الطوفان عام وإن هذه الحيوانات ليست سبعة أزواج من كل نوع بل سبعة من كل جنس يستلزم مذهباً أصعب من مذهب دروين وغيره من أرباب النشوء وهو تنوع الأفراد الجنسية بعد استقلال أنواعها أو الخلق الجديد بعد إكمال الخلق الأول في الأيام الستة). قال الدكتور بين سمث ما نصه «المرجّح أن المعنى ليس سبعة أزواج من كل صنف مع أن الكثيرين من المفسرين صرّحوا بذلك بل سبعة من كل جنس (أو نوع) لأنه لو كان المقصود سبعة أزواج لكان عدد الحيوانات الداخلة الفلك كثيرة يعجز نوح وأولاده عن الاعتناء بها فتأمل».

3 «وَمِنْ طُيُورِ ٱلسَّمَاءِ أَيْضاً سَبْعَةً سَبْعَةً: ذَكَراً وَأُنْثَى. لٱسْتِبْقَاءِ نَسْلٍ عَلَى وَجْهِ كُلِّ ٱلأَرْضِ».

طُيُورِ ٱلسَّمَاءِ (السماء على الإطلاق كل ما علاك وارتفع عنك والمقصود بها هنا الجو أي الهواء من وجه الأرض إلى غاية ما ينتهي إليه فوقها وأُضيفت الطيور إليه لطيرانها فيه).

4 «لأَنِّي بَعْدَ سَبْعَةِ أَيَّامٍ أَيْضاً أُمْطِرُ عَلَى ٱلأَرْضِ أَرْبَعِينَ يَوْماً وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً. وَأَمْحُو عَنْ وَجْهِ ٱلأَرْضِ كُلَّ قَائِمٍ عَمِلْتُهُ».

ع 12 و17

أَرْبَعِينَ يَوْماً ومن هذا كان عدد الأربعين مقدساً في التجربة والصبر فإن هذه المدة كانت كمدة صوم موسى وإيليا وصوم المسيح في البرية وإقامته على الأرض بعد القيامة. ومدة أيام الصبر على أهل نينوى للتوبة. ومدة سني بني إسرائيل في البرية فإنها 40 سنة.

وَجْهِ ٱلأَرْضِ (وفي العبرانية وجه الأدمة أي الأرض المحروثة ولعل هذا مما يؤيد القول بأن الطوفان خاص.

كُلَّ قَائِمٍ عَمِلْتُهُ قائم هنا في العبرانية «هيقوم» ولم ترد هذه الكلمة في سوى ثلاث آيات هذه الآية والآية العشرين والآية السادسة من الأصحاح الحادي عشر من سفر التثنية (وتُرجمت في هذا السفر في ترجمتنا العربية بالموجودات) ومعناها كل منتصب. فيكون المقصود أن الله محا أي أتلف كل أحوال المبروءات الكائنة لا الناس والبهائم فقط (انظر تفسير ص 6: 79).

5 «فَفَعَلَ نُوحٌ حَسَبَ كُلِّ مَا أَمَرَهُ بِهِ ٱلرَّبُّ».

ص 6: 22

ما في هذه الآية مثال الطاعة الكاملة فيجب على كل إنسان أن يعمل على حسب كل أمر الله لا علىة حسب ما يستحسنه هو من أمر ربه).

6 «وَلَمَّا كَانَ نُوحٌ ٱبْنَ سِتِّ مِئَةِ سَنَةٍ صَارَ طُوفَانُ ٱلْمَاءِ عَلَى ٱلأَرْضِ».

نُوحٌ ٱبْنَ سِتِّ مِئَةِ سَنَةٍ فيكون سام حينئذ ابن نحو مئة سنة فإن نوحاً ولد سام وهو ابن خمس مئة سنة (ص 5: 32) وكان سام ابن مئة سنة بعد سنتين من بداءة الطوفان (ص 11: 10) ومدة الطوفان 150 يوماً (ع 24) انظر أيضاً تفسير ص 8: 13).

7 «فَدَخَلَ نُوحٌ وَبَنُوهُ وَٱمْرَأَتُهُ وَنِسَاءُ بَنِيهِ مَعَهُ إِلَى ٱلْفُلْكِ مِنْ وَجْهِ مِيَاهِ ٱلطُّوفَانِ».

ع 1

فَدَخَلَ نُوحٌ وَبَنُوهُ وَٱمْرَأَتُهُ وَنِسَاءُ بَنِيهِ فالكل ثمانية.

8 «وَمِنَ ٱلْبَهَائِمِ ٱلطَّاهِرَةِ وَٱلْبَهَائِمِ ٱلَّتِي لَيْسَتْ بِطَاهِرَةٍ، وَمِنَ ٱلطُّيُورِ وَكُلِّ مَا يَدِبُّ عَلَى ٱلأَرْضِ».

يَدِبُّ (في العبرانية «يمش» أي يَمَسّ).

9 «دَخَلَ ٱثْنَانِ ٱثْنَانِ إِلَى نُوحٍ إِلَى ٱلْفُلْكِ، ذَكَراً وَأُنْثَى. كَمَا أَمَرَ ٱللهُ نُوحاً».

ٱثْنَانِ ٱثْنَانِ (هذا يدل على أن السبعات كانت أزواجاً).

10 «وَحَدَثَ بَعْدَ ٱلسَّبْعَةِ ٱلأَيَّامِ أَنَّ مِيَاهَ ٱلطُّوفَانِ صَارَتْ عَلَى ٱلأَرْضِ».

بَعْدَ ٱلسَّبْعَةِ ٱلأَيَّامِ في التقاليد اليهودية كانت هذه الأيام السبعة أيام ندب متوشالح فإنه مات في سنة الطوفان.

11، 12 «11 فِي سَنَةِ سِتِّ مِئَةٍ مِنْ حَيَاةِ نُوحٍ، فِي ٱلشَّهْرِ ٱلثَّانِي، فِي ٱلْيَوْمِ ٱلسَّابِعَ عَشَرَ مِنَ ٱلشَّهْرِ، ٱنْفَجَرَتْ كُلُّ يَنَابِيعِ ٱلْغَمْرِ ٱلْعَظِيمِ، وَٱنْفَتَحَتْ طَاقَاتُ ٱلسَّمَاءِ. 12 وَكَانَ ٱلْمَطَرُ عَلَى ٱلأَرْضِ أَرْبَعِينَ يَوْماً وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً».

ص 8: 2 و49: 25 وتثنية 33: 13 وأيوب 38: 16 ومزمور 24: 2 و33: 7 و136: 6 وأمثال 8: 28 ص 8: 2 و2ملوك 7: 2 ومزمور 78: 23 وإشعياء 24: 18 وملاخي 3: 10 ع 4 و17

فِي ٱلشَّهْرِ ٱلثَّانِي من السنة المدنية التي أولها «تسري» (الموافق لجزء من أيلول وجزء من تشرين الأول). وقال بين سميث إنه عيد الاعتدال الخريفي فيكون الطوفان ابتدأ في نحو آخر تشرين الأول. وأول السنة الدينية في «أبيب» أي نيسان لأنه كان تذكاراً لخروجهم من مصر ونجاتهم من العبودية (خروج 12: 2 و23: 15). ولهذا لا يكون المقصود هنا السنة الدينية. وكانت تلك السنة قمرية أي 360 يوماً (على ما قال بين سميث) لأن المياه طغت 150 يوماً (ع 24) ثم قلت 150 يوماً (ص 8: 3) وذُكر إن نهاية الدور الأول الذي هو 150 يوماً (في ص 8: 4) كانت اليوم السبع عشر من الشهر السابع لأن الطوفان ابتدأ في اليوم السابع عشر من الشهر الثاني فالعدد 150 هو عدد أيام خسمة أشهر كل شهر ثلاثين يوماً. وزيادة البيان في تفسير (ص 8: 14).

ٱنْفَجَرَتْ كُلُّ يَنَابِيعِ ٱلْغَمْرِ ٱلْعَظِيمِ أي انفجرت المياه التي في قلب الأرض وأعماق البحر فصارت كالينابيع والعيون المعروفة لكنها كانت عظيمة تندفع إلى فوق وهذا يدل على أن مياه الطوفان لم تكن كلها من المطر الذي انصب أربعين يوماً وأربعين ليلة لأنه لو تحوّل كل البخار الذي في الجو ماء ما غطى الربى فضلاً عن الجبال. ولا بد هنا من فرض حادث غير طبيعي أو معجز ألجأ مياه الغمر إلى الاندفاع والطغيان.

والمرجّح إن مياه بحر الروم والبحر الأسود وبحر الخزر وخليج العجم ارتفعت وطمت على البر واجتمعت مع ماء المطر وغطت الأرض. وظن بعضهم إن بقايا جثث الأفيال التي تكثر اليوم في شمالي سيبيريا اندفعت إلى تلك الأقاليم زمان الطوفان ثم تجمدت من البر القارس وهي باقية محفوظة إلى هذا اليوم بدون تغيير أو انحلال.

طَاقَاتُ ٱلسَّمَاءِ الخ (في هذا تخيل شعري حسن) مبني على ما شوهد من الواقع وعلى الاعتقاد إن الماء في السموات محجوز بأبواب فلما فُتحت انصبّ بوفرة عظيمة.

13 «فِي ذٰلِكَ ٱلْيَوْمِ عَيْنِهِ دَخَلَ نُوحٌ وَسَامٌ وَحَامٌ وَيَافَثُ بَنُو نُوحٍ، وَٱمْرَأَةُ نُوحٍ، وَثَلاَثُ نِسَاءِ بَنِيهِ مَعَهُمْ إِلَى ٱلْفُلْكِ».

ع 1

فِي ذٰلِكَ ٱلْيَوْمِ عَيْنِهِ وفي العبرانية «في عظم ذلك اليوم» (انظر تفسير ص 2: 23).

14 «هُمْ وَكُلُّ ٱلْوُحُوشِ كَأَجْنَاسِهَا، وَكُلُّ ٱلْبَهَائِمِ كَأَجْنَاسِهَا، وَكُلُّ مَا يَدِبُّ عَلَى ٱلأَرْضِ كَأَجْنَاسِهَا، وَكُلُّ ٱلطُّيُورِ كَأَجْنَاسِهَا: كُلُّ عُصْفُورٍ، كُلُّ ذِي جَنَاحٍ».

ع 2 و3 و8 و9

وَكُلُّ ٱلْوُحُوشِ وفي العبرانية «كل الأحياء» كما في ص 8: 1 (في العبرانية) «كل أحياء البرية» وهو الموافق للمقام.

ٱلْبَهَائِمِ (انظر تفسير ص 1: 24). (يجب أن يُعلم هنا إنا كثيراً ما نذكر البهائم في التفسير ونريد بها كل ما سوى الإنسان من الحيوان وقد تأتي في الكتاب مقابلة للوحوش كما هنا).

وَكُلُّ مَا يَدِبُّ لا الزحافات فقط بل كل الحيوانات الصغيرة.

وَكُلُّ ٱلطُّيُورِ كَأَجْنَاسِهَا: كُلُّ عُصْفُورٍ، كُلُّ ذِي جَنَاحٍ رأى بعضهم إن الكاتب أراد هنا ثلاثة أجناس من ذوات الجناح الأول الطيور بالإجمال والثاني الطيور المغرّدة والثالث الهوام. والمرجّح أنه أراد كل أنواع ذوات الجناح.

15 «وَدَخَلَتْ إِلَى نُوحٍ إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱثْنَيْنِ ٱثْنَيْنِ مِنْ كُلِّ جَسَدٍ فِيهِ رُوحُ حَيَاةٍ».

ص 6: 20

وَدَخَلَتْ إِلَى نُوحٍ لا ريب في أن ذلك كان بقوة الله فتبعت بتحريكه إيّاها نوحاً وعياله الذين دخلوا أولاً. فدفع الله معاداتها الطبيعية فأمر الله الحيوانات كما أمر نوحاً. ونرى في ذلك رمزاً إلى الزمان المذكور في قول إشعياء النبي «فَيَسْكُنُ ٱلذِّئْبُ مَعَ ٱلْخَرُوفِ، وَيَرْبُضُ ٱلنَّمِرُ مَعَ ٱلْجَدْيِ، وَٱلْعِجْلُ وَٱلشِّبْلُ وَٱلْمُسَمَّنُ مَعاً، وَصَبِيٌّ صَغِيرٌ يَسُوقُهَا. وَٱلْبَقَرَةُ وَٱلدُّبَّةُ تَرْعَيَانِ. تَرْبُضُ أَوْلاَدُهُمَا مَعاً، وَٱلأَسَدُ كَٱلْبَقَرِ يَأْكُلُ تِبْناً» (إشيعاء 11: 6 و7).

ٱثْنَيْنِ ٱثْنَيْنِ (انظر تفسير ع 9).

16 «وَٱلدَّاخِلاَتُ دَخَلَتْ ذَكَراً وَأُنْثَى مِنْ كُلِّ ذِي جَسَدٍ كَمَا أَمَرَهُ ٱللهُ. وَأَغْلَقَ ٱلرَّبُّ عَلَيْهِ».

ع 2 و3

وَأَغْلَقَ ٱلرَّبُّ عَلَيْهِ وفي العبرانية «يهوه» واعتناء يهوه بنوح إلى هذا الحد من أعظم أعمال الإحسان. وفي الكلدانية «وأوصى اللاهوت كيسثروس أن يغلق على نفسه». وأتى ذلك أولاً لمنع الفلك وحفظ الذين فيه. وثانياً لمنع تعدي جماعات الأشرار الذين كانوا يرغبون عند انفجار المياه من دخول الفلك ولولا إغلاق الله على نوح لكانوا دخلوا أفواجاً وتعدوا على نوح وبيته. ولكن أُغلق الباب. ومثل ذلك ما جاء في (متى 25: 10) في مثل الوليمة (انظر أيضاً قول المسيح في أيام نوح متى 24: 38 و39).

17 - 19 «17 وَكَانَ ٱلطُّوفَانُ أَرْبَعِينَ يَوْماً عَلَى ٱلأَرْضِ. وَتَكَاثَرَتِ ٱلْمِيَاهُ وَرَفَعَتِ ٱلْفُلْكَ، فَٱرْتَفَعَ عَنِ ٱلأَرْضِ. 18 وَتَعَاظَمَتِ ٱلْمِيَاهُ وَتَكَاثَرَتْ جِدّاً عَلَى ٱلأَرْضِ، فَكَانَ ٱلْفُلْكُ يَسِيرُ عَلَى وَجْهِ ٱلْمِيَاهِ. 19 وَتَعَاظَمَتِ ٱلْمِيَاهُ كَثِيراً جِدّاً عَلَى ٱلأَرْضِ، فَتَغَطَّتْ جَمِيعُ ٱلْجِبَالِ ٱلشَّامِخَةِ ٱلَّتِي تَحْتَ كُلِّ ٱلسَّمَاءِ».

ع 4 و12 مزمور 104: 25 إرميا 3: 23

وَتَكَاثَرَتِ ٱلْمِيَاهُ فُصّل ارتفاع الماء بقوة في هذه الآيات حتى كأن الكاتب كان يشاهد على ظهر الفلك كل ما يحدث. وكرر هذا المعنى أربعاً في هذه الآيات وستاً في هذا الأصحاح.

فَتَغَطَّتْ جَمِيعُ ٱلْجِبَالِ ٱلشَّامِخَةِ ٱلَّتِي تَحْتَ كُلِّ ٱلسَّمَاءِ رأى بعضهم من هذه العبارة إن الطوفان كان عاماً إذ فهم منها أنه غطى كل جبل على وجه كل الكرة الأرضية التي تحيط بها سماء النجوم. لكن هذا لا يلزم من العبارة ضرورة فإن معنى «جميع» هنا المجموع أي مجموع الجبال في الأرض التي أصابها الطوفان. والمقصود «بالسماء» الجو الذي يحد النظر أطرافه على تلك الأرض وهو ما تراه فوقك كالقبة. على أن معنى «كل» كثيراً ما يكون محدوداً فيعني كل الشيء الحصة المعينة (كما في قوله خرج إليه أورشليم وكل اليهودية).

20 - 22 «20 خَمْسَ عَشَرَةَ ذِرَاعاً فِي ٱلٱرْتِفَاعِ تَعَاظَمَتِ ٱلْمِيَاهُ، فَتَغَطَّتِ ٱلْجِبَالُ. 21 فَمَاتَ كُلُّ ذِي جَسَدٍ كَانَ يَدِبُّ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلطُّيُورِ وَٱلْبَهَائِمِ وَٱلْوُحُوشِ وَكُلُّ ٱلزَّحَّافَاتِ ٱلَّتِي كَانَتْ تَزْحَفُ عَلَى ٱلأَرْضِ، وَجَمِيعُ ٱلنَّاسِ. 22 كُلُّ مَا فِي أَنْفِهِ نَسَمَةُ رُوحِ حَيَاةٍ مِنْ كُلِّ مَا فِي ٱلْيَابِسَةِ مَاتَ».

1ص 6: 13 و17 وع 4 وأيوب 22: 16 ومتّى 24: 39 ولوقا 17: 27 و2بطرس 3: 6 ص 2: 7

خَمْسَ عَشَرَةَ ذِرَاعاً أي نحو 22 قدماً وارتفاع الماء على قنن الجبال إلى هذا الحد لا ينشأ بمجرد وقوع المطر أربعين يوماً وأربعين ليلة فلزم من ذلك إن الأرض التي نشأ فيها الطوفان كانت منخفضة عما يجاورها حتى جرى إليها ما وقع عليه وإن مياه الغمر اندفعت لحادث من الحوادث الطبيعية فيما جاور تلك الأرض من الأنجاد فجرى إليها أيضاً. وإذ انخفضت تلك الأرض جرت مياه الأبحر الجنوبية إلى الشمال فأمكن الفلك السير شمالاً على خلاف جهة جريان النهرين دجلة والفرات حتى استقر على قنة أراراط.

23 «فَمَحَا ٱللهُ كُلَّ قَائِمٍ كَانَ عَلَى وَجْهِ ٱلأَرْضِ: ٱلنَّاسَ، وَٱلْبَهَائِمَ، وَمَا يَدِبُّ، وَطُيُورَ ٱلسَّمَاءِ، فَٱنْمَحَتْ مِنَ ٱلأَرْضِ. وَتَبَقَّى نُوحٌ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ فِي ٱلْفُلْكِ فَقَطْ».

1بطرس 3: 20 و2بطرس 2: 5

كُلَّ قَائِمٍ (انظر تفسير ع 4).

ٱلأَرْضِ (الترجمة المفلوحة لأنها في العبرانية «أدمة»).

24 «وَتَعَاظَمَتِ ٱلْمِيَاهُ عَلَى ٱلأَرْضِ مِئَةً وَخَمْسِينَ يَوْماً».

ص 8: 3

تَعَاظَمَتِ في العبرانية «قويت» وكذا في (ع 18) فيها. دام المطر أربعين يوماً ولكن المياه حملت السفينة مئة يوم وعشرة أيام وحينئذ استقرت على الأرض. ولكن مع أن المياه كانت قوية حينئذ كانت آخذة في النقصان (انظر ص 8: 3) بعد أن كانت فوق قنة أراراط 22 قدماً تقصت حتى مست السفينة تربته وكل هذا يدل على أن أهل السفينة أو بعضهم عرف ذلك كله بالمشاهدة.

مِئَةً وَخَمْسِينَ يَوْماً كان أقل من ذلك كافياً لإهلاك كل البشر. ولكن امتحن الله إيمان نوح وصبره بطول هذه المدة وتطهرت الأرض من نجاسات الأشرار كما أن أرض إسرائيل استراحت سبتاً أي سبعين سنة وهي مدة السبي وتطهرت من عبادة الأصنام.

اَلأَصْحَاحُ ٱلثَّامِنُ

1 «ثُمَّ ذَكَرَ ٱللهُ نُوحاً وَكُلَّ ٱلْوُحُوشِ وَكُلَّ ٱلْبَهَائِمِ ٱلَّتِي مَعَهُ فِي ٱلْفُلْكِ. وَأَجَازَ ٱللهُ رِيحاً عَلَى ٱلأَرْضِ فَهَدَأَتِ ٱلْمِيَاهُ».

ص 19: 29 وخروج 2: 24 ولاويين 26: 42 ومزمور 112: 6 و136: 23 خروج 14: 21

ٱللهُ «إلوهيم» وكان من المتوقع هنا أن الله يُذكر باسم الرب «يهوه» لأنه هو الذي تولى أمر الطوفان من أوله إلى هنا واستعمال اسم إلوهيم هنا دليل على وحدة مسمى الاسمين.

كُلَّ ٱلْوُحُوشِ وفي العبرانية كل حي (انظر تفسير ص 7: 14).

أَجَازَ ٱللهُ رِيحاً (قابل هذا بما في ص 1: 2) أخذت الريح تهب عندما انقطع المطر وهذا كان لا بد منه لتوازن الهواء لوقوع ما كان بين أجزائه من البخار مطراً.

2 «وَٱنْسَدَّتْ يَنَابِيعُ ٱلْغَمْرِ وَطَاقَاتُ ٱلسَّمَاءِ، فَٱمْتَنَعَ ٱلْمَطَرُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ».

ص 7: 11 أيوب 38: 37

فَٱمْتَنَعَ ٱلْمَطَرُ وفي العبرانية «سكن» أي ركدت المياه المطرية وهذا دليل على أن معنى قوله «تعاظمت» (ص 7: 24) قويت أي كان جريانها شديداً.

3 «وَرَجَعَتِ ٱلْمِيَاهُ عَنِ ٱلأَرْضِ رُجُوعاً مُتَوَالِياً. وَبَعْدَ مِئَةٍ وَخَمْسِينَ يَوْماً نَقَصَتِ ٱلْمِيَاهُ»

ص 7: 24

وَرَجَعَتِ ٱلْمِيَاهُ عَنِ ٱلأَرْضِ (هذا دليل واضح على أن المياه كانت تجري إليها من الأنجاد المجاورة وإن الطوفان خاص). قال بين سمث «رجوع هذه المياه يدل على أن أمواج البحر طغت وطمت على تلك الأرض فكانت زيادة على مياه المطر».

نَقَصَتِ ٱلْمِيَاهُ هذا يدل على أن أهل السفينة كانوا يستطيعون أن يشاهدوا نقصه لكنهم لم ينظروا قنن الجبال إلا في اليوم الأول من الشهر العاشر.

4 «وَٱسْتَقَرَّ ٱلْفُلْكُ فِي ٱلشَّهْرِ ٱلسَّابِعِ، فِي ٱلْيَوْمِ ٱلسَّابِعَ عَشَرَ مِنَ ٱلشَّهْرِ، عَلَى جِبَالِ أَرَارَاطَ».

2ملوك 19: 37 وإشعياء 37: 38 وإرميا 51: 27

ٱلشَّهْرِ ٱلسَّابِعِ، فِي ٱلْيَوْمِ ٱلسَّابِعَ عَشَرَ إن الشهر كان ثلاثين يوماً (انظر تفسير ع 14) فالمدة هنا 150 يوماً (انظر تفسير ص 7: 11). والشهر السابع من السنة المدنية «أبيب» وفي هذا قال أحد المفسرين وأجاد «في السابع عشر من أبيب استقر الفلك على جبل أراراط وفي السابع عشر من أبيب خرج الإسرائيليون من مصر وفي السابع عشر من أبيب قام المسيح ربنا من الأموات».

أَرَارَاطَ قال بعضهم في الآية الثانية من الأصحاح الحادي عشر إن أولاد نوح سافروا شرقاً إلى شنعار وترجمه بعضهم «من الشرق» وعلى هذا لا يكون أراراط هو جبل أراراط المعروف في أرمينية. والكلمة الأشورية تعني أرضاً ذات تلال أو نجداً فيصح أن يكون أراراط نجداً من الأنجاد. وفي النسخة الكلدانية إن السفينة استقرت على «نيزير» وهي كورة شرقي أشور ويُسمى أعلى نجد هنالك «الوند» وسُمي عند الكلدانيين بجبل العالم. والترجمة المشهورة في العربية أنه كان «ارتحالهم شرقاً» وكذا جاء في (ص 13: 11). وتُرجم أراراط في النسخة الإنكليزية في (2ملوك 19: 37) أرمينية (وفي العربية أراراط). وفي إرميا 51: 27 إنها بلاد قرب مِنّي أي قرب أرمينية. وفي تلك البلاد اليوم جبلان أعلى من سائر الجبال اسم أحدهما أغريضاغ واسم الآخر قراضاغ وهو الأعلى وارتفاعه 17260 قدماً. والنبأ الكلداني يقتضي أنه هو الذي استقرت عليه السفينة. ولكن في التوراة العبرانية أنه أراراط أي بعض مرتفعات ذلك الجبل. والخلاصة إن نوحاً وجد بعد ثلاثة وسبعين يوماً أنه محاط برؤوس الجبال. ولا ريب في أن الأرض لم تكن قد جفت حينئذ. وفي ترجوم (أي تفسير أو ترجمة) أُنكيلوس والنخسة السريانية استقرت «على جبال كردوشيا» أي بلاد الأكراد وهي الجبال الفاصلة أرمينية عن كردستان ورجح كثيرون ذلك.

5 «وَكَانَتِ ٱلْمِيَاهُ تَنْقُصُ نَقْصاً مُتَوَالِياً إِلَى ٱلشَّهْرِ ٱلْعَاشِرِ. وَفِي ٱلْعَاشِرِ فِي أَوَّلِ ٱلشَّهْرِ، ظَهَرَتْ رُؤُوسُ ٱلْجِبَالِ».

ظَهَرَتْ رُؤُوسُ ٱلْجِبَالِ (انظر تفسير ع 4).

6 «وَحَدَثَ مِنْ بَعْدِ أَرْبَعِينَ يَوْماً أَنَّ نُوحاً فَتَحَ طَاقَةَ ٱلْفُلْكِ ٱلَّتِي كَانَ قَدْ عَمِلَهَا».

ص 6: 16

فَتَحَ طَاقَةَ ٱلْفُلْكِ الخ أي كوّة من كواه لا الكو المذكور في (ص 6: 16) وكان ذلك بعد «أربعين يوماً» من ظهور رؤوس الجبال.

7 «وَأَرْسَلَ ٱلْغُرَابَ، فَخَرَجَ مُتَرَدِّداً حَتَّى نَشِفَتِ ٱلْمِيَاهُ عَنِ ٱلأَرْضِ».

أَرْسَلَ ٱلْغُرَابَ ليعرف أحوال الأرض برجوعه إليه واختاره لأنه قوي الأجنحة.

فَخَرَجَ مُتَرَدِّداً أي ذاهباً وراجعاً إلى الفلك لكنه لم يستقر فيه ولعله رأى على وجه ما بقي من المياه كثيراً من الجيف الطافية فأغناه ذلك عن العَود إلى الفلك.

8، 9 «8 ثُمَّ أَرْسَلَ ٱلْحَمَامَةَ مِنْ عِنْدِهِ لِيَرَى هَلْ قَلَّتِ ٱلْمِيَاهُ عَنْ وَجْهِ ٱلأَرْضِ، 9 فَلَمْ تَجِدِ ٱلْحَمَامَةُ مَقَرّاً لِرِجْلِهَا، فَرَجَعَتْ إِلَيْهِ إِلَى ٱلْفُلْكِ لأَنَّ مِيَاهاً كَانَتْ عَلَى وَجْهِ كُلِّ ٱلأَرْضِ. فَمَدَّ يَدَهُ وَأَخَذَهَا وَأَدْخَلَهَا عِنْدَهُ إِلَى ٱلْفُلْكِ».

أَرْسَلَ ٱلْحَمَامَةَ الغراب لم يرجع إلى نوح لأنه وجد طعاماً ولكن الحمامة لا تأكل إلا المواد النباتية ولذلك اعتمد نوح إرسالها ليعرف حال وجه الأرض. ومن عادة الحمامة أن لا تبعد كثيراً عن مجثمها إلا إذا كانت مع عدد وافر من نوعها فرجعت سريعاً إذ لم تجد سوى الماء.

وَجْهِ كُلِّ ٱلأَرْضِ أي الأرض المجاورة للفلك التي جازتها الحمامة. وكثيراً ما تحدد لفظة «كل» من سياق القصة (انظر خروج 9: 6 وقابله بالآيات 9 و19 و20).

10 - 12 «10 فَلَبِثَ أَيْضاً سَبْعَةَ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَادَ فَأَرْسَلَ ٱلْحَمَامَةَ مِنَ ٱلْفُلْكِ، 11 فَأَتَتْ إِلَيْهِ ٱلْحَمَامَةُ عِنْدَ ٱلْمَسَاءِ، وَإِذَا وَرَقَةُ زَيْتُونٍ خَضْرَاءُ فِي فَمِهَا. فَعَلِمَ نُوحٌ أَنَّ ٱلْمِيَاهَ قَدْ قَلَّتْ عَنِ ٱلأَرْضِ. 12 فَلَبِثَ أَيْضاً سَبْعَةَ أَيَّامٍ أُخَرَ وَأَرْسَلَ ٱلْحَمَامَةَ فَلَمْ تَعُدْ تَرْجِعُ إِلَيْهِ أَيْضاً».

سَبْعَةَ أَيَّامٍ أُخَرَ هذا يدل دلالة واضحة إن الناس في أيام نوح كانوا يقسمون الزمان أسابيع.

فَأَرْسَلَ ٱلْحَمَامَةَ فبقيت خارج الفلك إلى المساء إذ وجدت طعاماً لكنها لم تجد مبيتاً حسناً فعادت إليه مساء بورقة زيتون ولعل تلك الورقة كانت من أوراق الزيتون الحديثة. وفي أرمينية يكثر الزيتون ويبقى ورقه أخضر تحت الماء وقتاً طويلاً. ولكن تلك الورقة لم تفد نوحاً كثيراً إذا كان يريد أن يعرف أحوال وجه الأرض لا ظهور الأشجار عليها فأرسلها بعد سبعة أيام أُخر فلم ترجع فعلم إن وجه الأرض قد جف.

13 «وَكَانَ فِي ٱلسَّنَةِ ٱلْوَاحِدَةِ وَٱلسِّتِّ مِئَةٍ، فِي ٱلشَّهْرِ ٱلأَوَّلِ فِي أَوَّلِ ٱلشَّهْرِ، أَنَّ ٱلْمِيَاهَ نَشِفَتْ عَنِ ٱلأَرْضِ. فَكَشَفَ نُوحٌ ٱلْغِطَاءَ عَنِ ٱلْفُلْكِ وَنَظَرَ، فَإِذَا وَجْهُ ٱلأَرْضِ قَدْ نَشِفَ».

أَوَّلِ ٱلشَّهْر أي اليوم الأول من الشهر بعد أن مضى شهر على إرسال الحمامة على ما في (ع 12).

ابتدأ الطوفان في الشهر الثاني في اليوم السابع منه.

وتعاظمت المياه 150 يوماً أي خمسة أشهر إلى اليوم 17 من الشهر السابع.

وظهرت رؤوس الجبال في اليوم الأول من الشهر العاشر. وأرسل نوح الغراب في نهاية اليوم الأربعين. وأرسل الحمامة ثلاثاً في مدات مؤلفة من سبعة أيام فهي 21 يوماً.

ومجموع ذلك 134 يوماً و13 من الشهر السابع و150 يوماً التي هي خمسة أشهر كل شهر ثلاثون يوماً واليوم الأول من السنة تعدل 164 يوماً. فالأرض رجعت إلى حالها الأصلية رجوعاً بطيئاً. وقسمة الوقت إلى أسابيع كما تبين من مدات إرسال الحمامة دليل على وجود خدمة دينية يتعلق بها.

ٱلْغِطَاءَ عَنِ ٱلْفُلْكِ استعملت كلمة «الغطاء» هنا في العبرانية لغطاء الخيمة المصنوع من الجلود (خروج 26: 14 وعدد 4: 25) فالمرجح أن غطاء السفينة كان كذلك أي من جلود وُصل بعضها ببعض بالخياطة.

14 «وَفِي ٱلشَّهْرِ ٱلثَّانِي، فِي ٱلْيَوْمِ ٱلسَّابِعِ وَٱلْعِشْرِينَ مِنَ ٱلشَّهْرِ، جَفَّتِ ٱلأَرْضُ».

ٱلشَّهْرِ ٱلثَّانِي، فِي ٱلْيَوْمِ ٱلسَّابِعِ وَٱلْعِشْرِينَ مِنَ ٱلشَّهْرِ الخ أي بعد 57 يوماً من رفع الغطاء. وسنة واحد عشر يوماً من ابتداء الطوفان. والكلمة التي هي «جفت» في آخر هذه الآية في العبرانية غير كلمة «نشفت» و «نشف» في الآية الثالثة عشرة (ولهذه اختلفتا في الترجمة العربية). والجفاف يدل على اليبس أكثر من النشف.

وفي هذه السنة والأحد عشر يوماً أمر يستحق النظر فإن الاثني عشر قمرياً أقل من 360 يوماً فالشهر أقل من ثلاثين يوماً. والسنة القمرية نحو 354 يوماً وإذا أضفت 11 يوماً على ذلك كان المجموع 365 يوماً وهي أيام السنة الشمسية.

15 - 19 «15 وَأَمَرَ ٱللهُ نُوحاً: 16 ٱخْرُجْ مِنَ ٱلْفُلْكِ أَنْتَ وَٱمْرَأَتُكَ وَبَنُوكَ وَنِسَاءُ بَنِيكَ مَعَكَ. 17 وَكُلَّ ٱلْحَيَوَانَاتِ ٱلَّتِي مَعَكَ مِنْ كُلِّ ذِي جَسَدٍ: ٱلطُّيُورِ، وَٱلْبَهَائِمِ، وَكُلَّ مَا يَدِبُّ عَلَى ٱلأَرْضِ، أَخْرِجْهَا مَعَكَ. وَلْتَتَوَالَدْ فِي ٱلأَرْضِ وَتُثْمِرْ وَتَكْثُرْ عَلَى ٱلأَرْضِ. 18 فَخَرَجَ نُوحٌ وَبَنُوهُ وَٱمْرَأَتُهُ وَنِسَاءُ بَنِيهِ مَعَهُ. 19 وَكُلُّ ٱلْحَيَوَانَاتِ، وَكُلُّ ٱلطُّيُورِ، كُلُّ مَا يَدِبُّ عَلَى ٱلأَرْضِ كَأَنْوَاعِهَا خَرَجَتْ مِنَ ٱلْفُلْكِ».

ص 7: 13 ص 7: 15 ص 1: 25

ٱخْرُجْ في نهاية السنة الشمسية تماماً خرج نوح وكل من معه من الناس وما معه من الحيوانات من الفلك فكأن الأرض عادت خربة وخالية.

وتجديد الله الأمر وهو قوله «لتتوالد في الأرض وتثمر وتكثر على الأرض» كما في (ص 1: 22) دليل على سعة الطوفان وهلاك كل حي من الناس والبهائم.

20 «وَبَنَى نُوحٌ مَذْبَحاً لِلرَّبِّ. وَأَخَذَ مِنْ كُلِّ ٱلْبَهَائِمِ ٱلطَّاهِرَةِ وَمِنْ كُلِّ ٱلطُّيُورِ ٱلطَّاهِرَةِ وَأَصْعَدَ مُحْرَقَاتٍ عَلَى ٱلْمَذْبَحِ».

ص 12: 8 و13: 18 و26: 25 وقضاة 6: 26 لاويين 11 لاويين 1: 3 إلى 17

وَبَنَى نُوحٌ مَذْبَحاً لِلرَّبِّ أي ليهوه. زعم بعضهم أن نبأ الذبائح هنا حاشية وضعها مؤلف يهوهي (نسبة إلى يهوه) وفيها جزء من المتواترات الصحيحة المتعلقة بالطوفان. ففي نبإ الطوفان الكلداني إنه بعد إرسال الحمامة والسنونو والغراب قال المرسل «أرسلتها إلى الرياح الأربع وقربت قرباناً وبنيت مذبحاً على رأس الجبل». (والقول بأن هذه الذبائح نتاج هذه العبارات اليهوهية القديمة فهي موضوعة لا إثبات له وهو ساقط ومخالف للحق فإن الذبائح كانت منذ عهد آدم بدليل قربان هابيل وهو مما يقتضيه نبأ الطوفان). فإن السفينة انتقلت من موضع صنعها على مياه الطوفان وجازت أرض الفردوس واستقرت حيث لا معبد ولا مسجد فإن تلك الأرض كانت جديدة له ولمن معه ولا مقدس عليها ولا موضع قدسه الأقدمون لله. وكان نوح سائراً مع الله الرب فقدس الأرض التي نزل عليها له جرياً على سنن قومه من عهد أخنوخ ولذلك بنى المذبح وهو أول مذبح ذُكر في التوراة وكان لقومه بعده يقدمون عليه ذبائحهم. والمرجّح إن بهائم الذبيحة كانت سبعاً من كل الأنواع الطاهرة (انظر تفسير ص 7: 2).

21 «فَتَنَسَّمَ ٱلرَّبُّ رَائِحَةَ ٱلرِّضَا. وَقَالَ ٱلرَّبُّ فِي قَلْبِهِ: لاَ أَعُودُ أَلْعَنُ ٱلأَرْضَ أَيْضاً مِنْ أَجْلِ ٱلإِنْسَانِ، لأَنَّ تَصَوُّرَ قَلْبِ ٱلإِنْسَانِ شِرِّيرٌ مُنْذُ حَدَاثَتِهِ. وَلاَ أَعُودُ أَيْضاً أُمِيتُ كُلَّ حَيٍّ كَمَا فَعَلْتُ».

لاويين 1: 9 و26: 31 وحزقيال 20: 41 و2كورنثوس 2: 15 وأفسس 5: 2 ص 3: 17 ص 6: 5 وأيوب 15: 14 ومزمور 51: 5 وإرميا 17: 9 ومتّى 15: 19 ورومية 1: 21 و3: 23 ص 9: 11 و15 وإشعياء 54: 9

رَائِحَةَ ٱلرِّضَا أي السرور والقبول. فمضى الغضب على الخطيئة مع الطوفان وجاء رضا السلام وعُقد الصلح بين السماء والأرض.

وَقَالَ ٱلرَّبُّ فِي قَلْبِهِ وفي العبرانية «لقلبه» أي لنفسه مع مراعاة الرحمة والإحسان والمعنى أنه قضى بالأمر لنفسه (قابل ص 17: 17).

لأَنَّ تَصَوُّرَ قَلْبِ ٱلإِنْسَانِ شِرِّيرٌ مُنْذُ حَدَاثَتِهِ (انظر ص 6: 5) يتوهم هنا المنافاة بين الرب والله أي بين يهوه وإلوهيم. فإن إلوهيم غضب وأهلك ويهوه رضي ورحم. ولكن العمل عمل واحد عمل أولاً بالعدل وعمل ثانياً بالرحمة. والكتاب المقدس قص النبأ باعتبار الأمرين كل في موضعه ولذلك كان الاقتصار على وجه واحد من وجوه المسئلة علة البدع القبيحة والضلالات البعيدة (انظر تفسير تصورات قلب الإنسان في متّى 15: 19).

22 «مُدَّةَ كُلِّ أَيَّامِ ٱلأَرْضِ زَرْعٌ وَحَصَادٌ، وَبَرْدٌ وَحَرٌّ، وَصَيْفٌ وَشِتَاءٌ، وَنَهَارٌ وَلَيْلٌ لاَ تَزَالُ».

إرميا 5: 24 و33: 20 و25

قسم الإسرائيليون بناء على ما في هذه الآية السنة إلى ستة أقسام وهذا ليس بالصواب لأنه في فلسطين نفسها وقتان للزرع فإن الغلال الشتوية تُزرع في تشرين الأول وتشرين الثاني والصيفية في كانون الثاني وشباط. فالآية تصف التغيرات المتوالية مطلقاً لا الفصول فإن الحر والبرد متواليان وكذا الليل والنهار والزرع والحصاد والصيف والشتاء. قال أحد الأفاضل وهذا كان إجابة لصلاة نوح.

اَلأَصْحَاحُ ٱلتَّاسِعُ

1 «وَبَارَكَ ٱللهُ نُوحاً وَبَنِيهِ وَقَالَ لَهُمْ: أَثْمِرُوا وَٱكْثُرُوا وَٱمْلأُوا ٱلأَرْضَ».

ص 1: 28 وع 7

وَبَارَكَ ٱللهُ نُوحاً (فهنا دفع وهم المنافاة (في ص 8: 21) بين الرب والله أو يهوه وإلوهيم). والبركة التي كانت هنا لنوح أبي البشر الثاني هي كالتي كانت لآدم أبي البشر الأول (تكوين 1: 28 و29 و2: 16 و17) مع الزيادة الوافرة الناشئة عن الأزمنة الماضية.

2 «وَلْتَكُنْ خَشْيَتُكُمْ وَرَهْبَتُكُمْ عَلَى كُلِّ حَيَوَانَاتِ ٱلأَرْضِ وَكُلِّ طُيُورِ ٱلسَّمَاءِ، مَعَ كُلِّ مَا يَدِبُّ عَلَى ٱلأَرْضِ، وَكُلِّ أَسْمَاكِ ٱلْبَحْرِ. قَدْ دُفِعَتْ إِلَى أَيْدِيكُمْ».

ص 1: 28

خَشْيَتُكُمْ الخ هذا تكرار إعطاء السيادة للإنسان على المخلوقات وفيه زيادة الإجازة الآتية.

3 «كُلُّ دَابَّةٍ حَيَّةٍ تَكُونُ لَكُمْ طَعَاماً. كَٱلْعُشْبِ ٱلأَخْضَرِ دَفَعْتُ إِلَيْكُمُ ٱلْجَمِيعَ».

تثنية 12: 15 و14: 4 و9 و11 ص 1: 29 رومية 14: 14 و20 و1كورنثوس 10: 23 و25 وكولوسي 2: 16 و1تيموثاوس 4: 3 و4

ًكُلُّ دَابَّةٍ حَيَّةٍ تَكُونُ لَكُمْ طَعَاما هذه الإجازة لم تكن منذ آدم إلى هذا الوقت.

4 «غَيْرَ أَنَّ لَحْماً بِحَيَاتِهِ، دَمِهِ، لاَ تَأْكُلُوهُ».

لاويين 17: 10 إلى 14 و19: 26 وتثنية 12: 23 إلى 25 و1صموئيل 14: 33 و34 وأعمال 15: 20 و29

غَيْرَ أَنَّ لَحْماً بِحَيَاتِهِ المقصود بالحياة هنا الدم لأن الحيوان لا يحيا بدونه.

5 «وَأَطْلُبُ أَنَا دَمَكُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَقَطْ. مِنْ يَدِ كُلِّ حَيَوَانٍ أَطْلُبُهُ. وَمِنْ يَدِ ٱلإِنْسَانِ أَطْلُبُ نَفْسَ ٱلإِنْسَانِ، مِنْ يَدِ ٱلإِنْسَانِ أَخِيهِ».

خروج 21: 28 ص 4: 9 و10 و42: 22 ومزمور 9: 12 وأعمال 28: 4 أعمال 17: 26

وَأَطْلُبُ أَنَا دَمَكُمْ لأَنْفُسِكُمْ الخ أي أنتقم لكم عن دمكم الذي تقوم به حياتكم الحيوانية (وفي هذا إيضاح للمعنى السابق (في ع 4) وهو أن الدم قوام الحياة). وأطلبه من كل وحش ومن كل إنسان ومن أخي الإنسان أطلب نفس الإنسان كما طلبت نفس هابيل من أخيه قايين والمعنى أنه يُقتل القاتل بهيمة كان أو إنساناً.

6 «سَافِكُ دَمِ ٱلإِنْسَانِ بِٱلإِنْسَانِ يُسْفَكُ دَمُهُ. لأَنَّ ٱللهَ عَلَى صُورَتِهِ عَمِلَ ٱلإِنْسَانَ».

خروج 21: 12 و14 ولاويين 24: 17 ومتّى 26: 52 ورؤيا 13: 10 ص 1: 27

بِٱلإِنْسَانِ أي الجزاء الحياة بالحياة وهذا الجزاء يحكم به الإنسان طبعاً في النظام المدني فشريعة الوحي على وفق شريعة الطبع.

7 «فَأَثْمِرُوا أَنْتُمْ وَٱكْثُرُوا وَتَوَالَدُوا فِي ٱلأَرْضِ وَتَكَاثَرُوا فِيهَا».

ص 1: 28 وع 1

(تكرار معنى هذه الآية في هذا الأصحاح وبعض ما قبله للتذكير والتقرير والأهمية).

8 «وَقَالَ ٱللهُ لِنُوحٍ وَبَنِيهِ»

(وفي هذه الآية والآية إلأولى كان خطاب الله لنوح وبنيه فنستدل من ذلك إن الوحي الخطابي كان متصلاً قبل أن سُطّر الكتاب فلم يكن الاعتماد على مجرد التواتر) المعروف بالتقليد. فالتقليد بلا أناس يوحي إليهم عرضة للتحريف والنسيان والزيادة والنقصان فبعد انقطاع الوحي لا يُعتمد عليه كما يُعتمد على الكتاب. وهذا لا يبقي قيمة لحجة التقليديين بأن الشريعة والنظام الديني كله كان بالتقليد من آدم إلى موسى لعدم انقطاع الوحي في كل تلك المدة على ما يُعرف من أنباء الآباء الأقدمين في التوراة نفسها.

9 «وَهَا أَنَا مُقِيمٌ مِيثَاقِي مَعَكُمْ وَمَعَ نَسْلِكُمْ مِنْ بَعْدِكُمْ».

ص 6: 18 وإشعياء 54: 9

وَهَا أَنَا مُقِيمٌ مِيثَاقِي الخ كان الميثاق بين الله والإنسان عمل الله «إلوهيم» نفسه ولم يذكر أنه أقام ميثاقاً بينه وبين الناس الذين كانوا قبل الطوفان. وهذا دليل على أن الإنسان الذي بعد الطوفان كان أقرب إلى الله من الإنسان الذي قبل الطوفان. ولم يكن ذلك الميثاق مقصوراً على نوح وبنيه بل كان لنسلهم أيضاً. ومعنى «الميثاق» العهد والمقصود به هنا إن الله لا يهلك بعد ذلك الناس كما أهلكهم حينئذ.

10 «وَمَعَ كُلِّ ذَوَاتِ ٱلأَنْفُسِ ٱلْحَيَّةِ ٱلَّتِي مَعَكُمْ: ٱلطُّيُورِ وَٱلْبَهَائِمِ وَكُلِّ وُحُوشِ ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي مَعَكُمْ، مِنْ جَمِيعِ ٱلْخَارِجِينَ مِنَ ٱلْفُلْكِ حَتَّى كُلُّ حَيَوَانِ ٱلأَرْضِ».

مزمور 145: 9

فالميثاق عام للناس والبهائم والمعنى أنه لا يهلك ثانية البهائم كما أهلكها بالطوفان.

11 « أُقِيمُ مِيثَاقِي مَعَكُمْ فَلاَ يَنْقَرِضُ كُلُّ ذِي جَسَدٍ أَيْضاً بِمِيَاهِ ٱلطُّوفَانِ. وَلاَ يَكُونُ أَيْضاً طُوفَانٌ لِيُخْرِبَ ٱلأَرْضَ».

هذه الآية تفسير للميثاق.

12 «وَقَالَ ٱللهُ: هٰذِهِ عَلاَمَةُ ٱلْمِيثَاقِ ٱلَّذِي أَنَا وَاضِعُهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، وَبَيْنَ كُلِّ ذَوَاتِ ٱلأَنْفُسِ ٱلْحَيَّةِ ٱلَّتِي مَعَكُمْ إِلَى أَجْيَالِ ٱلدَّهْرِ».

ص 17: 11

هٰذِهِ عَلاَمَةُ ٱلْمِيثَاقِ الخ جاءت العلامة في الكتاب المقدس للأمور الطبيعية والأمور العملية ومنها الآيات أي المعجزات. وتُرجمت في بعض الأماكن «بالآية والدلالة» (انظر ص 17: 11 وخروج 3: 12 و13: 16 و22: 13 وعدد 17: 10 ويشوع 2: 12 وأيوب 21: 29 ومزمور 65: 8 و86: 17 و135: 9 وإشعياء 44: 25).

13 «وَضَعْتُ قَوْسِي فِي ٱلسَّحَابِ فَتَكُونُ عَلاَمَةَ مِيثَاقٍ بَيْنِي وَبَيْنَ ٱلأَرْضِ».

حزقيال 1: 28

وَضَعْتُ قَوْسِي فِي ٱلسَّحَابِ مما يستحق الاعتبار هنا قوله «وضعت» لا أضع وهو نص صريح على أن قوس السحاب لم تكن حادثة جديدة في عالم الطبيعة يومئذ بل كانت مرتبة على النواميس التي خلقها الله في أيام الخلق الأصلي فكأنه تعالى قال إن القوس التي جعلتها مرتبة على نواميس انعكاس النور وانكساره في قطرات المطر أجعلها لك علامة الأمن طوفان آخر ولا يخفى ما في ذلك من رحمة الله وإحسانه. وجاء في نبإ الطوفان عند الكلدانيين ما معناه.

«رفعت الإلاهة إستار البعيدة عند قربها الأقواس العجيبة (يريد قُزح القوس أي طرائقها المختلفة الألوان) التي خلقها أنو لمجده. بلور (أي أقواس) أولئك الآلهة أمامي (الآلهة بالجمع كذا في الأصل الكلداني ولعل المقصود آلهة آخرى مع أنو الخالق وإستار الرافعة تلك الأقواس) ولا أنسى ذلك أبداً».

14 - 17 «14 فَيَكُونُ مَتَى أَنْشُرْ سَحَاباً عَلَى ٱلأَرْضِ، وَتَظْهَرِ ٱلْقَوْسُ فِي ٱلسَّحَابِ، 15 أَنِّي أَذْكُرُ مِيثَاقِي ٱلَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَبَيْنَ كُلِّ نَفْسٍ حَيَّةٍ فِي كُلِّ جَسَدٍ. فَلاَ تَكُونُ أَيْضاً ٱلْمِيَاهُ طُوفَاناً لِتُهْلِكَ كُلَّ ذِي جَسَدٍ. 16 فَمَتَى كَانَتِ ٱلْقَوْسُ فِي ٱلسَّحَابِ، أُبْصِرُهَا لأَذْكُرَ مِيثَاقاً أَبَدِيّاً بَيْنَ ٱللهِ وَبَيْنَ كُلِّ نَفْسٍ حَيَّةٍ فِي كُلِّ جَسَدٍ عَلَى ٱلأَرْضِ. 17 وَقَالَ ٱللهُ لِنُوحٍ: هٰذِهِ عَلاَمَةُ ٱلْمِيثَاقِ ٱلَّذِي أَنَا أَقَمْتُهُ بَيْنِي وَبَيْنَ كُلِّ ذِي جَسَدٍ عَلَى ٱلأَرْضِ».

خروج 28: 12 ولاويين 26: 42 و45 وحزقيال 16: 6 ص 17: 13 و19

عَلَى ٱلأَرْضِ (ع 14) أي في الجو فوق الأرض).

أَنِّي أَذْكُرُ (ع 15) (في الكلام مجاز لأن الله لا ينسى فالمعنى أني أفي بعهدي كمن يذكر العهد برؤيته العلامة).

أُبْصِرُهَا لأَذْكُرَ (ع 16) أي أكون كمن يبصر علامة عهده فيذكره).

هٰذِهِ عَلاَمَةُ ٱلْمِيثَاقِ (ع 17) (هذا توكيد لما سبق).

18 «وَكَانَ بَنُو نُوحٍ ٱلَّذِينَ خَرَجُوا مِنَ ٱلْفُلْكِ سَاماً وَحَاماً وَيَافَثَ. وَحَامٌ هُوَ أَبُو كَنْعَانَ».

ص 10: 6

حَامٌ هُوَ أَبُو كَنْعَانَ إن الحياة الإنسانية بعد الطوفان مع قيامها على قدم ثابتة لم تزل الخطيئة سائدة والتشويش عاماً. نعم إن الأخ لم يسفك دم أخيه حينئذ لكن الإثم الناشئ كان يعمل في الأُسر والأفراد وقام فيها نسل كنعان مقام نسل قايين.

19 «هٰؤُلاَءِ ٱلثَّلاَثَةُ هُمْ بَنُو نُوحٍ. وَمِنْ هٰؤُلاَءِ تَشَعَّبَتْ كُلُّ ٱلأَرْضِ».

ص 5: 32 و1أيام 1: 4 ص 10: 32

(هذه الآية نصّ صريح على أن الطوفان أغرق كل الناس سوى نوح وأهل بيته الذين كانوا معه في السفينة وإن الطوفان عمّ الأرض المسكونة يومئذ بخلاف ما ذهب إليه بعضهم).

20، 21 «20 وَٱبْتَدَأَ نُوحٌ يَكُونُ فَلاَّحاً وَغَرَسَ كَرْماً. 21 وَشَرِبَ مِنَ ٱلْخَمْرِ فَسَكِرَ وَتَعَرَّى دَاخِلَ خِبَائِهِ».

ص 3: 19 و23 و4: 2 وأمثال 12: 11 أمثال 20: 1 و23: 31 و32

وَٱبْتَدَأَ نُوحٌ يَكُونُ فَلاَّحاً وَغَرَسَ كَرْماً الخ (وفي الأصل العبراني «نوح رجل حقل ( «ادمه» أو أرض معدة للزراعة) أخذ يغرس كرماً» وهذا يدل أنه كان فلاحاً من أول أمره فالأمر الجديد هو أنه غرس كرماً. ولم تزل الكروم كثيرة نامية في أرمينية. والظاهر أنه لم يكن يعرف أو يظن إن الخمر تسكر حتى شربها وصار أول السكيرين في العار. وقوله «تعرّى داخل خبائه» يدل مع مساعدة الأصل العبراني على أنه أبدي عورته عمداً لا سهواً أو إن ذلك كان اتفاقاً ولا ريب في أن الذي حمله على ذلك السكر.

22، 23 «22 فَأَبْصَرَ حَامٌ أَبُو كَنْعَانَ عَوْرَةَ أَبِيهِ، وَأَخْبَرَ أَخَوَيْهِ خَارِجاً. 23 فَأَخَذَ سَامٌ وَيَافَثُ ٱلرِّدَاءَ وَوَضَعَاهُ عَلَى أَكْتَافِهِمَا وَمَشَيَا إِلَى ٱلْوَرَاءِ، وَسَتَرَا عَوْرَةَ أَبِيهِمَا وَوَجْهَاهُمَا إِلَى ٱلْوَرَاءِ. فَلَمْ يُبْصِرَا عَوْرَةَ أَبِيهِمَا».

خروج 20: 12 وغلاطية 6: 1

فَأَبْصَرَ حَامٌ... وَأَخْبَرَ الخ لم يكن ذنب حام بأن رأى بل بأن أخبر ولا سيما إن كان قصده بالإخبار الهزء والاستهانة بأبيه. أما أخواه فكانا تقيين مكرمين لأبيهما فسترا عورة أبيها بالرداء بدون أن يرياها وكان على حام أن يسترها كذلك ولا يتكلم. والرداء هنا قطعة من النسيج أٰو عباءة أو ملحفة يشتمل بها أي يغطي بها بدنه.

24 «فَلَمَّا ٱسْتَيْقَظَ نُوحٌ مِنْ خَمْرِهِ عَلِمَ مَا فَعَلَ بِهِ ٱبْنُهُ ٱلصَّغِيرُ».

نُوحٌ... عَلِمَ مَا فَعَلَ بِهِ ٱبْنُهُ ٱلصَّغِيرُ أي أصغر أبنائه (انظر ص 42: 34 و43: 29 و1صموئيل 16: 11) ولكن حام ليس بأصغر أبناء نوح بل يافث. ونوح لم يلعن بل كنعان ابنه. فالابن الأصغر هنا ليس بحام وهو ليس بسام بالضرورة لِما ظهر من فعله فبقي أنه كنعان والمرجّح أنه كان ابن حام الأصغر. والعبرانيون يطلقون اسم الابن على الحفيد (انظر ص 29: 5 و31: 55). وقيل أنه ابن نوح الصغير لأنه أصغر سلالة نوح. ورأى أوريجانوس إن كنعان رأى عورة جده وأخبر أباه حاماً. وقال ابن عزرا إن كنعان هزئ بجده كثيراً مع أن الكتاب لم يذكر ذنبه. والمعنى على الوجوه كلها إن نوحاً لما أفاق وعرف ما فعله ابنه الأصغر أو حفيده كنعان من العار لعنه. وهذه اللعنة على ما قال بعض المفسرين جعلت نسل حام منحطين عن كل الأنسال ولا سيما من كان منه في العصور المتوسطة من عبيد إفريقية السودان ولا يقال الظاهر أنه نسي إن نسل حام بلغ منزلة عالية في العصور الخالية وإنهم بنوا المدن العظيمة كثيبة ونينوى وبابل وأنشأوا القنوات والممالك أيام كان أولاد يافث جالة ينتقلون من مكان إلى آخر في أوربا واستعبدوا بني إسرائيل زماناً طويلاً في مصر لأن نسله انحط في إفريقية كثيراً وبقي قروناً كثيرة بضاعة النخاسة والعبودية (ولا دليل على أن هذه اللعنة أبدية).

25 «فَقَالَ: مَلْعُونٌ كَنْعَانُ. عَبْدَ ٱلْعَبِيدِ يَكُونُ لإِخْوَتِهِ».

تثنية 27: 16 يشوع 9: 23 و1ملوك 9: 20 و21

مَلْعُونٌ كَنْعَانُ هذه النبوءة على صورة الشعر ككلام لامك الذي افتخر فيه (ص 4). وسكت فيها عن حام كأنه لم يأت شيئاً من الإساءة على غير ما ظهر في (ع 22). فكل كره نوح متعلق بكنعان ودعا عليه بالمصاب ثلاثاً لأنه هو المسيء لا حام على ما فُصّل في الآية السابقة.

عَبْدَ ٱلْعَبِيدِ أي أدنى العبيد. وتم ذلك باستيلاء يشوع على أرض كنعان لكن هذه اللعنة لم ترافق نسله دائماً فإن الحثيين عظموا بين قدماء الأمم. واشتهر الصيدونيون والفينيقيون بالتجارة لكنهم انحطوا كثيراً في الروحيات فلُعنوا بعبادتهم الأوثان فكانت لعنتهم الشرك (أي الوثنية) كما كانت بركة سام التوحيد. قال لينرمنت في كتاب تاريخ الشرق القديم «لم يبار الكنعانيين أحد في مزجهم سفك الدم بالفجور إكراماً لآلهتهم». ونُقل عن كريزر قوله «أماتت ديانة الكنعانيين أحسن عواطف الطبيعة البشرية وأفسدت أذهان البشر بالخرافات المتوالية والفسق والخلاعة ولم يسُد فيهم شيء من الفضائل».

26 «وَقَالَ: مُبَارَكٌ ٱلرَّبُّ إِلٰهُ سَامٍ. وَلْيَكُنْ كَنْعَانُ عَبْداً لَهُ».

ص 17: 7 و7 و8 ومزمور 144: 15 وعبرانيين 11: 16

مُبَارَكٌ ٱلرَّبُّ إِلٰهُ سَامٍ بارك نوح سام بصورة التسبيح لله فكأنه قال ليكن نسل سام مباركاً فيبارك الرب إلهه.

وَلْيَكُنْ كَنْعَانُ عَبْداً لَهُ أي لسام ويافث. وبركة سام هي في ابنه العظيم المزمع أن يأتي فادياً للبشر.

27 «لِيَفْتَحِ ٱللهُ لِيَافَثَ فَيَسْكُنَ فِي مَسَاكِنِ سَامٍ. وَلْيَكُنْ كَنْعَانُ عَبْداً لَهُمْ».

رومية 11: 17 وأفسس 2: 13 و14 و3: 6

لِيَفْتَحِ ٱللهُ لِيَافَثَ ذُكر الرب «يهوه» في بركة سام و ذُكر الله «إلوهيم» في بركة يافث مع أن يهوه هو ثاوس في اليونانية وجوب أو جوبتير في اللاتينية لكنه غلب أن يكون اسم الله إله العهد عند بني سام. وفي هذه العبارة في الأصل العبراني جناس ونصّها «يفت إلوهيم يفت» فيفت الأولى يفتح ويفت الثانية يافث. فيهوه اسم الله باعتبار أنه إله العهد والنعمة. وإلوهيم اسمه باعتبار إنه إله العالمين والطبيعة ففتح لبني يافث الأرض ووسّع تخومهم وكانوا أنجح الأمم فإن كان نسل حام أرباب التمدن القديم في مصر فإنه كان معظم القوة للكلدانيين وأهل مادي وفارس واليونان والرومان والهنود وكلهم من نسل يافث ومنهم الأوروربيون رؤساء الجنس البشري في العصور الحديثة.

فَيَسْكُنَ فِي مَسَاكِنِ سَامٍ يُقال من جهة إن نسل سام يسكن اليوم في مساكن يافث لأن اليهود الذين هم أعظم ممثل لسام يسكنون في أوروربا وآسيا وليس لهم وطن خاص لكن امتيازات دينهم منتشرة كل الانتشار في نسل يافث فكأن نسل يافث بقيامه مقامهم في الدين سكن في مساكن سام. ونقول فوق ذلك إن اليهود لم يبقوا متمسكين إلا بجزء من دين الله لم يؤمنوا بالمسيح يهوه العهد والنعمة وآمن به بنو يافث لكن نسل سام لم يفقد كل عظمته كما يُفهم مما يأتي.

وَلْيَكُنْ كَنْعَانُ عَبْداً لَهُمْ إن ساماً وإن يكن خسر مساكنه فلم يزل أخاً بخلاف كنعان فإنه عبد.

28، 29 «وَعَاشَ نُوحٌ بَعْدَ ٱلطُّوفَانِ ثَلاَثَ مِئَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً. 29 فَكَانَتْ كُلُّ أَيَّامِ نُوحٍ تِسْعَ مِئَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَمَاتَ».

عاش نوح عيش الذين قبل الطوفان أي عمراً طويلاً 950 سنة ومن ثم أخذ العمر ينقص سريعاً فعاش سام 600 سنة وعاش فالج بعد عصور قليلة 239 سنة وعاش بعده إنسان واحد وهو تارح 205 ووقع شك عظيم في ذلك (انظر تفسير ص 11: 32).

اَلأَصْحَاحُ ٱلْعَاشِرُ

مواليد بني نوح ص 10: 1 إلى ص 11: 9

لم يُهتم بهذه الأنساب حق الاهتمام في أول الأمر إلا منذ سنين قليلة فإنه لما اتسعت المعرفة البشرية في الأزمنة الحديثة تبرهنت صحتها وحقيقة تفرق البشر على وجه الأرض كما جاء فيها وتبين أن نسل حام لم يقتصر على الاستيلاء على شبه جزيرة العرب بل استولى أيضاً على بلاد دجلة والفرات وأن أملاكه كانت ذات شأن. وفيها لنا قسمة الأرض حين نشأت الأمم والممالك وعينت حدود مساكنهم وتبلبلت الألسنة وكان اختلاف الألسنة العلة الكبرى لتفرق الأمم. ومما يهم ذكره ويجب هنا أن الكلام على هذه المواليد ليس بنبإ تاريخي أي جدول أنساب ولا ترجمة أفراد بل نبأ شعوب وأن الأسماء أسماء أمم لا أسماء أشخاص وأن ذلك مما يتعلق بالماضي لا بالمستقبل. والكلام على الأمم بالإجمال ثم على تقسيمها بالتفصيل. وابتدأ في التفصيل بمواليد يافث أصغر بني نوح وإنما أتى بذلك أولاً لأن الناس عند كتابة هذا السفر لم يكونوا يعرفون من أمر نسله إلا قليلاً. واقتصر على الأقسام الأولى وجعل مساكنهم بلاد البحر الأسود والبحر المتوسط. ثم أخذ في الكلام على بني حام الذي كان نسله بين سائر عشائر نوح كنسل قايين بين سائر آدم. وكانت مساكنهم في جوار النيل ودجلة والفرات وأقاموا مدناً عظيمة أيام كان الياقنيون يجولون عشائر بربرية في أوربا والساميون يرعون مواشيهم في سورية. على أنهم ما لبثوا أن أخذوا يحاربون الحاميين في الجزيرة أي ما بين النهرين للاستيلاء على أرضهم. وتاريخ الحاميين متصل إلى زمان إقامتهم بأرض كنعان. وذكره سدوم وعمورة على أسلوب يبين أنهما كانتا عامرتين يدل على أن هذا النبأ كان قبل خرابها الذي كان قبل الميلاد بنحو 1800 سنة أو أكثر. ولما كان الكنعانيون قد سكنوا فلسطين وصاروا فيها أمما قبل عصر موسى استدل أنه كان زمن طويل بين الطوفان وميلاد إبراهيم وأنه أطول مما كان يُظن ولم يطل الكاتب الكلام على نسل سام كما أطاله على نسل حام بل وقف عند قسميه الكبيرين يقطان وفالج وتقسيم نسل الأول إلى ثلاث عشرة أمة وترك الكلام على نسل فالج إلى وقت آخر. وأسماء اليقطانيين تنبئ زمن طويل جداً لأنها من الأسماء الكثيرة بين قدماء العرب.

1 « وَهٰذِهِ مَوَالِيدُ بَنِي نُوحٍ: سَامٌ وَحَامٌ وَيَافَثُ. وَوُلِدَ لَهُمْ بَنُونَ بَعْدَ ٱلطُّوفَانِ».

ص 9: 1 و7 و19

سَامٌ وَحَامٌ وَيَافَثُ ذكر الثلاثة هنا على ترتيب السن (انظر تفسير ص 9: 24 و10: 21).

2 «بَنُو يَافَثَ: جُومَرُ وَمَاجُوجُ وَمَادَاي وَيَاوَانُ وَتُوبَالُ وَمَاشِكُ وَتِيرَاسُ».

1أيام 1: 5

بَنُو يَافَثَ عد سبعة منهم وتكلم على أولاد بعضهم.

  • الأول جُومَرُ أي عشيرة جومر وكان مسكنهم الأصلي ماجوج ومادي بين السكيثيين والماديين وأقاموا زماناً عند بحر قزيين والبحر الأسود وتركوا على الآخر منها اسمهم في القرم وقسم عظيم منهم بلغ أواسط روسيا وجوار البلتيك فكان سمبري الدنيمرك (ومنه اسم كرسونيسوس سمبريكا) وسمري والس وغير ذلك وبالإجمال هم الجيل الذي سُمي بالسلتيين.

  • والثاني مَاجُوجُ أي عشيرة ماجوج وهي السكيثيون الذين ملكوا البلاد التي شمالي القوقاس وجنوبيها. والروسيون من السرماتيين وهم عشيرة سكيثية مختلطة قليلاً بالماديين.

  • والثالث مَادَاي أي عشيرة ماداي وهم الماديون الذين سكنوا جنوبي بحر قزيين والجنوب الغربي منه. ومعنى «مادا» في لغة الأكاديين أرض وفي بلادهم كرساك كورا (أي جبل الشرق) والأكاديون اعتقدوا إن فلك نوح استقر عليه.

  • والرابع يَاوَان أي عشيرة ياوان وهم سكان أيونيا أي أرض اليونان.

  • والخامس تُوبَال أي عشيرة توبال وهم التيباريني سكان الجنوب الشرقي من البحر الأسود.

  • والسادس مَاشِك أي عشيرة ماشك وهم المسكي سكان كلخيس وأرمينيا.

  • والسابع تِيرَاسُ أي عشيرة تيراس وهم على ما قال يوسيفوس والترجوم الثراسيون وقد قيل بأنهم قبائل أُخر والمرجّح الأول. والجيتا سلف الغوث كانوا ثراسيين وهذا يدل على أن السكندينافيين جيل الثراسيين الحديث.

فتبين مما ذُكر إن بني يافث كانوا يشغلون أسيا الصغرى وأرمينية والبلاد الغربية كبلاد بحر قزيين وسواحل البحر الأسود الشمالية وإنهم انتشروا بعد ذلك على سواحل البحر المتوسط الشمالية وكل أروبا. ولم يذكر الكاتب أنهم امتدوا أيضاً في الشرق كبرثيا وبكتريا وبنجاب والهند فهذه سكانها يافثيون كالجرمانيين واليونانيين والرومانيين. وفي الكتب السنسكريتية القديمة إن الأريان كانوا أذكياء بارعين وخلفوا أحسن الكتب ما عدا التوراة ووصفتهم التوراة السامية بأنهم أقدم وأمهر كتبة العالم.

3 «وَبَنُو جُومَرَ: أَشْكَنَازُ وَرِيفَاثُ وَتُوجَرْمَةُ».

وَبَنُو جُومَرَ وهم ثلاثة أقسام.

  • الأول أي عشيرة أشكناز ووطنهم في جوار أرمينية (إرميا 51: 27) واليهود اليوم يدعون إن كل الألمانيين من أشكيناز.

  • والثاني رِيفَاثُ أي عشيرة ريفاث وسُميت في بعض نسخ سفر الأيام ديفاث (1أيام 1: 6) (انظر الكلام على دودانيم في ما يأتي) والصواب ريفاث على ما يرجّح وهم سكان جبال ريفين (أو الكلدانيين) وكانوا سلتيين.

  • والثالث تُوجَرْمَةُ أي عشيرة توجرمة ولا شك أنهم سكان أرمنية.

4 «وَبَنُو يَاوَانَ: أَلِيشَةُ وَتَرْشِيشُ وَكِتِّيمُ وَدُودَانِيمُ».

يوئيل 3: 6

وَبَنُو يَاوَانَ وهم أربعة أقسام.

  • الأول أَلِيشَةُ أي عشيرة أليشة وهم سكان جزائر اليونان ولم يزل اسمهم إلى الآن ببعض التغيير فإن اسم اليونان «الأس». ومن أسماء بعض أقسام تلك البلاد أيولس وأليس في قطيعة بيلوبونيسيس. وذُكرت جزائر أليشة في نبوءة حزقيال (حزفيال 27: 7).

  • والثاني تَرْشِيشُ أي عشيرة ترشيش وهم ليسوا سكان ترتيسوس كما ظن بعضهم لأنها على ما يُظن ليست أول مساكنهم في الأزمنة القديمة فالمرجّح أنهم الترسيين أو الترهيني وهم جيل قوي في ما مضى من العصور في إيطاليا وكرسيكا وسردينيا ثم سبانيا. والمرجّح أنهم هم الذين بنوا ترتيسوس على مصب نهر كلدليفر أي الوادي الكبير في سبانيا وسموها باسمهم. وكانوا على ما ظهر في أول الأمر قبيلة صغيرة من الياوانيين ولكن لما انتشر الأليشيون على شطوط البحر واستعمروا بلاد اليونان أخذ الترشيشيون الأرضين البعيدة شمالي الدانيوب فلم يبلغوا البحر إلا بعد أن وصلوا أرض إيطاليا الشمالية.

  • والثالث كِتِّيمُ أي عشيرة كتيم وكانت أمة بحرية سكنت قبرس وكانت عاصمتها كتيم والمرجّح أنها سكنت جزائر أخرى وبعض سواحل البحر المتوسط. وكان في مكدونية كتّيم أيضاً ودُعي اسكندر المكدوني ملك كتيم (امكا 1: 1).

  • والرابع دُودَانِيمُ أي عشيرة دودانيم ولعل اللفظ الأصلي رودانيم على ما في كثير من النسخ وما في سفر الأيام الأول في ترجمة السبعين (1أيام 1: 7) والنسخة السامرية. وكثيراً ما تُبدل الراء بالدال في الإعلام لشدة قرب صورة أحد الحرفين من الآخر في العبرانية فيكون الرودانيميون هم الروديون سكان جزيرة رودس.

5 «مِنْ هٰؤُلاَءِ تَفَرَّقَتْ جَزَائِرُ ٱلأُمَمِ بِأَرَاضِيهِمْ، كُلُّ إِنْسَانٍ كَلِسَانِهِ حَسَبَ قَبَائِلِهِمْ بِأُمَمِهِمْ».

مزمور 72: 10 وإرميا 2: 10 و25: 22

جَزَائِرُ ٱلأُمَمِ المقصود بالجزائر هنا أقسام البلاد البحرية أو البلاد التي على الشطوط البحرية. ومعنى الأمم هنا الأجيال أي صنوف الناس لا غير اليهود لأنه لم يكن من يهود حينئذ.

6 «وَبَنُو حَامٍ: كُوشُ وَمِصْرَايِمُ وَفُوطُ وَكَنْعَانُ».

1أيام 1: 8 ص 2: 13

حَامٍ حام في العبرانية (חם) (حم) وفي كتب اللغة العبرانية أنه منقول عن (חם) أي حرارة أو رمضاء. وفي العربية حم التنور سجره أي أحماه والماء سخنه وحم صار أسود. وقال بعض المفسرين ذهب كثيرون إلى أن هذا الاسم منقول من العبرانية ومعناه حر أو لفحان الشمس أو أغبس أو أسمر. ولما كان معنى يافث جميلاً كان معنى حام أسود وأبا سود الألوان وكان الذين لونهم زيتونياً بعض نسل سام. والمرجّح إن خيمي اسم مصر القديم أي «أرض حام» (مزمور 78: 51) وسماها بلوترك خيميا وسُميت بذلك لسواد تربتها. والحاميون أربعة أقسام.

  • الأول وبلاد بني كوش إثيوبيا لكنها ليست إثيوبيا أفريقية بل أثيوبيا أسيا فإن وطن الكوشيين أرض دجلة والفرات حيث رفعهم نمرود وعظم قوتهم ومن هنالك امتدوا إلى بلاد العرب واجتازوا البحر الأحمر ثم بنوا النوبة وبلاد الحبش. وفي التوراة إن نهر جيحون يحيط ببلاد كوش (ص 2: 13). وكانت صفورة زوجة موسى بنت كاهن مديان كوشية (عدد 12: 1). وذُكرت عظمة الكوشيين في الألياد لأوميرس الشاعر اليوناني المشهور.

  • والثاني مِصْرَايِمُ (في العبرانية مصريم أي مصرين) بصيغة التثنية ولعل في ذلك إشارة إلى قسمة مصر إلى مصر العليا ومصر السفلى. ورأى برغش بك من النظر في جماجم عدة محنطات مصرية وهيئة أبدانها أن قدماء المصريين ليسوا من سلالة افريقية بل من الصنف القوقاسي الكبير وأنهم ليسوا من الفروع البيلاسجية أو السامية بل من الصنف الكوشي وأن أصل المصريين في أواسط أسيا. وأثبت ذلك في تاريخه الحديث.

  • والثالث فُوط وبنوه أهل ليبية شمالي أفريقية.

  • والرابع كَنْعَانُ (انظر تفسر ع 15 - 19).

7 «وَبَنُو كُوشَ: سَبَا وَحَوِيلَةُ وَسَبْتَةُ وَرَعْمَةُ وَسَبْتَكَا. وَبَنُو رَعْمَةَ: شَبَا وَدَدَانُ».

إشعياء 45: 14 ص 2: 11

بَنُو كُوشَ خمسة أقسام. قسم منهم يُقسم إلى اثنين.

  • الأول سَبَا وسبا اليوم اسم قبيلة من العرب وكان بنو سبا في العربية ثم هاجروا إلى أفريقيا. وعلى ما قال يوسيفوس أنهم كانوا يُسمون بهذا الاسم في عصره. وتركوا اسمهم على جانب البحر الأحمر شمالي زقاق (بوغاز) باب المندب غير بعيد عنه.

  • والثاني حَوِيلَةُ على أرض فيشون (ص 2: 11) ولا ريب في أن تلك الأرض كانت قسماً من بلاد العرب والمرجح أنها كانت بعض شطوط خليج العجم. وذُكر حويلة في الآية التاسعة والعشرين.

  • والثالث سَبْتَةُ والمرجّح أن أرض السبتيين حضرموت في بلاد العرب (انظر تفسير ع 26).

  • والرابع رَعْمَةُ وكان الرعميون على بعض شطوط خليج العجم وهم قسمان شبا على الجنوب الشرقي من أرض الحويلة ومنهم نشأت حمير في بلاد العرب وددان على الجنوب الغربي منهم.

  • والخامس سَبْتَكَا والظاهر أن نسله لم يزل جنوبي ددان ورأى بعضهم إن موطنهم شرقي خليج العجم. فتبين مما ذُكر في هذه المواليد أنه كان يوم كُتبت الصنف الجنوبي من بلاد العرب مسكناً للكوشيين فإن الجيل الأسمر لا يزال هنالك ولا سيما في اليمن وحضرموت فإنهم أشد سمرة من سائر العرب. وصار الكوشيون بالارتحال من مكان إلى آخر في النوبة والحبش لكن أكثرهم كان في الجزيرة إلى ما بين النهرين والكتابات الأشورية تبين إن زاحمهم الساميون.

8 «وَكُوشُ وَلَدَ نِمْرُودَ ٱلَّذِي ٱبْتَدَأَ يَكُونُ جَبَّاراً فِي ٱلأَرْضِ».

ميخا 5: 6 ص 6: 4

وَكُوشُ وَلَدَ نِمْرُودَ ليس المعنى أن نمرود كان ابن كوش لأنه لم يُذكر بين أولاده الخمسة كما مر بك فالمعنى أن كوش كان من سلف نمرود (ومثل هذا كثير في الكتاب المقدس واللغة العربية). وكان الناس في عصر نمرود قد كثروا. وسكنت كل قبيلة أو أمة في أرض معينة. وخضعت كل قبيلة لمن عظم وقوي فيها فكانت القبائل مستقلة. وثم قوي بعضهم وساد عدة قبائل فأجبرهم على بناء المدن والقرى وجعلهم مملكة واحدة.

ٱبْتَدَأَ يَكُونُ جَبَّاراً وفي العبرانية «جبر» (والجيم مصرية) أي رجل حرب (انظر تفسير ص 6: 4) وهو في السبعينية أوريون (أي جبار وهو عند اليونان يطلق أيضاً على صورة النجوم المعروفة عند العرب بالجبار وبالجوزاء أيضاً. والجوزاء هنا غير الجوزاء التي هي صورة التوأمين أحد الأبراج الاثني عشر) واسم نمرود في قصة الطوفان الكلدانية الجبار. وقال بعضهم إن معنى نمرود العاصي. وقال سيس «من اسمهِ أمردا مدينة الكاديين».

9 «ٱلَّذِي كَانَ جَبَّارَ صَيْدٍ أَمَامَ ٱلرَّبِّ. لِذٰلِكَ يُقَالُ: كَنِمْرُودَ جَبَّارُ صَيْدٍ أَمَامَ ٱلرَّبِّ».

ص 6: 11

كَانَ جَبَّارَ صَيْدٍ حين كان الناس يحيون حياة الفلاحين بالحرث وتربية المواشي كانوا مضطرين أن يحاربوا الوحوش وكان ذلك من عظيم الأخطار يومئذ. ولعل نمرود قتل يوماً بعض السباع الهائلة فاشتهر بالقوة والشجاعة وأخذ يُكثر من قتل الوحوش وصيدها كما كان من أمر روملوس (باني مدينة رومية) فصار رئيس أصحابه الرعاة وبذلك صار أميرهم وساد وملك.

أَمَامَ ٱلرَّبِّ إذا اقترنت هذه العبارة بصفة من الصفات دلت على عظمة تلك الصفة فيكون معنى «جبار صيد أمام الرب» إنه جبار عظيم في ذلك. ومعنى الخاطئ أمام الرب أنه ذو خطيئة عظيم وقس على ذلك (انظر ص 13: 13).

10 «وَكَانَ ٱبْتِدَاءُ مَمْلَكَتِهِ بَابِلَ وَأَرَكَ وَأَكَّدَ وَكَلْنَةَ، فِي أَرْضِ شِنْعَارَ».

ٱبْتِدَاءُ مَمْلَكَتِهِ كانت من مدن ما ذُكر في هذه الآية ثم امتّد إلى بلاد أشور كما ذكر في (ع 11). فكانت أول أقسام مملكته «أرض شنعار» أي بابل والقسم الأسفل من الجزيرة التي هي ما بين النهرين وكانت أشور القسم الأعلى منها وسُميت في الكتابات السفينية (أي التي حروفها كهيئة السفين وهي الكتابات القديمة من أشورية وبابلية) سومر. ودُعيت بابل في سفر نبوءة ميخا «أرض نمرود» (ميخا 5: 6) وكانت مدنها أربعاً.

بَابِلَ قال بين سمث أي باب إلى أي باب الله وتُرجمت بهذا المعنى إلى الأشورية من اسمها الأكادي «كاديميرا» على ما في قصة التكوين الكلدانية. وبُيّن في الأصحاح الحادي عشر من هذا السفر أنها من البلبلة لأنه فيها تبلبلت الألسنة (وسيأتي الكلام على هذا الاختلاف في تفسير ص 11: 9).

أَرَكَ جاء في نبإ التكوين الكلداني «في بداءة قصص الجبار كانت المدينة العظيمة جنوبي بابل قد سُميت في التكوين أرك». ونهبها وهدمها كدرننخنت ملك عيلام سنة 2280 ق. م على ما في الكتابات أشور بانيبال (سنة 670 ق. م) وهي على أمد ثلاثين فرسخاً من بابل في الجنوب الشرقين منها واسمها اليوم ورقة. وظهر من عاديات التلال هناك وبقايا التوابيت أنه كانت فيها مدافن الملوك الأشوريين الأقدمين (انظر أيضاً كتاب رولنسون في الملوك القدماء ص 18 و152).

أَكَّدَ أو أكاد. كثر دوران هذا الاسم منذ خمسين سنة إلى الآن على ألسنة الباحثين عن العاديات الأشورية لأنه وُجد في الكتابات السفينية كثيراً من الأعمال ولا سيما في مكتبة سرجون وتُرجمت من تلك اللغة المنقرضة. ولما تُرجمت وقُرئت ونُظر فيها تبين أنه قبل أن يدخل الساميون تلك الأرض سكنها الأكادييون وهم صنف أسود بنى مدنها واخترع الأحرف السفينية وأنشأوا قواعد الحراثة والزراعة والتمدن الذي أخذوه عن الساميين. وكان سرجون ملك أجاني في بابل سنة 1800 ق. م. وسُمي ملك آخر من ملوك نينوى بسرجون (إشعياء 20: 1). وهو صاحب المكتبة التي أنشأها سنة 721 ق. م. وإذ كانت لغة الأكاديين قد أُلغيت في عصره أخذ في ترجمة مكتبة سرجون الأقدم إلى لغتها التي وُجدت فيها حديثاً ولا سيما الرقوم التي كتبها الأكاديون في الفلك والتنجيم ووضعها في مكتبته في أجاني. وان الأكاديون قد ترجموا مؤلفات الساميين ووضعوها في مكتبة أرك وهي من أقدم عواصم الساميين. وورأى المستر سَيس إن الساميين استولوا على أرض شنعار قبل ميلاد المسيح بألفي سنة أو ثلاثة آلاف سنة فتكون مملكة الأكاديين قديمة العهد جداً.

كَلْنَةَ وتسمى كلنو ايضاً (إشعياء 10: 9) وسُميت في ترجمة السبعين كالاني فجاء فيها «ألم أستول على البلاد التي فوق بابل وكالاني حيث بنيت البرج» فدل ذلك على أنها كانت تجاه بابل في موضع البرج المشهور وهذا على وفق ما في نبإ التكوين الكلداني.

11، 12 «12 مِنْ تِلْكَ ٱلأَرْضِ خَرَجَ أَشُّورُ وَبَنَى نِينَوَى وَرَحُوبُوتَ عَيْرَ وَكَالَحَ 12 وَرَسَنَ، بَيْنَ نِينَوَى وَكَالَحَ. (هِيَ ٱلْمَدِينَةُ ٱلْكَبِيرَةُ)».

ص 2: 14

مِنْ تِلْكَ ٱلأَرْضِ خَرَجَ أَشُّورُ كذا في ترجمة السبعين والنسخة السريانية والفلغاتا. ولكن في الترجوم والتراجم الحديثة «من تلك الأرض خرج إلى أشور» وهي الترجمة الصحيحة فإن خرج أشور في العبرانية «يصي» «أشور» وهو فعل متعد بنفسه بمعنى وصل ولم يزل هذا الفعل في العربية يفيد معنى الوصول ففيها «وصى الشيء به يصي اتصل ووصل الشيء به وصله» فعلى هذا تكون الترجمة الصحيحة من تلك الأرض وصل أشور (أو انصل بها). نعم أتى هذا الفعل في العبرانية بمعنى «خرج» كثيراً ولكنه لا يمنع ما قلناه ولا يبعد أنه يتعدى بنفسه فيرادف ما يفيد «خرج إلى» أو إنه يتضمن معنى الانتهاء أو البلوغ فيكون المعنى من تلك الأرض بلغ أشور بالخروج منها) إذ لا موضع هنا لذكر أشور بن سام (انظر ع 22). فالكلام على نمرود والحامييّن الذين بعد أن أقاموا ببابل خرجوا إلى الشمال ووصلوا أرض أشور واستولوا عليها. ويؤيد ذلك ما كُشف من الكتابات السفينية فإنه ثبت منها أن الجزء الجنوبي من بلاد ما بين النهرين كان مركز الأكاديين الأول إنهم أتوا أشور وحاربوا الساميين فأخضعوهم في كل مكان. ورجوع الضمير في «يصي» أو وصل أو خرج إلى نمرود لا يوجب أنه هو نفسه خرج كما لا يخفى على من عرف بيان العبرانية والعربية أي الفعل أسند إليه والمقصود شعبه أو قومه أو نسله. ومدن أشور هي ما يأتي:

  • الأولى نِينَوَى وكانت على شاطئ دجلة فسبقت بابل القديمة حتى أخضعتها زمانا طويلاً.

  • والثانية رَحُوبُوتَ عَيْرَ وكانت في ضاحية نينوى فدل ذلك على عظمة تلك المدينة (أي مدينة نينوى).

  • والثالثة كَالَحَ هذه المدينة جدد بناءها أشورنصربال أبو شلمناصر وكانت إحدى المدن التي بنى فيها ملوك الأشوريين المكاتب ولم تزل أطلالها تسمى نمرود.

  • والرابعة رَسَنَ أي رأس العين ولم يتحقق موقع هذه المدينة ورأى القانون رولنسون أنها كانت عند سلمية وهي قرية كبيرة على منتصف الطريق بين نينوى وكالح.

13، 14 «13 وَمِصْرَايِمُ وَلَدَ: لُودِيمَ وَعَنَامِيمَ وَلَهَابِيمَ وَنَفْتُوحِيمَ 14 وَفَتْرُوسِيمَ وَكَسْلُوحِيمَ. (ٱلَّذِينَ خَرَجَ مِنْهُمْ فِلِشْتِيمُ وَكَفْتُورِيمُ)».

1أيام 1: 12

مِصْرَايِمُ كان منه سبع أمم منحطة من الإفريقيين وذُكرت أسماؤها بصيغة الجمع وكان منه غيرها كما سترى.

  • الأولى لُودِيمَ وذُكر في الكتاب جيلان بهذا الاسم الأول سامي تسلسل من لود بن سام (ع 22). وذُكر في سفر نبوءة إشعياء (إشعياء 66: 19) والآخر حامي خضع للفراعنة (إرميا 46: 9 وحزقيال 30: 5) فالظاهر أنه كان من سكان وادي النيل لكن مسكنه لم يعيّن تمام التعيين.

  • والثانية عَنَامِيمَ رأى نوبل (أو كنوبل) لعدة أدلة أنه كان يسكن الذلتا.

  • والثالثة لَهَابِيمَ والمرجّح أنه اللوبيون المذكورون في (2أيام 12: 3 و16: 8 ودانيال 11: 43 وناحوم 3: 9). وكان وطنهم الجانب الغربي من الذلتا.

  • والرابعة نَفْتُوحِيمَ قال نوبل (أو كنوبل) «هم أمة فتح الإله الذي كان يُعبد في ممفيس». فإن صح هذا فهم أمة مصرية لأن مصر هي كاج فتح (أي أرض فتح) أو على ما قال القانون كوك أي كفت (انظر الكلام على كفتوريم).

  • والخامسة َفَتْرُوسِيم أي أهل فتروس أي مصر العليا فإن معنى فتروس على ما قال القانون كوك أرض الجنوب.

  • والسادسة كَسْلُوحِيمَ المرجّح أنها سكان كسيوتس وهي البلاد الجبلية شرقي بلسيوم.

  • والسابعة فِلِشْتِيمُ معنى فلشتيم أو فلسطين المهاجرون وتُرجمت في السبعينية بالغرباء. وقيل إنهم أتوا فلسطين كأنهم فرقة من الكسلوحيين. ولكن الذي يظهر من نبوءتي إرمياء وعاموس أنهم فرقة مهاجرة من كفتور (إرميا 47: 4 وعاموس 9: 7). والمرجّح أنهم أول الفلسطينيين الذين أقاموا بجرار (تكوين 26: 1). وكان سكان المدن التي استولى عليها يهوذا كسلوحيين (قضاة 1: 18). وبعد ذلك الوقت هاجر إليها كثيرون من كريت وذلك أيام حاربوا الإسرائيليين في عصر شمشون وعالي وشاول. وكانوا يتكلمون باللغة السامية لكنهم استحسنوا لغة الكنعانيين فتعلموها لأنهم سكنوا بينهم ولا سيما الغويين (تثنية 2: 23). والاعتراض على القول بأن أصلهم مصري وهو عدم التفاتهم إلى الختان لا يعتد به لأن الإسرائيليين أنفسهم أهملوا الختان مدة طويلة (يشوع 5: 5). والناس الذين خرجوا من حكم الكهنة كانوا يسرون بأن يعدلوا عن الختان ولعلهم هاجروا من أجله فيكون تاريخ الختان في مصر منذ مهاجرتهم. (فهذه الأمم السبع هي المصرية والآتية ليست مصرية وفي بعضها خلاف ستقف عليه).

  • والثامنة كَفْتُورِيمُ هؤلاء أتوا من كريت لكن علماء العاديات المصرية رأوا أن اسمهم مشتق من كاح فتح أي أرض فتح. وعلى هذا يكون الكفتوريين مصريين كالنفتوحيين وإن الذلتا وممفيس وطنهم الأصلي وإنهم هاجروا من هنالك إلى كريت وهاجر بعضهم من كريت إلى فلسطين. ومما يستحق الذكر هنا أنه لما استولى بنو ياوان على قبرس ورودس لم يكن من ذكر لكريت (انظر ع 4). ويتضح مما ذُكر أن مصراييم لم يكن يومئذ قد امتد كثيراً فإن الأمم السبعة المصرية التي كانت منه كانت محصورة في قطعة صغيرة من الأرض وهي الذلتا وجزء من وادي النيل الأعلى ولم يكن شيء يدل على أن مدينة ثيبس كانت في عالم الوجود.

15 - 18 «15 وَكَنْعَانُ وَلَدَ: صَيْدُونَ بِكْرَهُ، وَحِثَّ 16 وَٱلْيَبُوسِيَّ وَٱلأَمُورِيَّ وَٱلْجِرْجَاشِيَّ 17 وَٱلْحِوِّيَّ وَٱلْعَرْقِيَّ وَٱلسِّينِيَّ 18 وَٱلأَرْوَادِيَّ وَٱلصَّمَارِيَّ وَٱلْحَمَاتِيَّ. وَبَعْدَ ذٰلِكَ تَفَرَّقَتْ قَبَائِلُ ٱلْكَنْعَانِيِّ».

2صموئيل 8: 9

كَنْعَانُ لم يتحقق معنى هذا الاسم لترجيح أنه كلمة حامية. وإن كان كلمة سامية فمعناه غور أي أرض منخفضة. فإن الكنعانيين تكلموا باللغة الساميّة في فلسطين ولكن الذي حققته التوراة أنهم حاميون. وأثبت ذلك أيضاً ما كتبه المؤرخون الوثنيون فإنهم قالوا إن وطن الكنعانيين الأصلي الأرض المجاورة للأوقيانوس الهندي ولعلهم هاجروا من هنالك لمضايقة الساميين لهم وكانوا قد ألفوا لغتهم. ولما أتوا فلسطين ورأوا أهلها يتكلمون بالسامية أخذوا يتكلمون بها لإلفتهم لها قبلاً كما فعل إبراهيم بتركه السريانية وتكلمه بالعبرانية (تكوين 31: 47). وهذا وإن صفات دين الكنعانيين وأفكارهم كانت حامية. وفاق الكنعانيون يومئذ اليونانيين في التجارة والزراعة والصناعة وهم الذين أعطوا اليونان حروف الهجاء. وانقسم الكنعانيون إلى إحدى عشرة قبيلة وهي القبائل الآتية.

  • الأولى قبيلة َصَيْدُون قال بعضهم ومما يستحق الاعتبار هنا أنه لم يُذكر في كل من نبإ مصرايم وكنعان إلا اسم مدينة فقط وأُريد بالأسماء الشخصية القبائل. وصيدون (وهي المعروفة بصيدا اليوم) مدينة على شاطئ البحر شمالي صور وعلى أمد نحو ثلاثين ميلاً منها واشتهرت هذه المدينة بالتجارة وصيد السمك ومن هذا اشتق اسمها.

  • والثانية حِثَّ أي قبيلة حث أو الحثيين (المعروفين عند الأشوريين) بالخيطة أو الخيطا. وهم قبيلة قوية وصارت لغتهم وآثارهم في هذا العصر موضوع درس العلماء. والظاهر أنهم استولوا على سورية وجزء من أسية أو آسيا الصغرى (انظر تفسير ص 23: 3 و5).

  • والثالث ٱلْيَبُوسِيَّ أي القبيلة اليابوسية وهؤلاء استولى على أرضهم بعد ذلك سبط بنيامين وبقوا في أورشليم إلى زمان داود (2صموئيل 5: 6 - 9 انظر تفسير ص 14: 18).

  • والرابع ٱلأَمُورِيَّ أي القبيلة الأمورية أي الجبلية وكان الأموريون ثاني الحثيين. وكانوا أقوى قبائل فلسطين استولوا على اليهودية الجبلية وكان لهم فيها خمسة ملوك (يشوع 10: 5) وعلى قسم كبير شرقي الأردن (يشوع 9: 10).

  • والخامس ٱلْجِرْجَاشِيَّ أي قبيلة الجرجاشيين وهي غير معروفة تمام المعرفة وذُكرت في (يشوع 3: 10).

  • والسادس ٱلْحِوِّيَّ أي قبيلة الحويين في شخيم أو شكيم (ص 34: 2) وجبعون (يشوع 9: 7) وقرب حرمون ولبنان (يشوع 9: 3 وقضاة 3: 3).

  • والسابع ٱلْعَرْقِيَّ وكان العرقيون في لبنان أيضاً.

  • والثامن ٱلسِّينِيَّ وهو قبيلة صغيرة في جوار العرفي.

  • والتاسع ٱلأَرْوَادِيَّ والمرجّح أنهم سكان جزيرة أرادس.

  • والعاشر ٱلصَّمَارِيَّ أمة مجهولة سكنت في صاميرة أٰحد أجزاء فينيقية.

  • والحادي عشر ٱلْحَمَاتِيَّ ومدينتهم حماة عاصمة الجزء الشمالي من سورية على نهر العاصي وسماها المكدونيين أبيفانيا ولم يزل يُذكر هذا الاسم في التاريخ القديم. وكانت عاصمة الحثيين مجاورة لها.

وَبَعْدَ ذٰلِكَ تَفَرَّقَتْ قَبَائِلُ ٱلْكَنْعَانِيِّ معنى هذا إما أن قبائل كنعان انتشرت في داخل البلاد أو أن كثيرين من الصوريين هاجروا إلى كثير من بلاد البحر المتوسط. ووصف البابليون والحماتيون بسواد الألوان ولكن هذا الفرع دُعي بالفينيقي لحمرة لونه تمييزاً له عن الساميين الزيتونيي الألوان. إنهم أتوا في البحر من الأوقيانوس الهندي فسكنوا السواحل أولاً ولهذا سُمي بكر حام بصيدون. ثم امتدوا من السواحل إلى قلب البلاد ومع قلة عددهم فاقوا سكان فلسطين بالمعرفة والتمدن. والمرجّح أن المقصود بتفرقهم هنا انتشارهم في داخل البلاد.

19، 20 «19 وَكَانَتْ تُخُومُ ٱلْكَنْعَانِيِّ مِنْ صَيْدُونَ، حِينَمَا تَجِيءُ نَحْوَ جَرَارَ إِلَى غَزَّةَ، وَحِينَمَا تَجِيءُ نَحْوَ سَدُومَ وَعَمُورَةَ وَأَدْمَةَ وَصَبُويِيمَ إِلَى لاَشَعَ. 20 هٰؤُلاَءِ بَنُو حَامٍ حَسَبَ قَبَائِلِهِمْ كَأَلْسِنَتِهِمْ بِأَرَاضِيهِمْ وَأُمَمِهِمْ».

ص 13: 12 إلى 17 و15: 18 إلى 21 وعدد 34: 2 إلى 12

تُخُومُ هذه التخوم صيدون في الشمال وجرار وغزة في الجنوب والجنوب الغربي إلى البحر الميت ولا يُعرف من أماكنه اليوم إلا لاشع لشهرتها بحمّاتها أي ينابيعها الحارة وهي شرقي البحر الأحمر. ومع أن الفينيقيين سكنوا هذه المدينة وهم قادمون إلى فلسطين لم تكن من تخومهم والمرجّح أنها هُدمت مع ما هُدم من مدن السهل. ويجب أن نبين هنا أن صيدون يوم كانت تخمهم الشمالي كانت أرادس وحماة تُعتبران فوقها. وهذا يرجح أن الأرواديين والحماتيين كانوا قبيلتين من الجالة والرّحل لا مساكن معيّنة لهما يوم كُتب هذا النسب.

21 - 23 «21 وَسَامٌ أَبُو كُلِّ بَنِي عَابِرَ، أَخُو يَافَثَ ٱلْكَبِيرُ، وُلِدَ لَهُ أَيْضاً بَنُونَ. 22 بَنُو سَامَ: عِيلاَمُ وَأَشُّورُ وَأَرْفَكْشَادُ وَلُودُ وَأَرَامُ. 23 وَبَنُو أَرَامَ: عُوصُ وَحُولُ وَجَاثَرُ وَمَاشُ».

1أيام 1: 17

سَامٌ... أَخُو يَافَثَ ٱلْكَبِيرُ أي الأخ الأكبر ليافث ومن يأتي هم الذين نُسبوا إليه ونُسلوا منه.

  • الأول عِيلاَمُ أي شعب عيلام أو أمة عيلام. ورأى المستر سيس «إن سكان عيلام القدماء أمة أكدية أو أكادية وإنهم كانوا منتشرين في البلاد التي بين بحر قزيين وخليج فراس على السواحل الجنوبية». فكما طرد الأشوريون الساميون الحاميين من أشور طرد هؤلاء الذين هم منهم العيلاميين وسكنوا أرضهم وتُسمى تلك الأرض في هذه الأيام خوزستان وكان أكثر أقسامها الشرقية مشغولاً بالساميين.

  • والثاني أَشُّورُ الظاهر إن الساميين سكنوا أولاً الأرض المجاورة دجلة كما سكن الحاميون أولاً الأرض المجاورة الفرات ثم استولوا على كل البلاد كما مر في تفسير (ع 11).

  • والثالث أَرْفَكْشَادُ قال بعضهم إن الأرفكشاديين سكان الأرض المعروفة بأرفكشادية وهذا خطأ لأن اسم تلك الأرض أريفكشاتا (ومعناها الأرض المجاورة للآريين) لا أرفكشادية. والظاهر وهو الحق إن الأرفكشاديين أسلاف العرب اليقطانية.

  • والرابع لُودُ ولعله الليديون الذين بعد أن جالوا كثيراً سكنوا أسيا الصغرى.

  • والخامس أَرَامُ أي الآراميون ومعنى آرام جبل أو وعر فهو ضد معنى أشور فإنه سهل. وكان آرام اسماً لجبل لبنان واسماً لدمشق (2صموئيل 8: 5) وامتد الآراميون إلى الجزيرة لكنها دُعيت قديماً «أرام النهرين» (تكوين 24: 10). ومن الآراميين أربعة قبائل:

  • الأولى عُوصُ وهي بلاد أوّب وهي الجزء الشمالي من صحراء العرب.

  • والثانية حُولُ ولا يُعرف أين كانت.

  • والثالثة جَاثَرُ وهي مجهولة المكان كحول.

  • والرابعة مَاشُ وهي اسم كورة على الجانب الغربي من الفرات على ما في نبإ التكوين الكلداني فتكون هي مسكنهم سُميت باسمهم كمساكن غيرهم من القبائل.

24 «وَأَرْفَكْشَادُ وَلَدَ شَالَحَ، وَشَالَحُ وَلَدَ عَابِرَ».

ص 11: 12

أَرْفَكْشَادُ وَلَدَ شَالَحَ بقية هذا الأصحاح نبأ العرب اليقطانية كأنها بحسب الظاهر من أرفكشاد وهي من عابر. وكأن ذكر الكتاب أن سام أبو كل بني عابر ليدل على أنه هو سلفهم الأول فهم من عابر لا من يقطان باعتبار الأصل الأقدم. وما بقي من أمر مواليد سام في (ص 11: 10 - 26).

25 «وَلِعَابِرَ وُلِدَ ٱبْنَانِ: ٱسْمُ ٱلْوَاحِدِ فَالَجُ لأَنَّ فِي أَيَّامِهِ قُسِمَتِ ٱلأَرْضُ. وَٱسْمُ أَخِيهِ يَقْطَانُ».

1أيام 1: 19

فَالَجُ لأَنَّ فِي أَيَّامِهِ قُسِمَتِ ٱلأَرْضُ لعل في هذا إشارة إلى تفرق نسل سام إلى أمم وسكناها في بلاد معيّنة تمتاز كل منها عن الأخرى. ولما سكن بنو يقطان بلاد العرب طردوا منها الحاميين وسكن الأشوريون والآراميون والفالجيون البلاد في الشمال والشمال الغربي. ولكن فالج بمقتضى الكلام على مواليد سام وُلد سنة 101 للطوفان وأهل بيت نوح لم يكونوا قد كثروا يومئذ حتى يزيدوا على خمس مئة نفس. ورأى المستر سيريل غراهام أن اسم فالج يشير إلى تقسيم الجداول والقنوات التي بين دجلة والفرات ويؤيد قوله أن من معاني فالج في العبرانية مجرى ماء أو جدول أي نهر صغير (ورسمه في العبرانية «فلج» والفلج في العربية النهر الصغير).

26 - 32 «26 وَيَقْطَانُ وَلَدَ أَلْمُودَادَ وَشَالَفَ وَحَضَرْمَوْتَ وَيَارَحَ 27 وَهَدُورَامَ وَأُوزَالَ وَدِقْلَةَ 28 وَعُوبَالَ وَأَبِيمَايِلَ وَشَبَا 29 وَأُوفِيرَ وَحَوِيلَةَ وَيُوبَابَ. جَمِيعُ هٰؤُلاَءِ بَنُو يَقْطَانَ. 30 وَكَانَ مَسْكَنُهُمْ مِنْ مِيشَا حِينَمَا تَجِيءُ نَحْوَ سَفَارَ جَبَلِ ٱلْمَشْرِقِ. 31 هٰؤُلاَءِ بَنُو سَامَ حَسَبَ قَبَائِلِهِمْ كَأَلْسِنَتِهِمْ بِأَرَاضِيهِمْ حَسَبَ أُمَمِهِمْ. 32 هٰؤُلاَءِ قَبَائِلُ بَنِي نُوحٍ حَسَبَ مَوَالِيدِهِمْ بِأُمَمِهِمْ. وَمِنْ هٰؤُلاَءِ تَفَرَّقَتِ ٱلأُمَمُ فِي ٱلأَرْضِ بَعْدَ ٱلطُّوفَانِ».

ع 1 ص 9: 19

يَقْطَانُ معناه صغير لأنه ابن عابر الأصغر (وسُمي في العربية قحطان) وأقسام اليقطانيين ثلاثة عشر وقليل منها ذو شأن وبعض الأسماء معجب لاقترانه بما هو من خواص اللغة العربية. وكانت بلادهم فيلكس العربية أو اليمن. وإذ كانوا رعاة لا مدن لهم لم يكن لأسماء قبائلهم ما يعتد به. وما يستحق الذكر منها «الموداد» لاقترانه بأداة التعريف العربية (أي ال) وهي في العبرانية حرف الهاء. و «حضرموت» أي حضرة الموت أي مكان حضوره سُميت بذلك لوبالة إقليمها. و «أبيمايل» أي «أبو ايل». ومن عادة العبرانيين إضافة الابن إلى الآب كابن نون وابن يشوع. ومن عادة العرب أن يضيفوا الأب إلى الابن كابي مالك وأبي زيد.

شَبَا وهي قبيلة سبا واسم بلادها وهي مشهورة بتجارة الأفاوية والحجارة الكريمة وجاء هذا الاسم في مواليد حام (انظر ع 7).

أُوفِيرَ قبيلة وطنها أول أرض عمان في بلاد العرب ثم سُمي بهذا الاسم جزء من الهند أو سيلان.

حَوِيلَةَ أي قبيلة حويلة. رأى أحد المفسرين أن حويلة هنا هي الأرض التي سكنها الكوشيون على ما ذُكر في الآية السابعة. وقال آخر أنه حويلة آخر وهو أبو قبيلة حويلة في الجولان شمالي اليمن. ومن المحقق أن الحاميين كانوا في تلك البلاد قبل اليقطانيين.

اَلأَصْحَاحُ ٱلْحَادِي عَشَرَ

1 «وَكَانَتِ ٱلأَرْضُ كُلُّهَا لِسَاناً وَاحِداً وَلُغَةً وَاحِدَةً».

ٱلأَرْضُ كُلُّهَا أي الناس في كل الأرض المعروفة يومئذ. إن الكاتب بعدما تكلم على الأمم المختلفة في ما كان يُعرف من الأرض وهو أرمينية والأرضون التي كانت تُسقى من مياه دجلة والفرات وشبه جزيرة العرب وأرض وادي النيل وما جاور الذلتا وفلسطين وشطوط البحر المتوسط الشرقية والجزائر قبرس ورودس وكريت وأسيا الصغرى التي وصل إليها اللوديون وبعض أروبا التي بلغها الياقثيون وهي ما بين بحر قزيين والبحر الأسود أخذ هنا يبين على هذا التفرق وهو تبلبل الألسنة.

لِسَاناً وَاحِداً وَلُغَةً وَاحِدَةً وفي العبرانية «شفة واحدة وكلاماً واحداً» أي كانت لغة كل الناس يومئذ واحدة في اللفظ والمعنى وتركيب الجُمل. فإن العلماء منذ سنين قليلة كانوا يرون إن اللغة السنسكريتية (الهندية) واللغات السامية مختلفان أصلاً لكن المباحث الحديثة أثبتت أنهما واحدة في الأصل أو إنهما من أصل واحد.

2 «وَحَدَثَ فِي ٱرْتِحَالِهِمْ شَرْقاً أَنَّهُمْ وَجَدُوا بُقْعَةً فِي أَرْضِ شِنْعَارَ وَسَكَنُوا هُنَاكَ».

ص 13: 11 ص 10: 10 و14: 1 وإشعياء 11: 11 ودانيال 1: 2

فِي ٱرْتِحَالِهِمْ أي انتقالهم من مكان إلى المكان بغية المرعى للماشية.

شَرْقاً في الأصل العبراني من الشرق «مقدم» وهي كذا في كل النسخ. ولكن كان جبل اراراط إلى الغرب الشمالي من شنعار فعلى ذلك لا يكون هو الجبل الذي استقرت السفينة عليه ولا غيره من جبال أرمينية وجبال الأكراد لأن النص يدل على أنه كان شرقي بابل. وجاء في النبإ الكلداني إن السفينة استقرت على جبل نيزير أو نزير أو الوند شرقي أشور. ومع أن أراراط يمكن أن يكون أريويرات (أي أرض مقدسة) يصعب بيان نقل اسم الوند إلى أرمينية بل يتعذر. ويظهر إن التوراة في مواضع أُخر تدل على أن أرمينية كانت سرير الجنس البشري ولذلك ترجم أكثر المفسرين. الكلمة العبرانية «مقدم» بما في العربية أي «شرقاً». وكذا معنى هذه الكلمة في (ص 13: 11) (فتكون الميم فيها زائدة كالميم في مشرق).

أَرْضِ شِنْعَارَ (انظر تفسير ص 10: 10). كل أرض الكلدانيين سهل وتربتها خصبة لأنها ركام من الغرين ولا يزال ذلك شأنها فأرض الرأس في شمالي خليج العجم معدل زيادتها من تراكم الغرين وما تجرفه المياه إليه نحو ميل في نحو خمسين سنة فقد زادت تلك البلاد نحو مئة وثلاثين ميلاً عرضاً من غرين دجلة والفرات منذ كانت أور الكلدانيين مدينة عظيمة وفرضة بحرية.

3 «وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: هَلُمَّ نَصْنَعُ لِبْناً وَنَشْوِيهِ شَيّاً. فَكَانَ لَهُمُ ٱللِّبْنُ مَكَانَ ٱلْحَجَرِ، وَكَانَ لَهُمُ ٱلْحُمَرُ مَكَانَ ٱلطِّينِ».

ص 14: 10 وخروج 2: 3

هَلُمَّ نَصْنَعُ لِبْناً وَنَشْوِيهِ شَيّاً يغلب في كثير من بلادنا أن يُصنع اللِبن ويجفف بالشمس فيبقى كثيراً. وكان هذا بداءة التمدن في إقامة المساكن ثم رأوا أنه إذا شُوي كان أكثر بقاء لزيادة منعته عن الانحلال بمياه المطر. وكانوا يجعلون ملاطه الكلس أو الحُمر فيزيد قوة وامتناعاً.

ٱلْحُمَرُ (القار المعدني ويُعرف ما صَلُبَ منه بالزفت).

4 «وَقَالُوا: هَلُمَّ نَبْنِ لأَنْفُسِنَا مَدِينَةً وَبُرْجاً رَأْسُهُ بِٱلسَّمَاءِ. وَنَصْنَعُ لأَنْفُسِنَا ٱسْماً لِئَلاَّ نَتَبَدَّدَ عَلَى وَجْهِ كُلِّ ٱلأَرْضِ».

تثنية 1: 18 ص 6: 4 و2صموئيل 8: 13 وإشعياء 63: 12

بُرْجاً رَأْسُهُ بِٱلسَّمَاءِ أي عالياً في الجو حتى ترى زرقة الجو عند رأسه. وهذا كقوله في مدن الكنعانيين «مُدُنٌ عَظِيمَةٌ مُحَصَّنَةٌ إِلَى ٱلسَّمَاءِ» (تثنية 1: 28). وكان لهم في بناء ذلك البرج غايتان الأولى أن يكون لهم منارة يهتدون بها في رجوعهم من رحلاتهم والثانية أن يبقوا أمة و احدة تقوى على توالي السنين وتُخضع سائر الأمم التي تجاورها فيشتهرون بذلك «ويصنعون لأنفسهم اسماً». وجاء في الأساطير القديمة وذكر بعضها يوسيفوس إن نمرود كان غير تقي فأمر ببناء ذلك البرج ليعصي الله وينقذ به شعبه من طوفان ثان. ولا شيء في الكتاب يؤيد ذلك.

5 - 7 «5 فَنَزَلَ ٱلرَّبُّ لِيَنْظُرَ ٱلْمَدِينَةَ وَٱلْبُرْجَ ٱللَّذَيْنِ كَانَ بَنُو آدَمَ يَبْنُونَهُمَا. 6 وَقَالَ ٱلرَّبُّ: هُوَذَا شَعْبٌ وَاحِدٌ وَلِسَانٌ وَاحِدٌ لِجَمِيعِهِمْ، وَهٰذَا ٱبْتِدَاؤُهُمْ بِٱلْعَمَلِ. وَٱلآنَ لاَ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ كُلُّ مَا يَنْوُونَ أَنْ يَعْمَلُوهُ. 7 هَلُمَّ نَنْزِلْ وَنُبَلْبِلْ هُنَاكَ لِسَانَهُمْ حَتَّى لاَ يَسْمَعَ بَعْضُهُمْ لِسَانَ بَعْضٍ».

ص 18: 21 ص 9: 19 وأعمال 17: 26 ع 1 مزمور 2: 1 مزمور 2: 4 وأعمال 2: 4 إلى 6 ص 42: 23 وتثنية 28: 49 وإرميا 5: 15 وأعمال 22: 9 و1كورنثوس 14: 2 و11

فَنَزَلَ ٱلرَّبُّ (أي علم مقاصدهم وأعمالهم كمن ينزل إلى بعيد عنه ليراه تمام الرؤية). ومن مصطلح سفر التكوين أن ينسب إلى الله أعمال البشر مجازاً لإيضاح المعنى أكمل إيضاح وبيان محبة الله للناس وعنايته بهم. وفي هذه الآيات و(ص 18: 21) إظهار عدل الله وبره فإن الرب وُصف بأنه ملك عظيم قدير يسمع في الأعالي والمساكن السماوية مناجاة الناس ويعلم مقاصدهم وأطماعهم.

ٱلْمَدِينَةَ وَٱلْبُرْجَ أي بابل وبرجها والظاهر أن قصدهم من المدينة كان بعض قصدهم من البرج وكانوا يريدون أن يكونوا مملكة واحدة عاصمتها تلك المدينة.

وَنُبَلْبِلْ هُنَاكَ لِسَانَهُمْ هذا لا يحتاج إلى صنع معجزة فإنه مما يقع عادة فإذا تفرق قوم لا تمر مدة طويلة إلا اختلفت لهجاتهم كما تراه من أمر اللغة العربية العامية اليوم لكن النبأ يستلزم سرعة التغيير اللغوي. وهذا يستلزم أنه مر وقت طويل وهم يتكلمون بلغة واحدة إذ كانوا مجتمعين في مكان واحد.

8 «فَبَدَّدَهُمُ ٱلرَّبُّ مِنْ هُنَاكَ عَلَى وَجْهِ كُلِّ ٱلأَرْضِ، فَكَفُّوا عَنْ بُنْيَانِ ٱلْمَدِينَةِ».

ص 10: 25 و32 ولوقا 1: 51

فَبَدَّدَهُمُ ٱلرَّبُّ مِنْ هُنَاكَ عَلَى وَجْهِ كُلِّ ٱلأَرْضِ الخ من شأن اختلاف اللغات تفريق بعض الناس عن بعض طبعاً واجتماع المتكلمين بلغة واحدة كما هو المشاهَد وهذا منعهم عن إكمال ما شرعوا فيه وعنى بكل وجه الأرض قسم الأرض الذي كانوا قد عرفوه.

9 « لِذٰلِكَ دُعِيَ ٱسْمُهَا «بَابِلَ» لأَنَّ ٱلرَّبَّ هُنَاكَ بَلْبَلَ لِسَانَ كُلِّ ٱلأَرْضِ. وَمِنْ هُنَاكَ بَدَّدَهُمُ ٱلرَّبُّ عَلَى وَجْهِ كُلِّ ٱلأَرْضِ».

لِذٰلِكَ دُعِيَ ٱسْمُهَا بَابِلَ قال بين سمث: بابل في الآرامية باب إل أي باب الله وفي الأشورية باب إلي ومعناه كذلك (ص 10: 10). ومن الغريب قول بعضهم إن بابل مركبة من باب وبيل أي باب بعل. وإل اسم الله في الآرامية وإلي اسمه في الأشورية وإلاه اسمه في العربية في الأصل (وعلى هذا تكون الألف واللام في الله زائدتين أو الواقع أنه لما نُكر إله أُدخلتا للتعريف) وألوهو اسمه في السريانية. وهذا لا يستلزم خطأ الكتاب المقدس في بيان علة تسميتها. فإن الناس دعوها باب الله والله دعاها بابل أي بلبلة لأنه في كل اللغات يكون تمثيل الكلام المشوش الغامض بعمل الشفتين في إخراج صوت الباء. فالكلمة نفسها في العبرانية بلبل وفي اليونانية بمبينو وفي اللاتينية بلبوتيو. ويُسمى الذي لا يفصح اللفظ بلفظة بلبوس فإذاً المدينة بقي اسمها بلفظه ولكن غُيّر معناه كما كان من أمر نابال فإن معناه في الأصل عود (أي آلة الطرب المعروفة) ولكن امرأته جعلت معناه حماقة (1صموئيل 25: 25) انتهى كلام بين سمث.

(وبقي لنا هنا كلام وهو أن رسم بابل في العبرانية «ببل» لا «باب إل» ولا «باب إلي» ولا «باب بعل» فهو على ذلك ليس اسماً لسوى البلبلة ولعله مصدر فعل ممات لفظه «ببل» بمعنى جمجم أي لم يبن أو لم يُفهم. ولم يزل هذا الفعل في بعض اللغات الآرية كالإنكليزية. ولعله أُخذ أصلاً عن لفظ الاطفال عند تكلمهم ولم تزل منه بقية في العربية كالببة وأصلها البب لأن تاء التأنيث من الزوائد وهي حكاية صوت الولد عند تلفظه فيكون تسميتها عند بعض الأمم القديمة بباب إل و باب إلي طارئة لا أصلية. ويجوز كما قال العلامة سمث أن يكون للاسم العلم معنيان ويختار المتكلم أحدهما لمناسبته لغرضه كما فعلت امرأة نابال. وهذا مما استفاض في العربية فإن تدمر اسم أعجمي معناه النحل لكن المتنبي اتخذ فعلاً مضارعاً من الدمار في قوله:

Table 6. 

وليس بغير تدمر مستغاثوتدمر كاسمها لهم دمار    

فقول المتنبي هنا كقول أبيجايل في زوجها لداود «لا يضعن سيدي قلبه... على نابال لأن كاسمه هكذا هو نابال اسمه والحماقة عنده». وفي قول النابغة إن سليمان بنى تدمر إشارة إلى أن اسمها ليس بعربي وهذا قوله:

Table 7. 

إلا سليمان إذ قال الإله لهقُم في البرية فأحددها عن الفند    
وجيش الجن أني قد أذنت لهميبنون تدمر بالصفاح والعمد    

وما أتته إبياجيل والمتنبي نوع من البديع يُعرف في العربية بالاتفاق. ومنه قول الرضي بن أبي حصينة المصري للإفرنج حين غزاهم لؤلؤ صاحب الملك الناصر:

Table 8. 

عدوكم لؤلؤ والبحر مسكنهوالدر في البحر لا يخشى من الغِير    

وقصص بابل عند قدماء الوثنيين موافقة لنبإ التوراة. فإن فيها أن ذلك البرج أُريد أن يكون رأسه في السماء وأن الذين قصدوا ذلك خطئوا وأثموا. وظهر فيها أن الكاتب سرّ بخيبتهم وإن الآلهة كانت تهدم ليلاً ما يبنونها نهاراً فبلبل أخيراً بعل أبو الآلهة ألسنتهم. ومن العجب أنه جاء في هذه الأسطورة الفعل بلبل الذي في العبرانية عينه.

وبقي في هذا مسئلة برج بابل وهي هل كان ذلك البرج هيكل بعل الذي هدمه زركسيس وكان مبنياً في وسط بابل أو برج بُرسيا الذي كان في ضاحيتها وعلى أمد ميلين منها جنوباً. فإن هذا البرج كان مرصداً لفلكي الكلدانيين القدماء. قال أوبرت معنى اسمه «برج اللغات». والذي نرجحه أن البرج الخرب المعروف الآن ببرج نمرود وهو البرج المذكور في آية الكتاب لأن هيكل بعل بُني بعده بدليل أنه أُنشئ في زمان الملوك الكلدانيين.

مواليد سام

10 - 26 «10 هٰذِهِ مَوَالِيدُ سَامٍ: لَمَّا كَانَ سَامٌ ٱبْنَ مِئَةِ سَنَةٍ وَلَدَ أَرْفَكْشَادَ، بَعْدَ ٱلطُّوفَانِ بِسَنَتَيْنِ. 11 وَعَاشَ سَامٌ بَعْدَ مَا وَلَدَ أَرْفَكْشَادَ خَمْسَ مِئَةِ سَنَةٍ، وَوَلَدَ بَنِينَ وَبَنَاتٍ. 12 وَعَاشَ أَرْفَكْشَادُ خَمْساً وَثَلاَثِينَ سَنَةً وَوَلَدَ شَالَحَ. 13 وَعَاشَ أَرْفَكْشَادُ بَعْدَ مَا وَلَدَ شَالَحَ أَرْبَعَ مِئَةٍ وَثَلاَثَ سِنِينَ، وَوَلَدَ بَنِينَ وَبَنَاتٍ. 14 وَعَاشَ شَالَحُ ثَلاَثِينَ سَنَةً وَوَلَدَ عَابِرَ. 15 وَعَاشَ شَالَحُ بَعْدَ مَا وَلَدَ عَابِرَ أَرْبَعَ مِئَةٍ وَثَلاَثَ سِنِينَ، وَوَلَدَ بَنِينَ وَبَنَاتٍ. 16 وَعَاشَ عَابِرُ أَرْبَعاً وَثَلاَثِينَ سَنَةً وَوَلَدَ فَالَجَ. 17 وَعَاشَ عَابِرُ بَعْدَ مَا وَلَدَ فَالَجَ أَرْبَعَ مِئَةٍ وَثَلاَثِينَ سَنَةً، وَوَلَدَ بَنِينَ وَبَنَاتٍ. 18 وَعَاشَ فَالَجُ ثَلاَثِينَ سَنَةً وَوَلَدَ رَعُوَ. 19 وَعَاشَ فَالَجُ بَعْدَ مَا وَلَدَ رَعُوَ مِئَتَيْنِ وَتِسْعَ سِنِينَ، وَوَلَدَ بَنِينَ وَبَنَاتٍ. 20 وَعَاشَ رَعُو ٱثْنَتَيْنِ وَثَلاَثِينَ سَنَةً وَوَلَدَ سَرُوجَ. 21 وَعَاشَ رَعُو بَعْدَ مَا وَلَدَ سَرُوجَ مِئَتَيْنِ وَسَبْعَ سِنِينَ، وَوَلَدَ بَنِينَ وَبَنَاتٍ. 22 وَعَاشَ سَرُوجُ ثَلاَثِينَ سَنَةً وَوَلَدَ نَاحُورَ. 23 وَعَاشَ سَرُوجُ بَعْدَ مَا وَلَدَ نَاحُورَ مِئَتَيْ سَنَةٍ، وَوَلَدَ بَنِينَ وَبَنَاتٍ. 24 وَعَاشَ نَاحُورُ تِسْعاً وَعِشْرِينَ سَنَةً وَوَلَدَ تَارَحَ. 25 وَعَاشَ نَاحُورُ بَعْدَ مَا وَلَدَ تَارَحَ مِئَةً وَتِسْعَ عَشَرَةَ سَنَةً، وَوَلَدَ بَنِينَ وَبَنَاتٍ. 26 وَعَاشَ تَارَحُ سَبْعِينَ سَنَةً، وَوَلَدَ أَبْرَامَ وَنَاحُورَ وَهَارَانَ».

ص 10: 22 و1أيام 1: 17 لوقا 3: 35 و36 و1أيام 1: 19 يشوع 24: 2 و1أيام 1: 26

هٰذِهِ مَوَالِيدُ سَامٍ هنا كما في الأصحاح الخامس من كبير الاختلاف بين العبرانية والسامرية والسبعينية فعلى ما في العبرانية كل السنين من سام إلى ميلاد إبراهيم 390. وعلى ما في السامرية 1040. وعلى ما في السبعينية 1270. ويحصل هذا الفرق بزيادة مئة سنة على سن كل من الآباء قبل ميلاد ابنه الأكبر. وفي السبعينية ايضاً أدراج قينان بين أرفكشاد وشالح. وهذا الاختلاف ليس بقليل في التاريخ لكن العلماء منذ زمن بعيد حكموا بأن هذه المواليد لم يُقصد بها التاريخ الزماني وقالوا اعتمادها في ذلك يؤدي إلى الخطإ (على أن العمدة عندنا النسخة العبرانية لأنها الأصل فيرجع إليها عند الاختلاف إلا ما ندر).

ومواليد سام هنا كمواليد شيث عدداً (ص 5) وهذا العدد عند اليهود من الأعداد المقدسة أو المعتبرة. والأسماء هنا عبرانية إلا أرفكشاد (ص 10: 22) وهي ما يأتي:

شَالَحُ أي إرسال فهو يشير إلى إرسال الناس إلى أرضين جديدة يسكنونها.

عَابِرَ أي عبور فهو يشير إلى أن المهاجرين عبروا المجاري الفاصلة ولعل منها دجلة وغلبوا الموانع ومنها محاربة القبائل الحاميّة في ما بين النهرين.

فَالَجَ أي فلج أعني قسمة فهو تذكار لانفصال العرب اليقطانين عن الأصل (انظر تفسير ص 10: 25).

رَعُوَ أي مصاحبة فهو يشير إلى اجتماع المهاجرين اليقطانين.

سَرُوجَ أي شبك أو تشبيك ولعله يشير إلى اختلاط الساميين بعد انقسامهم بواسطة الزيجة.

نَاحُورَ أي لهثٌ أو جهاد ولعل في ذلك إشارة إلى السعي والاجتهاد في القرب من الله الذي فصل به شعبه عن سائر الأجيال والقبائل وميّزه بعقيدة التوحيد. ويظهر من أقوال يشوع أن الوثنية انتشرت بين قبائل سام حتى لحق تأثيرها بناحور وتارح (يشوع 24: 2). والمرجّح أن ابتداء الرجوع إلى التوحيد كان من تعليم إبراهيم ورفضه ما كان عليه قومه. وكانوا يعبدون يومئذ الترافيم وبقي ذلك بين القوم طويلاً كما تبين من نبإ لابان وراحيل (ص 31: 30 و34).

تَارَحَ أي جولان أو طوفان فهو يدل على بداءة افتراق بعض القبيلة أو العشيرة عن بعض للاختلاف في العقائد الدينية وكانت نهايته مهاجرة إبراهم إلى كنعان.

أَبْرَامَ أي أب سام أو أبو علاء أو أبو رفعة فهو ينبئ بارتفاع إبراهيم بعد ذلك بأن يكون قصده سامياً. ويصعب علينا تعيين زمن ميلاده. فإنه قيل هنا «وعاش تارح سبعين سنة وولد أبرام وناحور وهاران». وفي الآية الثانية والثلاثين «وكانت أيام تارح مئتين وخمس سنين». ولكن قال القديس استفانوس أن تارح مات في حاران قبل هجرة إبراهيم (أعمال 7: 4). وجاء في هذا السفر (أي سفر التكوين) أنه «كَانَ أَبْرَامُ ٱبْنَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً لَمَّا خَرَجَ مِنْ حَارَانَ» (ص 12: 4). فلنا من ذلك أحد أمرين الأول أن تارح كان ابن مئة وثلاثين سنة يوم ولد أبرام فيكون أبرام أصغر أبنائه. والثاني أن كل أيام تارح مئة وخمس وأربعون سنة كما في النسخة السامرية. ورأى بعضهم أن هذا هو الحق لأمرين الأول أن ناحور مات في سن المئة والثامنة والأربعين فلا يرجح أن تارح يعيش أكثر من ذلك كثيراً كما في العبرانية لأن العمر كان يقصر بعد الطوفان بالتدريج. والثاني أن إبراهيم حسب من المحال أن يولد للإنسان أولاد وهو في سن المئة ولو كان قد وُلد وأبوه في سن المئة والثلاثين لم ينطق بما نطق به (ص 17: 17).

مواليد تارح

27 «ًوَهٰذِهِ مَوَالِيدُ تَارَحَ: وَلَدَ تَارَحُ أَبْرَامَ وَنَاحُورَ وَهَارَانَ. وَوَلَدَ هَارَانُ لُوطا».

وَهٰذِهِ مَوَالِيدُ الخ الكلام على هذه المواليد يشغل هذه الآية وما بعدها إلى (ص 15: 11) وهو من أكثر ما في سفر التكوين لذة وفائدة لأن فيه تاريخ حياة أبينا إبراهيم الذي سُرّ الله بأن اختاره لوضع أساس الكنيسة الإسرائيلية التي كانت برسومها ومزاميرها وأنبيائها نور الدين الحق والطريق الممهدة لمجيء المسيح. ولكن مع أن إبراهيم هو المركز الأصلي دُعيت المواليد هنا مواليد تارح لا مواليد إبراهيم كما دعي تاريخ يوسف مواليد يعقوب (ص 37: 2) وذلك ليبين اتصال إبراهيم بالسلف وإن تارح كان ممثلاً لسام.

وَلَدَ تَارَحُ أَبْرَامَ اجتهد المفسرون للتوفيق بين ما قاله استفانوس في سفر الأعمال (أعمال 7: 4) وما قيل في هذا السفر في الأصل العبراني بأن جعلوا إبراهيم أصغر أولاد تارح وذُكر أولاً لحسن مبدإه الروحي. فقال بعضهم هذا مخالف لقواعد اللغة العبرانية (ولهذا أثبت صحة ما في النسخة السامرية على ما ذُكر في تفسير ع 26).

28 «وَمَاتَ هَارَانُ قَبْلَ تَارَحَ أَبِيهِ فِي أَرْضِ مِيلاَدِهِ فِي أُورِ ٱلْكِلْدَانِيِّينَ».

وَمَاتَ هَارَانُ قَبْلَ تَارَحَ أَبِيهِ وفي الأصل العبراني مات هاران تجاه أبيه أو في حضرة أبيه. وهذا أول أنباء التوراة بموت الولد موتاً طبيعياً قبل والده.

أُورِ ٱلْكِلْدَانِيِّينَ وفي الأصل العبراني «أوركسديم» وعُرفت هذه المدينة على اليقين مما اكتُشف من الكتابات السفينية أنها مدينة أم قير الباقية أطلالها إلى اليوم. وكان سكان هذه المدينة الأكاديون وهم أمة طورانية نشأت عن نسل يافث ثم غلبها الساميون ومن ثم غلبوا كل أهل شنعار أي بلاد بابل وطردوا منها الكوشيين. وظن المستر سيس أن ذلك كان قبل الميلاد بنحو ألفي سنة أو ثلاثة آلاف سنة. ولكنه حقق أن مصيرها دولة قانونية اسم ملكها لغباغاس وانقسامها إلى عدة ممالك خاضعة لصولجانه كان قبل ميلاد المسيح بثلاثة آلاف سنة. وفي بعض المشاهد اليوم كثير من قطع القرميد التي عليها الرسوم السفينية وعددها نحو 40000 من مكتبة الملك لغباغاس وعُرف منها أن اللغة الأكادية كانت في ذلك الوقت منتشرة وكثير من المؤلفات التي وُجدت في خرب أغاني مترجم منها. وبها زال كل الصعوبات المتعلقة بقدم الكتابة بالحروف الهجائية الصوتية أيام لم يكن للناس سوى الرسوم الهيروغليفية الإشارية أي كتابة المصريين بصور المخلوقات. وسافر إبراهيم من تلك المدينة أيام كانت مهد المعارف وبلغت أوج الشهرة. وأنبأت تلك الكتابات بكثير مما كان فيها من الأعمال المتعلقة بأمور المعاش وهي ما وُجد مرسوماً على الآنية الخزفية فالمرجّح إن ذلك الأمير أي أبرام حمل معه ألواح القرميد والاسطوانات المكتوبة عليها الأنباء القديمة والحجج والصكوك والرسائل والمقالات العلمية. فلا نعجب اليوم من الاتفاق بين أنباء كتاب التكوين قبل هجرة إبراهيم والأنباء التي حفظتها لنا الكتابات السفينية كما كنا نعجب قبل الوقوف عليها. على أن المؤمن بالوحي لا يعجز عن دفع الشبه الناشئة عن مخالفة تلك الأنباء لما في الكتاب المقدس فإن معظم ذلك الخلاف أو كله راجع إلى عقائدهم الخرافية فإنهم كانوا وثنيين مشركين عندهم آلة كثيرة وآمنوا باثني عشر إلهاً كبيراً وعدد لا يحصى من الآلهة الصغيرة. وزاد الوثنيون الساميون بعض الآلهة عليها ومن ذلك البعلة زوجة البعل وإستار وهي الزهرة عند العرب وفينُس إلاهة الحب والجمال عند اليونان. فهذا مما لم تذكره التوراة ولا أثر فيها لخرافات نظير هذه. ولا يوجد في المؤلفات الكلدانية شيء يحاكي في السمو والجلالة ما أتى في بداءة هذا النبإ في كتاب الوحي وهو قوله «في البدء خلق الله السموات والأرض».

وإذ كانت «أور» كلمة أكادية وجب أن نعتزل اللغات الساميّة في تفسير معناها فهي تعني على مقتضى الأكادية أم قير أي كثيرة القير أو مصدر القير لأنه كان يُستخرج منها ثم دعيت مُقير.

29 «وَاتَّخَذَ أَبْرَامُ وَنَاحُورُ لَهُمَا ٱمْرَأَتَيْنِ: ٱسْمُ ٱمْرَأَةِ أَبْرَامَ سَارَايُ، وَٱسْمُ ٱمْرَأَةِ نَاحُورَ مِلْكَةُ بِنْتُ هَارَانَ، أَبِي مِلْكَةَ وَأَبِي يِسْكَةَ».

ص 17: 15 و20: 12 ص 22: 20

سَارَايُ... مِلْكَةُ كانت ساراي أخت إبراهيم من أبيه وغير أمه (ص 20: 12) وكانت ملكة ابنة أخي ناحور. وكانت مثل هذه الزيجة جائزة يومئذ بل كان الاقتران بين الأقرباء سُنّة دينية (ص 24: 3 و4 و28: 1 و2).

يِسْكَةَ هي ابنة هاران وأخت ملكة لعلها ذُكرت هنا لأنها كانت مشهورة بشيء لم يذكره الكتاب لا لأنها امرأة لوط كما ظن بعضهم فيكون ذكرها كذكر نعمة (انظر ص 4: 22).

30 «وَكَانَتْ سَارَايُ عَاقِراً لَيْسَ لَهَا وَلَدٌ».

ص 16: 1 و2

(هذه الآية من جملتين الثانية تفسير للأولى مثل هذا كثير في الكتاب المقدس ولا سيما الأسفار الشعرية).

31 « وَأَخَذَ تَارَحُ أَبْرَامَ ٱبْنَهُ، وَلُوطاً بْنَ هَارَانَ ٱبْنَ ٱبْنِهِ، وَسَارَايَ كَنَّتَهُ ٱمْرَأَةَ أَبْرَامَ ٱبْنِهِ، فَخَرَجُوا مَعاً مِنْ أُورِ ٱلْكِلْدَانِيِّينَ لِيَذْهَبُوا إِلَى أَرْضِ كَنْعَانَ. فَأَتَوْا إِلَى حَارَانَ وَأَقَامُوا هُنَاكَ».

ص 12: 1 نحميا 9: 7 ص 10: 19 أعمال 7: 4

حَارَانَ هي حاران المذكورة في سفر الأعمال (أعمال 7: 4) قال بعضهم هي مكان أو مدينة في الشمال الشرقي من الجزيرة أي ما بين النهرين واسمها منقول عن اسم فاعل معناه جاف. وقال آخر أنه أُرفا. وآخر أنها على أمد عشرين ميلاً جغرافياً من إدسا وعلى الجنوب الغربي منها وإن اسمها كلمة أكادية معناها طريق. وقال المستر سَيس أنها باب الطريق من الشرق إلى الغرب.

وكانت هجرة تارح تُعد انتقال قبيلة من الساميين شمالاً (انظر تفسير ع 6) إذ حاربها العيلاميون وكانوا يومئذ متسلطين على غربي أسيا وكانت علة محاربتهم لتلك القبيلة أو معظمها الخلاف الديني لأن أهل أور كانوا يعبدون الإله سينا أي القمر. وتارح لم يكن نقي الإيمان كإبراهيم لكنه لم يكن من متعصبي الوثنيين ولم تكن وثنيته صرفاً. ولماذا قصدوا كنعان. الذي يظهر لنا من الكتابات إن الله دعا إبراهيم إلى أرض كنعان (ص 12: 1). ولعله كان المتواتر في عشيرة إبراهيم أو الواصل إليهم من الآباء السالفين أن أرض كنعان هي أرض الرجاء. وغزوة أمرافل ملك شنعار ومن معه لجنوبي فلسطين على ما ذكر في لأصحاح الرابع عشر وعلى ما عرفناه من تلك الحركات العامة بما لنا من وسائل المعرفة اليوم توجب علينا أن لا نفرض أن البُعد بين الفريقين كما بين بابل وكنعان سبب عدم معرفة بعضهم البعض. ونعرف من ذلك أيضاً أن دعوة الله لإبراهيم كانت في أور الكلدانيين (انظر ص 15: 7 ونحميا 9: 7 وأعمال 7: 2). ونعلم من أول الأصحاح الثاني عشر أن الله لم يعيّن أمور دعوته لإبراهيم تمام التعيين في ذلك الوقت.

32 «وَكَانَتْ أَيَّامُ تَارَحَ مِئَتَيْنِ وَخَمْسَ سِنِينَ. وَمَاتَ تَارَحُ فِي حَارَانَ».

أَيَّامُ تَارَحَ (انظر تفسير ع 28) يُفهم من التوراة السامرية أن أبرام ترك حاران في السنة التي مات فيها تارح وأن ناحور كان مع تارح حينئذ (ص 24: 10). وإن أبرام دُعي أن يترك عشيرته وبيت أبيه وأن كل الذين كانوا مع تارح هاجروا مع أبرام إلى أرض كنعان (ع 31 وص 12: 1).

اَلأَصْحَاحُ ٱلثَّانِي عَشَرَ

1 «وَقَالَ ٱلرَّبُّ لأَبْرَامَ: ٱذْهَبْ مِنْ أَرْضِكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ وَمِنْ بَيْتِ أَبِيكَ إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي أُرِيكَ».

ص 15: 7 ونحميا 9: 7 وإشعياء 41: 2 وأعمال 7: 3 وعبرانيين 11: 8

وَقَالَ ٱلرَّبُّ لأَبْرَامَ لما ذكر عشيرة أبرام أبان بهذه الدعوة أن أبرام دون غيره من تلك العشيرة هو وارث البكورية وأنه منه يولد المخلص الذي وُعدت به حواء (ص 3: 15).

أَرْضِكَ هذا برهان على أن أبرام وأباه لم يكونا حديثي الإقامة بأور الكلدانيين بل إن نسل سام كان مستولياً على كل تلك البلاد كما تحقق للباحثين في هذه الآيام.

عَشِيرَتِكَ في العبرانية «مولدتك» أي مولدك يعني مكان ميلادك. لكن الكلمة تعني في العبرانية العشيرة أيضاً وقد ترجمت بها في (ص 43: 7) وتُرجمت بالوطن. وجاءت مترجمة بالميلاد مضاف إليه الأرض (ص 11: 28) ولعل معناها هنا أرض ميلادك فتكون دعوة أبرام على هذا في أور الكلدانيين على أن أكثر الترجمات يبين أنها كانت في حاران.

إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي أُرِيكَ ذكر في (ص 11: 31) إن هذه الأرض هي أرض كنعان ولكن يمكن أن هذه المعرفة حُجبت عن إبرام إلى حين وأنه لم يعرف هو ولا تارح يوم تركا أور الكلدانيين الأرض التي عُينت للإقامة.

2، 3 «2 فَأَجْعَلَكَ أُمَّةً عَظِيمَةً وَأُبَارِكَكَ وَأُعَظِّمَ ٱسْمَكَ، وَتَكُونَ بَرَكَةً. 3 وَأُبَارِكُ مُبَارِكِيكَ وَلاَعِنَكَ أَلْعَنُهُ. وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ ٱلأَرْضِ».

ص 17: 6 و18: 18 وتثنية 26: 5 و1ملوك 3: 8 ص 24: 35 و28: 4 وغلاطية 3: 14 زكريا 8: 13 ص 27: 29 وخروج 23: 22 وعدد 24: 9 ص 18: 18 و22: 18 و26: 4 ومزمور 72: 17 وأعمال 3: 25 وغلاطية 3: 8

تَكُونَ بَرَكَةً أو «كن بركة». كان هذا الوعد مع مواعيد أخرى لأبرام خاصاً من وجه وعاماً من وجه آخر لكل أهل الأرض فكان له باعتبار أنه أبو شعب سوف يعظم اسمه ويكرمه ويُحسن ذكره ولكل العالم من جهة إيمانه ونسله الذي هو المسيح فيه تباركت كل قبائل الأرض.

أُبَارِكُ مُبَارِكِيكَ وَلاَعِنَكَ أَلْعَنُهُ أي أهب البركة لمن يصادقك ولا سيما من يؤمن إيمانك وأوجب اللعنة أي العقاب على من يعاديك ويكفر بإيمانك. ومن مقتضيات العدل إيجاب العقاب على معاداة خليل الله والكفر بمن آمن به.

وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ ٱلأَرْضِ كان أبرام والأمة التي نشأت منه وسيطين بين الله والناس في إعلان الحق وكانت مزية الوحي لأولاده ولكنهم بإعلانهم الحق للأمم كان نسله بركة لها فكان الله وخلاصه بذلك للأمم كما كانا لليهود (رومية 3: 29 و10: 12 الخ).

4 «فَذَهَبَ أَبْرَامُ كَمَا قَالَ لَهُ ٱلرَّبُّ وَذَهَبَ مَعَهُ لُوطٌ. وَكَانَ أَبْرَامُ ٱبْنَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً لَمَّا خَرَجَ مِنْ حَارَانَ».

عبرانيين 11: 8

خَرَجَ مِنْ حَارَانَ أُمر بالخروج في أور الكلدانيين وأُمر ثانية في حاران ولعل أبرام أقام بحاران لأجل تارح ولذلك تركها لما مات (انظر تفسير ص 11: 26) وأخذ في إتمام المهاجرة إلى حيث أمره الله.

5 «فَأَخَذَ أَبْرَامُ سَارَايَ ٱمْرَأَتَهُ، وَلُوطاً ٱبْنَ أَخِيهِ، وَكُلَّ مُقْتَنَيَاتِهِمَا ٱلَّتِي ٱقْتَنَيَا وَٱلنُّفُوسَ ٱلَّتِي ٱمْتَلَكَا فِي حَارَانَ. وَخَرَجُوا لِيَذْهَبُوا إِلَى أَرْضِ كَنْعَانَ. فَأَتَوْا إِلَى أَرْضِ كَنْعَانَ».

ص 14: 14 ص 11: 31

كُلَّ مُقْتَنَيَاتِهِمَا أي مقتنيات أبرام ولوط لا المواشي والقطعان فقط بل كل ما حصلا عليه من الثروة. ولا نعلم كم كان هناك تارح وهاران وكم ولد لهاران هناك ولعل الجميع أقاموا سنين كثيرة وصاروا نفوساً كثيرة وكان أبرام كثير الفضة والذهب وكان من كبراء أهل التجارة ولذلك عرف طريق مسير قوافل التجار.

وَٱلنُّفُوسَ ٱلَّتِي ٱمْتَلَكَا وفي العبرانية «التي صنعا» ورأى انكيلوس ومفسرو اليهود إن أولئك النفوس هم الذين اختاروا إيمان أبرام واقتصروا على عبادة الله. ويصح هذا على الذين كانوا مع أبرام ولعل أكثرهم يومئذٍ كانوا عبيداً وخدماً (انظر ص 14: 14) ولا نشك في أن أبرام كان يرشدهم إلى الله الحق ويعلمهم قواعد الدين (ص 18: 19).

فَأَتَوْا إِلَى أَرْضِ كَنْعَانَ لا ريب في أن سير أبرام إلى كنعان كان بطيئاً فشغل زماناً طويلاً لما معه من البهائم وصغارها ولم صحبهم من الأولاد والنساء. وكان بينه وبين كنعان 300 ميل ولا ريب في أنه مرّ بأرض كثيرة الكلإ فترك بهائمه ترتع فيها ما استطاعت فكان يقتضي عبور الفرات بكل ذلك الجمهور وقتاً طويلاً والمرجح أنه أتى على طريق كركميش والأرض هنالك في أحسن الخصب. فاستحق أولاد أبرام بهذا العبور أن يسموا عبرانيين كما استحقوا ذلك بكونهم من عابر الذي عبر نهر دجلة. وجاء أبرام من كركميش إلى الجنوب الغربي ومر بتدمر ودمشق. وقال يوسيفوس المؤرخ اليهودي «إن أبرام أتى بجيش من وراء بابل وغلب دمشق وملكها ثم توجه إلى كنعان». وأبان المستر مالان أنه مرّ على أبرام سنة بخروجه من حاران ووصوله إلى أرض كنعان. ولربما عيّن أليعازر الدمشقي وكيلاً له في أثناء مروره بدمشق.

6 «وَٱجْتَازَ أَبْرَامُ فِي ٱلأَرْضِ إِلَى مَكَانِ شَكِيمَ إِلَى بَلُّوطَةِ مُورَةَ. وَكَانَ ٱلْكَنْعَانِيُّونَ حِينَئِذٍ فِي ٱلأَرْضِ».

عبرانيين 11: 9 ص 34: 24 وأعمال 7: 16 ص 35: 4 وتثنية 11: 30 وقضاة 7: 1 ص 10: 18 و19 و13: 7

شَكِيمَ معنى شكيم في العبرانية «كتف» والمقصود بها هنا الحدب بين جبلي عيبال وجرزيم. والمدينة هناك واسمها اليوم نابلس وهو قطعة من «فلافيا نيابوليس» أي مدينة فلافيوس وهو القيصر تيطس فلافيوس فسباسيانُس وهذا جُعل اسماً لتلك المدينة إكراماً لفسباسيان. وهنالك وادٍ خصيب جداً تحيط به الجبال الجدبية.

بَلُّوطَةِ مُورَةَ وهي المكان الذي دفن فيه يعقوب الأصنام التي أتت بها عياله وامرأته من بيت أبيها من حاران (ص 35: 4) ونصب به يشوع حجر الشهادة (يشوع 24: 26 وقضاة 9: 6). والمرجّح إنها سُميت بلوطة مورة لأنه كان هنالك أجمة من البلوط. وان هذا المكان الظليل مناسباً لضرب الخيام فيه وكان في ممرة قرب حبرون بلوطة عظيمة وفي ذلك المكان بيع أسرى اليهود عبيداً في عصر فسباسيانس وانمحى أثر تلك الأجمة سنة 330 ب. م ولا أثر لشجرة منه اليوم. ومعنى «مورة» معلم (إشعياء 9: 15) فيرجح أنه كان تحت بعض أشجار تلك الأرض مدرسة يُعلم فيها قواعد الدين وإن البلوطة المذكورة في الآية كان المعلم يجلس في ظلها فسُميت «بلوطة مورة» أي بلوطة المعلم. وكان المعلمون في نسل سام كثيرين ومنهم ملكي صادق.

وَكَانَ ٱلْكَنْعَانِيُّونَ حِينَئِذٍ فِي ٱلأَرْضِ أي إن إبرام لما وصل إلى أرض كنعان لم يجدها مُلكاً للساميين بل وجدها مشغولة بالكنعانيين. ولنا من ذلك أن الكنعانيين كثروا في تلك الأرض بالمسالمة على التدريج أكثر من أنهم استولوا عليها عنوة. وكان ذلك على ما يستفاد من الأنباء المصرية قبل إتيان أبرام بزمن طويل. وقُرئ في الكتابات المصرية القديمة إسمي «ساتي» و «آمو». ومعنى «آم» في العبرانية أمة. وبعد ذلك «الآمور» و «الخيطا» أي الأموريون والحثيون وكانت هاتان الأمتان قويتين في عصر أبرام (انظر نبأ رحلاتهم في ص 10: 15 - 19).

7 «وَظَهَرَ ٱلرَّبُّ لأَبْرَامَ وَقَالَ: لِنَسْلِكَ أُعْطِي هٰذِهِ ٱلأَرْضَ. فَبَنَى هُنَاكَ مَذْبَحاً لِلرَّبِّ ٱلَّذِي ظَهَرَ لَهُ».

ص 17: 1 ص 13: 15 و15: 18 و17: 8 و26: 4 ومزمور 105: 11 ص 13: 4 و18 و35: 4 ويشوع 24: 1 و26

وَظَهَرَ ٱلرَّبُّ لأَبْرَامَ هذه أول مرات ظهور الرب المذكورة في الكتاب فإن المخاطبة بين الله والإنسان كانت أولاً بلا واسطة منظورة «فأوصى الله آدم» (ص 2: 16) «وسمع آدم وحواء صوته» (ص 3: 8). «ونادى آدم» (ص 3: 9). «وقال لقايين» (ص 4: 6 - 9). «ولنوح» (ص 6: 13 و7: 1). «وكلّمه (ص 8: 15 و9: 8) وهنا وفي ما يأتي يُقال «وظهر الرب» وهذا الظهور كثيراً ما ذكر مقترناً بهذه العبارة «ملاك الرب» (انظر ص 16: 7 و22: 11 الخ) وذُكر قليلاً مقترناً بهذه العبارة «ملاك الله» (ص 21: 17 وقضاة 6: 20 و13: 9). وهل كان هذا الملاك مخلوقاً أو مثال المسيح متجسداً ذلك فصل الكلام عليه في الحاشية في نهاية هذا السفر.

فَبَنَى هُنَاكَ مَذْبَحاً لِلرَّبِّ فوقف بذلك الأرض للرب والمذبح هنا مكان العبادة وتقديم القرابين ففعل كما فعل نوح (ص 8: 20).

8 «ثُمَّ نَقَلَ مِنْ هُنَاكَ إِلَى ٱلْجَبَلِ شَرْقِيَّ بَيْتِ إِيلٍ وَنَصَبَ خَيْمَتَهُ. وَلَهُ بَيْتُ إِيلَ مِنَ ٱلْمَغْرِبِ وَعَايُ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ. فَبَنَى هُنَاكَ مَذْبَحاً لِلرَّبِّ وَدَعَا بِٱسْمِ ٱلرَّبِّ».

عبرانيين 11: 9 ص 8: 20 و26: 25 و28: 18 و35: 7 وقضاة 20: 18 و26 و1صموئيل 10: 3 ص 4: 26 و13: 4

نَقَلَ هذا ما تقضتيه البداوة وكثرة مواشي أبرام تحمله على النقل بغية المراعي. وكان أول ثوائه الطويل في البلاد الجبلية بين بيت إيل وعاي. وكان شجر اللوز هنالك كثيراً ولهذا كان اسم المدينة قديماً لوز.

9 «ثُمَّ ٱرْتَحَلَ أَبْرَامُ ٱرْتِحَالاً مُتَوَالِياً نَحْوَ ٱلْجَنُوبِ».

ص 13: 3

نَحْوَ ٱلْجَنُوبِ الجنوب في العبرانية (ננב)نجب ومعناه في الأصل أرض يابسة وعلى يبس التربة هنالك إن الأرض طباشيرية ناعمة التربة فلا تضبط مياه المطر فيسفل ويجري تحت سطح الأرض. ومع ذلك تكثر الماشية هنالك لأنهم يحتالون على حفظ المياه في حياض.

سفر أبرام إلى مصر

10 «وَحَدَثَ جُوعٌ فِي ٱلأَرْضِ، فَٱنْحَدَرَ أَبْرَامُ إِلَى مِصْرَ لِيَتَغَرَّبَ هُنَاكَ، لأَنَّ ٱلْجُوعَ فِي ٱلأَرْضِ كَانَ شَدِيداً».

ص 26: 1 مزمور 105: 31 ص 43: 1

وَحَدَثَ جُوعٌ فِي ٱلأَرْضِ لا بد من أن هذا الجوع حدث بعد سنين قليلة من وصول أبرام إلى أرض كنعان لأنه كان ابن خمس وسبعين سنة حين ترك حاران وكان ابنه اسماعيل الذي ولدته له الأمة المصرية ابن ثلاث عشرة سنة عندما كان في سن التاسعة والتسعين وشغل وقتاً طويلاً بالسفر والإقامة على الطريق من حاران إلى كنعان فبقى نحو ثماني سنين لما حدث في (ص 120 - ص 16). والظاهر إن مياه النيل كانت كثيرة في تلك السنة فكثر خصبها فقصدها أبرام إحياء لمن معه من الناس وما معه من البهائم ولم يكن قصده أن يبقى هنالك إلا وقتاً قصيراً لأنه لم يكن يطلب مدينة على الأرض بل «كَانَ يَنْتَظِرُ ٱلْمَدِينَةَ ٱلَّتِي لَهَا ٱلأَسَاسَاتُ، ٱلَّتِي صَانِعُهَا وَبَارِئُهَا ٱللهُ» (عبرانيين 11: 8 - 10).

11 - 13 «11 وَحَدَثَ لَمَّا قَرُبَ أَنْ يَدْخُلَ مِصْرَ أَنَّهُ قَالَ لِسَارَايَ ٱمْرَأَتِهِ: إِنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكِ ٱمْرَأَةٌ حَسَنَةُ ٱلْمَنْظَرِ. 12 فَيَكُونُ إِذَا رَآكِ ٱلْمِصْرِيُّونَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: هٰذِهِ ٱمْرَأَتُهُ. فَيَقْتُلُونَنِي وَيَسْتَبْقُونَكِ. 13 قُولِي إِنَّكِ أُخْتِي، لِيَكُونَ لِي خَيْرٌ بِسَبَبِكِ وَتَحْيَا نَفْسِي مِنْ أَجْلِكِ».

ع 14 وص 26: 7 ص 20: 11 و26: 7 ص 20: 5 و12 و13 و26: 7

أَنَّكِ ٱمْرَأَةٌ حَسَنَةُ ٱلْمَنْظَرِ كانت ساراي حينئذ ابنة أكثر من ستين سنة ومع ذلك كانت كأنها صبية وكانت جميلة جداً ولا يعجب من ذلك من عرف أنها ولدت في سن التسعين وعاشت مئة سنة وسبعاً وعشرين سنة (فلو كانت في هذا الزمان لكانت على النسبة ابنة نحو خمس وعشرين سنة أو أكثر من ذلك قليلاً). ولا ننفي أنه كان هنالك عمل عظيم للعناية الإلهية وإكرام من الله لها (ص 23: 1). ومثل حُسن ساراي كافٍ لجذب افئدة رجال حام ولو كانت في سن التسعين فإنهم كانوا قباح الصور ذوي رؤوس مفلطحة ووجنات بارزات العظام وأفواه واسعة كبيرة وشفاه غليظة. وكان أبرام يخاف من أن يراها الرجال الغرباء بعد عشرين سنة من هذه الحادثة (ص 20: 2) وهو ساكن بين أناس حسان المنظر. ويظهر لنا من (ص 20: 13) أن أبرام منذ ترك حاران اتفق هو وساراي على أن تقول أنها أخته. فإنه ترك أرض ميلاده إطاعة لأمر الله وذهب غرباً يتنقل من مكان إلى مكان ومع هذا ارتكب ذلك وهو مما يؤول إلى أخذ امرأته منه. ولعل أبرام أتى ذلك لينقذ نفسه واتكل على نباهة امرأته في أنها تخلص نفسها من المصاعب ولكن في كل الأحوال كان ما أتاه دليلاً على ضعف الإنسان ولا سيما إنسان سامي السجايا محسوب من أفاضل البشر.

أُخْتِي (ع 13) لا ريب في أن ساراي كانت أخت أبرام بالنظر إلى أنها ابنة تارح أبيه (ص 20: 12) ولكن ذلك لا يخرج الكلام من دائرة الكذب لأنه بمنزلة نص على أنها ليست بزوجه مطلقاً.

14، 15 «14 فَحَدَثَ لَمَّا دَخَلَ أَبْرَامُ إِلَى مِصْرَ أَنَّ ٱلْمِصْرِيِّينَ رَأَوُا ٱلْمَرْأَةَ أَنَّهَا حَسَنَةٌ جِدّاً. 15 وَرَآهَا رُؤَسَاءُ فِرْعَوْنَ وَمَدَحُوهَا لَدَى فِرْعَوْنَ، فَأُخِذَتِ ٱلْمَرْأَةُ إِلَى بَيْتِ فِرْعَوْنَ».

ص 20: 2

فِرْعَوْنَ هذا ليس بعلم شخصي بل اسم لكل ملك من ملوك مصر. اشتقت لفظة فرعون من رسم كثير الوجود في الكتابات المصرية معناه القصر وهي تفيد معنى الاحترام للملك وهذا الاصطلاح شائع في أيامنا أيضاً كالبلاط الأمبراطوري والقصر السلطاني بمعنى الملك الساكن فيه وهو من باب المجاز المرسل.

رَآهَا رُؤَسَاءُ فِرْعَوْنَ وَمَدَحُوهَا لَدَى فِرْعَوْنَ كانت أرض كنعان في أيام أبرام طريقاً من الشرق إلى مصر فذهب كثيرون من الساميين إلى مصر فشغلوا كل أرض الذلتا واستولوا أخيراً على أرض مصر وقام ملوكها منهم عدة قرون وعُرفوا بالهكسوس أي الرعاة. وكان الملك امنمهاي قد بنى حصوناً كثيرة متصلة الجدران منعاً للساميين من الانتشار. وكان أبرام يوم وصل إلى مصر أميراً كثير الماشية والاتباع فدخل مع أتباعه في تلك الأرض فرآه كتبة فرعون لا محالة ورفعوا أمره إلى الملك وكان من ذلك وصفهم له حسن ساراي العجيب ولا ريب في أن أبرام امتثل يومئذ أمام فرعون. وعلى أحد قبور بني حسن ما يمثل ذلك. فهنالك رسم أمير سامي من أهل البداوة ممتثل في حضرة فرعون وهو وعياله وعبيده يسألونه الحماية وهو يرحب بهم. وإذ لم يكن النقاب معروفاً يومئذ في مصر لأن النساء المصريات لم تعتد النقاب إلا بعد غلبة الفرس كان لفرعون أن يرى وجه ساراي ويدرك كل ما لها من صفات الجمال من لون وبُنية. ورأى الموسيو شاباس إن فرعون عصر أبرام من أول ملوك الدولة الثانية عشرة قبل استيلاء الرعاة على مصر.

16 «فَصَنَعَ إِلَى أَبْرَامَ خَيْراً بِسَبَبِهَا، وَصَارَ لَهُ غَنَمٌ وَبَقَرٌ وَحَمِيرٌ وَعَبِيدٌ وَإِمَاءٌ وَأُتُنٌ وَجِمَالٌ».

ص 20: 14

فَصَنَعَ إِلَى أَبْرَامَ خَيْراً كانت العادة أن يعطي الرجل أقرباء عروسه مبلغاً من المال وعلى هذا أعطى فرعون أبرام غنماً وبقراً وحميراً وعبيداً وإماء الخ وتقديم فرعون هذه الهدايا دليل على اعتباره أن اتخاذ ساراي أمر جائز شرعي. ولا ريب في أن الساميين أدخلوا الجمال إلى تلك البلاد على أن الناس في كل الأماكن الحارة الكثيرة الصحاري في شديد الحاجة إليها.

17 «فَضَرَبَ ٱلرَّبُّ فِرْعَوْنَ وَبَيْتَهُ ضَرَبَاتٍ عَظِيمَةً بِسَبَبِ سَارَايَ ٱمْرَأَةِ أَبْرَامَ».

ص 20: 18 وخروج 11: 1 و2ملوك 15: 5 و1أيام 16: 21 و2أيام 26: 20 ومزمور 105: 13 وعبرانيين 13: 4

فَضَرَبَ ٱلرَّبُّ فِرْعَوْنَ... بِسَبَبِ سَارَايَ (ماذا كان إثم فرعون وقد أخذ ساراي برضى أبرام حسب ما ظهر له وأحسن مهرها وهو يعتقد أنها اخت أبرام لا امرأته. إن الذي أصاب فرعون مع هذا يحملنا على الظن أن ساراي نهت فرعون عن أخذها لأنها امراة أبرام. فلم يصدقها فرعون واعتقد أنها تكذب عليه لتنقذ نفسها منه لأنه قبيح الصورة وهي حسناء. ولا بد من أنها ذكرت له ما عرفته من صفات الرب وقواعد الدين الحق فلم يكترث بذلك فضربه الله تصديقاً لكلامها فرجع عن مقصده وخاف الرب).

18 «فَدَعَا فِرْعَوْنُ أَبْرَامَ وَقَالَ: مَا هٰذَا ٱلَّذِي صَنَعْتَ بِي؟ لِمَاذَا لَمْ تُخْبِرْنِي أَنَّهَا ٱمْرَأَتُكَ؟»

ص 3: 13 و20: 9 و26: 10

لِمَاذَا لَمْ تُخْبِرْنِي أَنَّهَا ٱمْرَأَتُكَ (هذا يؤيد ما قلناه في الآية السابقة من أن ساراي أخبرته أنها امرأة أبرام وإلا فلا سبيل له إلى معرفة ذلك).

19 «لِمَاذَا قُلْتَ هِيَ أُخْتِي، حَتَّى أَخَذْتُهَا لِي لِتَكُونَ زَوْجَتِي؟ وَٱلآنَ هُوَذَا ٱمْرَأَتُكَ! خُذْهَا وَٱذْهَبْ!».

حَتَّى أَخَذْتُهَا لِي لِتَكُونَ زَوْجَتِي لم يقل حتى أخذتها زوجة بل «لتكون زوجتي». وهذا يدل على أنه لم يتزوجها كما نرى في (أستير 2: 12) إنه لم يأخذ الملوك نساء إلا بعد امتحان واستعداد مدة من الزمان.

20 «فَأَوْصَى عَلَيْهِ فِرْعَوْنُ رِجَالاً فَشَيَّعُوهُ وَٱمْرَأَتَهُ وَكُلَّ مَا كَانَ لَهُ».

أمثال 21: 1

(هذه الآية تدل على أن فرعون خاف الرب وأراد النجاة من غضبه إن لم يكن قد أحبه وأحب إكرام عبيده ولا ندري ماذا كانت أفكار أبرام عندما وبخه هذا الملك الحامي على كذبه لعل أبرام رآه مصيباً وباراً أكثر منه).

إن مصر بالنسبة إلى كنعان مملكة عالمية كانت بمجدها وغناها تجربة عظيمة لشعب الله القديم. فنزل إليها أبرام وخاطر بحياته وبعرضه وخجل أمام فرعون الوثني وتعلم إن طرق الأمان ليس بالهرب من أرض الرب بل بحفظ وصاياه.

اَلأَصْحَاحُ ٱلثَّالِثَ عَشَرَ

رجوع أبرام من مصر وانفصاله عن لوط

1 - 4 «1 فَصَعِدَ أَبْرَامُ مِنْ مِصْرَ هُوَ وَٱمْرَأَتُهُ وَكُلُّ مَا كَانَ لَهُ وَلُوطٌ مَعَهُ إِلَى ٱلْجَنُوبِ. 2 وَكَانَ أَبْرَامُ غَنِيّاً جِدّاً فِي ٱلْمَوَاشِي وَٱلْفِضَّةِ وَٱلذَّهَبِ. 3 وَسَارَ فِي رِحْلاَتِهِ مِنَ ٱلْجَنُوبِ إِلَى بَيْتِ إِيلَ، إِلَى ٱلْمَكَانِ ٱلَّذِي كَانَتْ خَيْمَتُهُ فِيهِ فِي ٱلْبَدَاءَةِ، بَيْنَ بَيْتِ إِيلَ وَعَايَ، 4 إِلَى مَكَانِ ٱلْمَذْبَحِ ٱلَّذِي عَمِلَهُ هُنَاكَ أَوَّلاً. وَدَعَا هُنَاكَ أَبْرَامُ بِٱسْمِ ٱلرَّبِّ».

ص 12: 9 و20: 1 و24: 62 وعدد 13: 29 ص 24: 35 ومزمور 112: 3 وأمثال 10: 22 ص 12: 8 ص 12: 7 و8 مزمور 116: 17

فَصَعِدَ... إِلَى ٱلْجَنُوبِ أي عاد إلى حيث كان في الطريق التي أتى فيها على ما في الترجمة الفلغاتا. فذهب أبرام بمن معه وما معه إلى الجنوب ثم إلى الأرض التي بين بيت إيل وعاي كما ذُكر في (ص 12: 8).

أَوَّلاً (ع 4) أي أول وصوله المذبح الأول لأن المذبح الأول أقامه في شكيم.

5، 6 «5 وَلُوطٌ ٱلسَّائِرُ مَعَ أَبْرَامَ كَانَ لَهُ أَيْضاً غَنَمٌ وَبَقَرٌ وَخِيَامٌ. 6 وَلَمْ تَحْتَمِلْهُمَا ٱلأَرْضُ أَنْ يَسْكُنَا مَعاً، إِذْ كَانَتْ أَمْلاَكُهُمَا كَثِيرَةً، فَلَمْ يَقْدِرَا أَنْ يَسْكُنَا مَعاً».

ص 36: 7

لُوطٌ الظاهر أنه حصل على هدايا في مصر لأنه كان يباري عمه في الغنى وكان له أتباع كثيرة بدليل ما له من الخيام وكان أمير عشيرة كأبرام ولهذا لم يستطيعا أن يسكنا في أرض واحدة.

7 «فَحَدَثَتْ مُخَاصَمَةٌ بَيْنَ رُعَاةِ مَوَاشِي أَبْرَامَ وَرُعَاةِ مَوَاشِي لُوطٍ. وَكَانَ ٱلْكَنْعَانِيُّونَ وَٱلْفِرِزِّيُّونَ حِينَئِذٍ سَاكِنِينَ فِي ٱلأَرْضِ».

ص 26: 20 ص 12: 6

ٱلْفِرِزِّيُّونَ وفي العبرانية «فرزي» ولهذه اللفظة معنيان الأول القرى والمدن أو القرويون وجاء بمعنى المدن في (1 صموئيل 7: 18 وأستير 9: 19). والثاني قبيلة تُذكر غالباً مع الكنعانيين وهي قبيلة الفرزيين وجاءت بهذا المعنى هنا وفي (ص 34: 30). وجاءت أنها إحدى قبائل فلسطين (خروج 3: 8 و17 ويشوع 17: 15 وقضاة 3: 5). ولم تُذكر هذه القبيلة بين القبائل التي نُسلت من كنعان. ولعلها من أقدم سكان تلك الأرض الذين كانوا رعاة لا مدن لهم ولم يستطيعوا أن يستقلوا بين الحاميين فاعتزلوهم ولجأوا إلى سهل البر الفسيح ثم سيقوا إلى الجبال (يشوع 11: 3). وكان الكنعانيون مولعين بالحياة البحرية والتجارة فلم يتلفتوا إلى استئصال الفرزيين بل اكتفوا بدفعهم وطردهم من الحضر إلى داخلية البلاد. وإذ كانت الأرض مشغولة بالكنعانيين السكان الأصليين صعب على أبرام ولوط أن يجدا أرضاً خالية من السكان كافية للناس والماشية.

8، 9 «8 فَقَالَ أَبْرَامُ لِلُوطٍ: لاَ تَكُنْ مُخَاصَمَةٌ بَيْنِي وَبَيْنَكَ وَبَيْنَ رُعَاتِي وَرُعَاتِكَ، لأَنَّنَا نَحْنُ أَخَوَانِ. 9 أَلَيْسَتْ كُلُّ ٱلأَرْضِ أَمَامَكَ؟ ٱعْتَزِلْ عَنِّي. إِنْ ذَهَبْتَ شِمَالاً فَأَنَا يَمِيناً وَإِنْ يَمِيناً فَأَنَا شِمَالاً».

1كورنثوس 6: 7 ص 11: 27 و31 وخروج 2: 13 ومزمور 133: 1 وأعمال 7: 26 ص 20: 15 و34: 10 رومية 12: 18 وعبرانيين 12: 14 ويعقوب 3: 17

لاَ تَكُنْ مُخَاصَمَةٌ هذا يدل على أن لوطاً كان يشاطر رعاته العمل ويتحزب لهم وشعر بأنه مظلوم لكن أبرام خاطبه بلطف وإحسان وأبان له أن غناهما يلجئهما إلى الافتراق بغية راحة كل مهما وإبقاء السلام بينهما وخيّره في الجهة والأرض فرضي لوط بذلك فاختار أحسن ناحية وأطيب أرض ولم يعرف أنها ستكون أرض الويل والهلاك. فكان الأولى بلوط أن يعتبر كبر أبرام ويسلم له لكنه سلّم نفسه للطمع وخسر كل شيء.

10 «فَرَفَعَ لُوطٌ عَيْنَيْهِ وَرَأَى كُلَّ دَائِرَةِ ٱلأُرْدُنِّ أَنَّ جَمِيعَهَا سَقْيٌ، قَبْلَمَا أَخْرَبَ ٱلرَّبُّ سَدُومَ وَعَمُورَةَ، كَجَنَّةِ ٱلرَّبِّ كَأَرْضِ مِصْرَ. حِينَمَا تَجِيءُ إِلَى صُوغَرَ».

ص 19: 17 و29 وتثنية 34: 3 و1ملوك 7: 46 ومتّى 3: 5 ولوقا 3: 3 تثنية 11: 10 ص 19: 24 و25 ومزمور 107: 34 ص 2: 8 و10 وإشعياء 51: 3 ص 14: 2 و8 و19: 22 وتثنية 34: 3

دَائِرَةِ ٱلأُرْدُنِّ وتُسمى في هذه الأيام الغَور وهي وادي الأردن ولا سيما سهول أريحا وهي من أشهر أراضي العالم في كثرة أغوارها وصخورها الطباشيرية على الجانب الغربي والحجارة الرملية على الجانب الشرقي وفوقها كثير من طبقات الحجارة الكلسية. ومعظم ذلك الوادي منخفض عن سطح بحر الروم. وبحر الجليل على ما رأى المستر كُندُر منخفض عن بحر الروم نحو 682 قدماً وبحر لوط الذي هو البحر الميت نحو 1292 قدماً. والأرض في الجنوب من بحر لوط عالية كسد فاصل يعلو سطح البحر المتوسط بنحو مئتي قدم فتمنع جريان مياه الأردن جنوباً. وهنالك أدلة كثيرة على أن ذلك الوادي كان في بعض العصور الخالية تشغله البحيرات المتوالية على مسافة نحو 150 ميلاً وإن مياه الأردن في زمان أبرام كانت أكثر من مياهه اليوم فإن انقطاع آجامه على توالي الأزمان وآجام تلك الأرض كانت من أسباب قلة المطر في فلسطين. فالأرض التي كانت كثيرة الخصب في أيام أبرام تراها كثيرة الجدب في هذا العصر. والبحر الميت ينقص على مر السنين فيترك حزوناً يغطيها الملح.

كَجَنَّةِ ٱلرَّبِّ وصف المستر بلمر خصب وادي الأردن فقال «إن جوار البحر الميت سباخ جديب ولكن الغور أو الوادي الذي في الأنحاء الشمالية والجنوبية كثير النبات والماء حتى أنك كثيراً ما ترى المياه مندفعة من أعالي الصخور بما يزيد الأرض خصباً وإمراعاً». وأبان هذا المؤلف مع المستر غروف والدكتور ترسترام وغيرهما إن سدوم وعمورة كانتا في طرف البحر الميت الشمالي لا الجنوبي كما كان يُظن لأن البحر الميت إذ كان طوله ستة وأربعين ميلاً كان الطرف الجنوبي منه بعيداً عن النظر. هذا وإن لوطاً كان واقفاً على أمد بضعة أميال في الشمال الغربي على النجد الذي بين بيت إيل وعاي فكان يمكنه أن يرى طرف البحر الميت الشمالي والقفر الممتد من جرعاء أريحا إليه وإلى الأردن. وذلك القفر كان يومئذ من دائرة الأردن المخصبة ولهذا رآها لوط كجنة الرب في كثرة المياه كمصر في الخصب.

حِينَمَا تَجِيءُ إِلَى صُوغَرَ هذه ليست صوغر إحدى مدن الدائرة فإن هذه ليست على طريق مصر بل هي مدينة مصرية اسمها في الترجمة السريانية صوعن وكان المصريون يسمونها صُعر وصَعر وهي في العبرانية «صعر». وكان موقعها على أحد خُلج النيل وذكرها المرنم في قوله «قدام أبائهم صنع أعجوبة في أرض مصر بلاد صوعن». وكانت في سهل خصيب جداً حتى استحقت أن تُشبّه بالفردوس.

11 «فَٱخْتَارَ لُوطٌ لِنَفْسِهِ كُلَّ دَائِرَةِ ٱلأُرْدُنِّ، وَٱرْتَحَلَ لُوطٌ شَرْقاً. فَٱعْتَزَلَ ٱلْوَاحِدُ عَنِ ٱلآخَرِ».

ٱرْتَحَلَ لُوطٌ شَرْقاً يحتمل الأصل العبراني معنيين الأول «إلى الشرق». والثاني «من الشرق». وهي هنا بالمعنى الأول كما هي في (ص 2: 8). وجاءت بالمعنى الثاني في (ص 11: 2) ولكنها تُرجمت في نسختنا العربية «شرقاً» أي إلى الشرق (انظر التفسير هناك).

12، 13 «12 أَبْرَامُ سَكَنَ فِي أَرْضِ كَنْعَانَ، وَلُوطٌ سَكَنَ فِي مُدُنِ ٱلدَّائِرَةِ وَنَقَلَ خِيَامَهُ إِلَى سَدُومَ. 13 وَكَانَ أَهْلُ سَدُومَ أَشْرَاراً وَخُطَاةً لَدَى ٱلرَّبِّ جِدّاً».

ص 19: 29 ص 14: 12 و19: 1 و2بطرس 2: 7 و8 ص 18: 20 وحزقيال 16: 49 و2بطرس 2: 7 و8 ص 6: 11 و7: 1

سَكَنَ فِي مُدُنِ ٱلدَّائِرَةِ (الظاهر إن خصب تلك الأرض حمل السكان على التوغل في اللذات الجسدية وكثيراً ما يكون هذا كذلك كما هو شأن أكثر الأغنياء وأهل الرغد. إن خيرات هذه الأرض الزائلة تغرّ أهلها فيتهافتون إليها تهافت الفراش على السراج فيلذ بلهبه وهو يحرقه. قال الحوراني في الدنيا:

Table 9. 

يدري ابن آدم إن غايتها الردىفيُصد لكن عن قليل يرجع    
كفراشة المصباح إلا أنهأجرى إلى لذع اللهيب وأسرع    

فترك لوط سكن الخيام واختار عيشة المدينة المترفهة.

14 - 16 «14 وَقَالَ ٱلرَّبُّ لأَبْرَامَ، بَعْدَ ٱعْتِزَالِ لُوطٍ عَنْهُ: ٱرْفَعْ عَيْنَيْكَ وَٱنْظُرْ مِنَ ٱلْمَوْضِعِ ٱلَّذِي أَنْتَ فِيهِ شِمَالاً وَجَنُوباً وَشَرْقاً وَغَرْباً، 15 لأَنَّ جَمِيعَ ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي أَنْتَ تَرَى لَكَ أُعْطِيهَا وَلِنَسْلِكَ إِلَى ٱلأَبَدِ. 16 وَأَجْعَلُ نَسْلَكَ كَتُرَابِ ٱلأَرْضِ، حَتَّى إِذَا ٱسْتَطَاعَ أَحَدٌ أَنْ يَعُدَّ تُرَابَ ٱلأَرْضِ فَنَسْلُكَ أَيْضاً يُعَدُّ».

ع 11 ص 28: 14 ص 12: 7 و15: 18 و17: 8 و24: 7 و26: 4 وتثنية 34: 4 وأعمال 7: 5 و2أيام 20: 7 ومزمور 37: 29 ص 15: 5 و22: 17 و26: 4 و28: 14 و32: 12 وخروج 32: 13 وعدد 23: 10 وتثنية 1: 10 و1ملوك 4: 20 وإشعياء 48: 19 وإرميا 33: 22 ورومية 4: 16 وعبرانيين 11: 12

قَالَ ٱلرَّبُّ لأَبْرَامَ لا ريب في أن أبرام حزن على فراق لوط ابن أخيه لأنه كان قريباً ورفيقه في كثير من الأسفار وأنيسه في غربته ولعله كان يظنه وريثه قبل أن يولد له ولذلك عزاه الرب «يهوه» بما يستلزم أن يولد له لأنه وعده بأن يكون نسله كتراب الأرض. ويجب أن ننتبه هنا أن أبرام كان ببعده عن لوط يقترب إلى الرب ولوط بسكنه الدائرة صار إلى ما أبعد بعض أهل بيته عن الله ولذلك عظمت آلاء يهوه على أبرام وأكد له الرب وفور النعمة والبركة.

17 «قُمِ ٱمْشِ فِي ٱلأَرْضِ طُولَهَا وَعَرْضَهَا، لأَنِّي لَكَ أُعْطِيهَا».

ٱمْشِ فِي ٱلأَرْضِ أمره بذلك لكي يرى من الأرض ما لا يراه إذا لم ينتقل من مكانه فيلذ بأن ما يراه يكون لنسله.

18 «فَنَقَلَ أَبْرَامُ خِيَامَهُ وَأَتَى وَأَقَامَ عِنْدَ بَلُّوطَاتِ مَمْرَا ٱلَّتِي فِي حَبْرُونَ وَبَنَى هُنَاكَ مَذْبَحاً لِلرَّبِّ».

ص 14: 13 ص 35: 27 و37: 14 ويشوع 15: 13

بَلُّوطَاتِ مَمْرَا كان هذا المكان للأموريين وكانوا ساكنين فيه فأخذه أبرام باتفاق معهم وجعله وطناً له.

حَبْرُونَ معنى حبرون عهد أو محالفة فالمرجّح أنه سُميت بذلك للعهد الذي كان بين أبرام والأموريين. والظاهر أن الاسم كان لتلك الأرض لا للمدينة وحدها لأنه قال إن بلوطات ممرا كانت في حبرون وكانت تسمى باسم آخر وهو «قرية أربع» (ص 23: 2).

اَلأَصْحَاحُ ٱلرَّابِعَ عَشَرَ

غزوة كدر لعومر وادي الأردن

1 «وَحَدَثَ فِي أَيَّامِ أَمْرَافَلَ مَلِكِ شِنْعَارَ، وَأَرْيُوكَ مَلِكِ أَلاَّسَارَ، وَكَدَرْلَعَوْمَرَ مَلِكِ عِيلاَمَ، وَتِدْعَالَ مَلِكِ جُويِيمَ».

ص 10: 10 و11: 2 إشعياء 11: 11

وَحَدَثَ إن نبإ اختيار لوط أرض الدائرة وتوطنه فيها اقترن به نبأ أو قصة من أغرب أنباء الكتاب المقدس وهذه القصة مأخوذة إما من القصص الكنعانية وإما من القصص البابلية على ما رأى سَيس في الكلام على التكوين الكلداني. وهذا الرأي أي قول سَيس هو الأرجح لأن أمرافل مع أنه من الملوك الخاضعين ذُكر أولاً. وذِكر إبراهيم بأنه «أبرام العبراني» يدل على أن القصة أجنبية وإن موسى بوحي إليه استعار هذا النبأ بناء على صحته.

وفي هذه القصة أنباء مفيدة وهي نبأ اضطراب لوط وقلقه ومصابه من سكناه بين الأشرار. ونبأ نهب المدن وشجاعة أبرام وقوته ومعروفه للملوك الذين أنقذهم ونسبة أبرام إلى الأموريين الذين كان بينهم وبيان أنه كان في فلسطين يومئذ أناس من الساميين يعبدون «الله العلي» وإن ملكهم كان من أشرف ملوك العهد القديم. والنبأ الربي أو اليهوهي لأن إبراهيم دعا الله «يهوه إلوهيم» أي الرب الإله. وسيأتي الكلام على كدر لعومر ملك عيلام وغيره في أواخر هذا السفر.

أَمْرَافَلَ هذا اسم أكادي وُجد مكتوباً على الأساطين البابلية ومعناه «دائرة السنة».

شِنْعَارَ (انظر ص 10: 10).

أَرْيُوكَ معناه في الأكادية «عبد القمر» فإن القمر عند الأكاديين إله.

أَلاَّسَارَ مدينة اللارسا وتسمّى اليوم سنكيره وهي على عدوة الفرات اليسرى في بابل السفلي وُجد فيها عدت ألواح محفوظة اليوم في المشهد البريطاني.

كَدَرْلَعَوْمَرَ مَلِكِ عِيلاَمَ نعلم من الكتابات الأشورية إن معنى «كدر» عبد وإن «لعومر» اسم إله العيلاميين فكان عندهم بمنزلة «عبد الله» عندنا. وسيأتي الكلام عليه في آخر هذا السفر.

تِدْعَالَ وفي ترجمة السبعين «ثرغال» أي ترغال ومعناه الابن الأكبر على قول سِيس. وجاء في السريانية أنه ترغيل ملك غيلا وجاء لفظ غيلا غلطاً من قراءة غوييم أو جوييم غيليم. وهذه اللفظة لا تعني أمماً لأنها هنا علم شخصي حُرّفت قديماً فجاءت في الكتابات العادّية «غتيوم» وهي الأرض الممتدة من دجلة إلى حدود ميديا الشرقية.

2 « أَنَّ هٰؤُلاَءِ صَنَعُوا حَرْباً مَعَ بَارَعَ مَلِكِ سَدُومَ، وَبِرْشَاعَ مَلِكِ عَمُورَةَ، وَشِنْآبَ مَلِكِ أَدْمَةَ، وَشِمْئِيبَرَ مَلِكِ صَبُويِيمَ، وَمَلِكِ بَالَعَ (ٱلَّتِي هِيَ صُوغَرُ)».

تثنية 29: 23 ص 19: 22

بَارَعَ مَلِكِ سَدُومَ معنى «بارع» ابن الشرير. والمرجّح إن سكان دائرة الأردن إما كنعانيون أتوا من شاطئ البحر أو حاميون أتوا من الشرق وهذا الأرجح.

3 «جَمِيعُ هٰؤُلاَءِ ٱجْتَمَعُوا مُتَعَاهِدِينَ إِلَى عُمْقِ ٱلسِّدِّيمِ (ٱلَّذِي هُوَ بَحْرُ ٱلْمِلْحِ)».

عدد 34: 12 وتثنية 3: 17 ويشوع 3: 16

جَمِيعُ هٰؤُلاَءِ ٱجْتَمَعُوا مُتَعَاهِدِينَ تحالفوا على الهجوم والدفاع. فالمحالفة بين خسمة ملوك كما كانت المعاهدة الفلسطينية المذكورة في سفر صموئيل الأول (1صموئيل 6: 16 - 18).

عُمْقِ ٱلسِّدِّيمِ قال المستر كندر لا يزال العرب إلى الآن يسمون سلسلة الصخور الطباشيرية الممتدة جنوب سهل أريحا بالسدّ وهو واحد السديم بالعبرانية وهذا على وفق ما قاله ابن عزرا فإنه قال معنى «السد طباشير».

ٱلَّذِي هُوَ بَحْرُ ٱلْمِلْحِ أي بحر لوط ولهذا رأى بعض المفسرين أن بحر الملح ابتلع سدوم فسمي «عمق السديم» أي عمق سدوم. ولكن هذا لم يُذكر في (ص 19) ولم يُذكر أن إبراهيم رأى سدوم تهبط في بحر الملح بل إنه رأى دخان الأرض يصعد كدخان الأتون (ص 19: 28). (والمرجح أن معنى «عمق السديم» عمق الأسداد أو بحر الأسداد جمع سد وهو الحاجز وهذا موافق للعبرانية والعربية). وأراد «بعمق السديم» كل دائرة الأردن مجازاً (كما تقول بحر الروم وتريد البلاد المجاورة له ووادي بردى ووادي النيل وتريد ما فيهما من البلاد والقرينة على ذلك إن أولئك الملوك لم يجتمعوا إلى عمق السديم ويحاربوا فيه (ع 8) بل إلى الأرض المجاورة له).

4 «اِثْنَتَيْ عَشَرَةَ سَنَةً ٱسْتُعْبِدُوا لِكَدَرْلَعَوْمَرَ، وَٱلسَّنَةَ ٱلثَّالِثَةَ عَشَرَةَ عَصَوْا عَلَيْهِ».

ٱسْتُعْبِدُوا أي أدوا الجزية كل سنة ليُعفوا من غزوات كدرلعومر (انظر 2ملوك 18: 7). ولا بد من أن السفراء كانت تذهب أحياناً من وادي الأردن إلى شنعار.

5 «وَفِي ٱلسَّنَةِ ٱلرَّابِعَةَ عَشَرَةَ أَتَى كَدَرْلَعَوْمَرُ وَٱلْمُلُوكُ ٱلَّذِينَ مَعَهُ وَضَرَبُوا ٱلرَّفَائِيِّينَ فِي عَشْتَارُوثَ قَرْنَايِمَ، وَٱلزُّوزِيِّينَ فِي هَامَ، وَٱلإِيمِيِّينَ فِي شَوَى قَرْيَتَايِمَ».

ص 15: 20 وتثنية 3: 11 يشوع 12: 4 و13: 12 تثنية 2: 10 و11

ٱلرَّفَائِيِّينَ هم قبيلة من الأموريين ونُعت الأموري بأنه «قَامَتُهُ مِثْلُ قَامَةِ ٱلأَرْزِ، وَهُوَ قَوِيٌّ كَٱلْبَلُّوطِ» (عاموس 2: 9). وكانوا أقوياء طوال القدود وكانوا يسكنون باشان حين غلبهم موسى (يشوع 13: 12 وعدد 21: 34 و35). وكانوا أيضاً على العدوة الأخرى من الأردن في جبل أفرايم (يشوع 17: 15) وغربي أورشليم (يشوع 15: 8 و18: 16 و2صموئيل 5: 18 و22) وبين الفلسطينين (2صموئيل 21: 16 و18). وذُكر أن رئيسهم أو ملكهم أموري (يشوع 9: 10). ورأى بعضهم من ذكرهم في تلك الأماكن أنهم من أقدم سكان تلك الأرض وأنه لم يكن من الأموريين سوى ملوكهم (فتكون الأمورية طارئة عليهم).

عَشْتَارُوثَ قَرْنَايِمَ أي عشترت أو أسترت زُهرة الفينيقيين ومعنى «قرنايم» قرنان فيكون المعنى زهرة القرنين أو الزُهرة ذات القرنين (والظاهر أنهم سموها كذلك من مشاهدتهم إياها مقترنة بالقمر وهو هلال يكتنفها طرفاه فيكونان لها كالقرنين). ولا ريب في أن الذين أدخلوا عبادتها تلك الأرض هم الأموريون. وكانت مدينة عشتاروت قرنايم عاصمة مملكة عوج (تثنية 1: 4). وسُميت في بعض سفر يشوع «بعشترة» أي بيت عشترة وهي عشتروت أو عشتارت (يشوع 21: 27). ولم يزل إلى الآن مكان في حوران يُسمى تل عشترة على أمد فرسخين من أذرعي القديمة (المعروفة اليوم بأذرع).

وَٱلزُّوزِيِّينَ وسموا الزمزميين أيضاً (تثنية 2: 20). وتبين أنهم رفائيون ولعلهم قبيلة منحطة من الرفائيين. وعاصمة أرضهم هام وهي على غاية ستة أميال من بحر لوط شرقاً وجنوباً واسمها اليوم هميتات.

ٱلإِيمِيِّينَ هم رفائيون كالعناقيين لكن المؤآبيين يدعونهم إيميين (تثنية 2: 10 و11).

فِي شَوَى قَرْيَتَايِمَ أو في سهل قريتايم. وكانت هذه المدينة في سهم رأوبين (عدد 32: 37) شرقي الأردن يسكنها الموآبيون (إرميا 48: 1) وكانوا قد أخذوها من الإيميين.

6 «وَٱلْحُورِيِّينَ فِي جَبَلِهِمْ سَعِيرَ إِلَى بُطْمَةِ فَارَانَ ٱلَّتِي عِنْدَ ٱلْبَرِّيَّةِ».

تثنية 2: 12 و22 ص 21: 21 وعدد 12: 16 و13: 3 و26

ٱلْحُورِيِّينَ أي سكان الكهف موطنهم الأصلي جبل سعير ثم غلبهم الأدوميون (تثنية 2: 12 و22). وذُكر ما عليه سكان الكهوف من سوء الحال في سفر أيوب (أيوب 30: 3 - 8).

بُطْمَةِ فَارَانَ هي أجمة من البطم على أمد ثلاث مراحل من سيناء أو مسيرة ثلاثة أيام (عدد 10: 12 و33) و(البطم شجر في حكم الفستق والبلوط سبط الأوراق والخطب حبه مفرطح في عناقيد كالفلفل عليه قشر أخضر داخله آخر حشبي يحوي اللب كالفستق وهو عند النباتيين من الفصيلة السماقية ويُطعم بالفستق).

7 «ثُمَّ رَجَعُوا وَجَاءُوا إِلَى عَيْنِ مِشْفَاطَ (ٱلَّتِي هِيَ قَادِشُ). وَضَرَبُوا كُلَّ بِلاَدِ ٱلْعَمَالِقَةِ، وَأَيْضاً ٱلأَمُورِيِّينَ ٱلسَّاكِنِينَ فِي حَصُّونَ تَامَارَ».

عدد 20: 1 و16 2أيام 20: 2

رَجَعُوا أي انحرفوا إلى الغرب الشمالي. وفي هذا تظهر حذاقتهم في سياستهم العسكرية لأنهم أخضعوا أولاً كل القبائل المجاورة التي كان يمكن أهل سدوم أن يستعينوا بها ثم تقدموا على الملوك المتحدة.

عَيْنِ مِشْفَاطَ أي ينبوع العدل سُميت بذلك لأن السكان الأقدمين اجتمعوا هنالك لإيفاء كل حقه قطعاً للحرب والخصام. وسُميت أيضاً قادش وفيها ينبوع عظيم جداً أو عين قادس كما قال الأستاذ بلمر. وكانت قوية حصينة ومركز الحكومة فعُدت مقدسة ولذلك سُميت قادش «قدش» أي قدس وزارها طرمبول الأميركاني سنة 1881.

ٱلْعَمَالِقَةِ قبيلة من الرحل ضربها شاول «مِنْ حَوِيلَةَ حَتَّى مَجِيئِكَ إِلَى شُورَ ٱلَّتِي مُقَابِلَ مِصْرَ» (1صموئيل 15: 7) لكنهم كانوا هنا في جنوب يهوذا.

حَصُّونَ تَامَارَ أي قطف التمر أو قطع النحل وهي «عين جدي» (2أيام 20: 2) وهي المكان الذي كان يعجب به سليمان (نشيد الأنشاد 1: 14). وهو مركز مهم في الحركات الجندية.

8، 9 «8 فَخَرَجَ مَلِكُ سَدُومَ، وَمَلِكُ عَمُورَةَ، وَمَلِكُ أَدْمَةَ، وَمَلِكُ صَبُويِيمَ، وَمَلِكُ بَالَعَ (ٱلَّتِي هِيَ صُوغَرُ)، وَنَظَمُوا حَرْباً مَعَهُمْ فِي عُمْقِ ٱلسِّدِّيمِ. 9 مَعَ كَدَرْلَعَوْمَرَ مَلِكِ عِيلاَمَ، وَتِدْعَالَ مَلِكِ جُويِيمَ، وَأَمْرَافَلَ مَلِكِ شِنْعَارَ، وَأَرْيُوكَ مَلِكِ أَلاَّسَارَ. أَرْبَعَةُ مُلُوكٍ عَلَى خَمْسَةٍ».

نَظَمُوا حَرْباً مَعَهُمْ فِي عُمْقِ ٱلسِّدِّيمِ هذه العبارة دليل على أن المقصود «بعمق السديم» كل دائرة الأردن (انظر تفسير ع 3).

10 - 12 «10 وَعُمْقُ ٱلسِّدِّيمِ كَانَ فِيهِ آبَارُ حُمَرٍ كَثِيرَةٌ. فَهَرَبَ مَلِكَا سَدُومَ وَعَمُورَةَ وَسَقَطَا هُنَاكَ، وَٱلْبَاقُونَ هَرَبُوا إِلَى ٱلْجَبَلِ. 11 فَأَخَذُوا جَمِيعَ أَمْلاَكِ سَدُومَ وَعَمُورَةَ وَجَمِيعَ أَطْعِمَتِهِمْ وَمَضَوْا. 12 وَأَخَذُوا لُوطاً ٱبْنَ أَخِي أَبْرَامَ وَأَمْلاَكَهُ وَمَضَوْا، إِذْ كَانَ سَاكِناً فِي سَدُومَ».

ص 11: 3 ص 19: 17 و30 ع 16 و21 ص 12: 5 ص 13: 12

حُمَرٍ القار المعدني وهو كالزفت قوامه كقوام القطران ويُعرف بقفر اليهود وقار اليهود ولم يزل على شاطئ بحر لوط الغربي ولم تزل آثار الآبار هناك كما في حاصبيا في أيامنا.

13 «فَأَتَى مَنْ نَجَا وَأَخْبَرَ أَبْرَامَ ٱلْعِبْرَانِيَّ. وَكَانَ سَاكِناً عِنْدَ بَلُّوطَاتِ مَمْرَا ٱلأَمُورِيِّ، أَخِي أَشْكُولَ وَأَخِي عَانِرَ. وَكَانُوا أَصْحَابَ عَهْدٍ مَعَ أَبْرَامَ».

ص 13: 18 ع 24

فَأَتَى مَنْ نَجَا أي أتى كل الناجين إلى حيث كان أبرام لما كانت سدوم في الغرب الشمالي من بحر لوط كانت الكورة التي فيها أبرام أقرب ملجإ لهم ومما يهربون إليه طبعاً.

أَبْرَامَ ٱلْعِبْرَانِيَّ أي الذي عبر إلى هذه الأرض من عبر الفرات ويصح أن يكون وُصف «بالعبراني» من عابر الذي عبر نهر دجلة. ولا ريب في أن أبرام كان يُعرف بهذا اللقب بين الكنعانيين ولعلهم عرفوا ذلك أولاً من لوط لأنه كان ساكناً بينهم (ع 12) واستعمال هذا اللقب دليل على أن لهذا النبإ أصلاً كنعانياً ومن ذلك الأصل أيضاً وُصف لوط في (ع 12) بأنه «ابن أخي أبرام».

بَلُّوطَاتِ مَمْرَا... وَكَانُوا أَصْحَابَ عَهْدٍ مَعَ أَبْرَامَ هذا يدل على أن أبرام سكن تلك الأرض برضا الأموريين وأنهم كانوا حلفاءه في الدفاع. و «بلوطات ممرا» أجمة من البلوط عند حبرون أي الخليل.

14 «فَلَمَّا سَمِعَ أَبْرَامُ، أَنَّ أَخَاهُ سُبِيَ جَرَّ غِلْمَانَهُ ٱلْمُتَمَرِّنِينَ وِلْدَانَ بَيْتِهِ، ثَلاَثَ مِئَةٍ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَتَبِعَهُمْ إِلَى دَانَ».

ص 13: 8 ص 15: 3 و17: 12 و27 وجامعة 2: 7 تثنية 34: 1 وقضاة 18: 7 و29

تَبِعَهُمْ إِلَى دَانَ كان في جلعاد مدينة تُسمى دان (تثنية 34: 1). ولكن المرجّح إن دان المذكورة هنا كانت عند أحد مخارج الأردن في سفح جبل حرمون أي جبل الشيخ قرب ما يعرف اليوم بتل القاضي وكانت تُسمى لايش أيضاً (قضاة 18: 29). وهي على غاية 140 ميلاً من حبرون. ورجوع كدرلعومر في هذه الطريق كان يقصد نهب تلك الأراضي المخصبة حول ينابيع الأردن.

15، 16 «15 وَٱنْقَسَمَ عَلَيْهِمْ لَيْلاً هُوَ وَعَبِيدُهُ فَكَسَّرَهُمْ وَتَبِعَهُمْ إِلَى حُوبَةَ ٱلَّتِي عَنْ شِمَالِ دِمَشْقَ. 16 وَٱسْتَرْجَعَ كُلَّ ٱلأَمْلاَكِ، وَٱسْتَرْجَعَ لُوطاً أَخَاهُ أَيْضاً وَأَمْلاَكَهُ، وَٱلنِّسَاءَ أَيْضاً وَٱلشَّعْبَ».

1صموئيل 11: 11 وأيوب 1: 17 إشعياء 41: 2 و3 ع 11 و12

حُوبَةَ ٱلَّتِي عَنْ شِمَالِ دِمَشْقَ فيكون ساقهم مسافة بعيدة شغل بها زمناً طويلاً. قال يوسيفوس أنه شغل بذلك نهار الغد وليلته. والأرض شمال دمشق كثيرة السهول فكان السير فيها هيناً ولم يستطع أبرام أن يطارد عدوه في السهول.

«أما حوبة فيقول يهود دمشق أنها جوبر وهي قرية على غاية ميلين منها شمالاً».

17 «فَخَرَجَ مَلِكُ سَدُومَ لٱسْتِقْبَالِهِ بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنْ كَسْرَةِ كَدَرْلَعَوْمَرَ وَٱلْمُلُوكِ ٱلَّذِينَ مَعَهُ إِلَى عُمْقِ شَوَى (ٱلَّذِي هُوَ عُمْقُ ٱلْمَلِكِ)».

قضاة 11: 34 و1صموئيل 18: 6 عبرانيين 7: 1 2صموئيل 18: 18

عُمْقِ شَوَى أي وادي السهل (انظر تفسير ع 5) وهو الوادي الذي أقام فيه أبشالوم نصبه (2صموئيل 18: 18) وهو شمالي أورشليم. والمرجّح أنه متسع وادي قدرون. وسُمي «وادي الملك» أيضاً ولعله سُمي بذلك لاجتماع الملوك فيه بإبرام الظافر. ورأى انكليوس أنه سمي «بوادي الملك» لأن ملوك يهوذا كانوا يجتمعون فيه مع جيوشهم ويمرنونهم في سهله.

18 « وَمَلْكِي صَادِقُ مَلِكُ شَالِيمَ أَخْرَجَ خُبْزاً وَخَمْراً. وَكَانَ كَاهِناً لِلّٰهِ ٱلْعَلِيِّ».

عبرانيين 7: 1 مزمور 76: 2 وعبرانيين 7: 2 مزمور 110: 4 وعبرانيين 5: 6 ميخا 6: 6 وأعمال 16: 17

مَلْكِي صَادِقُ مَلِكُ شَالِيمَ يوجد مكان اسمه ساليم قرب سيثوبوليس أي بيسان في سهم أفرايم وقرب المكان الذي عمّد يوحنا فيه (يوحنا 3: 23). وذكر جيروم (إيرونيمس) أن في ذلك المكان أطلال صرح ملكي صادق. وهذا القول غير ثبت وغير مرجح بل غير ملتفت إليه والصحيح أن شاليم أورشليم عينها (مزمور 76: 2) لأنها كانت على طريق أبرام إلى وطنه على مسافة معقولة من سدوم التي هي في دائرة الأردن كما عرفت على شط بحر لوط الشمالي. وساليم من الأسماء الكثيرة الوجود في مدن فلسطين. وأما قرية ساليم في سهم أفرايم فبعيدة كثيراً فلا يُظن أنها كانت مجتمع أولئك الملوك.

وملكي صادق كان رمزاً إلى المسيح (مزمور 110: 4 وعبرانيين 5: 6 و10 و7: 1 - 12). وكان معتبراً كثيراً في سجاياه حتى جاء في التقاليد اليهودية أنه هو سام بن نوح فرفعوه على أبيه إبراهيم. ولكن هذا مخالف لما جاء في رسالة العبرانيين (عبرانيين 7: 3). والمرجّح أنه كان ملكاً من سلالة سام وكانت عاصمة ملكه شاليم أو ساليم وهي أورشليم وسُميت مدنية القدس في أيام نحميا (نحميا 11: 1 انظر قاموس الكتاب المقدس). ولكن اليابوسيين سموها بعدئذ يابوس وهو اسم جدهم (قضاة 19: 10 و11). وظلت دار ملك إلى أيام داود (2صموئيل 24: 23). ولما استولى عليها الإسرائيليون أُعيدت إلى اسمها القديم بزيادة «أور» فصارت أورشليم أي مُلك أو إرث ساليم على ما يرجح. وقال روبنصن أنه من أصل (ירח שלם) أي أساس سلام.

وقيمة كهنوت ملكي صادق الرمزي لا تتوقف على مجرد كون ملكي صادق «ملك البر وملك السلام» بل على كون كهنوته مطلقاُ أيضاً أي غير مقيد برسوم أو نسب أو سبط كالكهنوت اللاوي وكون ملكي صادق كاهناً وملكاً معاً (مزمور 110). وبكونه تقدم على إبراهيم وباركه وأخذ منه العشور فكان كهنوته أعظم من كهنوت كل من نُسل من إبراهيم من الكهنة.

خُبْزاً وَخَمْراً هذا عبارة عن أنواع كل الطعام مائعة وجامدة على أن الغاية منه إنعاش أبرام وجنوده والأسرى الذين فكهم فإنهم كانوا قد أعيوا من تكرار المشي ذهاباً وإياباً بعدما سيقوا من أرضهم. ونرى في ذلك أيضاً شيئاً من الإشارة إلى الخبز والخمر في العشاء الرباني المشيرين إلى جسد المسيح ودمه مع أن الخبز والخمر كانا طعاماً عادياً وشراباً عادياً ولا سيما في مثل تلك الحال لأجل إنعاش المتعبين.

كَاهِناً لِلّٰهِ ٱلْعَلِيِّ «الله العلي» في الأصل العبراني في هذه الآية (אל עלון) (إل عليون). والكاهن هنا لم يسبق ذكره فهذه الآية أول آيات الكتاب التي ذكر فيها. وهذا يستلزم أنه كانت تقدم الذبائح في أورشليم كما أن هابيل وأبرام كانا يقدمان الذبائح على المذابح التي بُنيت قبل هذا الوقت. ونُعت بعد ذلك «بيهوه عليون» أي الرب العلي كما نُعت به «إل» أي الله في (مزمور 7: 17). والمقصود «بالعلي» هنا سيد العالمين المتسلط على كل ما سواه. وهذا يستلزم إن ملكي صادق كان يعبد الله العلي قبل أن يعرف أبرام وإن أبرام لما رفع يده في القسم (ع 22) أعلن لملكي صادق إن الله العلي الذي عبده ملكي صادق هو أيضاً يهوه (الرب) وإن أبرام عرفه بذلك الاسم قبل هذا الوقت بخلاف ملكي صادق.

19 «وَبَارَكَهُ وَقَالَ: مُبَارَكٌ أَبْرَامُ مِنَ ٱللهِ ٱلْعَلِيِّ مَالِكِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ».

راعوث 3: 10 و2صموئيل 2: 5 ع 22 ومتّى 11: 25

وَبَارَكَهُ وَقَالَ: مُبَارَكٌ أَبْرَامُ مِنَ ٱللهِ ٱلْعَلِيِّ مَالِكِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ هذه الآية شعرية كما تدل عليه موازاة العبارات في العبرانية.

مَالِكِ ٱلسَّمَاوَاتِ والخ في العبرانية «قاني السموات» أي خالقها كقانٍ في العربية.

20 «وَمُبَارَكٌ ٱللهُ ٱلْعَلِيُّ ٱلَّذِي أَسْلَمَ أَعْدَاءَكَ فِي يَدِكَ. فَأَعْطَاهُ عُشْراً مِنْ كُلِّ شَيْءٍ».

ص 24: 27 عبرانيين 7: 4

ًأَعْطَاهُ عُشْرا قدّس أبرام حربه بتقديم الشكر لله الذي يضره. وبتقديمه «العشر» اعترف بكهنوت ملكي صادق وأن الإله الذي كان يعبده ملكي صادق ويخدمه كان هو الإله الحق (انظر عبرانيين 7: 4 - 11).

21 «وَقَالَ مَلِكُ سَدُومَ لأَبْرَامَ: أَعْطِنِي ٱلنُّفُوسَ، وَأَمَّا ٱلأَمْلاَكَ فَخُذْهَا لِنَفْسِكَ».

أَعْطِنِي ٱلنُّفُوسَ الخ لم تزل العادة عند البدو إلى هذا اليوم إن الذي يرد السبي والسلب يُعطي النفوس ويبقي لنفسه ما بقي لكن أبرام لقناعته وإحسانه أبى أن يأخذ شيئاً.

22 «فَقَالَ أَبْرَامُ لِمَلِكِ سَدُومَ: رَفَعْتُ يَدِي إِلَى ٱلرَّبِّ ٱلإِلٰهِ ٱلْعَلِيِّ مَالِكِ ٱلسَّمَاءِ وَٱلأَرْضِ»

خروج 6: 8 ودانيال 12: 7 ورؤيا 10: 5 و6 ع 19

رَفَعْتُ يَدِي الخ هذا قسم وهو أول قسم ذُكر في الكتاب المقدس وأول رفع اليد ختماً لذلك.

23 « لاَ آخُذَنَّ لاَ خَيْطاً وَلاَ شِرَاكَ نَعْلٍ وَلاَ مِنْ كُلِّ مَا هُوَ لَكَ، فَلاَ تَقُولُ: أَنَا أَغْنَيْتُ أَبْرَامَ».

لاَ خَيْطاً وَلاَ شِرَاكَ نَعْلٍ هذا مما لا يُنقص مال المعطي شيئاً ومع ذلك أبى أن يأخذه.

24 «لَيْسَ لِي غَيْرَ ٱلَّذِي أَكَلَهُ ٱلْغِلْمَانُ. وَأَمَّا نَصِيبُ ٱلرِّجَالِ ٱلَّذِينَ ذَهَبُوا مَعِي: عَانِرَ وَأَشْكُولَ وَمَمْرَا، فَهُمْ يَأْخُذُونَ نَصِيبَهُمْ».

ع 13

لَيْسَ لِي غَيْرَ ٱلَّذِي أَكَلَهُ ٱلْغِلْمَانُ الخ كان الغلمان خدم أبرام كانوا 318 فهؤلاء لم يصبهم شيء من الغنيمة سوى ما أكلوه من الطعام. وأما الباقون الذين كانوا معهم فهم من الأموريين فأخذوا نصيبهم.

(وكان ترك السلب يُعد عند العرب من شرف النفس وعظمتها وعليه قول عنترة العبسي:

لي النفوس وللطير اللحوم وللوحش العظام وللخيّالة السلب

ولكن هذا لم يكن وحده غاية أبرام من إباءته بل كان معظم غايته دفع المن وهو راجع إلى الإحسان والمروءة وشرف النفس معاً).

ترى هنا من سياسة أبرام أنه حين كان لوط مخالطاً للكنعانيين كان هو منفرداً عنهم ولكنه مستعد للمساعدة في الوقت المناسب. وكذا كانت سياسة نسله فإنهم انفردوا عن الأمم وتوكلوا على الرب وحده لصيانة حريتهم وحقوقهم وكانوا على قدر محافظتهم على ذلك يزيدون سلاماً وأمناً.

اَلأَصْحَاحُ ٱلْخَامِسَ عَشَرَ

1 «بَعْدَ هٰذِهِ ٱلأُمُورِ صَارَ كَلاَمُ ٱلرَّبِّ إِلَى أَبْرَامَ فِي ٱلرُّؤْيَا: لاَ تَخَفْ يَا أَبْرَامُ. أَنَا تُرْسٌ لَكَ. أَجْرُكَ كَثِيرٌ جِدّاً».

دانيال 10: 1 وأعمال 10: 10 و11 ص 26: 24 ودانيال 10: 12 ولوقا 1: 13 و30 مزمور 3: 3 و5: 12 و84: 11 و91: 4 و119: 114 مزمور 16: 5 و58: 11 وأمثال 11: 18 ومتّى 5: 12

بَعْدَ هٰذِهِ ٱلأُمُورِ أي بعد حرب كدرلعومر ومتعلقاتها.

صَارَ كَلاَمُ ٱلرَّبِّ إِلَى أَبْرَامَ هذه العبارة تستعمل دائماً في الكتاب المقدس بمعنى الإعلان ومعناه انتهى كلام الرب إليه أي بلغه. وهذه أول مرار ذكرها في كتاب الله. وكان هذا الإعلان ليلاً (ع 5). ولم يكن في حلم بل في يقظة حين كانت منصرفة حواس أبرام عن الأرضيات وكان موضوعاً قابلاً للتأثيرات الروحية وهو مسلم نفسه إلى إرادة يدي القادر على كل شيء. وكان أبرام إلى ذلك الحين يُوعد باستيلاء نسله على تلك الأرض فمرت السنون ولم يتم ذلك الوعد لكن إيمان أبرام لم يتزعزع. وبمحاربته لملك عيلام أنشأ لنفسه أعداء أقوياء. وكان الكنعانيون أنفسهم يكرهون هذا الرجل الأجنبي المهاجر وكل من معه من المهاجرين. فكان أبرام في حاجة حينئذ إلى تأكيد الوعد. وكان يشتمل على أمرين الأول هبة نسل كثير لأبرام (ع 1 - 6) والثاني استيلاء نسله على أرض كنعان (ع 18 - 12).

2 «فَقَالَ أَبْرَامُ: أَيُّهَا ٱلسَّيِّدُ ٱلرَّبُّ، مَاذَا تُعْطِينِي وَأَنَا مَاضٍ عَقِيماً، وَمَالِكُ بَيْتِي هُوَ أَلِيعَازَرُ ٱلدِّمَشْقِيُّ؟».

أعمال 7: 5

ٱلسَّيِّدُ ٱلرَّبُّ وفي العبرانية (אדני יהוה) «أدوني يهوه» فالعبارة بمعنى «الإله الرب» أو «إلوهيم يهوه» لا «الرب الإله» أو «يهوه إلوهيم».

مَاذَا تُعْطِينِي لا يخلو هذا السؤال من الشكوى فإن الرب وعد أبرام بأجر عظيم فأجابه بهذا يعني إن الأجر لا يكون عظيماً ما لم يكن له وارث منه.

وَأَنَا مَاضٍ عَقِيماً أي بلا ولد. ومعنى «المضي» هنا إما الموت كمعنى قوله «قبل أن أذهب» (مزمور 39: 13) فالمعنى أموت بلا عقب أو الاستمرار على العقم. فالمعنى تمضي علي الأيام بلا ولد وهذا هو الأرجح.

وَمَالِكُ بَيْتِي وفي العبرانية «بن مشق» أي «ابن جري» أي سير سريع في الخدمة. وهذا موافق لأليعازر لأنه كان خادماً نشيطاً لأبرام. ولفظة «مشق» نادرة في العبرانية وقال بعضهم أصلها «بن دمشق» فحُذفت الدال تخفيفاً للفظ ويمنع من هذا إضافة «مشق» إلى «بيتي». وذهب كثيرون إلى أن معنى «مشق» الملك فيكون المعنى «بن مشق بيتي» ابن ملك بيتي أي مالك بيتي على ما في ترجمتنا العربية وهذا هو الأصح.

3 «وَقَالَ أَبْرَامُ أَيْضاً: إِنَّكَ لَمْ تُعْطِنِي نَسْلاً، وَهُوَذَا ٱبْنُ بَيْتِي وَارِثٌ لِي».

ص 14: 14

ٱبْنُ بَيْتِي ليس المعنى أنه وُلد في بيت أبرام بل أنه بمنزلة ابن لأبرام لإقامته إياه على أمور بيته.

4 «فَإِذَا كَلاَمُ ٱلرَّبِّ إِلَيْهِ: لاَ يَرِثُكَ هٰذَا. بَلِ ٱلَّذِي يَخْرُجُ مِنْ أَحْشَائِكَ هُوَ يَرِثُكَ».

2صموئيل 7: 12 و16: 11 و2أيام 32: 21

لاَ يَرِثُكَ هٰذَا في هذه الآية تأكيد لأبرام أن لا يرثه إلا ابن حقيقي له.

5 «ثُمَّ أَخْرَجَهُ إِلَى خَارِجٍ وَقَالَ: ٱنْظُرْ إِلَى ٱلسَّمَاءِ وَعُدَّ ٱلنُّجُومَ إِنِ ٱسْتَطَعْتَ أَنْ تَعُدَّهَا. وَقَالَ لَهُ: هٰكَذَا يَكُونُ نَسْلُكَ».

مزمور 147: 4 وإرميا 33: 22 ص 13: 16 و22: 17 وخروج 32: 13 وتثنية 1: 10 و10: 22 و1أيام 27: 23 ورومية 4: 18 وعبرانيين 11: 12

أَخْرَجَهُ إِلَى الخ لا داعلي إلى اعتبار الخروج حركة عقلية على طريق المجاز وإن أبرام بقي ساكناً حسناً. ولا مانع من أن أبرام شعر أنه يُقاد إلى خارج خيمته وسمع أمراً له بأن ينظر إلى النجوم ويعدها إن استطاع. نعم إن النجوم الظاهرة لمجرد النظر محدودة معدودة لكن اعتاد الناس أن يعبّروا بها عن الكثرة لأن الإنسان إذا أطال النظر رأى بين النجوم الظاهرة أشعة خفية ربما استدل بها على أن هنالك نجوماً غير التي يراها وهو الواقع. والمقصود من الآية إن نسل أبرام يكون كثيراً جداً يتعذر إحصاؤه كما يتعذّر إحصاء الكواكب.

6 «فَآمَنَ بِٱلرَّبِّ فَحَسِبَهُ لَهُ بِرّاً».

رومية 4: 3 و9 وغلاطية 3: 6 ويعقوب 2: 23 مزمور 106: 31 وحبقوق 2: 4

فَآمَنَ بِٱلرَّبِّ (في العبرانية آمن بيهوه). هنا جرثومة عقيدة التبرير بالإيمان. نعم إن أبرام كان طاهراً وبرهن على صحة إيمانه بأعماله لكن هذا التاريخ المقدس أبان أن الرب برّره بإيمانه لا بأعماله. واستدل بولس الرسول بذلك على أن الله يبرر بالإيمان لا بالأعمال (انظر رومية ص 4).

7 «وَقَالَ لَهُ: أَنَا ٱلرَّبُّ ٱلَّذِي أَخْرَجَكَ مِنْ أُورِ ٱلْكِلْدَانِيِّينَ لِيُعْطِيَكَ هٰذِهِ ٱلأَرْضَ لِتَرِثَهَا».

ص 12: 1 ص 11: 28 و31 مزمور 105: 42 و44 ورومية 4: 13

أَنَا ٱلرَّبُّ ٱلَّذِي أَخْرَجَكَ مِنْ أُورِ ٱلْكِلْدَانِيِّينَ هذه الآية بيان لقصد الرب من إخراج أبرام من أور الكلدانيين في (ص 12: 1 و2). وقوله «أنا الرب» الخ توكيد أنه لا بد من أن يتم وعده لأن الرب صادق وقادر.

8 «فَقَالَ: أَيُّهَا ٱلسَّيِّدُ ٱلرَّبُّ، بِمَاذَا أَعْلَمُ أَنِّي أَرِثُهَا؟».

ص 24: 14 وقضاة 6: 17 و37 و1صموئيل 14: 9 و10 و2ملوك 20: 8 ولوقا 1: 18

ٱلسَّيِّدُ ٱلرَّبُّ وفي العبرانية «أدوني يهوه» كما في (ع 2).

بِمَاذَا أَعْلَمُ أَنِّي أَرِثُهَا إن الله أمر أبرام بالخروج من أور الكلدانيين بوعد أن يعطيه أرض كنعان فسأله هذا لا لعدم إيمانه بوعده بل لزيادة الاطمئنان والمعرفة بالتفصيل.

9 «فَقَالَ لَهُ: خُذْ لِي عِجْلَةً ثُلاَثِيَّةً وَعَنْزَةً ثُلاَثِيَّةً وَكَبْشاً ثُلاَثِيّاً وَيَمَامَةً وَحَمَامَةً».

لاويين 1: 3 و10 و14

خُذْ لِي عِجْلَةً الخ قطع العهد على هذه الصورة كان على ما يرجح الطريق المألوفة في بابل فحقق الرب لأبرام الميراث برسم ألفه. ولعل التعبير عن إتيان العهد الوثيق في أقدم اللغات بالقطع مأخوذ من قطع الذبيحة نصفين أو قطعها بالضرب على أسلوب الرومانيين. ولم يكن قطع الذبيحة شقين لتمثيل فرقتين كما ظن بعضهم بل لبيان إن من يخلف الوعد يُقطع كما قُطعت الذبيحة على ما يستفاد من نبوءة إرميا (إرميا 34: 18 - 20). ولم يذكر في هذه الآية المذكورة هنا هي من البهائم المختارة للذبيحة اللاوية. ولعل في كون البهائم ثلاثة وفي أن كلاً منها ثلاثي معنى رمزياً فوق ما ذكر.

10 «فَأَخَذَ هٰذِهِ كُلَّهَا وَشَقَّهَا مِنَ ٱلْوَسَطِ، وَجَعَلَ شِقَّ كُلِّ وَاحِدٍ مُقَابِلَ صَاحِبِهِ. وَأَمَّا ٱلطَّيْرُ فَلَمْ يَشُقَّهُ».

إرميا 34: 18 و19 لاويين 1: 17

وَجَعَلَ شِقَّ كُلِّ وَاحِدٍ الخ الطيران لم يُشقا ولكنهما لأنهما اثنان رُجح أن أبرام وضع أحدهما تجاه الآخر.

11 «فَنَزَلَتِ ٱلْجَوَارِحُ عَلَى ٱلْجُثَثِ، وَكَانَ أَبْرَامُ يَزْجُرُهَا».

فَنَزَلَتِ ٱلْجَوَارِحُ لو كانت تلك الذبائح محرقات لمنعت النار منها لكن أبرام زجرها لئلا يبطل القصد من الرسم بعدم اعتبار الرموز الظاهرة. وظن بعضهم أن الجوارح إشارة إلى أعداء إسرائيل كالمصريين والبابليين وغيرهم. وقال فولير هذا يشبه اختبار شعب الله في الحياة الروحية. فكثيراً ما تأتي الهموم والغموم كالطيور الجوارح لتخطف زماننا وأفكارنا وتمنعنا من راحة العبادة. فطوبى لمن يستطيع طردها بالسهر والصلاة.

12 «وَلَمَّا صَارَتِ ٱلشَّمْسُ إِلَى ٱلْمَغِيبِ وَقَعَ عَلَى أَبْرَامَ سُبَاتٌ، وَإِذَا رُعْبَةٌ مُظْلِمَةٌ عَظِيمَةٌ وَاقِعَةٌ عَلَيْهِ».

ص 2: 21 وأيوب 4: 13

ٱلشَّمْسُ إِلَى ٱلْمَغِيبِ كان قطع العهد في المساء الذي ولي الليلة التي أكد له فيها أن نسله يكون كعدد النجوم لكثرته. ولعل أبرام شغل وقتاً طويلاً من الصباح بإعداد البهائم والطيور والتقطيع والصف.

وَقَعَ عَلَى أَبْرَامَ سُبَاتٌ فما ذُكر هنا رؤيا لا رؤية.

وَإِذَا رُعْبَةٌ مُظْلِمَةٌ عَظِيمَةٌ وَاقِعَةٌ عَلَيْهِ كان رؤى الأنبياء في السبات مرهوبة جداً وقد وُصفت في سفر أيوب (انظر أيوب 4: 12 - 16) لأن الإنسان يخشى ويرهب في حضرة الله خالقه (دانيال 10: 8). ولعل في ذلك إشارة إلى ظلام عبودية مصر.

13 «فَقَالَ لأَبْرَامَ: ٱعْلَمْ يَقِيناً أَنَّ نَسْلَكَ سَيَكُونُ غَرِيباً فِي أَرْضٍ لَيْسَتْ لَهُمْ، وَيُسْتَعْبَدُونَ لَهُمْ فَيُذِلُّونَهُمْ أَرْبَعَ مِئَةِ سَنَةٍ».

خروج 1: 11 ومزمور 105: 25 خروج 12: 40 وأعمال 7: 6 وغلاطية 3: 17

أَرْبَعَ مِئَةِ سَنَةٍ على سبيل التقريب بترك الجزء الأقل من العقد كعادة الأقدمين وغيرهم في الإيجاز. وأربع مئة سنة وثلاثين سنة على التمام (خروج 12: 40 و41 و1أيام 7: 23 - 27).

14 «ثُمَّ ٱلأُمَّةُ ٱلَّتِي يُسْتَعْبَدُونَ لَهَا أَنَا أَدِينُهَا. وَبَعْدَ ذٰلِكَ يَخْرُجُونَ بِأَمْلاَكٍ جَزِيلَةٍ».

خروج 6: 6 وتثنية 6: 22 خروج 3: 22 و12: 36 ومزمور 105: 37

ٱلأُمَّةُ الخ لم يذكر الله هنا إن مصر هي محل الذل لنسل أبرام لأنه لو ذكر ذلك لأبى الآباء أن يذهبوا إليها لكنه انبأ بأنه يدين تلك الأمة وإن الذين هم نسله «يخرجون بأملاك جزيلة» من أرض العبودية (خروج 12: 36) تحقيقاً لعنايته بهم وإتمام عهده لهم.

15 «وَأَمَّا أَنْتَ فَتَمْضِي إِلَى آبَائِكَ بِسَلاَمٍ وَتُدْفَنُ بِشَيْبَةٍ صَالِحَةٍ».

2ملوك 22: 20 و2أيام 5: 26 وأعمال 13: 36 ص 25: 8 و1أيام 29: 28

وَأَمَّا أَنْتَ فَتَمْضِي إِلَى آبَائِكَ بِسَلاَمٍ مات آباء أبرام في بلاد بابل. والعبارة هنا تدل على خلود النفس لأن جسد أبرام لم يُدفن مع أجساد أسلافه فذهابه إليهم يستلزم أن نفسه تذهب إلى مقام نفوسهم (قابل هذا بما في ص 25: 8). ويدل على مثل هذا مع زيادة بيان الفرق بين النفس والجسد ما جاء في (جامعة 12: 7).

16 «وَفِي ٱلْجِيلِ ٱلرَّابِعِ يَرْجِعُونَ إِلَى هٰهُنَا، لأَنَّ ذَنْبَ ٱلأَمُورِيِّينَ لَيْسَ إِلَى ٱلآنَ كَامِلاً».

خروج 12: 40 1ملوك 21: 26 دانيال 8: 23 ومتّى 23: 32 و1تسالونيكي 2: 16

فِي ٱلْجِيلِ ٱلرَّابِعِ الخ وفي العبرانية «دور ربيعي» أي الدور الرابع (انظر تفسير ص 6: 9). والدور هنا مئة سنة على ما يُفهم من الآية الثالثة عشرة فهو القرن.

ذَنْبَ ٱلأَمُورِيِّينَ أراد «بالأموريين» هنا كل قبائل الكنعانيين لأنهم الأمة العظمة والمتقدمة فيهم. لم يؤمر الإسرائيليون بطرد الكنعانيين لمجرد الاستيلاء على أرضهم بل استحق الكنعانيون الطرد لآثامهم. وما من أمة كثرت ذنوبها وفسدت آدابها إلا نشأ عن ذلك انحطاطها واستيلاء غيرها على بلادها. ومثال ذلك استيلاء الألمانيين على المملكة الرومانية لما سقطت في الآثام والخلاعة.

17 «ثُمَّ غَابَتِ ٱلشَّمْسُ فَصَارَتِ ٱلْعَتَمَةُ، وَإِذَا تَنُّورُ دُخَانٍ وَمِصْبَاحُ نَارٍ يَجُوزُ بَيْنَ تِلْكَ ٱلْقِطَعِ».

إرميا 34: 18 و19

تَنُّورُ دُخَانٍ أي تنور يصعد مه الدخان.

وَمِصْبَاحُ نَارٍ الظاهر أنه كان ناراً موقدة محمولة على شيء كالمعروف عند العامة بالمشعل. فأبرام صف القطع متقابلة ومرّ بنيها وأعلن الله مروره كذلك بالتنور والمصباح لأن النار كانت علامة حضور الله كما ذُكر مراراً في الكتاب المقدس. ومن ذلك العليقة المتقدة في طور سينا وعمود النار الذي كان يسير أمام بني إسرائيل ليلاً والنيران والبروق على طور سينا.

18 «فِي ذٰلِكَ ٱلْيَوْمِ قَطَعَ ٱلرَّبُّ مَعَ أَبْرَامَ مِيثَاقاً قَائِلاً: لِنَسْلِكَ أُعْطِي هٰذِهِ ٱلأَرْضَ، مِنْ نَهْرِ مِصْرَ إِلَى ٱلنَّهْرِ ٱلْكَبِيرِ نَهْرِ ٱلْفُرَاتِ».

ص 17: 7 و8 و24: 7 ص 12: 7 و13: 15 و26: 4 وتثنية 34: 4 ونحميا 9: 8 ومزمور 105: 11 عدد 34: 5 وإشعياء 27: 12 خروج 23: 31 وتثنية 1: 7 و11: 24 ويشوع 1: 4 و1ملوك 4: 21 و1أيام 5: 9 و2أيام 9: 26 ومزمور 72: 8

قَطَعَ ٱلرَّبُّ... مِيثَاقاً أبرام صف قطع الذبائح ولكن مرور الرب بينها جعلها علامة ميثاقه.

نَهْرِ مِصْرَ إِلَى... ٱلْفُرَاتِ (نهر مصر هو النيل ولعل المقصود به طرف وادي النيل القريب من العريش أو وادي العريش). والمعنى أن نسل أبرام يتولي على الأرض من حدود مصر إلى نهر الفرات.

19 «ٱلْقِينِيِّينَ وَٱلْقَنِزِّيِّينَ وَٱلْقَدْمُونِيِّينَ».

ٱلْقِينِيِّينَ هم قبيلة من العرب كانت متفرقة بين العمالقة في الجنوب (1صموئيل 15: 6) وسبطي نفتالي وزبلون في الشمال (قضاة 4: 11) وكان يثرون كاهن مديان حموّ موسى قينياً (قضاة 1: 16). وقال فيهم بلعام أنهم قبيلة قوية منيعة (عدد 24: 21). وكانوا من قدماء سكان كنعان وكانوا أصدقاء للإسرائيليين.

ٱلْقَنِزِّيِّينَ من أمور هذه القبيلة ذات الشأن إن كالب كان منها (عدد 32: 12). والظاهر أنه آمن إيمان الإسرائيليين والتصق بهم زمن الخروج وعُد من سبط يهوذا.

ٱلْقَدْمُونِيِّينَ معنى اسمهم إما شرقيون وإما قدماء ولا نعرف من أمرهم شيئاً.

20، 21 «20 وَٱلْحِثِّيِّينَ وَٱلْفِرِزِّيِّينَ وَٱلرَّفَائِيِّينَ 21 وَٱلأَمُورِيِّينَ وَٱلْكَنْعَانِيِّينَ وَٱلْجِرْجَاشِيِّينَ وَٱلْيَبُوسِيِّينَ».

ص 14: 5

مرّ الكلام على الفرزيين في (ص 13: 7). وعلى الرفائيين في (ص 14: 5). وعلى باقي الأمم في هاتين الآيتين في (ص 10: 15 - 18).

اَلأَصْحَاحُ ٱلسَّادِسُ عَشَرَ

ابن الجارية

1 «وَأَمَّا سَارَايُ ٱمْرَأَةُ أَبْرَامَ فَلَمْ تَلِدْ لَهُ. وَكَانَتْ لَهَا جَارِيَةٌ مِصْرِيَّةٌ ٱسْمُهَا هَاجَرُ»

ص 15: 2 و3 ص 21: 9 وغلاطية 4: 24

وَأَمَّا سَارَايُ الخ تاريخ أبرام في أنباء مختصرة متوالية يظن أنه هو كاتبها. ومع أن ورق البردي المعروف في بعض اللغات الأعجمية بالبابير كان معروفاً في أور الكلدانيين على ما أثبته علماء العاديات. كان الأقدموت لقلة مواد الكتابة العادية يكتفون بأن يكتبوا ما يريدون كتابته بما أمكن من الاختصار على اللبن ويشوونه كألواح الآجر التي أُتي بها من أُور وحُفظ كثير منها في المشهد البريطاني ولكن الجانب الأعظم منها في المشهد العثماني في الأستانة فهنالك نحو 35000 لوح. وقد أُثبت إن بعضها صُنع وكُتب قبل عهد أبرام. وأتى ما فيها مصدقاً لما في كتابه تعالى. فانظر في تلك العناية الأزلية التي أقامت لك في هذا العصر عصر الشكوك الحجارة شهوداً بصحة ما سُطر على صفحات الوحي.

هَاجَرُ في العبرانية «هجر» قال بعضهم وهو فعل عربي معناه هرب ولكن الذي في العربي إن الهجر الترك والإعراض. ولا يثبت أن هذا الاسم عربي ما لم يثبت أنها عربية هاجرت إلى مصر ثم أتت إلى أبرام. والظاهر أنها مصرية ولعل اسمها باللغة المصرية القديمة يعني الهرب أو الإباق.

2 «فَقَالَتْ سَارَايُ لأَبْرَامَ: هُوَذَا ٱلرَّبُّ قَدْ أَمْسَكَنِي عَنِ ٱلْوِلاَدَةِ. ٱدْخُلْ عَلَى جَارِيَتِي لَعَلِّي أُرْزَقُ مِنْهَا بَنِينَ. فَسَمِعَ أَبْرَامُ لِقَوْلِ سَارَايَ».

ص 20: 18 و30: 2 و1صموئيل 1: 5 و6 ص 30: 3 و6 ص 3: 17

أُرْزَقُ مِنْهَا بَنِينَ قال بعض علماء اللغات الساميّة إن الابن فيها من البناء لأن الأبناء هم الذين كانوا يبنون البيوت لأن معنى العبارة في العبرانية «ابني بها» أي أحصل على بنين يبنون بيتي ولهذا سُميّت الأسرة بالبيت (ص 7: 1). وهذا هو الرابط بين البناء وهبة الأولاد في (مزمور 127). ولأن الجارية كانت مُلك سيدتها حسبت أولادها من زوج سيدتها أولاد سيدتها (ص 30: 3). كان سارة قد يئست من أن تلد لأنها كانت قد بلغت سن الخامسة والسبعين وكانت موعودة بأن يرث نسلها أرض كنعان فرأت إن ذلك النسل يكون من جاريتها. وإذا نظرنا إلى هذا العمل نظراً أدبياً قلنا إن شريعة الزيجة الأصلية أن يكون للرجل امرأة واحدة (ص 2: 24). وتكلم الكتاب على من أخذ امرأتين معاً بياناً أنه خالف السنة الحقة إذ كان أول من ذكره من معددي الزوجات رجلاً من نسل قايين (ص 2: 24). ومن ثم كثر ذلك حتى صار من المعتاد بين كل أولاد أبرام ولكنه غلب أن لا يتزوجوا غير واحدة إلا لداع كما كان من أمر أبرام. والدين المسيحي منع ذلك كل المنع.

3 «فَأَخَذَتْ سَارَايُ ٱمْرَأَةُ أَبْرَامَ هَاجَرَ ٱلْمِصْرِيَّةَ جَارِيَتَهَا، مِنْ بَعْدِ عَشَرِ سِنِينَ لإِقَامَةِ أَبْرَامَ فِي أَرْضِ كَنْعَانَ، وَأَعْطَتْهَا لأَبْرَامَ رَجُلِهَا زَوْجَةً لَهُ».

ص 12: 5

عَشَرِ سِنِينَ لإِقَامَةِ أَبْرَامَ فِي أَرْضِ كَنْعَانَ فكان حينئذ في سن الخامسة والثمانين (ع 16 وص 12: 4). وهذا التأخر كان محنة لإيمانه وحمله وحمل ساراي على ظن أن النسل الموعود به يكون بواسطة أخرى.

4 «فَدَخَلَ عَلَى هَاجَرَ فَحَبِلَتْ. وَلَمَّا رَأَتْ أَنَّهَا حَبِلَتْ صَغُرَتْ مَوْلاَتُهَا فِي عَيْنَيْهَا».

أمثال 30: 21 و23

صَغُرَتْ مَوْلاَتُهَا لم تكن هاجر جارية أبرام بل جارية ساراي كما ذُكر آنفاً وكانت نائبة عن ساراي وصارت حينئذ في المقام الثاني بالنظر إلى ساراي لنسبتها الجديدة إلى أبرام لكنها لم تزل جارية ساراي. أما هي فلم تكترث بذلك بل أخذت تحاول الاستيلاء على مولاتها والاستبداد بالبيت وطرد ساراي منه أو عزلها ناحية كأنها هي زوج أبرام الشرعية وكأن ساراي الجارية (أمثال 30: 22 و23).

5 «فَقَالَتْ سَارَايُ لأَبْرَامَ: ظُلْمِي عَلَيْكَ! أَنَا دَفَعْتُ جَارِيَتِي إِلَى حِضْنِكَ، فَلَمَّا رَأَتْ أَنَّهَا حَبِلَتْ صَغُرْتُ فِي عَيْنَيْهَا. يَقْضِي ٱلرَّبُّ بَيْنِي وَبَيْنَكَ».

إرميا 51: 35 ص 31: 53 و1صموئيل 24: 12

ظُلْمِي عَلَيْكَ... يَقْضِي ٱلرَّبُّ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أي أنت مطالَب بظلمي. إن ساراي أنكرت نفسها إكراماً لأبرام فكان من هاجر أنها استهانت بها فلو رضي أبرام ذلك كان هو الظالم.

6 «فَقَالَ أَبْرَامُ لِسَارَايَ: هُوَذَا جَارِيَتُكِ فِي يَدِكِ. ٱفْعَلِي بِهَا مَا يَحْسُنُ فِي عَيْنَيْكِ. فَأَذَلَّتْهَا سَارَايُ، فَهَرَبَتْ مِنْ وَجْهِهَا».

أمثال 15: 1 و1بطرس 3: 7 أيوب 2: 6 ومزمور 106: 41 و42 وإرميا 38: 5 ص 31: 5 خروج 2: 15

فَأَذَلَّتْهَا سَارَايُ أي ردتها إلى الحال التي كانت عليها. جرى أبرام على سنن العدل لأن هاجر جارية ساراي فكان لها أن تتسلط عليها على أن رد ساراي لها إلى حال العبودية كان صعباً عليها ولكن كان لساراي الحق (انظر ع 9). وأظهرت هاجر بهربها حبها للحرية التي ورثها اسماعيل منها وأتت ما يوافق معنى اسمها (أي هرب انظر تفسير ع 1).

7 «فَوَجَدَهَا مَلاَكُ ٱلرَّبِّ عَلَى عَيْنِ ٱلْمَاءِ فِي ٱلْبَرِّيَّةِ، عَلَى ٱلْعَيْنِ ٱلَّتِي فِي طَرِيقِ شُور».

ص 22: 11 و31: 11 وخروج 3: 2 وإشعياء 63: 9 وزكريا 1: 11 ص 20: 1 و25: 18 وخروج 15: 22

مَلاَكُ ٱلرَّبِّ في العبرانية «ملاك يهوه» سيأتي الكلام على هذا الملاك في نهاية تفسير هذا السفر.

ٱلْبَرِّيَّةِ... فِي طَرِيقِ شُورَ هذا يدل أنها في الطريق المعتادة الممتدة من حبرون إلى مصر. والبرية هنا برية فاران التي فيها قادش. وكانت العين التي جلست عندها هاجر في طريق شور وهي البرية التي شرقي مصر التي هي حدود بلاد الإسماعيليين (ص 25: 18) والعمالقة (1صموئيل 15: 7 و27: 8) وتتصل بالبحر الأحمر (خروج 15: 22 وعدد 33: 8) واسمها اليوم جعفر.

8 «وَقَالَ: يَا هَاجَرُ جَارِيَةَ سَارَايَ، مِنْ أَيْنَ أَتَيْتِ، وَإِلَى أَيْنَ تَذْهَبِينَ؟. فَقَالَتْ: أَنَا هَارِبَةٌ مِنْ وَجْهِ مَوْلاَتِي سَارَايَ».

مَوْلاَتِي استهانت بساراي وهربت منها ولم تزل تدعوها مولاتها وهذا دليل على أن مصيرها زوجة لأبرام لم يبطل كونها أَمة لساراي. والظاهر أن ساراي أثقلت عليها القصاص فنظر الله إلى ذلها.

9 «فَقَالَ لَهَا مَلاَكُ ٱلرَّبِّ: ٱرْجِعِي إِلَى مَوْلاَتِكِ وَٱخْضَعِي تَحْتَ يَدَيْهَا».

ٱخْضَعِي أي سلمي الأمر لساراي وارضي المقام الذي ردتك إليه. وهذا دليل على أن ساراي لم تظلم هاجر.

10 «وَقَالَ لَهَا مَلاَكُ ٱلرَّبِّ: تَكْثِيراً أُكَثِّرُ نَسْلَكِ فَلاَ يُعَدُّ مِنَ ٱلْكَثْرَةِ».

ص 17: 20 و21: 18 و25: 12

أُكَثِّرُ نَسْلَكِ هذا بيان قصد الله بظهوره لها فإنه تعالى لم يرد أن تذهب هاجر إلى مصر ليضيع نسل أبرام منها بين أمم مصر المنحطة ويكون عبداً كأمه بل أراد أن يحرّره ليكون أبرام أبا شعب حرّ وأن هاجر لا تبقى أَمة مدة الحياة بل تتحرر ويكون نسلها حراً.

11 «وَقَالَ لَهَا مَلاَكُ ٱلرَّبِّ: هَا أَنْتِ حُبْلَى، فَتَلِدِينَ ٱبْناً وَتَدْعِينَ ٱسْمَهُ إِسْمَاعِيلَ، لأَنَّ ٱلرَّبَّ قَدْ سَمِعَ لِمَذَلَّتِكِ».

ص 17: 19 ومتّى 1: 21 ولوقا 1: 13 و31

إِسْمَاعِيلَ أي «الله يسمع» كان إسماعيل كصموئيل في أن أُخذ اسمه من حوادث حياة أمه لا من شيء في نفسه. وتسمية الأولاد في سفر التكوين متنوعة.

12 «وَإِنَّهُ يَكُونُ إِنْسَاناً وَحْشِيّاً، يَدُهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ وَيَدُ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَيْهِ، وَأَمَامَ جَمِيعِ إِخْوَتِهِ يَسْكُنُ».

ص 21: 20 ص 25: 18

ي يَكُونُ إِنْسَاناً وَحْشِيّاً وفي العبرانية «يهيه فرا آدم» أي «يكون إنساناً كالفراء» أي حمار الوحش. والفراء في البرية العربية مخلوق جليل مكرم (وعلى هذا جاء في أمثالهم «كل الصيد في جوف الفراء» أي من يصيد الفراء لا يبالي بفوت البواقي). وجاء في سفر أيوب من الأدلة على عظمة الله (أيوب 39: 5 - 8). ومن خواصه أنه سريع العدو يحب العزلة والحرية. وهو أحسن مثال لعرب البادية. فإنهم يحبون الجولان في البوادي ويكرهون عيش الرخاء ولذّات أهل الحضر.

يَدُهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ وهذا شأن أهل البادية فهم لا يحالفون ولا يخضعون لشريعة ويعتقدون الغزو والنهب من الربح الحلال في أي طريق من الطرق.

أَمَامَ جَمِيعِ إِخْوَتِهِ يَسْكُنُ أي أنه يكون مستقلاً وتكون القبائل التي تنسل منه حرة تجاه سائر نسل أبرام. ورأى كثيرون من المفسرين أن معنى ذلك أنه يسكن شرقي إخوته. وجاءت الكلمة في هذا المعنى في (ص 25: 6) ولكن هذا التفسير ينافي ما جاء في (ص 25: 18).

13 «فَدَعَتِ ٱسْمَ ٱلرَّبِّ ٱلَّذِي تَكَلَّمَ مَعَهَا: أَنْتَ إِيلُ رُئِي. لأَنَّهَا قَالَتْ: أَهٰهُنَا أَيْضاً رَأَيْتُ بَعْدَ رُؤْيَةٍ؟».

ص 32: 30 وخروج 24: 11 و33: 20 وقضاة 6: 22 و23 و13: 22

أَنْتَ إِيلُ رُئِي أي إله الرية لا «أنت الله الذي يرى كل شيء» كما قال أُنكيلوس. والمعنى «أنت الله الذي رضيت بأن تُرى». على أن هاجر جاءت الإيجاز الذي أولع به الأعراب. وبسط معنى عبارتها أن الله لم يتركني لأنه ظهر لي وها أنا أراه فأنا في الحياة صحيحة الحواس والعقل.

14 «لِذٰلِكَ دُعِيَتِ ٱلْبِئْرُ «بِئْرَ لَحَيْ رُئِي». هَا هِيَ بَيْنَ قَادِشَ وَبَارَدَ».

ص 24: 62 و25: 11 ص 14: 7 وعدد 13: 26

بِئْرَ لَحَيْ رُئِي أي بئر الرؤية الحيوية أي رؤيتها الله وهي حية أو البئر التي حيث رُئي الله والرائي لم يزل حياً. وكان هذا الموضع بعد ذلك سكن إسحاق (ص 25: 11) وكان كثير المراعي. ولم يُعرف مكان تلك البئر تمام المعرفة (وظن بعضهم أنها ما يُعرف اليوم بعين مويلح).

قَادِشَ (انظر تفسير ص 11: 4).

بَارَدَ لم يزل هذا المكان مجهولاً على قول بين سمث (ولكن ذهب بعضهم أنه «الخلاصة» على أمد أربعة فراسخ جنوبي بئر سبع). وظنّه غيرهم البُريد وهو الأقرب بالنظر إلى الاسم. ومعنى «بارد» برد ورسمه في العبرانية «برد».

15 «فَوَلَدَتْ هَاجَرُ لأَبْرَامَ ٱبْناً. وَدَعَا أَبْرَامُ ٱسْمَ ٱبْنِهِ ٱلَّذِي وَلَدَتْهُ هَاجَرُ «إِسْمَاعِيلَ».

غلاطية 4: 22 ع 11

وَدَعَا أَبْرَامُ ٱسْمَ ٱبْنِهِ... إِسْمَاعِيلَ (كما قال الملاك لهاجر ع 11).

16 «كَانَ أَبْرَامُ ٱبْنَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ سَنَةً لَمَّا وَلَدَتْ هَاجَرُ إِسْمَاعِيلَ لأَبْرَامَ».

كَانَ أَبْرَامُ ٱبْنَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ سَنَةً الخ (وكان ابن مئة سنة يوم وُلد إسحاق فيكون إسماعيل أكبر من إسحاق بنحو 14 سنة انظر ص 21: 5).

اَلأَصْحَاحُ ٱلسَّابِعُ عَشَرَ

عهد الختان: أي إثبات العهد بسر الختان

1 «وَلَمَّا كَانَ أَبْرَامُ ٱبْنَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً ظَهَرَ ٱلرَّبُّ لأَبْرَامَ وَقَالَ لَهُ: أَنَا ٱللهُ ٱلْقَدِيرُ. سِرْ أَمَامِي وَكُنْ كَامِلاً».

ص 12: 1 ص 28: 3 و35: 11 وخروج 6: 3 وتثنية 10: 17 وإرميا 32: 17 ص 5: 22 و24 و1ملوك 2: 4 و2ملوك 20: 3 ص 6: 9 وتثنية 18: 13 وأيوب 1: 1 ومتّى 5: 48

أَبْرَامُ ٱبْنَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً فيكون قد مرّ على ولادة إسماعيل ثلاث عشرة سنة ولا ريب في أن إسماعيل كان في تلك المدة محبوباً إلى أبرام الشيخ الذي لم يكن له ولد غيره. ويؤيد ذلك ما جاء في الآية الثامنة عشرة.

أَنَا ٱللهُ ٱلْقَدِيرُ وفي العبرانية «ال شدي» أي الله الشديد. وهذا الاسم قديم جداً واستُعمل استعمال عَلَم الله في عدة مواضع من الكتاب (انظر عدد 24: 4 و16 وراعوث 1: 20 وسفر أيوب وذُكر فيه 31 مرة وخروج 4: 3. وعُبر عن الله في قديم الكتب العربية بشديد القوى) وهو الاسم الذي عرفه به الآباء ولم يعرفوه باسمه يهوه (خروج 6: 3). و(تسميته يهوه في أنباء أولئك الآباء من النبي موسى لأنه كان يُعرف به في زمانه) وهذا لا يستلزم أن اسم يهوه جديد بل هو قديم جداً لكنه أُعلن للإسرائيليين في زمن الخروج عامة والدليل على قدمه ما جاء في الآية السادسة والعشرين من الأصحاح الرابع فلا شيء من المنافاة. فالله الإله الواحد أعلن نفسه بكثير من الأسماء الحسنة واسمه يهوه عرفته حواء نفسها ص 4: 1).

سِرْ أَمَامِي كأنك ترى من لا يُرى (عبرانيين 11: 21) وتجعل الرب أمامك في كل حين (مزمور 16: 8). وهذا السير هو الذي نُسب إلى أخنوخ (ص 5: 22) وإلى نوح (ص 6: 9).

وَكُنْ كَامِلاً قال كلفينس في قوله تعالى «كن كاملاً» إن أساس الدعوة الإلهية وعد ناتج من قضاء الله المطلق لكن على من يدعوه الله أن يتبع البر والقداسة ويقصد الكمال ويقدم نفسه وجسده آلات بر لله (رومية 6: 13).

2 «فَأَجْعَلَ عَهْدِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ، وَأُكَثِّرَكَ كَثِيراً جِدّاً».

ص 12: 2 و13: 16 و22: 17

فَأَجْعَلَ عَهْدِي جاء في (ص 15: 18) «قطع» بدلاً من «جعل» إشارة إلى قطع الذبيحة. والجعل هنا يشير إلى النعمة من جانب الله (قابل هذا بما في تفسير ص 9: 9). قد مرّ على أبرام خمس وعشرون سنة من خروجه من أور الكلدانيين وأربع عشرة سنة أو خمس عشرة سنة من قبول العهد بينه وبين الرب (ص 15: 17) وقد بلغ الوقت الذي يؤخذ فيه في إتمام الوعد. وكان أول الشروع فيه وإعلان آياته أن غُيّر اسم أبرام واسم ساراي وأُجريت سنة الختان.

3 «فَسَقَطَ أَبْرَامُ عَلَى وَجْهِهِ. وَقَالَ ٱللهُ لَهُ».

ع 17

فَسَقَطَ أَبْرَامُ عَلَى وَجْهِهِ (من خشية الله).

4 «أَمَّا أَنَا فَهُوَذَا عَهْدِي مَعَكَ، وَتَكُونُ أَباً لِجُمْهُورٍ مِنَ ٱلأُمَمِ».

رومية 4: 11 و16 و17 وغلاطية 3: 29

أَباً لِجُمْهُورٍ هذا معنى إبراهيم.

5 «فَلاَ يُدْعَى ٱسْمُكَ بَعْدُ أَبْرَامَ بَلْ يَكُونُ ٱسْمُكَ إِبْرَاهِيمَ، لأَنِّي أَجْعَلُكَ أَباً لِجُمْهُورٍ مِنَ ٱلأُمَمِ».

نحميا 9: 7

أَبْرَامَ أبا سامياً أو عظيماً.

إِبْرَاهِيمَ أبا جمهور. وهو في العبرانية «أبراهام» أي أبو رُهام. والرُهام كلمة عربية معناها العدد الكثير. والظاهر أن هذه اللفظة أخذها العبرانيون من العربية منذ العصور الخالية حتى صارت تُعدّ من لغتهم. وذهب بعضهم إلى أن كلمة أبرام عربية أيضاً أصلها أبو أرام أو سورية كأبي مايل أو أبيمايل (ص 10: 28). وذهب بعضهم إن إدخال حرف الهاء في أبرام إشارة إلى يهوه. انظر أيضاً تغيير اسم هوشع (أي عون) ابن نون إلى يشوع أي يهوه عون (عدد 13: 16).

6 «وَأُثْمِرُكَ كَثِيراً جِدّاً، وَأَجْعَلُكَ أُمَماً، وَمُلُوكٌ مِنْكَ يَخْرُجُونَ».

ص 35: 11 ع 16 وص 35: 11 وعزرا 4: 20 ومتّى 1: 6 إلى 11

مُلُوكٌ مِنْكَ يَخْرُجُونَ أي رؤساء الأسباط وملوك يهوذا إسرائيل وملوك العرب في أسيا وأفريقية ولا سيما الملوك المسيحيين في كل العصور.

7، 8 «7 وَأُقِيمُ عَهْدِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ وَبَيْنَ نَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ فِي أَجْيَالِهِمْ عَهْداً أَبَدِيّاً، لأَكُونَ إِلٰهاً لَكَ وَلِنَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ. 8 وَأُعْطِي لَكَ وَلِنَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ أَرْضَ غُرْبَتِكَ، كُلَّ أَرْضِ كَنْعَانَ مِلْكاً أَبَدِيّاً. وَأَكُونُ إِلٰهَهُمْ».

غلاطية 3: 17 ص 26: 24 و28: 13 وعبرانيين 11: 16 رومية 9: 8 ص 12: 7 و13: 15 ومزمور 105: 9 و11 ص 23: 4 و28: 4 وعبرانيين 11: 9 و13 خروج 6: 7 ولاويين 26: 12 وتثنية 14: 2 و26: 18 و29: 13 وإرميا 30: 22 وحزقيال 37: 27 و2كورنثوس 6: 18 ورؤيا 21: 7

وَبَيْنَ نَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ إن العهد الإبراهيمي يتضمن نسل الوالد معه. وإن كانت الإشارة أولاً إلى المسيح نسل إبراهيم فيشير أيضاً إلى أولاد المؤمنين (غلاطية 3: 9) «ٱلَّذِينَ هُمْ مِنَ ٱلإِيمَانِ يَتَبَارَكُونَ مَعَ إِبْرَاهِيمَ ٱلْمُؤْمِنِ» و(أعمال 2: 39) «لأَنَّ ٱلْمَوْعِدَ هُوَ لَكُمْ وَلأَوْلاَدِكُمْ» ومحبة المسيح تشمل الأولاد الصغار وتباركهم.

9، 10 «9 وَقَالَ ٱللهُ لإِبْرَاهِيمَ: وَأَمَّا أَنْتَ فَتَحْفَظُ عَهْدِي، أَنْتَ وَنَسْلُكَ مِنْ بَعْدِكَ فِي أَجْيَالِهِمْ. 10 هٰذَا هُوَ عَهْدِي ٱلَّذِي تَحْفَظُونَهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، وَبَيْنَ نَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ: يُخْتَنُ مِنْكُمْ كُلُّ ذَكَرٍ».

أعمال 7: 8

وَأَمَّا أَنْتَ فَتَحْفَظُ عَهْدِي البركة تزيد المسؤولية وتضع علينا واجبات جديدة نظير خوف الله والصلاة البيتية وتربية الأولاد وتقديمهم للرب عهد مقدس.

11 « فَتُخْتَنُونَ فِي لَحْمِ غُرْلَتِكُمْ، فَيَكُونُ عَلاَمَةَ عَهْدٍ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ».

رومية 4: 11

فَتُخْتَنُونَ قال هيرودتس المؤرخ كان المصريون يُختنون وإن السوريين في فلسطين اعترفوا بأنهم أخذوا الختان عن المصريين. وقال أورجنس أنه كان مقصوراً على كهنتهم. ولا يوثق بقول هيرودتوتس لأنه كان بعد إبراهيم كثيراً. والذي عُرف من المحنطات والعاديات المصرية أن الختان لم يعم في مصر إلا في الأزمنة الحديثة بالنظر إلى زمان إبراهيم. وكان الختان رمزاً إلى الطهارة وهجر أعمال الجسد والأخذ في أعمال الروح. وكان في الختان إشارة إلى الولادة الثانية. وانتقال أبرام وساراي الآن من حالة الإنسان العتيق إلى حالة الإنسان الجديد جعل من اللائق أن يُغير اسماهما ولم يمكن ساراي أن تختتن فأمكنها بتغيير اسمها بجعله سارة أن تظهر اشتراكها مع أبرام في العهد.

12 «اِبْنَ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ يُخْتَنُ مِنْكُمْ كُلُّ ذَكَرٍ فِي أَجْيَالِكُمْ: وَلِيدُ ٱلْبَيْتِ، وَٱلْمُبْتَاعُ بِفِضَّةٍ مِنْ كُلِّ ٱبْنِ غَرِيبٍ لَيْسَ مِنْ نَسْلِكَ».

لاويين 12: 3 ولوقا 2: 21 ويوحنا 7: 22 وفيلبي 3: 5

اِبْنَ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ أي بعد يوم ميلاده بأسبوع.

13 «يُخْتَنُ خِتَاناً وَلِيدُ بَيْتِكَ وَٱلْمُبْتَاعُ بِفِضَّتِكَ، فَيَكُونُ عَهْدِي فِي لَحْمِكُمْ عَهْداً أَبَدِيّاً».

لاويين 26: 41 وتثنية 10: 16 و30: 6 وإرميا 4: 4 ورومية 2: 28 و29 وكولوسي 2: 11

وَلِيدُ بَيْتِكَ وَٱلْمُبْتَاعُ بِفِضَّتِكَ لنا من الكلام في رسم الختان أمران الأول إن كل شخص من أهل بيت إبراهيم شريك له في العهد وإنه يُعد من نسله. والثاني إن كل مختون كان يحسب إسرائيلياً وعلى هذا كان الختان مقصوراً على الإسرائيليين. وكانوا يختنون العبيد من عهد إبراهيم ويحسبونهم حينئذ إسرائيليين لهم حق الشركة في امتيازات أولاد إبراهيم الدينية. ومن هذا نستنتج أن عدد الذين نزلوا من مصر لم يُحصر في بني يعقوب بل شمل أولاً جميع العبيد والخدم المختونين.

14 «وَأَمَّا ٱلذَّكَرُ ٱلأَغْلَفُ ٱلَّذِي لاَ يُخْتَنُ فِي لَحْمِ غُرْلَتِهِ فَتُقْطَعُ تِلْكَ ٱلنَّفْسُ مِنْ شَعْبِهَا. إِنَّهُ قَدْ نَكَثَ عَهْدِي».

خروج 4: 24 وعدد 15: 30 و31

فَتُقْطَعُ تِلْكَ ٱلنَّفْسُ مِنْ شَعْبِهَا قال مفسرو اليهود كان الذي لا يُختن يُترك لله فيعاقبه بالعقم أو الموت قبل حينه. ولكن أكثر مفسري المسيحيين قالوا إنه كان يُقتل بأمر الحكام المدنيين ولكن ذلك غير الظاهر من مصطلح الكتاب لأنه ميّز دائماً بين «القتل» و «القطع» من الشعب (انظر لاويين ص 20). فغلط مفسري اليهود إنهم قصروا عقاب الله على العقم والإماتة قبل الوقت فإنه كان هنالك عقاب آخر مثل أن لا يحسب تارك الختان من الأمة الإسرائيلية ويخسر كل شركته في امتيازاتها ويحرم محامات الشيوخ عن حياته وأمواله والجلوس في باب المدينة لأنه بإباءته الختان يدنس نفسه ويخالف الناموس.

15 «وَقَالَ ٱللهُ لإِبْرَاهِيمَ: سَارَايُ ٱمْرَأَتُكَ لاَ تَدْعُو ٱسْمَهَا سَارَايَ، بَلِ ٱسْمُهَا سَارَةُ».

سَارَايَ أي أميرتي.

سَارَةُ أميرة. فتغيير اسم زوجة إبراهيم دليل على أنها دخلت معه في العهد (ولم تُذكر هنا هاجر ولا ابنها لأن الوعد كان لإبراهيم ونسله من إسحاق فإسحاق ابن الموعد دون إسماعيل ومن نسل إسحاق جاء المسيح الذي وُعدت به أمنا حواء غلاطية 4: 22 الخ).

16 «وَأُبَارِكُهَا وَأُعْطِيكَ أَيْضاً مِنْهَا ٱبْناً. أُبَارِكُهَا فَتَكُونُ أُمَماً، وَمُلُوكُ شُعُوبٍ مِنْهَا يَكُونُونَ».

ص 18: 10 و14 و21: 1 و2 ع 6 وص 35: 11 وغلاطية 4: 31 و1بطرس 3: 6

أُعْطِيكَ أَيْضاً مِنْهَا ٱبْناً هذا أول موضع صُرّح فيه بأن وارث إبراهيم يكون ابنه من سارة. وما كان يعرف إبراهيم ذلك ولا سارة بدليل ما كان من إعطاء سارة إياه هاجر وقبول إبراهيم إياها. فإنهما انتظرا إتمام الوعد زماناً طويلاً ولما لم يتم لهما رأيا إن الله قصد إتمامه بولدٍ بولد لإبراهيم من غير سارة.

17 «فَسَقَطَ إِبْرَاهِيمُ عَلَى وَجْهِهِ وَضَحِكَ، وَقَالَ فِي قَلْبِهِ: هَلْ يُولَدُ لٱبْنِ مِئَةِ سَنَةٍ؟ وَهَلْ تَلِدُ سَارَةُ وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِينَ سَنَةً؟».

ص 18: 12 و21: 6 رومية 4: 19 وعبرانيين 11: 11

إِبْرَاهِيمُ... ضَحِكَ من كثرة تعجبه لا من قلة إيمانه. وقال علماء اليهود إن إبراهيم ضحك من شدة فرحه وسارة ضحكت من ضعف إيمانها (ص 18: 12). ونحن نشك في صحة قولهم على أننا لا ننكر فرح إبراهيم فقد أثبت ذلك ربنا نفسه (يوحنا 8: 56). ولا يخفى أن ذلك الوعد كان لإبراهيم في وقت لا مهرب له فيه من العجب والدهشة. ومثل هذا العجب من شأنه أن يحمل على الضحك طبعاً فإن ذلك الوعد كان في أحوال تجعله قريباً من حد أنه لا يصدق. وأما ضحك سارة فكان لمثل تلك الأحوال ولأنها لم تعرف الأشخاص الثلاثة الذين نزلوا على إبراهيم يومئذ سوى رجال من الناس وكلاهما معذوران لأن ولادة إسحاق كانت على خلاف ما يُنتظر طبعاً.

18 «وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ لِلهِ: لَيْتَ إِسْمَاعِيلَ يَعِيشُ أَمَامَكَ!».

لَيْتَ إِسْمَاعِيلَ الخ وهذه الصلاة يجب أن تُقدّم في كل العصور لأجل أولاد إسماعيل الذين عددهم ملايين. كان إسماعيل يومئذ ابن ثلاث عشرة سنة وتيقن إبراهيم أنه هو وارثه. ولربما صحب فرح إبراهيم شيء من الألم لعلمه أن الموعد يكون لابنه من سارة بعدما كان يعتقد أنه لابنه إسماعيل الذي كان قد ألفه زمناً طويلاً وأحبه. ولهذا شفع الله كلامه ببركة إسماعيل صرفاً لألم قلب أبيه إبراهيم (ع 20).

19 «فَقَالَ ٱللهُ: بَلْ سَارَةُ ٱمْرَأَتُكَ تَلِدُ لَكَ ٱبْناً وَتَدْعُو ٱسْمَهُ إِسْحَاقَ. وَأُقِيمُ عَهْدِي مَعَهُ عَهْداً أَبَدِيّاً لِنَسْلِهِ مِنْ بَعْدِهِ».

ص 18: 10 و21: 2 وغلاطية 4: 28

بَلْ سَارَةُ ٱمْرَأَتُكَ تَلِدُ لَكَ ٱبْناً وَتَدْعُو ٱسْمَهُ إِسْحَاقَ أكد الله الوعد لإبراهيم لأنه كان لشدة تعجبه بمنزلة المنكر له.

تَدْعُو ٱسْمَهُ إِسْحَاقَ أي يضحك وسماه كذلك ليكون اسمه ذكراً دائماً لأنه به يذكر أن ولادة إسحاق كانت على خلاف ما يتوقع طبعاً وإنها حملت على الضحك الناشئ عن العجب الحامل على الإنكار. والحق أن إبراهيم لولا شدة إيمانه لم يصدق ذلك الوعد. وكان اسم إسحاق تذكاراً لضحكين ضحك إبراهم وضحك سارة.

20 - 24 «20 وَأَمَّا إِسْمَاعِيلُ فَقَدْ سَمِعْتُ لَكَ فِيهِ. هَا أَنَا أُبَارِكُهُ وَأُثْمِرُهُ وَأُكَثِّرُهُ كَثِيراً جِدّاً. اِثْنَيْ عَشَرَ رَئِيساً يَلِدُ، وَأَجْعَلُهُ أُمَّةً كَبِيرَةً. 21 وَلٰكِنْ عَهْدِي أُقِيمُهُ مَعَ إِسْحَاقَ ٱلَّذِي تَلِدُهُ لَكَ سَارَةُ فِي هٰذَا ٱلْوَقْتِ فِي ٱلسَّنَةِ ٱلآتِيَةِ. 22 فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ ٱلْكَلاَمِ مَعَهُ صَعِدَ ٱللهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ. 23 فَأَخَذَ إِبْرَاهِيمُ إِسْمَاعِيلَ ٱبْنَهُ، وَجَمِيعَ وِلْدَانِ بَيْتِهِ، وَجَمِيعَ ٱلْمُبْتَاعِينَ بِفِضَّتِهِ، كُلَّ ذَكَرٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ إِبْرَاهِيمَ، وَخَتَنَ لَحْمَ غُرْلَتِهِمْ فِي ذٰلِكَ ٱلْيَوْمِ عَيْنِهِ كَمَا كَلَّمَهُ ٱللهُ. 24 وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ ٱبْنَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً حِينَ خُتِنَ فِي لَحْمِ غُرْلَتِهِ»

ص 16: 10 ص 25: 12 إلى 16 ص 21: 13 و18 ص 21: 2 ص 18: 10

(يستفاد من هذه الآيات أن الله بارك نسل إبراهيم من ولديه إسماعيل وإسحاق وإن إسماعيل كان ابن عهد الختان كما كان إسحاق بلا فرق وإن الذين ليسوا من نسل إبراهيم يمكنهم أن يكونوا أولاده بالعهد أيضاً لأنه ختن الغلمان الذين اشتراهم بفضته وكان ختانهم «كما كلمة الله». وقوله «صعد الله عن إبراهيم» (ع 22) يدل على أنه كان يخاطبه بصورة منظورة. وترى هنا أيضاً أن الختان كان على أثر الوعد بولادة إسحاق فكان علامة للإيمان كالمعمودية في العهد الجديد).

25 «وَكَانَ إِسْمَاعِيلُ ٱبْنُهُ ٱبْنَ ثَلاَثَ عَشَرَةَ سَنَةً حِينَ خُتِنَ فِي لَحْمِ غُرْلَتِهِ».

إِسْمَاعِيلُ... ٱبْنَ ثَلاَثَ عَشَرَةَ سَنَةً وعلى هذا بعض الإسماعيليين يختنون الصبي في سن الثالثة عشرة.

26، 27 «26 فِي ذٰلِكَ ٱلْيَوْمِ عَيْنِهِ خُتِنَ إِبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ ٱبْنُهُ. 27 وَكُلُّ رِجَالِ بَيْتِهِ وِلْدَانِ ٱلْبَيْتِ وَٱلْمُبْتَاعِينَ بِٱلْفِضَّةِ مِنِ ٱبْنِ ٱلْغَرِيبِ خُتِنُوا مَعَهُ».

ص 18: 19

فِي ذٰلِكَ ٱلْيَوْمِ عَيْنِهِ وفي العبرانية «في عظم هذا اليوم» (انظر تفسير ص 2: 23).

اَلأَصْحَاحُ ٱلثَّامِنَ عَشَرَ

زيارة الملائكة لإبراهيم عند بلوطات ممرا وخراب سدوم

1 «وَظَهَرَ لَهُ ٱلرَّبُّ عِنْدَ بَلُّوطَاتِ مَمْرَا وَهُوَ جَالِسٌ فِي بَابِ ٱلْخَيْمَةِ وَقْتَ حَرِّ ٱلنَّهَارِ

ص 13: 18 و14: 13 1صموئيل 11: 9 و11 و2صموئيل 4: 5

ظَهَرَ لَهُ ٱلرَّبُّ «يهوه» وهذا ليس نبأ جديد منقطع عما قبله بل هو تكملة نبإ الختان فيكون «الرب» (يهوه) هنا هو «الله» (إلوهيم) في الكلام السابق (ص 17: 22 و23) وهو «الله» (إلوهيم) الذي سأله إبراهيم العفو عن سدوم وخلص لوطاً إكراماً له (ص 19: 29). وعند اليهود إن هذا حدث بعد ثلاثة أيام من القيام بالختان وإن الله زاره حينئذ ليشفيه من ألم الجرح. فلو صح قولهم لكان إبراهيم في فراشه أو في بيته بدلاً من أن يكون معتنياً بقطعانه وقت حر النهار في باب الخيمة التي قرب المرعى ويركض عند الحاجة (ع 7). والذي نراه أن إبراهيم لما أخذ العهد صار الله يكثر مخالطته.

بَلُّوطَاتِ مَمْرَا (انظر ص 13: 18 و14: 13 والتفسير).

2 «فَرَفَعَ عَيْنَيْهِ وَنَظَرَ وَإِذَا ثَلاَثَةُ رِجَالٍ وَاقِفُونَ لَدَيْهِ. فَلَمَّا نَظَرَ رَكَضَ لٱسْتِقْبَالِهِمْ مِنْ بَابِ ٱلْخَيْمَةِ وَسَجَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ».

ص 19: 1 وعبرانيين 13: 2 ص 19: 1 و1بطرس 4: 9

ثَلاَثَةُ رِجَالٍ قال مفسرو اليهود إذ كان لا يقدر الملاك الواحد أن يقوم بغير عمل واحد يرسل لأجله في وقت واحد فأرسل الله ثلاثة ملائكة الأول لشفاء إبراهيم والثاني لتبشير سارة والثالث لقلب سدوم وإهلاك أهلها. والذي يعتمد هنا إن الأول كان ملاك الرب «يهوه» أتى ممثلاً الإله لإبراهيم والاثنين الآخرين صاحباه أرسلهما إلى سدوم لأنفاذ القضاء عليها وعلى ما جاورها من مدن الدائرة. وعدد الثلاثة يشير إلى تثليث الأقانيم في اللاهوت لكنه ليس ببرهان على التثليث.

سَجَدَ سجود إكرام كانوا يأتونه عادة في التحيات.

3 «وَقَالَ: يَا سَيِّدُ إِنْ كُنْتُ قَدْ وَجَدْتُ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْكَ فَلاَ تَتَجَاوَزْ عَبْدَكَ».

ع 13 و22و 27 وص 19: 27

يَا سَيِّدُ خطاب إكرام للضيف لا خطاب مخلوق لخالق فإن إبراهيم لم يعرف في أول الأمر أنه ملاك وسجوده للثلاثة كان من باب الإكرام العادي أيضاً لأنه لم يكن يعرف أنهم ملائكة. ويؤيد ذلك قوله «أَضَافَ أُنَاسٌ مَلاَئِكَةً وَهُمْ لاَ يَدْرُونَ» (عبرانيين 13: 2).

4 «لِيُؤْخَذْ قَلِيلُ مَاءٍ وَٱغْسِلُوا أَرْجُلَكُمْ وَٱتَّكِئُوا تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ».

ص 19: 2 و43: 24

وَٱغْسِلُوا أَرْجُلَكُمْ هذا كان من أول الأمور الواجبة للضيف عند الشرقيين (قضاة 19: 21) لا لمجرد كون الرجلين تتوسخان من غبار الطريق للبس الناس يومئذ النعال التي لا تقي من الوسخ بل لأن الجسد كله فوق ذلك يبرد بتبريد القدمين في زمن الحر من حرارة الشمس وحرارة الجسم الناشئة عن الحركة في السير.

وَٱتَّكِئُوا الخ أي استريحوا في الظلّ.

5 « فَآخُذَ كِسْرَةَ خُبْزٍ، فَتُسْنِدُونَ قُلُوبَكُمْ ثُمَّ تَجْتَازُونَ، لأَنَّكُمْ قَدْ مَرَرْتُمْ عَلَى عَبْدِكُمْ. فَقَالُوا: هٰكَذَا تَفْعَلُ كَمَا تَكَلَّمْتَ».

قضاة 5: 18 و13: 15 قضاة 19: 5 و1ملوك 13: 7 ومزمور 104: 15 ص 19: 8

فَتُسْنِدُونَ قُلُوبَكُمْ أي فتتقوون. ويُراد هنا «بالقلب» الإنسان كله عقلاً وجسداً كما يكون كثيراً في هذا المعنى في اللغة العبرانية.

ثُمَّ تَجْتَازُونَ هذا يدل دلالة قاطعة على أن إبراهيم كان يعتقد أنهم رجال مسافرون مروا به عند الظهيرة للأكل والراحة ثم استئناف السير.

لأَنَّكُمْ الخ وهذا يدل على أن خيمة إبراهيم كانت على مقربة من الطريق ليتمكن من وجدان الضيوف لأن ذلك كان من الأمور الممدوحة عند شيوخ العرب.

6 «فَأَسْرَعَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى ٱلْخَيْمَةِ إِلَى سَارَةَ، وَقَالَ: أَسْرِعِي بِثَلاَثِ كَيْلاَتٍ دَقِيقاً سَمِيذاً. ٱعْجِنِي وَٱصْنَعِي خُبْزَ مَلَّةٍ».

بِثَلاَثِ كَيْلاَتٍ نحو مدٍ سوري (وقال ربانيو اليهود ثلاثة أرباع الإيفة والإيفة نحو 14 أقة من القمح) ولا تزال العادة عند البدو أنهم يعجنون للضيف المستعجل بعض الدقيق ويخبزونه ويقدمون مع الخبز حليباً أو رائباً ويطبخون الدقيق في اللبن.

خُبْزَ مَلَّةٍ عجين يخبز على الحجارة المحماة ويُعد من الخبز النفيس (1ملوك 19: 6).

7 « ثُمَّ رَكَضَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى ٱلْبَقَرِ وَأَخَذَ عِجْلاً رَخْصاً وَجَيِّداً وَأَعْطَاهُ لِلْغُلاَمِ فَأَسْرَعَ لِيَعْمَلَهُ».

عِجْلاً رَخْصاً وَجَيِّداً هذا يدل على كرم إبراهيم واعتباره لضيوفه واعتقاده أنهم من الكبراء والمرجّح أن إبراهيم قطع العجل قطعاً صغيرة لينضج سريعاً. وكثرة هذا الطعام تدل على أنه كان لأولئك الرجال الثلاثة رفقاء وحشم.

8 «ثُمَّ أَخَذَ زُبْداً وَلَبَناً، وَٱلْعِجْلَ ٱلَّذِي عَمِلَهُ، وَوَضَعَهَا قُدَّامَهُمْ. وَإِذْ كَانَ هُوَ وَاقِفاً لَدَيْهِمْ تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ أَكَلُوا».

ص 19: 3 ولوقا 34: 43

زُبْداً ما يستخرج من اللبن بالمخض. وهو في العبرانية «حماه» أي رائب أو لبن خاثر. وفي العربية «خما اللبن اشتد». وأكل الملائكة من الأسرار التي لم نعرفها كأكل المسيح بعد قيامته (قضاة 13: 16 ولوقا 24: 43). وقال أوغسطينوس «الإنسان يأكل ليعيش والملاك يأكل ليكون مثل الإنسان وهكذا أكل المسيح بعد قيامته لا لاحتياج جسده إلى الطعام بل ليقنع التلاميذ أنه جسده حقيقة».

9 «وَقَالُوا لَهُ: أَيْنَ سَارَةُ ٱمْرَأَتُكَ؟ فَقَالَ: هَا هِيَ فِي ٱلْخَيْمَةِ».

ص 24: 67

وَقَالُوا لَهُ وفي الآية العاشرة «قال» وفي (ع 13 و17 و20 الخ) «قال الرب» (يهوه) فالملاك تكلم كأنه هو الرب أو نائب الرب.

أَيْنَ سَارَةُ ٱمْرَأَتُكَ هذا السؤال على خلاف عادة الشرقيين فإنهم إذا أرادوا ذكر المرأة كنوا عنها ولم يصرحوا ولكن المرجّح أن إبراهيم في أثناء تكلمه مع ضيوفه وهم يأكلون أخذ يرى أنهم كانوا فوق الناس.

10 «فَقَالَ: إِنِّي أَرْجِعُ إِلَيْكَ نَحْوَ زَمَانِ ٱلْحَيَاةِ وَيَكُونُ لِسَارَةَ ٱمْرَأَتِكَ ٱبْنٌ. وَكَانَتْ سَارَةُ سَامِعَةً فِي بَابِ ٱلْخَيْمَةِ وَهُوَ وَرَاءَهُ».

ع 14 و2ملوك 4: 16 و17 ص 17: 19 و21 و21: 2 ورومية 9: 9

نَحْوَ زَمَانِ ٱلْحَيَاةِ يظهر من الآية الرابعة عشرة ومن (2ملوك 4: 16 و17) إن هذه العبارة كان يراد بها وقت معين. وقال بعضهم إن المعنى في نحو هذه السنة التي لم تنته لأن السنة إذا انتهت كانت كأنها ماتت. وجاء في التفاسير اليهودية «في نحو هذا الوقت من السنة الآتية». وقال بعضهم المعنى «في زمن من أزمان الحياة».

وَهُوَ وَرَاءَهُ وفي ترجمة السبعين (وهي وراءه). والظاهر على هذا أنها كانت وراء السجف الذي على الباب. والذي في العبرانية على وفق ما في ترجمتنا العربية فيكون الضمير لإبراهيم.

11 «وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ وَسَارَةُ شَيْخَيْنِ مُتَقَدِّمَيْنِ فِي ٱلأَيَّامِ، وَقَدِ ٱنْقَطَعَ أَنْ يَكُونَ لِسَارَةَ عَادَةٌ كَٱلنِّسَاءِ».

ص 17: 17 ولوقا 1: 7 و18 ورومية 4: 19 وعبرانيين 11: 11 و12 ص 31: 35

شَيْخَيْنِ مُتَقَدِّمَيْنِ المعنى أنه كان يستحيل بمقتضى العادة أن يولد لهما.

12 «فَضَحِكَتْ سَارَةُ فِي بَاطِنِهَا قَائِلَةً: أَبَعْدَ فَنَائِي يَكُونُ لِي تَنَعُّمٌ، وَسَيِّدِي قَدْ شَاخَ!»

ص 17: 17 1بطرس 3: 6

فَضَحِكَتْ سَارَةُ (انظر تفسير ص 17: 17). لم تضحك سارة إلا لأنها لم تعلم إن المتكلمين سماويون ولكن إبراهيم انتبه لما يدل أنهم كذلك. وكانت سارة في أحوال تحملها على الضحك طبعاً من ذلك الكلام. ولعلها ظنت أنهم لم يعرفوا سنها حتى قالوا ذلك.

أَبَعْدَ فَنَائِي أي بعد أن بليت كالثوب من الهرَم.

13 «فَقَالَ ٱلرَّبُّ لإِبْرَاهِيمَ: لِمَاذَا ضَحِكَتْ سَارَةُ قَائِلَةً: أَفَبِٱلْحَقِيقَةِ أَلِدُ وَأَنَا قَدْ شِخْتُ؟

لِمَاذَا ضَحِكَتْ سَارَةُ (لم تُسمع سارة صوتاً لأنها «ضحكت... في باطنها» (ع 12) فدل بذلك على أنه ليس رجلاً حقيقة) بل عرفها كما عرف المسيح نثنائيل وهو تحت التينة (يوحنا 1: 48).

14 «هَلْ يَسْتَحِيلُ عَلَى ٱلرَّبِّ شَيْءٌ؟ فِي ٱلْمِيعَادِ أَرْجِعُ إِلَيْكَ نَحْوَ زَمَانِ ٱلْحَيَاةِ وَيَكُونُ لِسَارَةَ ٱبْنٌ».

إرميا 32: 17 و27 وزكريا 8: 6 ومتى 3: 9 و19: 26 ولوقا 1: 37 ص 17: 21 وع 10 و2ملوك 4: 16

هَلْ يَسْتَحِيلُ عَلَى ٱلرَّبِّ شَيْءٌ دل بذلك على أنه ملاك يتكلم بكلام الرب باعتبار أنه نائب عنه وقد يكون الرب والملاك بمعنىً واحد لظهور الرب بهيئة ملاك. والاستفهام هنا إنكاري معناه أن الرب قادر على كل شيء فلا يتعذر عليه أمر.

15 «فَأَنْكَرَتْ سَارَةُ قَائِلَةً: لَمْ أَضْحَكْ. (لأَنَّهَا خَافَتْ). فَقَالَ: لاَ! بَلْ ضَحِكْتِ».

فَأَنْكَرَتْ سَارَةُ لا ريب في أن سارة عرفت حينئذ أن المتكلم إلهي لأنه عرف ما في قلبها فخافت جداً لأنها رأت أنها هزئت بموعد الرب فلجأت إلى الكذب كعادة الخائفين. فإن شدة الخوف لم تترك لها فرصة للتفكير في الجواب اللائق لكن الملاك وبخها برفق ولطف تقوية لإيمانها كما أتى الملاك في مخاطبة مريم فأزال شكها وقوّى إيمانها (لوقا 1: 34 - 37).

16 «ثُمَّ قَامَ ٱلرِّجَالُ مِنْ هُنَاكَ وَتَطَلَّعُوا نَحْوَ سَدُومَ. وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ مَاشِياً مَعَهُمْ لِيُشَيِّعَهُمْ.

ص 12: 20 ورومية 15: 24 و3يوحنا 6

ٱلرِّجَالُ... تَطَلَّعُوا نَحْوَ سَدُومَ كانت زيارة الله لإبراهيم مصحوبة بالرحمة والمحبة له وللجنس البشري به وعقاب الأشرار الذين عمّ شرّهم حتى لم يكن منهم من يشهد للرب ويسير على سنن الحق. وفي هذا النبإ مخالطة عظيمة عجيبة بين ملائكة الله والناس ومشابهة قريبة جداً. فإن إبراهيم بعد أن أظهروا له أنفسهم ظل يقوم لهم بواجبات الضيوف من الناس بأن صحبهم دليلاً لهم وشيعهم. وكان طريقهم إلى الشرق الجنوبي في وسط بلاد اليهودية الجبلية. وفي التقاليد اليهودية أن إبراهيم سار بهم إلى قرية كفرباروخ التي كانت في مضيق عميق يُرى منه بحر لوط.

17، 18 «17 فَقَالَ ٱلرَّبُّ: هَلْ أُخْفِي عَنْ إِبْرَاهِيمَ مَا أَنَا فَاعِلُهُ، 18 وَإِبْرَاهِيمُ يَكُونُ أُمَّةً كَبِيرَةً وَقَوِيَّةً، وَيَتَبَارَكُ بِهِ جَمِيعُ أُمَمِ ٱلأَرْضِ».

مزمور 25: 14 وعاموس 3: 7 ويوحنا 15: 15 ص 12: 3 و22: 18 وأعمال 3: 25 وغلاطية 3: 8

فَقَالَ ٱلرَّبُّ (أي الملاك النائب عن الرب).

هَلْ أُخْفِي (أي لا أخفي فالاستفهام إنكاري).

وَإِبْرَاهِيمُ الخ (الواو حالية أي في حال كون إبراهيم الخ).

19 «لأَنِّي عَرَفْتُهُ لِكَيْ يُوصِيَ بَنِيهِ وَبَيْتَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَنْ يَحْفَظُوا طَرِيقَ ٱلرَّبِّ، لِيَعْمَلُوا بِرّاً وَعَدْلاً، لِكَيْ يَأْتِيَ ٱلرَّبُّ لإِبْرَاهِيمَ بِمَا تَكَلَّمَ بِهِ».

خروج 33: 12 و17 ومزمور 1: 6 تثنية 4: 9 و10 و6: 7 ويشوع 24: 15 وأفسس 6: 4

لأَنِّي عَرَفْتُهُ لِكَيْ يُوصِيَ عرفته أي اخترته. هذا تعليل لعنايته بإبراهيم وإعلانه له قصده فإنه به وبنسله تُذاع معرفة الله وحقه ومنه يقوم الأنبياء الذين يعلنون إرادة الله للناس ومنه يأتي المسيح حسب الجسد. فكان من اللائق أن يُرفع إلى مقام الأنبياء وأن يكون له نصيب من مشورة الله «إِنَّ ٱلسَّيِّدَ ٱلرَّبَّ لاَ يَصْنَعُ أَمْراً إِلاَّ وَهُوَ يُعْلِنُ سِرَّهُ لِعَبِيدِهِ ٱلأَنْبِيَاءِ» (عاموس 3: 7). وعلى ذلك قول المسيح «قَدْ سَمَّيْتُكُمْ أَحِبَّاءَ لأَنِّي أَعْلَمْتُكُمْ بِكُلِّ مَا سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي» (يوحنا 15: 15).

20 «وَقَالَ ٱلرَّبُّ: إِنَّ صُرَاخَ سَدُومَ وَعَمُورَةَ قَدْ كَثُرَ، وَخَطِيَّتُهُمْ قَدْ عَظُمَتْ جِدّاً».

ص 4: 10 و19: 13 ويعقوب 5: 4 ص 13: 13 وحزقيال 16: 49 و50

سَدُومَ وَعَمُورَةَ (كلاهما من المدن المجاورة بحر لوط ومعنى سدوم احتراق ومعنى عمورة عمارة).

21 «أَنْزِلُ وَأَرَى هَلْ فَعَلُوا بِٱلتَّمَامِ حَسَبَ صُرَاخِهَا ٱلآتِي إِلَيَّ، وَإِلاَّ فَأَعْلَمُ».

ص 11: 5 و7 وخروج 3: 8 تثنية 8: 2 و13: 3 ويشوع 22: 22 ولوقا 16: 15

أَنْزِلُ إن الله يفحص قبل القصاص بكل اعتناء كالقاضي الأرض العادل والكلام تمثيل يراد به إن الله لا يعاقب إلا عدلاً (انظر تفسير ص 11: 5).

وَأَرَى هَلْ كان ذهاب الملاكين إلى سدوم الامتحان الأخير فلو قبلهما أهل سدوم وعاملوهما حسناً لكانوا وقفوا على حد من شرورهم وصبر الله عليهم.

22 «وَٱنْصَرَفَ ٱلرِّجَالُ مِنْ هُنَاكَ وَذَهَبُوا نَحْوَ سَدُومَ، وَأَمَّا إِبْرَاهِيمُ فَكَانَ لَمْ يَزَلْ قَائِماً أَمَامَ ٱلرَّبِّ».

ص 19: 1 ع 8

وَأَمَّا إِبْرَاهِيمُ فَكَانَ لَمْ يَزَلْ قَائِماً أَمَامَ ٱلرَّبِّ ذهب اثنان من الثلاثة الملائكة في الطريق إلى سدوم وبقي الثالث نائب الرب مع إبراهيم.

23 «فَتَقَدَّمَ إِبْرَاهِيمُ وَقَالَ: أَفَتُهْلِكُ ٱلْبَارَّ مَعَ ٱلأَثِيمِ؟».

عبرانيين 10: 22 ويعقوب 4: 8 عدد 16: 22 و2صموئيل 24: 17

فَتَقَدَّمَ إِبْرَاهِيمُ تُستعمل كلمة تقدم للشروع في الصلاة وعلى هذا مفسروا اليهود. وكان إبراهيم هنا يصلي للرب لا محالة. ولم يهتم بنجاة لوط وحده بل بنجاة كل أهل سدوم. ولا ريب في أنه ذكر حينئذ ملك سدوم الذي رد إليه الأسرى والغنائم. وشاهد يومئذ عواطف أولئك الناس وفرح الوالد بلقاء ولده والصديق بلقاء صديقه. ورجا أن يكون بينهم جماعة من الصالحين فيعفو الله عن المدينة ويتوب كثيرون بذلك الخلاص العظيم. فكان يصلي بحرارة وإلحاح بغية الحصول على ما كان يتوقع. وهذا يدلنا على أن إيمان المؤمن يقوي على قدر ما يشعر بقبول صلاته ويجسر على زيادة الطلب من جودة الله. وتلك القاعدة حقة لا تتخلّف.

أَفَتُهْلِكُ الخ أي أنت لا تهلك الخ لأنك بار (ع 25).

24 - 32 «24 عَسَى أَنْ يَكُونَ خَمْسُونَ بَارّاً فِي ٱلْمَدِينَةِ. أَفَتُهْلِكُ ٱلْمَكَانَ وَلاَ تَصْفَحُ عَنْهُ مِنْ أَجْلِ ٱلْخَمْسِينَ بَارّاً ٱلَّذِينَ فِيهِ؟ 25 حَاشَا لَكَ أَنْ تَفْعَلَ مِثْلَ هٰذَا ٱلأَمْرِ، أَنْ تُمِيتَ ٱلْبَارَّ مَعَ ٱلأَثِيمِ، فَيَكُونُ ٱلْبَارُّ كَٱلأَثِيمِ. حَاشَا لَكَ! أَدَيَّانُ كُلِّ ٱلأَرْضِ لاَ يَصْنَعُ عَدْلاً؟ 26 فَقَالَ ٱلرَّبُّ: إِنْ وَجَدْتُ فِي سَدُومَ خَمْسِينَ بَارّاً فِي ٱلْمَدِينَةِ، فَإِنِّي أَصْفَحُ عَنِ ٱلْمَكَانِ كُلِّهِ مِنْ أَجْلِهِمْ. 27 فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِنِّي قَدْ شَرَعْتُ أُكَلِّمُ ٱلْمَوْلىٰ وَأَنَا تُرَابٌ وَرَمَادٌ. 28 رُبَّمَا نَقَصَ ٱلْخَمْسُونَ بَارّاً خَمْسَةً. أَتُهْلِكُ كُلَّ ٱلْمَدِينَةِ بِٱلْخَمْسَةِ؟ فَقَالَ: لاَ أُهْلِكُ إِنْ وَجَدْتُ هُنَاكَ خَمْسَةً وَأَرْبَعِينَ. 29 فَعَادَ يُكَلِّمُهُ أَيْضاً وَقَالَ: عَسَى أَنْ يُوجَدَ هُنَاكَ أَرْبَعُونَ. فَقَالَ: لاَ أَفْعَلُ مِنْ أَجْلِ ٱلأَرْبَعِينَ. 30 فَقَالَ: لاَ يَسْخَطِ ٱلْمَوْلىٰ فَأَتَكَلَّمَ. عَسَى أَنْ يُوجَدَ هُنَاكَ ثَلاَثُونَ. فَقَالَ: لاَ أَفْعَلُ إِنْ وَجَدْتُ هُنَاكَ ثَلاَثِينَ. 31 فَقَالَ: إِنِّي قَدْ شَرَعْتُ أُكَلِّمُ ٱلْمَوْلىٰ. عَسَى أَنْ يُوجَدَ هُنَاكَ عِشْرُونَ. فَقَالَ: لاَ أُهْلِكُ مِنْ أَجْلِ ٱلْعِشْرِينَ. 32 فَقَالَ: لاَ يَسْخَطِ ٱلْمَوْلىٰ فَأَتَكَلَّمَ هٰذِهِ ٱلْمَرَّةَ فَقَطْ. عَسَى أَنْ يُوجَدَ هُنَاكَ عَشَرَةٌ. فَقَالَ: لاَ أُهْلِكُ مِنْ أَجْلِ ٱلْعَشَرَةِ».

إرميا 5: 1 أيوب 8: 20 وإشعياء 3: 10 و11 أيوب 34: 17 ومزمور 58: 11 و94: 2 ورومية 3: 6 تثنية 32: 4 وأيوب 8: 3 وإشعياء 11: 3 و4 إرميا 5: 1 وحزقيال 22: 30 لوقا 18: 1 ص 3: 19 وايوب 4: 19 وجامعة 12: 7 و1كورنثوس 15: 47 و48 قضاة 6: 39 يعقوب 5: 16

(شفع إبراهيم بأهل سدوم لأقل عدد من الأبرار وكان الله يستجيب له فما أحسن وجود الصالحين بين الناس أنه بكثرتهم في مكان يُدفع كثير من الضربات وذلك إكرام من الله لهم لفرط جودته ونعمته لا لاستحقاقهم).

33 وَذَهَبَ ٱلرَّبُّ عِنْدَمَا فَرَغَ مِنَ ٱلْكَلاَمِ مَعَ إِبْرَاهِيمَ، وَرَجَعَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى مَكَانِهِ.

وَذَهَبَ ٱلرَّبُّ (يهوه) لأنه لم يبق لإبراهيم أن يطلب فوق ما طلبه. ومن هذا النبإ ترى أن الله يعتني بكل أمة وإن رحمته معدّة للكل كما هي معدة لشعبه وأهل عهده. وكان مثل هذا شأن أهل نينوى كما بُيّن في نبوءة يونان.

اَلأَصْحَاحُ ٱلتَّاسِعُ عَشَرَ

1 «فَجَاءَ ٱلْمَلاَكَانِ إِلَى سَدُومَ مَسَاءً، وَكَانَ لُوطٌ جَالِساً فِي بَابِ سَدُومَ. فَلَمَّا رَآهُمَا لُوطٌ قَامَ لٱسْتِقْبَالِهِمَا، وَسَجَدَ بِوَجْهِهِ إِلَى ٱلأَرْضِ».

ص 18: 22 ص 18: 2

فَجَاءَ ٱلْمَلاَكَانِ هذا تابع النبإ وبدائته (الآية 22 من ص 18).

كَانَ لُوطٌ جَالِساً فِي بَابِ سَدُومَ (كان الجلوس في باب المدينة مختصاً بكبراء أهلها وبمن هم وطنيوها دون الغرباء). فإذاً كان لوط حينئذ معدوداً من الوطنيين في سدوم. والمرجّح أنهم حسبوه كذلك بعد أن أنقذهم إبراهيم من ملك عيلام فأكرموه أكراماً لعمه بأن حسبوه منهم فجعله ذلك يخالط الخطأة الأشرار ويسكن المدينة بينهم ويزوج بناته أبناءهم حتى كان شديد الانفصال عن إبراهيم خارج عن عهد الختان لا نصيب له فيه.

سَجَدَ (انظر تفسير ص 18: 2).

2 «وَقَالَ: يَا سَيِّدَيَّ، مِيلاَ إِلَى بَيْتِ عَبْدِكُمَا وَبِيتَا وَٱغْسِلاَ أَرْجُلَكُمَا، ثُمَّ تُبَكِّرَانِ وَتَذْهَبَانِ فِي طَرِيقِكُمَا. فَقَالاَ: لاَ، بَلْ فِي ٱلسَّاحَةِ نَبِيتُ».

أيوب 41: 32 وعبرانيين 13: 2 ص 18: 4 لوقا 24: 28

فِي ٱلسَّاحَةِ أي ساحة المدينة (قابل هذا بما في قضاة 19: 15 و20) فإن المسافرين كانوا ينزلون الساحة إذا لم يجدوا منزلاً آخر. وذلك يكون في أيام الحر. وقالوا «في الساحة نبيت» إيماء إلى أنه قد فسدت أخلاقه بسكناه بين أولئك الأشرار حتى يريا الأفضل أن يبيتا في الساحة لا في بيته.

3 «فَأَلَحَّ عَلَيْهِمَا جِدّاً، فَمَالاَ إِلَيْهِ وَدَخَلاَ بَيْتَهُ، فَصَنَعَ لَهُمَا ضِيَافَةً وَخَبَزَ فَطِيراً فَأَكَلاَ».

ص 18: 6 إلى 8

فَأَلَحَّ عَلَيْهِمَا جِدّاً أتى ذلك خوفاً عليهما من أهل سدوم لأنه كان يعرف دعارتهم وفجورهم.

فَطِيراً أي خبزاً رقيقاً لم يختمر كالخبز الذي يأكله اليهود في الفصح فإن هذا لا يشغل إعداده إلا وقتاً قصيراً. ولهذا كان ما أتته ساحرة عين دور (1صموئيل 28: 24).

4 «وَقَبْلَمَا ٱضْطَجَعَا أَحَاطَ بِٱلْبَيْتِ رِجَالُ ٱلْمَدِينَةِ، رِجَالُ سَدُومَ، مِنَ ٱلْحَدَثِ إِلَى ٱلشَّيْخِ، كُلُّ ٱلشَّعْبِ مِنْ أَقْصَاهَا».

هذه الآية دليل قاطع على عموم الشر والفساد في سدوم وعدم وجود عشرة أبرار فيها.

5 «فَنَادُوا لُوطاً وَقَالُوا لَهُ: أَيْنَ ٱلرَّجُلاَنِ ٱللَّذَانِ دَخَلاَ إِلَيْكَ ٱللَّيْلَةَ؟ أَخْرِجْهُمَا إِلَيْنَا لِنَعْرِفَهُمَا».

إشعياء 3: 9 قضاة 19: 22 ص 4: 1 ورومية 1: 24 و27 ويهوذا 7

أَخْرِجْهُمَا إِلَيْنَا لِنَعْرِفَهُمَا (هذا دليل على أنه لم يكن لهم دين ولا إنسانية).

6 «فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ لُوطٌ إِلَى ٱلْبَابِ وَأَغْلَقَ ٱلْبَابَ وَرَاءَهُ».

قضاة 19: 23

أَغْلَقَ ٱلْبَابَ (خوفاً من أن يدخلوا. وهذا يدل أنهم لم يكونوا يهابون لوطاً).

7 «وَقَالَ: لاَ تَفْعَلُوا شَرّاً يَا إِخْوَتِي».

يَا إِخْوَتِي (قال هذا تلطيفاً لهيجانهم وتنبيهاً لهم على أنهم يجب أن يكرموه لكونه صديقاً مقيماً بمدينتهم).

8 «هُوَذَا لِي ٱبْنَتَانِ لَمْ تَعْرِفَا رَجُلاً. أُخْرِجُهُمَا إِلَيْكُمْ فَٱفْعَلُوا بِهِمَا كَمَا يَحْسُنُ فِي عُيُونِكُمْ. وَأَمَّا هٰذَانِ ٱلرَّجُلاَنِ فَلاَ تَفْعَلُوا بِهِمَا شَيْئاً لأَنَّهُمَا قَدْ دَخَلاَ تَحْتَ ظِلِّ سَقْفِي».

قضاة 19: 24 ص 18: 5

ٱبْنَتَانِ يظهر من قضاة 19: 24 إن ما أتاه لوط لم يكن في تلك الأزمنة كما هو عندنا اليوم في الفظاعة والنجاسة. قال القديس أمبروسيوس ما معناه إن لوطاً اختار أصغر الشرين. وقال القديس فم الذهب أن لوطاً كان مجبراً بمقتضى شريعة الضيافة أن يبذل كل ما في وسعه في وقاية ضيفيه لكن كان عليه بمقتضى كونه أباً أن يبذل جهده في وقاية أبنتيه ولو سُمح للناس أن يرتكبوا الخطيئة الصغرى بدلاً من الكبرى لارتكبوا كل أنواع الإثم. والصعوبة هنا في أن القديس بطرس وصف لوطاً بأحسن سجايا الكمال على ما يظهر في بادئ الرأي (2بطرس 2: 7 و8). ويُدفع هذا الإشكال بأن بر لوط كان نسبياً أي كان باراً بالنسبة إلى سائر سكان سدوم فإن نفسه التي كانت تتعذب بينهم لم تشعر بعذاب يحملها على ترك مخالطة أولئك الفجار. ولا شك في أنه أخطأ لأنه حُرم العهد وعيش الطهارة وسكن بين أرذال الأرض بغية الربح الدنيوي والتقدم العالي. (وربما أراد لوط أن يبين للقوم أنه أهون عليه أن يحمل عار ابنتيه من أن يحمل عار ضيفيه وهذا تعيير مألوف في اللغات السامية).

هٰذَانِ ٱلرَّجُلاَنِ لم يُعرف إلا أنهما رجلان حقيقيان لا ملاكان.

9 «فَقَالُوا: ٱبْعُدْ إِلَى هُنَاكَ. ثُمَّ قَالُوا: جَاءَ هٰذَا ٱلإِنْسَانُ لِيَتَغَرَّبَ وَهُوَ يَحْكُمُ حُكْماً. ٱلآنَ نَفْعَلُ بِكَ شَرّاً أَكْثَرَ مِنْهُمَا. فَأَلَحُّوا عَلَى لُوطٍ جِدّاً وَتَقَدَّمُوا لِيُكَسِّرُوا ٱلْبَابَ».

2بطرس 2: 7 و8 خروج 2: 14 أمثال 9: 7 و8

جَاءَ هٰذَا ٱلإِنْسَانُ لِيَتَغَرَّبَ كان سماحهم للوط أن يسكن بينهم إكراماً غير معتاد لأن القدماء كانوا يحامون عن الوطني ويعذبون الأجنبي. فمقامه بينهم دنيء وعيشه مرٌّ جداً.

وَهُوَ يَحْكُمُ هذا يدل على أنه وبخهم وحكم عليهم بأنهم ارتكبوا ما لا يجوز وذلك يوافق ما في (2بطرس 2: 8).

10 «فَمَدَّ ٱلرَّجُلاَنِ أَيْدِيَهُمَا وَأَدْخَلاَ لُوطاً إِلَيْهِمَا إِلَى ٱلْبَيْتِ وَأَغْلَقَا ٱلْبَابَ».

أَغْلَقَا ٱلْبَابَ (اتخذا وسائط المنع العادية كالناس مع ما أتياه من المعجزة ع 11).

11 « وَأَمَّا ٱلرِّجَالُ ٱلَّذِينَ عَلَى بَابِ ٱلْبَيْتِ فَضَرَبَاهُمْ بِٱلْعَمَى مِنَ ٱلصَّغِيرِ إِلَى ٱلْكَبِيرِ، فَعَجِزُوا عَنْ أَنْ يَجِدُوا ٱلْبَابَ».

2ملوك 6: 18 وأعمال 13: 11

بِٱلْعَمَى هذا أول ذكر لمعاقبة الملائكة للناس. والأصل العبراني (םנורים) من (םנור) رباعي أي أنار أو لمع شديداً حتى تكلّ منه العيون. و (ים) علامة الجمع. أو من سنا أي ضاء ولمع و (עיוור) أي أعمى. وهو لم يرد إلا في موضع آخر وهو ما في (2ملوك 6: 18). وفي كلا الموضعين لا تعني العمى الحقيقي لأن أهل سدوم لو ضربوا بالعمى الحقيقي ما أتعبوا أنفسهم باجتهادهم في أن يجدوا الباب بل كانوا ذهبوا عند شعورهم بالمصاب أو ظلوا يتلمسون إلى أن يجدوه لشدة قسوتهم. وكذلك الجيش السوري لم يُصب بالعمى حقيقة ولو أُصيب به حقيقة لسلم وإلا فكيف أمكن أن يُقاد جيش أعمى فيزحف من دوثان إلى السامرة على أثر عماه. والذي هو المعقول أن أهل سدوم والجيش لم يشعروا بالعمى بل إن أهل سدوم ظنوا أنهم يرون الباب والجيش ظن أنه يعرف الأرض لكن المعجزة أن كلاً من الفريقين صار إلى غير المكان المقصود بأن جعل الله نظر العين غير موافق لنظر العقل ولم يعرفوا كيف ذلك بل عرفوا أنهم ضلوا. وهذا مثال حسن لحال الخطيئة فإن الخطأة «مبصرون ولا يرون» كالذين قيل فيهم «ستنظرون نظراً ولا تبصرون» (أعمال 28: 26).

12، 13 «12 وَقَالَ ٱلرَّجُلاَنِ لِلُوطٍ: مَنْ لَكَ أَيْضاً هٰهُنَا؟ أَصْهَارَكَ وَبَنِيكَ وَبَنَاتِكَ وَكُلَّ مَنْ لَكَ فِي ٱلْمَدِينَةِ، أَخْرِجْ مِنَ ٱلْمَكَانِ، 13 لأَنَّنَا مُهْلِكَانِ هٰذَا ٱلْمَكَانَ، إِذْ قَدْ عَظُمَ صُرَاخُهُمْ أَمَامَ ٱلرَّبِّ، فَأَرْسَلَنَا ٱلرَّبُّ لِنُهْلِكَهُ».

ص 7: 1 و2بطرس 2: 7 ص 18: 20 1أيام 21: 15

(كان أصهار لوط من الخطأة ومع ذلك قيل للوط أن يخرجهم لئلا يهلكوا وهذا إحسان عظيم).

14 «فَخَرَجَ لُوطٌ وَكَلَّمَ أَصْهَارَهُ ٱلآخِذِينَ بَنَاتِهِ وَقَالَ: قُومُوا ٱخْرُجُوا مِنْ هٰذَا ٱلْمَكَانِ، لأَنَّ ٱلرَّبَّ مُهْلِكٌ ٱلْمَدِينَةَ. فَكَانَ كَمَازِحٍ فِي أَعْيُنِ أَصْهَارِهِ.

عدد 16: 21 و45 خروج 9: 21 ولوقا 17: 28 و24: 11

ٱلآخِذِينَ بَنَاتِهِ هذا دليل قاطع على أنه كان للوط غير الابنتين المذكورتين آنفاً.

كَمَازِحٍ لأنهم لم يصدقوا الإنذار ولم يعتقدوا أن لوطاً يكذب عليهم لقصد غير المزاح.

15 «وَلَمَّا طَلَعَ ٱلْفَجْرُ كَانَ ٱلْمَلاَكَانِ يُعَجِّلاَنِ لُوطاً قَائِلَيْنِ: قُمْ خُذِ ٱمْرَأَتَكَ وَٱبْنَتَيْكَ ٱلْمَوْجُودَتَيْنِ لِئَلاَّ تَهْلِكَ بِإِثْمِ ٱلْمَدِينَةِ».

عدد 16: 24 و26 ورؤيا 18: 4 عدد 16: 26

وَلَمَّا طَلَعَ ٱلْفَجْرُ كان الليل للوط وقت تأهب للرحيل لكنه شغل بعضه بزيارة أصهاره.

16 «وَلَمَّا تَوَانَى، أَمْسَكَ ٱلرَّجُلاَنِ بِيَدِهِ وَبِيَدِ ٱمْرَأَتِهِ وَبِيَدِ ٱبْنَتَيْهِ لِشَفَقَةِ ٱلرَّبِّ عَلَيْهِ وَأَخْرَجَاهُ وَوَضَعَاهُ خَارِجَ ٱلْمَدِينَةِ».

لوقا 18: 13 ورومية 9: 15 و16 مزمور 34: 22

وَلَمَّا تَوَانَى كانت علّة توانيه تعلّق قلبه بغناه فلم يستطع أن يتركه. ولم يخل الأمر من اندهاشه من القضاء الهائل الموشك أن يقع على المدينة ولذلك أخذه الرجلان أي الملاكان من سدوم بأن أمسكا بيده أي أخرجاه من المدينة على رغمه.

لِشَفَقَةِ ٱلرَّبِّ عَلَيْهِ قابل هذا بما في (إشعياء 63: 9) وهو قوله «ورفعهم وحملهم كل الأيام القديمة».

17 «وَكَانَ لَمَّا أَخْرَجَاهُمْ إِلَى خَارِجٍ أَنَّهُ قَالَ: ٱهْرُبْ لِحَيَاتِكَ. لاَ تَنْظُرْ إِلَى وَرَائِكَ، وَلاَ تَقِفْ فِي كُلِّ ٱلدَّائِرَةِ. ٱهْرُبْ إِلَى ٱلْجَبَلِ لِئَلاَّ تَهْلِكَ».

1ملوك 19: 3 ع 26 ومتّى 24: 16 إلى 18 ولوقا 9: 62 وفيلبي 3: 13 و14

خَارِجٍ أي خارج المدينة. وقال في (ع 14) «قوموا اخرجوا» بضمير الجمع. وفي (ع 17) «اهرب لحياتك» بضمير المفرد. ولعل هذا قول الملاك الثالث الذي فارق إبراهم وأتى لينجي لوطاً.

لاَ تَنْظُرْ إِلَى وَرَائِكَ لم يكن هذا النفي لمجرد اعتزال ما يعيق بل كان لشيء فوق ذلك وهو قصد الله للترك الحسي والعقلي والقلبي لتلك الأرض الخاطئة.

ٱلدَّائِرَةِ أي السهل أو دائرة الأرض (انظر ع 25 و28 و29 وتفسير ص 13: 10).

18 «فَقَالَ لَهُمَا لُوطٌ: لاَ يَا سَيِّدُ».

أعمال 10: 14

فَقَالَ لَهُمَا لُوطٌ: لاَ يَا سَيِّدُ (المقول لهما اثنان والسيد واحد ولهذا رأى بعضهم أنهما كانا الروح القدس والابن معاً والصحيح أنه قال لكل منهما يا سيد).

19 «هُوَذَا عَبْدُكَ قَدْ وَجَدَ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْكَ، وَعَظَّمْتَ لُطْفَكَ ٱلَّذِي صَنَعْتَ إِلَيَّ بِٱسْتِبْقَاءِ نَفْسِي، وَأَنَا لاَ أَقْدِرُ أَنْ أَهْرُبَ إِلَى ٱلْجَبَلِ لَعَلَّ ٱلشَّرَّ يُدْرِكُنِي فَأَمُوتَ».

لَعَلَّ ٱلشَّرَّ يُدْرِكُنِي أي لعل بعض الشرور يلحق بي وأموت. وهذا دليل على ضعف إيمان لوط وقوبل الرب طلبه علامة الشفقة الإلهية على عبده الضعيف.

20 «هُوَذَا ٱلْمَدِينَةُ هٰذِهِ قَرِيبَةٌ لِلْهَرَبِ إِلَيْهَا وَهِيَ صَغِيرَةٌ. أَهْرُبُ إِلَى هُنَاكَ. (أَلَيْسَتْ هِيَ صَغِيرَةً؟) فَتَحْيَا نَفْسِي».

أَلَيْسَتْ هِيَ صَغِيرَةً (أي هي صغيرة فالعفو عنها سهل كالسماح بقليل الهبة).

21 «فَقَالَ لَهُ: إِنِّي قَدْ رَفَعْتُ وَجْهَكَ فِي هٰذَا ٱلأَمْرِ أَيْضاً، أَنْ لاَ أَقْلِبَ ٱلْمَدِينَةَ ٱلَّتِي تَكَلَّمْتَ عَنْهَا».

ص 4: 7 و32: 20 وأيوب 42: 8 و9 ومزمور 145: 19

رَفَعْتُ وَجْهَكَ أي أجيب سؤلك وأعززتك بذلك (انظر تفسير ص 4: 6 و7).

22 «أَسْرِعِ ٱهْرُبْ إِلَى هُنَاكَ لأَنِّي لاَ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَفْعَلَ شَيْئاً حَتَّى تَجِيءَ إِلَى هُنَاكَ. لِذٰلِكَ دُعِيَ ٱسْمُ ٱلْمَدِينَةِ «صُوغَرَ».

ص 32: 25 و26 وخروج 32: 10 وتثنية 9: 14 ومرقس 6: 5 ص 13: 10 و14: 2 وتثنية 34: 3

صُوغَرَ قال الدكتور ترسترم إن هذه البلد هي صِعرة على الطرف الشمالي من بحر لوط. وذكر الكتاب في غير هذا الموضع أنها على حدود بلاد موآب (إشعياء 15: 5 وإرميا 48: 34). وقال أوسابيوس أنها كانت مقام حامية الرومانيين. والمرجّح أنه كان يذهب المذهب المتعارف وهو القول بأن المدن الخمس كانت على الجهة الجنوبية من بحر لوط.

23 «وَإِذْ أَشْرَقَتِ ٱلشَّمْسُ عَلَى ٱلأَرْضِ دَخَلَ لُوطٌ إِلَى صُوغَرَ»

وَإِذْ أَشْرَقَتِ ٱلشَّمْسُ هرب لوط عند الفجر وبين الفجر وشروق الشمس نحو ساعة فيكون بين سدوم وبين صوغر نحو أربعة أميال.

24 «فَأَمْطَرَ ٱلرَّبُّ عَلَى سَدُومَ وَعَمُورَةَ كِبْرِيتاً وَنَاراً مِنْ عِنْدِ ٱلرَّبِّ مِنَ ٱلسَّمَاءِ».

تثنية 29: 23 ولوقا 17: 29 ويهوذا 7

فَأَمْطَرَ ٱلرَّبُّ... مِنْ عِنْدِ ٱلرَّبِّ (الرب في الموضعين يهوه في الأصل العبراني). كثيرون من المفسرين اتبعوا مجمع سرميوم في أن تكرار اسم يهوه يدل على الثالوث الأقدس. وإن المعنى هنا إن الله الابن أمطر من عند الله الآب ناراً. وذهب كلفينس إن المقصود إن الرب الذي أظهر نفسه على الأرض بزيارة الملكين لإبراهيم أمطر من عند نفسه في السماء النار بياناً أن عمله على الأرض على وفق إرادته في السماء.

كِبْرِيتاً وَنَاراً مع أن الله اتخذ الفواعل الطبيعية لخراب مدن الدائرة فكانت بلية من الطبيعة جعلها معجزة بالنظر إلى الأحوال. ولم تكن تلك المعجزة لمجرد إجراء العدل الإلهي تقوية لإيمان إبراهيم وأنذاراً للوط بل لتكون فوق ذلك تعليماً أبدياً في سنن الآداب والدين. وإن أظهرت المباحث أن ذلك البلاء كان بالأسباب الثانية لا تمنع أنه كان لإظهار عدل الله وقاعدة للآداب الدينية. وإذا حسبنا أن تلك الحادثة على غير سنن أمثالها من الحوادث اليوم خسرنا فائدة التعليم الكتابي. وحدث مثل ذلك في أزمنة مختلفة ولكن أكثره كان لرفع الحجاب الذي بين الله والإنسان ليرى بعض صفاته وقدرته. ولم تكن تلك النازلة مجرد صاعقة ورعود بل كانت مع ذلك هيجاناً بركانياً. فإن آثار ذلك لم تزل في تلك الدائرة فلا شط في أنه قذف حينئذ من جوف الأرض بنار وكبريت فملأا البيوت وأحرقاها وقلب الزلزال كثيراً منها وانشقت الأرض وبلعت بعضها. والكبريت والنتر والحمَر لا تزال كثيرة على شواطئ بحر لوط.

25 «وَقَلَبَ تِلْكَ ٱلْمُدُنَ، وَكُلَّ ٱلدَّائِرَةِ، وَجَمِيعَ سُكَّانِ ٱلْمُدُنِ، وَنَبَاتِ ٱلأَرْضِ».

إشعياء 13: 19 وإرميا 20: 16 و50: 4 وحزقيال 16: 49 و50 وهوشع 11: 8 وعاموس 4: 11 وصفنيا 2: 9 و2بطرس 2: 6 ص 14: 3 وتثنية 29: 23 ومزمور 107: 34

وَقَلَبَ أي هدم لا أغرق كما ظن بعضهم.

26 «وَنَظَرَتِ ٱمْرَأَتُهُ مِنْ وَرَائِهِ فَصَارَتْ عَمُودَ مِلْحٍ!».

لوقا 17: 32

وَنَظَرَتِ ٱمْرَأَتُهُ مِنْ وَرَائِهِ كان من عادة الشرقيين أن الزوجة تمشي وراء زوجها ولا تزال عادة كثيرين منهم اليوم أن يمشوا قدام نسائهم.

فَصَارَتْ عَمُودَ مِلْحٍ رأى بعضهم أنها صارت كذلك بأن اختنقت ببخار الكبريت ثم غُطي جسدها بالملح. والمرجّح أن الزلزلة قذفت بصخور كثيرة من صخور الملح المجاورة لبحر لوط فسقط بعضها على امرأة لوط فهلكت تحتها فكانت مثل عمود فوقها وأعمدة الملح أو مخاريطه كثيرة في تلك الجهات. فبقيت امرأة لوط على ذلك «عبرة لغير المؤمنين» (حكمة 10: 7). وقال الكتاب «اذكروا امرأة لوط».

27 «وَبَكَّرَ إِبْرَاهِيمُ فِي ٱلْغَدِ إِلَى ٱلْمَكَانِ ٱلَّذِي وَقَفَ فِيهِ أَمَامَ ٱلرَّبِّ».

ص 18: 22

وَبَكَّرَ إِبْرَاهِيمُ فِي ٱلْغَدِ هذا كان لا بد منه لأنه كان بينه وبين المكان الذي تُرى منه سدوم حيث وقف أمام الرب في المساء السابق عدة أميال. وكان الذي حمله على ذلك رغبته في أن يرى نتيجة ما كان بينه وبين الرب من الخطاب وأن يعرف ماذا كان يصيب ابن أخيه لوط.

28 «وَتَطَلَّعَ نَحْوَ سَدُومَ وَعَمُورَةَ، وَنَحْوَ كُلِّ أَرْضِ ٱلدَّائِرَةِ، وَنَظَرَ وَإِذَا دُخَانُ ٱلأَرْضِ يَصْعَدُ كَدُخَانِ ٱلأَتُونِ».

رؤيا 18: 9

وَإِذَا دُخَانُ ٱلأَرْضِ يَصْعَدُ كَدُخَانِ ٱلأَتُونِ إمكان إبراهيم أن يرى ذلك يدل على أن الدائرة كانت على الجهة الشمالية من بحر لوط (انظر تفسير ص 18: 16). وكون الاتقاد شديداً يدل على أن تلك المدن لم تهبط في قلب الأرض وتغطيها بل أن اتقادها كان كاتقاد أتون الكلس (انظر تفسير ص 14: 3) فهي ليست في قلب بحر لوط.

29 «وَحَدَثَ لَمَّا أَخْرَبَ ٱللهُ مُدُنَ ٱلدَّائِرَةِ أَنَّ ٱللهَ ذَكَرَ إِبْرَاهِيمَ، وَأَرْسَلَ لُوطاً مِنْ وَسَطِ ٱلٱنْقِلاَبِ. حِينَ قَلَبَ ٱلْمُدُنَ ٱلَّتِي سَكَنَ فِيهَا لُوطٌ».

ص 18: 23 إلى 32

ذَكَرَ إِبْرَاهِيمَ، وَأَرْسَلَ لُوطاً هذا برهان قاطع على أن الله نجّى لوطاً إكراماً لإبراهيم لأن إبراهيم سار مع الله.

30 «وَصَعِدَ لُوطٌ مِنْ صُوغَرَ وَسَكَنَ فِي ٱلْجَبَلِ، وَٱبْنَتَاهُ مَعَهُ، لأَنَّهُ خَافَ أَنْ يَسْكُنَ فِي صُوغَرَ. فَسَكَنَ فِي ٱلْمَغَارَةِ هُوَ وَٱبْنَتَاهُ».

ع 17 و19

خَافَ أَنْ يَسْكُنَ فِي صُوغَرَ الخ إن هذه البلدة الصغيرة عُفي عنها فكانت ملجأ للوط ولكن كان منظر سدوم وسائر المدن منها مخيفاً فإن لوطاً كان يرى الدخان صاعداً إلى عناق السماء على القرب منه ولهذا أُمر أن يهرب إلى الجبل لكنه اختار صوغر بحجة أنه لا يقدر أن يهرب إلى الجبل. وكُور فلسطين الكلسية كثيرة الكهوف وأما لوط الذي لكثرة مقتنياته لم يستطع أن يسكن مع إبراهيم فرضي حينئذ أن يسكن كهفاً وهو شر البيوت.

31 «وَقَالَتِ ٱلْبِكْرُ لِلصَّغِيرَةِ: أَبُونَا قَدْ شَاخَ، وَلَيْسَ فِي ٱلأَرْضِ رَجُلٌ لِيَدْخُلَ عَلَيْنَا كَعَادَةِ كُلِّ ٱلأَرْضِ».

ص 16: 2 و4 و38: 8 و9 وتثنية 25: 5

ٱلْبِكْرُ لِلصَّغِيرَةِ رأى كثيرون من محدثي المفسرين أن هذه الحادثة علة أن اليهود كانوا يكرهون الموآبيين والعمونيين ويعيرونهم بأصلهم ولكن الذي يظهر لنا مما قيل في الأصحاح الثاني من سفر التثنية أن لا أثر لذلك الكره ولا لتلك العداوة (تثنية 2: 9 - 19) بل نرى أنه كان بين الفريقين حب وولاء. ويدلنا على ذلك أيضاً ما كان من أمر راعوث الموآبية وما كان من المودة بين ملك موآب وداود.

32 «هَلُمَّ نَسْقِي أَبَانَا خَمْراً وَنَضْطَجِعُ مَعَهُ، فَنُحْيِي مِنْ أَبِينَا نَسْلاً».

مرقس 12: 19

فَنُحْيِي مِنْ أَبِينَا نَسْلاً كانت محبة النساء للنسل شديدة جداً في تلك الأيام وهذا كان كل عذر تينك البنتين. والخلاصة أن تاريخ لوط وأهل بيته تاريخ محزن جداً وزيادة كل الشر والفظاعة هذه الحادثة التي لم يكن كل حوادث حياته مثلها في العار والنجاسة.

33 - 36 « 33 فَسَقَتَا أَبَاهُمَا خَمْراً فِي تِلْكَ ٱللَّيْلَةِ، وَدَخَلَتِ ٱلْبِكْرُ وَٱضْطَجَعَتْ مَعَ أَبِيهَا، وَلَمْ يَعْلَمْ بِٱضْطِجَاعِهَا وَلاَ بِقِيَامِهَا. 34 وَحَدَثَ فِي ٱلْغَدِ أَنَّ ٱلْبِكْرَ قَالَتْ لِلصَّغِيرَةِ: إِنِّي قَدِ ٱضْطَجَعْتُ ٱلْبَارِحَةَ مَعَ أَبِي. نَسْقِيهِ خَمْراً ٱللَّيْلَةَ أَيْضاً فَٱدْخُلِي ٱضْطَجِعِي مَعَهُ، فَنُحْيِيَ مِنْ أَبِينَا نَسْلاً. 35 فَسَقَتَا أَبَاهُمَا خَمْراً فِي تِلْكَ ٱللَّيْلَةِ أَيْضاً، وَقَامَتِ ٱلصَّغِيرَةُ وَٱضْطَجَعَتْ مَعَهُ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِٱضْطِجَاعِهَا وَلاَ بِقِيَامِهَا، 36 فَحَبِلَتِ ٱبْنَتَا لُوطٍ مِنْ أَبِيهِمَا».

(انظر شر الخمرة في هذه الآيات وكفى)

37، 38 «37 فَوَلَدَتِ ٱلْبِكْرُ ٱبْناً وَدَعَتِ ٱسْمَهُ «مُوآبَ» وَهُوَ أَبُو ٱلْمُوآبِيِّينَ إِلَى ٱلْيَوْمِ. 38 وَٱلصَّغِيرَةُ أَيْضاً وَلَدَتِ ٱبْناً وَدَعَتِ ٱسْمَهُ «بِنْ عَمِّي» وَهُوَ أَبُو بَنِي عَمُّونَ إِلَى ٱلْيَوْمِ».

تثنية 2: 9 تثنية 2: 19

«مُوآبَ» «بِنْ عَمِّي» كلا الاسمين يدل على الأصل الحرام لكن دلالة الثاني أقل من دلالة الأول على ذلك لأن معناه «ابن شعبي» أي وُلد لهما من واحد من أقربائها. ومن أغرب الحوادث أن هذين الابنين بعد خسارة لوط كل ما كان له وولادتهما في كهف كانا من أهل القوة والبأس حتى أخضعا كل سكان شرقي بحر لوط وأنشأا مملكة هنالك ثم اختلط الموآبيون والعمونيون بالعرب وحُسبوا منهم.

اَلأَصْحَاحُ ٱلْعِشْرُونَ

إنكار إبراهيم امرأته في جرار

1 «وَٱنْتَقَلَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ هُنَاكَ إِلَى أَرْضِ ٱلْجَنُوبِ، وَسَكَنَ بَيْنَ قَادِشَ وَشُورَ، وَتَغَرَّبَ فِي جَرَار.

ص 18: 1 ص 16: 7 و25: 18 وخروج 15: 22 و1صموئيل 15: 7 و27: 8 ص 26: 1 و6 و17

وَٱنْتَقَلَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ هُنَاكَ أي من بلوطات ممرا بعد أن أقام بها زمناً طويلاً وكان يتوقع أن يأخذ معها سائر الأرض (ص 13: 17 و18). ولا داعي إلى أن نسأل عن علة انتقاله لأن قاعدة حياته كانت أن ينتقل من مكان إلى آخر لكثرة مواشيه ولأنه بذلك يستولي على تلك الأرض شيئاً فشيئاً. وكان هنالك عدة مراكز له كبيت إيل وبلوطات ممرا وبئر سبع.

أَرْضِ ٱلْجَنُوبِ (انظر تفسير ص 12: 9).

قَادِشَ (انظر تفسير ص 16: 14).

شُورَ (انظر تفسير ص 16: 7).

جَرَارَ (انظر تفسير ص 10: 19).

2 «وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ عَنْ سَارَةَ ٱمْرَأَتِهِ: هِيَ أُخْتِي. فَأَرْسَلَ أَبِيمَالِكُ مَلِكُ جَرَارَ وَأَخَذَ سَارَةَ».

ص 12: 13 و26: 7 ص 12: 15

هِيَ أُخْتِي أتى إبراهيم مثل هذا في مصر منذ نحو عشرين سنة (ص 12: 10) ووبخه فرعون على ذلك لكنه أطلق سارة بهدايا كثيرة. ونرى من الآية الثالثة عشرة أن هذا الكذب كان على اضطراب لهما ومع ذلك لم ينتبه إبراهيم لكونه أخطأ به. والظاهر أن ارتكابه إياه كان جبناً فإنه كان رئيس جند كبير رجاله متدربون في الحرب ومع ذلك عرّض امرأته للخطر واستعان بالخداع وهذا دل على ضعف إيمانه بالله. ولكن الكتاب المقدس لم يعتد أن يمثل أبطاله في صورة الكمال ويرفعهم على غيرهم من الناس بالنظر إلى طبيعتهم البشرية بل يميزهم على سواهم بمداومتهم التقدم في التقوى بمعونة الله لا بقدرتهم. ولم يكن لإبراهيم وسارة من الوسائل التي كانت بعدهما للمسيحيين من مثال الرب يسوع المسيح وموهبة الروح القدس في العصر الإنجيلي. ولربما ظن إبراهيم أن الذي وقاهما من الخطر والموت في مصر يقيهما منه هنا ولو استعملا نفس الحيلة ثانية. وهذا تجاسر وعلامة ضعف بشري.

أَبِيمَالِكُ (قيل في ص 26: 1 أنه ملك فلسطين فانظر التفسير هناك) وأبيمالك اسم لكل ملوك فلسطين كما كان فرعون اسم لملوك مصر.

أَخَذَ سَارَةَ كانت سارة يومئذ في سن التسعين فكان من مقتضى الطبع أن يزول جمالها ولا يبقى منه ما يرغّب ملك جرار فيها. فرأى بعضهم أن شبابها تجدّد حين وُعدت بأن تلد إسحاق. ورأى آخر أن أبيمالك أخذها لغرض سياسي وهو محالفة إبراهيم لأنه كان شيخاً لقبيلة قادرة حلّت بلاده.

3 «فَجَاءَ ٱللهُ إِلَى أَبِيمَالِكَ فِي حُلْمِ ٱللَّيْلِ وَقَالَ لَهُ: هَا أَنْتَ مَيِّتٌ مِنْ أَجْلِ ٱلْمَرْأَةِ ٱلَّتِي أَخَذْتَهَا، فَإِنَّهَا مُتَزَوِّجَةٌ بِبَعْلٍ».

أيوب 33: 15 مزمور 105: 14 ع 7

فَجَاءَ ٱللهُ «إلوهيم» قال بعضهم الصورة الإلهية هنا هي صورة النبإ الربي في (ص 12: 1 - 20) ولكننا رأينا في نبإ السقوط عينه لم يبن الكاتب في ذكره الرب الإله (يهوه إلوهيم) إن حواء والحية اقتصرا في خطابهما على ذكر اسم الله (إلوهيم) الذي ضرب فرعون من أجل سارة وهو الذي وقّى سارة من أبيمالك. وفي كل من الحادثتين الله الرب إله العهد هو الذي أنقذ شعبه.

هَا أَنْتَ مَيِّتٌ إن أبيمالك أُصيب حينئذ بالمرض الذي أُشير إليه في (ع 17) أي حين ظهر الله له وقال له «ها أنا ميت» أي إن أبقيت سارة عندك أضربك بالموت. وهذا المرض هو علة امتناعه المذكور في (ع 4 و6).

4 «وَلٰكِنْ لَمْ يَكُنْ أَبِيمَالِكُ قَدِ ٱقْتَرَبَ إِلَيْهَا. فَقَالَ: يَا سَيِّدُ، أَأُمَّةً بَارَّةً تَقْتُلُ؟».

ص 18: 23

أُمَّةً رأى بعضهم أن في هذا الكلام إشارة إلى ما أصاب سدوم مع أن المرض كان مقصوراً على أبيمالك وأهل بيته فيكون أبيمالك توقّع عموم الضربة وهلاك الأمة التي كانت بارّة بالنسبة إلى أهل سدوم ومدن الدائرة. وفي الكلام أيضاً إشارة أن الموت كان قصاصاً على الزنى (انظر ع 3).

5 «أَلَمْ يَقُلْ هُوَ لِي إِنَّهَا أُخْتِي، وَهِيَ أَيْضاً نَفْسُهَا قَالَتْ هُوَ أَخِي؟ بِسَلاَمَةِ قَلْبِي وَنَقَاوَةِ يَدَيَّ فَعَلْتُ هٰذَا».

2ملوك 20: 3 و2كورنثوس 1: 12

بِسَلاَمَةِ قَلْبِي هذه دعوى أبيمالك لكنها حقّة بدليل أن الله أثبت أنها كذلك (انظر ع 6). أتى أبيمالك هذا مع أنه ملك فلسطيني متعدد الزوجات كان يدعي أن له حق أن يأخذ المرأة التي يريدها من النساء التي تكون في مملكته ويضمها إلى نسائه.

وليس في كلامه ما يدل على أنه أخذ سارة على علم منه أنها ذات بعل فلم يشعر أنه تعدى بذلك شيئاً من قوانين الأدب. وهذا على وفق المبدإ الإنجيلي وهو أن الإنسان يُعاقب على قدر معرفته (لوقا 12: 47 و48). فكان قصاص أبيمالك وقتي على قدر خطإه بالنظر إلى معرفته ذلك الأمر ولهذا شفي. وكان خطأه مخالفة الشريعة الأدبية التي كثيراً ما يعبّر عنها الناس بالشريعة الطبيعية وهو أنه كان عليه أن يعرف أكثر مما عرف. والتعبير عن ذلك بالشريعة الطبيعية لا يخلو من نظر على أن النور الأدبي الذي يسمونه بالنور الطبيعي ضعيف في ذاته فلا يقوى إلا بمعرفة الشريعة المسيحية لأن المسيح هو النور الحقيقي الذي به وحده تُعلن الشريعة الطبيعية المعبّر بها عن الشريعة الأدبية المكتوبة على الضمائر (يوحنا 1: 9 ورومية 2: 14 و15 ومتّى 6: 23).

6 «فَقَالَ لَهُ ٱللهُ فِي ٱلْحُلْمِ: أَنَا أَيْضاً عَلِمْتُ أَنَّكَ بِسَلاَمَةِ قَلْبِكَ فَعَلْتَ هٰذَا. وَأَنَا أَيْضاً أَمْسَكْتُكَ عَنْ أَنْ تُخْطِئَ إِلَيَّ، لِذٰلِكَ لَمْ أَدَعْكَ تَمَسُّهَا».

ص 31: 7 و35: 5 وخروج 34: 24 و1صموئيل 25: 26 و34 ص 39: 9 ولاويين 6: 2 ومزمور 51: 4

أَمْسَكْتُكَ عَنْ أَنْ تُخْطِئَ (إن الله ضربه بالمرض فعاقه عن الخطإ وهذا نص على أن المصائب التي يكرهها الطبع البشري كثيراً ما تكون من إحسان الله).

7 «فَٱلآنَ رُدَّ ٱمْرَأَةَ ٱلرَّجُلِ، فَإِنَّهُ نَبِيٌّ، فَيُصَلِّيَ لأَجْلِكَ فَتَحْيَا. وَإِنْ كُنْتَ لَسْتَ تَرُدُّهَا، فَٱعْلَمْ أَنَّكَ مَوْتاً تَمُوتُ، أَنْتَ وَكُلُّ مَنْ لَكَ».

1صموئيل 7: 5 و2ملوك 5: 11 وأيوب 42: 8 وإرميا 15: 1 ويعقوب 5: 14 و1يوحنا 5: 16 ص 2: 17 عدد 16: 32 و33

فَإِنَّهُ نَبِيٌّ لم يقل الله لأبيمالك بيان لزيادة فظاعة ما أتاه بل قاله ترغيباً له في رد سارة إلى بعلها ولهذا شفعه بقوله «فيصلي لأجلك». ومعنى «النبي» هنا النائب عن غيره في الكلام (قابل هذا بما في حزقيال 7: 1 وخروج 4: 16) ولا سيما النائب بين الله والناس. ولا ريب في أن الله بالنظر إلى طبيعته لا يمكن الإنسان أن يصل إليه (أيوب 9: 32 و33 و16: 21 و1تيموثاوس 6: 16). وهذا الذي حمل الأمم الوثنية على اتخاذ كثيرين من الآلهة الصغرى نواباً عنهم عند الإله الأكبر. وكان النواب عند اليهود الأنبياء وهم تلامذة المدرسة النبوية التي أسسها صموئيل الذين صاروا بعد ذلك أنبياء الهيكل والقائمين بخدمته المقدسة (1أيام 25: 1). ولكن الله أظهر إرادته بواسطة أولئك النواب لليهود وللأمم معاً (إرميا 1: 5) وجعلهم محافظين على الدين والقداسة بالإنذار والتبشير وغيرهما من الأعمال. فكانوا بهذا الاعتبار سابقي المسيح بل ممثليه الذي هو الوسيط الوحيد بين الله والناس. ودُعي الآباء كلهم لا إبراهيم وحده «أنبياء ومسحاء» (مزمور 105: 15) لأنهم كانوا يخاطبون الله نيابة عن الناس حتى أتى المسيح الحق والنبي الحق. وأبيمالك نفسه عُلم أنه ليس له علاقة بالله إلا بمن يتكلم عنه. ولعله شعر بحاجته إلى وسيط وأراد أن يكون إبراهيم نائباً عنه عند الله ونبياً له ومعلماً. (انظر في شأن النبي والوسيط خروج 8: 28 و19 وتثنية 9: 19 و20 و1صموئيل 7: 5 و12: 19 و23 و1ملوك 13: 6 وأيوب 42: 8).

8، 9 «8 فَبَكَّرَ أَبِيمَالِكُ فِي ٱلْغَدِ وَدَعَا جَمِيعَ عَبِيدِهِ، وَتَكَلَّمَ بِكُلِّ هٰذَا ٱلْكَلاَمِ فِي مَسَامِعِهِمْ. فَخَافَ ٱلرِّجَالُ جِدّاً. 9 ثُمَّ دَعَا أَبِيمَالِكُ إِبْرَاهِيمَ وَقَالَ لَهُ: مَاذَا فَعَلْتَ بِنَا، وَبِمَاذَا أَخْطَأْتُ إِلَيْكَ حَتَّى جَلَبْتَ عَلَيَّ وَعَلَى مَمْلَكَتِي خَطِيَّةً عَظِيمَةً؟ أَعْمَالاً لاَ تُعْمَلُ عَمِلْتَ بِي!».

ص 26: 10 وخروج 32: 21 ويشوع 7: 25 ص 34: 7

(هاتان الآيتان تبيّنان أن البلاء كان عاماً متوقعاً أن يكون كذا. والظاهر أن أبيمالك أعلم شعبه بذلك لكي يحترسوا من أن يسيئوا إلى إبراهيم أو إلى جماعته شيئاً).

10 «وَقَالَ أَبِيمَالِكُ لإِبْرَاهِيمَ: مَاذَا رَأَيْتَ حَتَّى عَمِلْتَ هٰذَا ٱلشَّيْءَ؟».

مَاذَا رَأَيْتَ قال بعض المفسرين معنى ذلك «ماذا قصدت» و «ماذا تتوقع». والصحيح أنه أراد ماذا رأيت منا من المسيء فإن أبيمالك أنكر أولاً أنه أساء إلى إبراهيم بشيء وقد خدعه إبراهيم بأن سارة أخته فكأنه قال له إني لم أسيء إليك شيئاً فلماذ خدعتني فجلبت عليّ البلاء فإنك لو قلت أنها امرأتك لبقيت لك.

11 «فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِنِّي قُلْتُ: لَيْسَ فِي هٰذَا ٱلْمَوْضِعِ خَوْفُ ٱللهِ ٱلْبَتَّةَ، فَيَقْتُلُونَنِي لأَجْلِ ٱمْرَأَتِي».

ص 42: 18 ومزمور 36: 1 وأمثال 16: 6 ص 12: 12 و26: 7

لَيْسَ فِي هٰذَا ٱلْمَوْضِعِ خَوْفُ ٱللهِ ٱلْبَتَّةَ عذر إبراهيم ذم للقوم مع أنهم لم يكونوا فاسدين كما قال (ص 15: 16) وكانت الآداب في مصر وفلسطين أكثر مما ظن إبراهيم. فلا نرى لإبراهيم في كذبه عذراً وما كانت علته إلا قلة إيمانه وجبنه. وكان ذلك عن اتفاق بينه وبين امرأته في بلاد الغربة فجلبا الخطر على أنفسهما باتكالهما على حكمتهما البشرية.

12 « وَبِٱلْحَقِيقَةِ أَيْضاً هِيَ أُخْتِي ٱبْنَةُ أَبِي، غَيْرَ أَنَّهَا لَيْسَتِ ٱبْنَةَ أُمِّي، فَصَارَتْ لِي زَوْجَةً.

ص 11: 29

لَيْسَتِ ٱبْنَةَ أُمِّي هذا برهان على أن سارة ليست يسكة (ص 11: 29) لأن يسكة كانت حفيدة تارح وسارة كانت بنت تارح من غير أم إبراهيم (انظر ص 17: 5) وإنها ليست من الجواري بل من النسل الأميري ولهذا سميت بما معناه أميرتي.

13 «وَحَدَثَ لَمَّا أَتَاهَنِي ٱللهُ مِنْ بَيْتِ أَبِي أَنِّي قُلْتُ لَهَا: هٰذَا مَعْرُوفُكِ ٱلَّذِي تَصْنَعِينَ إِلَيَّ: فِي كُلِّ مَكَانٍ نَأْتِي إِلَيْهِ قُولِي عَنِّي هُوَ أَخِي».

ص 12: 1 وعبرانيين 11: 8 ص 12: 13

أَتَاهَنِي ٱللهُ القاعدة أو العادة العبرانية أنه إذا كان الله (الموضوع بدل إلوهيم أي الآلهة) بمعنى الإله الواحد الحق كان الفعل مما يُستعمل للمفرد. وإذا كان بمعنى الآلهة الباطلة استُعمل له الفعل المستعمل للجمع ولكن هنا الفعل للجمع كما جاء في (ص 35: 7 وص 22: 9 و2صموئيل 7: 22) (لكنه جاء للمفرد في 1أيام 17: 20 ومزمور 58: 11 ويشوع 24: 19) لكن في يشوع 24: 19 نعت إلوهيم بقدوس بصيغة الجمع في الأصل العبراني فإذاً القاعدة غالبة لا مطردة. وقال بعضهم ذلك من غلط النساخ لأنه في السامرية وغيرها بالمفرد (والذي نراه إن القول بأن القاعدة غالبة هو الحق ولقد نسب المفسرون كثيراً الخطأ إلى النساخ وليس من خطأ ومجيئها بالمفرد جرى على المعنى كما في العربية فهو ليس بحجة على غلط النساخ).

فِي كُلِّ مَكَانٍ أبان لأبيمالك أن هذا الاتفاق قديم بينه وبين سارة ليبين له أنه لم يقصد له شراً بما أتى لأنه رأى شيئاً يسوءه في جرار (انظر ع 10).

14 «فَأَخَذَ أَبِيمَالِكُ غَنَماً وَبَقَراً وَعَبِيداً وَإِمَاءً وَأَعْطَاهَا لإِبْرَاهِيمَ، وَرَدَّ إِلَيْهِ سَارَةَ ٱمْرَأَتَهُ».

ص 12: 16

أَبِيمَالِكُ... وَأَعْطَاهَا لإِبْرَاهِيمَ فرعون قدم هداياه لإبراهيم حين أخذ سارة ومع أنه لم يستردها من إبراهيم أمره بالانصراف عنه كرهاً. فكان الملك الفلسطيني أكرم من الملك المصري وألطف فإنه وهب له هداياه حين رد إليه امرأته وأذن له ان يسكن أرضه.

15 «وَقَالَ أَبِيمَالِكُ: هُوَذَا أَرْضِي قُدَّامَكَ. ٱسْكُنْ فِي مَا حَسُنَ فِي عَيْنَيْكَ».

ص 13: 9

(هذا كرَم أخلاق ومعروف لا يتوقع إلا من أحسن المسيحيين تقىً وأخلاقاً فهو من أغرب أمور ذلك الملك الفلسطيني فإنه جازى الإساءة بأحسن الإحسان فتأمل).

16 «وَقَالَ لِسَارَةَ: إِنِّي قَدْ أَعْطَيْتُ أَخَاكِ أَلْفاً مِنَ ٱلْفِضَّةِ. هَا هُوَ لَكِ غِطَاءُ عَيْنٍ مِنْ جِهَةِ كُلِّ مَا عِنْدَكِ وَعِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ، فَأُنْصِفْتِ».

ع 5 ص 32: 20 وخروج 23: 8 وتثنية 16: 19 وأيوب 9: 24

أَخَاكِ أَلْفاً مِنَ ٱلْفِضَّةِ أي ألف شاقل وقيمة ذلك نحو 17000 غرش وذلك مقدار عظيم بالنسبة إلى ندرة الفضة في تلك الأيام وهذا قيمة كل ما أعطاه إبراهيم. ولم يقل أعطيت زوجك بل أخاك فرأى بعضهم إن ذلك كان من أبيمالك توبيخاً لإبراهيم فكأنه قال لها أعطيت من ادّعى أنه أخوك ولم يعترف بأنه زوجك ليخلص من الدفاع عنك عند الحاجة كما يجب على الرجل للمرأة. (قلنا ذلك ليس من اللوازم الضرورية البينة بل الأولى أن يحمل على زيادة لطف أبيمالك بأنه قال ذلك تصديقاً لإبراهيم أن سارة أخته من أبيه وأنه تحاشى من أن يقول لها زوجك لئلا يُفهم منه شيء من التكذيب لإبراهيم) على أن بعض المفسرين رأى إن تفسير هذه الآية كلها صعب.

هَا هُوَ الضمير راجع إلى الموهوب لا إلى الموهوب له أي إلى الألف الفضة لا إلى إبراهيم.

غِطَاءُ عَيْنٍ مِنْ جِهَةِ كُلِّ مَا عِنْدَكِ وَعِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ قال بعض المفسرين لعل معنى هذا حجاب يقيك من عيون أرباب الشهوات أو يستر عارك من الخطإ الذي وقع حتى يكون دليلاً لزوجك وكل أصدقائك أنه لم يلحق بك عار وأنك قد عوملت بكل إكرام.

فَأُنْصِفْتِ أي حصلت على ما يحق لك ولم تُظلمي.

17 «فَصَلَّى إِبْرَاهِيمُ إِلَى ٱللهِ، فَشَفَى ٱللهُ أَبِيمَالِكَ وَٱمْرَأَتَهُ وَجَوَارِيَهُ فَوَلَدْنَ».

أيوب 42: 9 و10

فَصَلَّى إِبْرَاهِيمُ إِلَى ٱللهِ (الظاهر أنه ضمن هنا «صلى» معنى توجه فيكون المعنى توجه إلى الله بالصلاة وإلا فصلى يتعدى باللام فيقال صلى لله) فلما كان من أبيمالك أنه عوّض على إبراهيم بسخاء (مع أنه هو لم يكن علة الخطإ بل إبراهيم) رأى إبراهيم أن يكافئه بالصلاة من أجله لأن المرض الذي نزل بأبيمالك لم يكن إلا لوقاية سارة.

جَوَارِيَهُ أي سراريه لا خدمه.

18 «لأَنَّ ٱلرَّبَّ كَانَ قَدْ أَغْلَقَ كُلَّ رَحِمٍ لِبَيْتِ أَبِيمَالِكَ بِسَبَبِ سَارَةَ ٱمْرَأَةِ إِبْرَاهِيمَ».

ص 12: 17

هذا يدل على أحد أمرين الأول إن سارة بقيت زماناً طويلاً في بيت أبيمالك حتى عرف عُقم امرأته وجواريه. والثاني إن صلاة إبراهيم كانت بعد أن رجعت إليه سارة بمثل ذلك الزمان والأول هو الأرجح. فيكون أبيمالك بقي طويلاً في ما نزل به من المصاب ولم ينتبه لخطإه حتى نبهه الله عليه.

اَلأَصْحَاحُ ٱلْحَادِي وَٱلْعِشْرُونَ

ميلاد إسحاق ورفض إسماعيل

1 «وَٱفْتَقَدَ ٱلرَّبُّ سَارَةَ كَمَا قَالَ، وَفَعَلَ ٱلرَّبُّ لِسَارَةَ كَمَا تَكَلَّمَ».

ص 50: 24 و1صموئيل 2: 21 ص 17: 16 و19 و18: 10 و14 وغلاطية 4: 23 و28

وَٱفْتَقَدَ ٱلرَّبُّ سَارَةَ كَمَا قَالَ (ص 17: 19) وقيل هناك إن الله «إلوهيم» وعده وقيل هنا إن الرب افتقد سارة فهما واحد.

2 «فَحَبِلَتْ سَارَةُ وَوَلَدَتْ لإِبْرَاهِيمَ ٱبْناً فِي شَيْخُوخَتِهِ، فِي ٱلْوَقْتِ ٱلَّذِي تَكَلَّمَ ٱللهُ عَنْهُ».

أعمال 7: 8 وغلاطية 4: 22 وعبرانيين 11: 11 ص 17: 21

(المقصود بهذه الآية إن الله لا يخلف الميعاد ولو ظهر للناس إن ما وعد به مستحيل).

3 «وَدَعَا إِبْرَاهِيمُ ٱسْمَ ٱبْنِهِ ٱلْمَوْلُودِ لَهُ ٱلَّذِي وَلَدَتْهُ لَهُ سَارَةُ «إِسْحَاقَ».

ص 17: 19

وَدَعَا إِبْرَاهِيمُ ٱسْمَ ٱبْنِهِ هنا أمران على خلاف العادة الأول إن الأب سمى الولد لا الأم. والثاني إنه سماه عند ولادته ولم يصبر إلى أن يختنه. والجواب على ذلك إن الله سماه قبل أن يخلق (ص 17: 19). فإبراهيم لم يأت سوى أن اعترف بأن ابنه هو إسحاق ابن الموعد على أنه لم تكن قد وُضعت الشريعة المتعلقة بالأمرين المذكورين.

إِسْحَاقَ أي يضحك ولم يُسم بذلك لمجرد ضحك إبراهيم وسارة بل سُمي به علاوة على ذلك تذكاراً لكون ولادته كانت على خلاف ما يُنتظر طبعاً حتى كانت مما يحمل على الضحك الذي يشير إليه الإنكار.

4 «وَخَتَنَ إِبْرَاهِيمُ إِسْحَاقَ ٱبْنَهُ وَهُوَ ٱبْنُ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ كَمَا أَمَرَهُ ٱللهُ».

أعمال 7: 8 ص 17: 10 و12

(هذه الآية نص على أن الختان لم يكن من وضع الناس دفعاً لبعض الأمراض كما توهم بعض الناس وكان إبراهيم قد ختن إسماعيل وإسماعيل في سن الثالثة عشرة ولكنه ختن إسحاق في اليوم الثامن وصار ذلك بعد هذا سنّة في شريعة موسى وكان كلا الأمرين بأمر الرب).

5 «وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ ٱبْنَ مِئَةِ سَنَةٍ حِينَ وُلِدَ لَهُ إِسْحَاقُ ٱبْنُهُ».

ص 17: 1 و17 ورومية 4: 19

(أي إن الله أتم وعده في الوقت المعيّن لم يؤخره ولم يقدّمه).

6 - 8 «6 وَقَالَتْ سَارَةُ: قَدْ صَنَعَ إِلَيَّ ٱللهُ ضِحْكاً. كُلُّ مَنْ يَسْمَعُ يَضْحَكُ لِي. 7 وَقَالَتْ: مَنْ قَالَ لإِبْرَاهِيمَ: سَارَةُ تُرْضِعُ بَنِينَ، حَتَّى وَلَدْتُ ٱبْناً فِي شَيْخُوخَتِهِ! 8 فَكَبِرَ ٱلْوَلَدُ وَفُطِمَ. وَصَنَعَ إِبْرَاهِيمُ وَلِيمَةً عَظِيمَةً يَوْمَ فِطَامِ إِسْحَاقَ».

مزمور 126: 2 وإشعياء 54: 1 وغلاطية 4: 27 لوقا 1: 58 ص 18: 10 ص 18: 11 و12 و1صموئيل 1: 24

قَدْ صَنَعَ إِلَيَّ ٱللهُ ضِحْكاً كان ضحك سارة نتيجة اختلاط الانفعالات فإن الفرح بلغ فيها مبلغاً عظيماً. ولا بد أنها ذكرت حينئذ انفعالاتها يوم سمعت كلام الملاك في شأن حبلها وولادتها وهي تظنه رجلاً من أبناء السبيل (ص 8: 12) ولكنها عرفت حينئذ أنه كان ملاكاً مرسلاً من الله ومع هذا بقيت متعجبة من الأمر وقاست على نفسها سائر الناس وإنهم سيضحكون من أمرها عجباً. والآية السابعة شعر عبراني نطقت به سارة في شدة فرحها.

مَنْ قَالَ لإِبْرَاهِيمَ الخ (أي ذلك مما لم يخطر على بال أحد ولا يُقال لأنه مما لا يتوقع طبعاً).

9 «وَرَأَتْ سَارَةُ ٱبْنَ هَاجَرَ ٱلْمِصْرِيَّةِ ٱلَّذِي وَلَدَتْهُ لإِبْرَاهِيمَ يَمْزَحُ».

ص 16: 1 ص 16: 15 غلاطية 4: 29

يَمْزَحُ (قال بعض المفسرين) الفعل هنا من مادة الضحك في (ع 6) لكنه مغير الصورة. ولا نعلم ماذا قال إسماعيل لكن نعتزل قول كثيرين من المفسرين أنه يُفهم من سياق الكلام أنه ارتكب شراً فظيعاً لأنه لو كان قد ارتكب مثل ذلك الشر لما كان قول سارة «اطرد هذه الجارية وابنها» يقبح في عيني إبراهيم جداً (ع 11). على أننا نتيقن إن سارة لم تقل له ذلك إلا لسبب كافٍ فإن القديس بولس شهد بأن إسماعيل اضطهد إسحاق (غلاطية 4: 19). ولا ريب في أن إسماعيل اغتاظ إذ منعه من الميراث وكذلك هاجر لان انحطاط ابنها عن إسحاق وحرمانه الميراث مما يحرك حقدها القديم على سارة ويوقد نيران غيظها وحزنها. وحال الضرائر معروف من دون هذا الحادث.

10 «فَقَالَتْ لإِبْرَاهِيمَ: ٱطْرُدْ هٰذِهِ ٱلْجَارِيَةَ وَٱبْنَهَا، لأَنَّ ٱبْنَ هٰذِهِ ٱلْجَارِيَةِ لاَ يَرِثُ مَعَ ٱبْنِي إِسْحَاقَ».

ص 25: 6 وغلاطية 4: 30

ٱلْجَارِيَةِ وفي العبرانية الأَمة وبالجارية تُرجمت في (غلاطية 4: 22 الخ) وهي هنا ضد الحرة.

11 «فَقَبُحَ ٱلْكَلاَمُ جِدّاً فِي عَيْنَيْ إِبْرَاهِيمَ لِسَبَبِ ٱبْنِهِ».

ص 17: 18

فَقَبُحَ لأمرين الأول إن إسماعيل ابنه. والثاني ظنه أن ذلك ظلم من سارة.

12 «فَقَالَ ٱللهُ لإِبْرَاهِيمَ: لاَ يَقْبُحُ فِي عَيْنَيْكَ مِنْ أَجْلِ ٱلْغُلاَمِ وَمِنْ أَجْلِ جَارِيَتِكَ. فِي كُلِّ مَا تَقُولُ لَكَ سَارَةُ ٱسْمَعْ لِقَوْلِهَا، لأَنَّهُ بِإِسْحَاقَ يُدْعَى لَكَ نَسْلٌ».

ص 17: 21 ورومية 9: 7 و8 وعبرانيين 11: 18

بِإِسْحَاقَ يُدْعَى لَكَ نَسْلٌ أي أن إسحاق هو نسلك الخاص لأن ورثة الموعد منه.

13 «وَٱبْنُ ٱلْجَارِيَةِ أَيْضاً سَأَجْعَلُهُ أُمَّةً لأَنَّهُ نَسْلُكَ».

ص 16: 10 و17: 20 وع 18

وَٱبْنُ ٱلْجَارِيَةِ وفي العبرانية «ابن الأَمة». لم تُدع هاجر قط بزوجة إبراهيم ولكن ابنها دُعي ابنه فحصل على موعد سام إكراماً لأبيه.

14 «فَبَكَّرَ إِبْرَاهِيمُ صَبَاحاً وَأَخَذَ خُبْزاً وَقِرْبَةَ مَاءٍ وَأَعْطَاهُمَا لِهَاجَرَ، وَاضِعاً إِيَّاهُمَا عَلَى كَتِفِهَا، وَٱلْوَلَدَ، وَصَرَفَهَا. فَمَضَتْ وَتَاهَتْ فِي بَرِّيَّةِ بِئْرِ سَبْعٍ».

ٱلْوَلَدَ كان إسماعيل يومئذ ابن ست عشرة سنة أو ابن سبع عشرة سنة. فلا يراد بلفظة الولد هنا المعنى المتعارف بين العامة بل معنى الفتى ومعناها الوضعي المولود. وأُطلق على يوسف وهو في نحو سن إسماعيل وعلى الذين هزئوا بأليشع (2ملوك 2: 23) ولا ريب في أنهم كانوا فتياناً. ودُعي إسماعيل في (ع 18) غلاماً. وبعد قليل صار قادراً أن يقوم بنفسه وبأمه هاجر بقوسه (انظر ع 21). وأخذت له أمة زوجة مصرية (ع 21). والخلاصة إن النبأ لا يمثل إسماعيل ولداً صغيراً. ولعل العلة في سبق ذهن البعض إلى أنه كان صغيراً توهّم أن إبراهيم وضع إسماعيل على كتفها كما وضع الطعام (والصحيح إن الولد هنا معطوف على الضمير مفعول «أعطى» والمعنى أنه أعطاها الخبز وقربة الماء والولد واضعاً الخبز والقربة على كتفها.

فَمَضَتْ وَتَاهَتْ أتى المصاب على هاجر فجأة فلم تكن قد نظرت إلى أين تذهب فجالت في جهات مختلفة إلى أن فرغت القربة.

بَرِّيَّةِ بِئْرِ سَبْعٍ هذا الاسم الذي صار لها بعد هذه الحادثة (انظر ع 31). وهي على أمد عشرين ميلاً أو أكثر من حبرون في أقصى الجزء الجنوبي من فلسطين ووراءها برية التيه التي كانت بئر سبع جزءاً منها. وكانت جرار التي طرد إبراهيم هاجر منها على الطرف الغربي من بئر سبع غير بعيدة منها (ص 21: 22 و26: 26).

15، 16 «15 وَلَمَّا فَرَغَ ٱلْمَاءُ مِنَ ٱلْقِرْبَةِ طَرَحَتِ ٱلْوَلَدَ تَحْتَ إِحْدَى ٱلأَشْجَارِ، 16 وَمَضَتْ وَجَلَسَتْ مُقَابِلَهُ بَعِيداً نَحْوَ رَمْيَةِ قَوْسٍ، لأَنَّهَا قَالَتْ: لاَ أَنْظُرُ مَوْتَ ٱلْوَلَدِ. فَجَلَسَتْ مُقَابِلَهُ وَرَفَعَتْ صَوْتَهَا وَبَكَتْ».

لوقا 22: 41

طَرَحَتِ ٱلْوَلَدَ تَحْتَ إِحْدَى ٱلأَشْجَارِ لم يكن الغلام يقوى على السير لعدم تعوّده المشقة فلما أعيا تركته مطروحاً تحت الأشجار في الظل.

لاَ أَنْظُرُ مَوْتَ ٱلْوَلَدِ النبأ محزن جداً فإن هذه الوالدة كانت كل يوم تجول من مكان إلى آخر بولدها في البرية التي لا ماء فيها وهي تتوقع أن تجد ينبوعاً ولا معرفة لها في الأرض فنفذ الماء واشتد الظمأ والإعياء فتيقنت أن الولد يموت وبذلت كل ما بقي لها من القوة في سبيل مساعدته فيئست من حياته إذ لم تنل ما يمسك الرمق من الماء فبعدت عنه لأنها لم تستطع أن تسمع أنينه وتشاهد موته وأخذت تبكي فشفق الله عليها لا لنوحها بل لصلاة إسماعيل غير الملفوظة فأتى ملاك الله لإنقاذهما.

17 «فَسَمِعَ ٱللهُ صَوْتَ ٱلْغُلاَمِ. وَنَادَى مَلاَكُ ٱللهِ هَاجَرَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ وَقَالَ لَهَا: مَا لَكِ يَا هَاجَرُ؟ لاَ تَخَافِي، لأَنَّ ٱللهَ قَدْ سَمِعَ لِصَوْتِ ٱلْغُلاَمِ حَيْثُ هُوَ».

خروج 3: 7 ص 16: 7 و22: 11

مَلاَكُ ٱللهِ إن ملاك يهوه ظهر لهاجر قبل هذا الوقت (ص 16: 7) وأما الذي ظهر لهاجر هو الذي دُعي هنا «ملاك إلوهيم». فإن هاجر كانت لم تزل تعد من أهل إبراهيم وأما هنا فلم تعد منه فلم يخلصها الله حينئذ إلا باعتبار أنه الله لا يهوه إله العهد والجنس المختار.

18 «قُومِي ٱحْمِلِي ٱلْغُلاَمَ وَشُدِّي يَدَكِ بِهِ، لأَنِّي سَأَجْعَلُهُ أُمَّةً عَظِيمَةً».

ع 13

ٱحْمِلِي ٱلْغُلاَمَ أي ارفعيه واسنديه ليمشي.

وَشُدِّي يَدَكِ بِهِ قال جيروم هذا معنى الحمل أي أن تساعده على السير بكل قوتها لا أن تحمله حقيقة على كتفها (أو ظهرها). قال بين سمث ونزيد على هذا أنه لم يرد مجرد أن تقوده إلى الماء بل لتكون واقية له ومساعدة على قدر الطاقة وقد كانت كذلك.

19 «وَفَتَحَ ٱللهُ عَيْنَيْهَا فَأَبْصَرَتْ بِئْرَ مَاءٍ، فَذَهَبَتْ وَمَلأَتِ ٱلْقِرْبَةَ مَاءً وَسَقَتِ ٱلْغُلاَمَ».

ص 3: 7 وعدد 22: 31 و2ملوك 6: 17 و20 ولوقا 24: 16 و31

بِئْرَ مَاءٍ لا حوض بل بئر ماء حي. قال بعضهم إن البئر كانت هنالك ولم تنشأ في الحال لكن هاجر لم تكن قد رأتها بدليل قوله إن الله فتح عينيها ولعلها استدلت إليها بنظرها الأشجار أو الأعشاب التي تنمو في البراري عند المياه.

20 « وَكَانَ ٱللهُ مَعَ ٱلْغُلاَمِ فَكَبِرَ، وَسَكَنَ فِي ٱلْبَرِّيَّةِ، وَكَانَ يَنْمُو رَامِيَ قَوْسٍ».

ص 28: 15 و39: 2 و3 و21 ص 16: 12

فَكَبِرَ أي نما وصار رجلاً.

سَكَنَ فِي ٱلْبَرِّيَّةِ لم يلجأ إلى مصر حيث كان كثيرون من السكان الساميين ولم يسكن في مدينة كنعانية بل اختار عيشة التنقل في البرية كعادة البدو.

رَامِيَ قَوْسٍ يصيد بها البهائم ويدفع عن نفسه.

21 «وَسَكَنَ فِي بَرِّيَّةِ فَارَانَ. وَأَخَذَتْ لَهُ أُمُّهُ زَوْجَةً مِنْ أَرْضِ مِصْرَ».

ص 14: 6 ص 24: 4

فَارَانَ (انظر ص 14: 6).

زَوْجَةً مِنْ أَرْضِ مِصْرَ مهما كان غرض هاجر من ذلك فإن إسماعيل شدد به المبدأ الأمي الوثني بنفسه وبنسله ولكن تبين لنا بعد ذلك أنه كان صديقاً لإسحاق (ص 25: 9 و28: 8 و9).

محالفة أبيمالك لإبراهيم

22 «وَحَدَثَ فِي ذٰلِكَ ٱلزَّمَانِ أَنَّ أَبِيمَالِكَ وَفِيكُولَ رَئِيسَ جَيْشِهِ قَالاَ لإِبْرَاهِيمَ: ٱللهُ مَعَكَ فِي كُلِّ مَا أَنْتَ صَانِعٌ».

ص 20: 2 و26: 26 ص 26: 28 و39: 2 و3

أَبِيمَالِكَ وَفِيكُولَ معنى أبيمالك «أبو الملك» أو «الملك الأب» وكان ذلك كنية كل ملك من ملوك فلسطين (ص 26: 1 و1صموئيل 21: 10 وعنوان مزمور 34). ومعنى فيكول «فُو الكل» «أي فم الجميع» والظاهر أنه الوزير الأول وهو لقب لكل وزير هناك على ما يُظن. والظاهر أن زيارة الملك ووزيره شغلت زماناً طويلاً أوله إتيان إبراهيم إلى جرار وهذا يدل على أن إبراهيم كان قوياً حتى طلب الملك محالفته.

23 «فَٱلآنَ ٱحْلِفْ لِي بِٱللهِ هٰهُنَا أَنَّكَ لاَ تَغْدُرُ بِي وَلاَ بِنَسْلِي وَذُرِّيَّتِي. كَٱلْمَعْرُوفِ ٱلَّذِي صَنَعْتُ إِلَيْكَ تَصْنَعُ إِلَيَّ وَإِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي تَغَرَّبْتَ فِيهَا».

يشوع 2: 12 و1صموئيل 24: 21

نَسْلِي وَذُرِّيَّتِي (فالمحالفة ليست وقتية).

24، 25 «فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: أَنَا أَحْلِفُ. 25 وَعَاتَبَ إِبْرَاهِيمُ أَبِيمَالِكَ لِسَبَبِ بِئْرِ ٱلْمَاءِ ٱلَّتِي ٱغْتَصَبَهَا عَبِيدُ أَبِيمَالِكَ».

ص 26: 15 و18 و20 إلى 22

حلف إبراهيم أن لا يغدر وعاتَب على الغدر.

26، 27 «26 فَقَالَ أَبِيمَالِكُ: لَمْ أَعْلَمْ مَنْ فَعَلَ هٰذَا ٱلأَمْرَ. أَنْتَ لَمْ تُخْبِرْنِي، وَلاَ أَنَا سَمِعْتُ سِوَى ٱلْيَوْمِ. 27 فَأَخَذَ إِبْرَاهِيمُ غَنَماً وَبَقَراً وَأَعْطَى أَبِيمَالِكَ، فَقَطَعَا كِلاَهُمَا مِيثَاقاً».

ص 26: 31

لَمْ أَعْلَمْ هذا بيان على زيارة أبيمالك إن رعاة الملك اغتصبوا بئر إبراهيم. وكانت الآبار من النفائس التي يدافعون عنها وكان إبراهيم أظهر غيظه من ذلك بطريق من الطرق. وإذ كان أبيمالك صديقاً لإبراهيم لما عرفه من حسن سجاياه أتى وهو آسف على ما حدث من فتور المودة ليعرف العلة ولشد عرى الألفة والآخاء ولم يشكُ ما مضى بل أبان رغبته في دوام الصداقة. فعرف إبراهيم قصد أبيمالك وذكر له العلة. وبعد أن وضح كل شيء تمت المحالفة بقطع العهد.

28 «وَأَقَامَ إِبْرَاهِيمُ سَبْعَ نِعَاجٍ مِنَ ٱلْغَنَمِ وَحْدَهَا».

سَبْعَ نِعَاجٍ أفرزها من الغنم وجعلها منفردة عنها.

29 «فَقَالَ أَبِيمَالِكُ لإِبْرَاهِيمَ: مَا هِيَ هٰذِهِ ٱلسَّبْعُ ٱلنِّعَاجِ ٱلَّتِي أَقَمْتَهَا وَحْدَهَا؟».

ص 33: 8

مَا هِيَ هٰذِهِ ٱلسَّبْعُ ٱلنِّعَاجِ أسلوب الحلف على هذه الصورة لم يكن معروفاً عند الفلسطينيين ولذلك سأل أبيمالك هذا السؤال.

30 «فَقَالَ: إِنَّكَ سَبْعَ نِعَاجٍ تَأْخُذُ مِنْ يَدِي، لِكَيْ تَكُونَ لِي شَهَادَةً بِأَنِّي حَفَرْتُ هٰذِهِ ٱلْبِئْرَ.

ص 31: 48 و52

لما أفرز إبراهيم النعاج السبع كان مما وجب على أبيمالك أن يسأل عن أمرها فلما عرفه تم القبول.

31 «لِذٰلِكَ دَعَا ذٰلِكَ ٱلْمَوْضِعَ بِئْرَ سَبْعٍ. لأَنَّهُمَا هُنَاكَ حَلَفَا كِلاَهُمَا».

ص 26: 31 إلى 33

بِئْرَ سَبْعٍ نسبة إلى النعاج السبع المذكورة قال روبنسون موقع هذه البئر في وادٍ يُعرف بوادي السبع ولم تزل البئر تُسمى بئر السبع. وهنالك بئران قطر أحدهما اثنتا عشرة قدماً ونصف قدم والآخرى على بُعد ست مئة قدم إلى الجنوب من الأولى وهي أصغر منها فقطرها خسم أقدام وعند كل منهما أجران من الحجارة لسقي البهائم ينشلون منهما الماء بالدلاء منوطة بالحبال وآثار احتكاك الحبال لم تزل واضحة في حرف البئر.

لأَنَّهُمَا هُنَاكَ حَلَفَا هذا تعليل لتسمية ذلك الموضع ببئر سبع لا لكون الاسم بئر سبع أي سمي ذلك الموضع كذا لأنهما تحالفا فيه وأما علة الاسم فالنعاج السبع.

32 «فَقَطَعَا مِيثَاقاً فِي بِئْرِ سَبْعٍ. ثُمَّ قَامَ أَبِيمَالِكُ وَفِيكُولُ رَئِيسُ جَيْشِهِ وَرَجَعَا إِلَى أَرْضِ ٱلْفِلِسْطِينِيِّينَ».

ص 10: 14 و26: 1 وخروج 13: 17 وقضاة 10: 6 وعاموس 9: 7

فَقَطَعَا (لم يذكر كيف قطعا الميثاق ولعله كان على أسلوب إبراهيم المعهود).

33 «وَغَرَسَ إِبْرَاهِيمُ أَثْلاً فِي بِئْرِ سَبْعٍ، وَدَعَا هُنَاكَ بِٱسْمِ ٱلرَّبِّ «ٱلإِلٰهِ ٱلسَّرْمَدِيِّ».

ص 26: 25 و46: 1 وعاموس 5: 5 و8: 14 تثنية 33: 27 وإشعياء 40: 28 ورومية 16: 26 و1تيموثاوس 1: 17

وَغَرَسَ إِبْرَاهِيمُ أَثْلاً فِي بِئْرِ سَبْعٍ الأثل على ما قال داود الضرير الأنطاكي في التذكرة العظيم من الطرفاء يقارب السرو ولكنه أخشن ورقاً مزغب لا زهر له بل ثمر كالحمّص (يُعرف عند العطارين بالعذبة) في أغصانه يضرب إلى صفرة وغيرة ينكسر عن حبوب صغار ملتصق بعضها ببعض ماؤها أحمر. وهذا الشجر يكبر ويرتفع كثيراً في البلاد الحارة. وتحت واحدة من الأثل أقام شاول في جبع وتحت أثلة أخرى دُفنت عظامه وعظام بنيه (صموئيل 22: 6 و31: 13).

وَدَعَا هُنَاكَ بِٱسْمِ ٱلرَّبِّ ٱلإِلٰهِ ٱلسَّرْمَدِيِّ وفي العبرانية «باسم يهوه إلوهيم» (قابل هذا بما في ص 4: 26). دعا إبراهيم يهوه في بعض ما مرّ «بالإله العلي» (ص 14: 22). وأظهر الله لنا نفسه باسم «ال شداي» أي الإله القدير (ص 17: 1). ودعاه هنا «بالرب الإله الأزلي» وهذا يدل على أنه كان يتقدم في المعرفة لله على قدر تقدمه في الطهارة. ومن هذا عرفنا لماذا دعا العبرانيين الله «إلوهيم» بالجمع لا «ال» بالإفراد اي إنهم أرادوا «بإلوهيم» الله مع جميع صفاته كالعلي والقدير والأزلي.

34 «وَتَغَرَّبَ إِبْرَاهِيمُ فِي أَرْضِ ٱلْفِلِسْطِينِيِّينَ أَيَّاماً كَثِيرَةً».

أَرْضِ ٱلْفِلِسْطِينِيِّينَ قيل في (ع 32) لما رجع أبيمالك إلى جرار أنه رجع إلى أرض الفلسطينيين وكانت بئر سبع في مملكته وسكن إبراهيم هناك بسلام بينه وبين ملك الفلسطينيين.

اَلأَصْحَاحُ ٱلثَّانِي وَٱلْعِشْرُونَ

تقدمة إسحاق على جبل موريّا

1 «وَحَدَثَ بَعْدَ هٰذِهِ ٱلأُمُورِ أَنَّ ٱللهَ ٱمْتَحَنَ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ لَهُ: يَا إِبْرَاهِيمُ. فَقَالَ: هَئَنَذَا».

تثنية 13: 3 و2أيام 32: 31 و1كورنثوس 10: 13 وعبرانيين 11: 17 ويعقوب 1: 12 و1بطرس 1: 7

ٱللهَ ٱمْتَحَنَ إِبْرَاهِيمَ أي امتحن إيمانه وطاعته لأن هذا الأب تقضى عليه في أرض الغربة الفلسطينية خمس وعشرون سنة كان يرى فيها تأخر إتمام الوعد على توالي الأيام ومع ذلك لم يتزعزع إيمانه. ثم ولد ابنه ووريثه وحمل حزناً وألماً شديداً على فرقة إسماعيل. ثم نسي ألم فراقه بإسحاق وشعر أنه حصل على السعادة في شيخوخته. وكان في سلام مع جيرانه. وكانت مواشيه كثيرة ومراعيه واسعة. وعرف أن إسماعيل قويَ ونجح. ورأى إسحاق ينمو سريعاً ويتقدم إلى الرجولية (ع 12). ففي أثناء هذه الراحة والاطمئنان أتته التجربة الشديدة في إحدى الليالي وهي أمر الله إياه أن يذبح ابنه إسحاق. وكانت هذه التجربة مضاعفة لأن طبيعة الله كانت تكره الذبائح البشرية. وكان على إبراهيم أن يطيع الأمر. فكيف يصدق أن الرب «يهوه» إله العهد الصادق يأمره بذلك. ولم يكن من شيء يبرهن له أن الله يسر بذلك فإن ذبح الإنسان ولده لله يرفضه العقل والطبيعة الإلهية. نعم إن بعض الإسرائيليين المتعمقين في الدين في أيام ميخا خالوا أنهم يرضون الله بمثل ذلك لكنهم خطفوا ذلك من صور الخيال والغيرة الجهلية بلا تأمل حتى إن كلامهم لم يخل من استبعاد قبول الله إياه (ميخا 6: 7). بل العقل العارف صفات الله الرحيم يحكم بأن تقديم الولد ذبيحة يغيظ الله لا يسره ويجلب الدينونة عليه. ولو أتى إبراهيم ذبح إسحاق من تلقاء نفسه لوقع في هاوية الدينونة والعقاب ولكنه لما فحص وعلم اقتنع إن الأمر ليس منه بل من الله نفسه الذي خاطبه قبلاً وألف صوته ووقف حياته لطاعته. ولكن بقي عليه بعد هذا امتحان آحر وهو امتحان إيمانه. فإنه وُعد قبلاً بأنه بإسحاق يُدعى له نسل وقد أمره هنا أن يذبح ابن الموعد قبل أن يلد أحداً بيده. فحب إبراهيم لابنه وإيمانه بوعد الله وإنه لا يخلف الميعاد كما تحقق واعتقاده أن البركة متوقفة على حياة إسحاق وغير ذلك كثير كان من أمنع الحواجز بين إبراهيم وإطاعته لذلك الأمر. ولكن إبراهيم على رغم كل ذلك أطاع وكان استحقاقه على قدر عظمة التجربة. كان إيمانه قد تبين أنه قوي إلى تلك الساعة وكذا صبره واحتماله كل البلايا بالإيمان إلا أنه لم يجرب قبلاً مثل هذا التجربة هنا وهي أن يتلف ثمر سنين كثيرة تقضت عليه بالصبر والانتظار (عبرانيين 11: 17 و19). ولما تحقق إن الأمر أمر الله لم يتقلقل فكمل بهذه التجربة الشديدة إيمانه. وان هذا بركة لإسحاق نفسه لأنه أطاع ولم يمانع فكان بذلك رمزاً إلى المسيح الذي سيق إلى الذبح ولم يفتح فاه إطاعة لإرادة أبيه فأحياها لله كما أحيا ابنه. فان في هذه التجربة قصد روحي غير خير ذينك القديسين وهو الإيماء إلى الذبيحة الكفارية ذبيحة الفادي التي هي غنى الكنيسة المسيحية وركن دينها وتعليمها وسعادتها كنيسة الله التي اشتراها بدمه.

2 «فَقَالَ: خُذِ ٱبْنَكَ وَحِيدَكَ ٱلَّذِي تُحِبُّهُ إِسْحَاقَ وَٱذْهَبْ إِلَى أَرْضِ ٱلْمُرِيَّا، وَأَصْعِدْهُ هُنَاكَ مُحْرَقَةً عَلَى أَحَدِ ٱلْجِبَالِ ٱلَّذِي أَقُولُ لَكَ».

2أيام 3: 1 خروج 13: 2 و12 و22: 29 وعبرانيين 11: 17

ٱبْنَكَ وَحِيدَكَ ٱلَّذِي تُحِبُّهُ إِسْحَاقَ هذه الصفات مما زادت الامتحان شدة. إن العقم في ذلك الزمان كان من الضربات التي لا تُحتمل (ص 15: 2) فيكف ذبح الابن الوحيد المحبوب موضوع رجاء كل الوعد الذي سكن حبه القلب سنين وتأصل فيه وتُرك الابن الأكبر لأجله (ص 17: 18).

أَرْضِ ٱلْمُرِيَّا معنى المريا إما «الرب يعلم» (انظر تفسير ص 12: 6) وإما «الرب معد أو راء» ويؤيد المعنى الأول ما جاء في (إشعياء 2: 3). ويؤيد المعنى الثاني (ع 8 و14) فإن كان المعنى الثاني هو المقصود هنا فيكون المكان سمي بالمريا من الحادثة ويكون المعنى المكان الذي فيه «الرب يعد أو يرى خروف المحرقة». ورأي كثيرون من أكابر المفسرين إن ذلك المكان هو مورة في شكيم وإن الذبيحة قُدمت في السامرة وكان المذبح طبيعياً وهو قنة جبل جرزيم. لكن إبراهيم وإسحاق وصلا المكان في اليوم الثالث ولكن كون جبل جرزيم بعيداً جداً عن بئر سبع يمنع من هذا القول فيرجح أنه قرب أورشليم لأنها تبعد نحو ثلاث مراحل أي سير نحو إحدى وعشرين ساعة. ثم إن الموضع الذي ذهب إليه إبراهيم أرض لم يكن يعهدها إذ لم يسم الله له الجبل بل قال له الجبل الذي أقول لك. وأما شكيم فكان يعرفها ويعرف أسماء جبالها لأنه سكنها.

وَأَصْعِدْهُ هُنَاكَ مُحْرَقَةً رأى هغستبرغ وآخرون أن إبراهيم لم يكن قاصداً أن يقتل إسحاق بل أن يقفه لله ويقدسه بواسطة تقديم محرقة ولكن هذا منافٍ للنبأ كله (ع 10) ولما يُفهم من الرسالة إلى العبرانيين ففيها ما نصه «بِٱلإِيمَانِ قَدَّمَ إِبْرَاهِيمُ إِسْحَاقَ وَهُوَ مُجَرَّبٌ... إِذْ حَسِبَ أَنَّ ٱللهَ قَادِرٌ عَلَى ٱلإِقَامَةِ مِنَ ٱلأَمْوَاتِ» (عبرانيين 11: 17 - 19). فالمعنى أن الله لو ترك إبراهيم يتم عمله لكان ذبح إسحاق.

3 «فَبَكَّرَ إِبْرَاهِيمُ صَبَاحاً وَشَدَّ عَلَى حِمَارِهِ، وَأَخَذَ ٱثْنَيْنِ مِنْ غِلْمَانِهِ مَعَهُ، وَإِسْحَاقَ ٱبْنَهُ، وَشَقَّقَ حَطَباً لِمُحْرَقَةٍ، وَقَامَ وَذَهَبَ إِلَى ٱلْمَوْضِعِ ٱلَّذِي قَالَ لَهُ ٱللهُ».

فَبَكَّرَ إِبْرَاهِيمُ الخ أعدّ كل ما تقتضيه المحرقة هادئاً مطمئناً لا يهمه إلا القيام بإطاعة الله. وشقّق الحطب لا لأنه لم يكن حطب في المكان الذي عزم على تقدمة إسحاق فيه (ع 13) بل لكي لا يكون ما يعيقه عن العمل عند وصوله إلى المكان الذي يعينه الله فتضطرب أفكاره في ذلك فباستعداده وإعداده كان يتمكن من الشروع بلا توقف.

4 «وَفِي ٱلْيَوْمِ ٱلثَّالِثِ رَفَعَ إِبْرَاهِيمُ عَيْنَيْهِ وَأَبْصَرَ ٱلْمَوْضِعَ مِنْ بَعِيدٍ».

فِي ٱلْيَوْمِ ٱلثَّالِثِ قابل شعور إبراهيم في هذه الأيام بشعور هاجر وهي تجول في البرية لا تعرف إلى أين تذهب وهي ترى الموت يقرب من ابنها على توالي الأوقات. لكن كان مصاب هاجر للحزن الصرف وأما بلاء إبراهيم فكان مقترناً بالرجاء.

مِنْ بَعِيدٍ قنّة الجبل المدعو بجبل المبيت وجبل الموريّا ما كانت تُرى للمسافر من بئر سبع إلا على أمد نحو ثلاثة أميال على ما قال ستنلي فإذاً كان دونه كثير من التلال الحاجزة. ولعل هذا هو البُعد المقصود هنا لا أكثر منه. فإن إبراهيم ترك الغلامين هنالك ووضع الحطب على إسحاق وذهبا إلى هنالك راجلين أي ماشيين على الأرجل. ولو كان الجبل جرزيم ما استطاع إسحاق أن يحمل الحطب إليه من حيث يبدو للنظر. وحمل إسحاق الحطب رمز إلى حمل المسيح صليبه (يوحنا 19: 17).

5 «فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ لِغُلاَمَيْهِ: ٱجْلِسَا أَنْتُمَا هٰهُنَا مَعَ ٱلْحِمَارِ، وَأَمَّا أَنَا وَٱلْغُلاَمُ فَنَذْهَبُ إِلَى هُنَاكَ وَنَسْجُدُ، ثُمَّ نَرْجِعُ إِلَيْكُمَا».

عبرانيين 11: 19

وَأَمَّا أَنَا وَٱلْغُلاَمُ... نَرْجِعُ إِلَيْكُمَا (هذا كالنص على أن إسحاق يبقى حياً) وهو بيان للرجاء المذكور في رسالة العبرانيين (عبرانيين 11: 19). فالإيمان بقيامة الأموات أو معاد الجسد لم يكن من الأمور الحديثة في ذهن إبراهيم لأنه كان من عقائد الكلدانيين والمصريين.

6 «فَأَخَذَ إِبْرَاهِيمُ حَطَبَ ٱلْمُحْرَقَةِ وَوَضَعَهُ عَلَى إِسْحَاقَ ٱبْنِهِ، وَأَخَذَ بِيَدِهِ ٱلنَّارَ وَٱلسِّكِّينَ. فَذَهَبَا كِلاَهُمَا مَعاً».

يوحنا 19: 17

(انظر تفسير ع 4).

7 « وَقَالَ إِسْحَاقُ لإِبْرَاهِيمَ أَبِيهِ: يَا أَبِي. فَقَالَ: هَئَنَذَا يَا ٱبْنِي. فَقَالَ: هُوَذَا ٱلنَّارُ وَٱلْحَطَبُ، وَلٰكِنْ أَيْنَ ٱلْخَرُوفُ لِلْمُحْرَقَةِ؟»

(هذا السؤال استفهام حقيقي لا إنكاري ولا للتنبيه على الخطإ).

8 «فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: ٱللهُ يَرَى لَهُ ٱلْخَرُوفَ لِلْمُحْرَقَةِ يَا ٱبْنِي. فَذَهَبَا كِلاَهُمَا مَعاً».

ٱللهُ يَرَى لَهُ ٱلْخَرُوفَ لِلْمُحْرَقَةِ نعلم من الرسالة إلى العبرانيين (عبرانيين 11: 17 - 19) إن إبراهيم عزم كل العزم على أن يقدم الذبيحة لتيقنه إن الله يقيم إسحاق بعد موته ويتمم وعده بإقامة النسل منه فإن هبته إسحاق له كانت خارقة العادة فلم يتزعزع إيمان إبراهيم بهذا الامتحان ولم يشك في صدق الله وإنجازه للوعد مهما كانت الأحوال فيكون قد قصد بالخروف إسحاق عينه فعنى بكلامه إن الله هو الذي عيّن إسحاق ذبيحة أو خروف محرقة. فالكلمات القليلة التي كانت بين الأب وابنه خلاصتها إن الابن لم يرَ الخروف وإن الأب أبان أنه ترك الأمر لله. وظهر منها قوة إيمان الأب ووفرة طاعة الابن. وهذه الحادثة من أشد الحوادث إحزاناً وفائدة.

9 «فَلَمَّا أَتَيَا إِلَى ٱلْمَوْضِعِ ٱلَّذِي قَالَ لَهُ ٱللهُ، بَنَى هُنَاكَ إِبْرَاهِيمُ ٱلْمَذْبَحَ وَرَتَّبَ ٱلْحَطَبَ وَرَبَطَ إِسْحَاقَ ٱبْنَهُ وَوَضَعَهُ عَلَى ٱلْمَذْبَحِ فَوْقَ ٱلْحَطَبِ».

عبرانيين 11: 17 ويعقوب 2: 21

إِبْرَاهِيمُ... رَبَطَ إِسْحَاقَ أجمع المفسرون اليهود على أن إسحاق رضي بذلك ولم يقاوم شيئاً. وهذا امتحان عظيم لإيمان ذلك الغلام كما كان امتحاناً عظيماً لأبيه. وبهذه الطاعة تقدست حياته في المستقبل وكان رمزاً إلى المسيح ابن الله الوحيد (1بطرس 2: 23).

10 «ثُمَّ مَدَّ إِبْرَاهِيمُ يَدَهُ وَأَخَذَ ٱلسِّكِّينَ لِيَذْبَحَ ٱبْنَهُ».

(هذه الآية دليل قاطع على أن إبراهيم عزم كل العزم على إطاعة أمر الله).

11 «فَنَادَاهُ مَلاَكُ ٱلرَّبِّ مِنَ ٱلسَّمَاءِ وَقَالَ: إِبْرَاهِيمُ إِبْرَاهِيمُ. فَقَالَ: هَئَنَذَا».

ص 16: 7

مَلاَكُ ٱلرَّبِّ كان النبأ من أوله إلى هنا إلهياً أي متعلقاً بالله «إلوهيم» لكن الذي توسط هنا ملاك الرب أي ملاك «يهوه» إله العهد (انظر 16: 7).

12 «فَقَالَ: لاَ تَمُدَّ يَدَكَ إِلَى ٱلْغُلاَمِ وَلاَ تَفْعَلْ بِهِ شَيْئاً، لأَنِّي ٱلآنَ عَلِمْتُ أَنَّكَ خَائِفٌ ٱللهَ، فَلَمْ تُمْسِكِ ٱبْنَكَ وَحِيدَكَ عَنِّي».

1صموئيل 15: 22 وميخا 6: 7 و8 ص 26: 5 ويعقوب 2: 21 و22 رومية 8: 32

لاَ تَفْعَلْ بِهِ شَيْئاً أي لا تذبحه ولا تجرحه،

ٱلآنَ عَلِمْتُ الخ (أي الآن تبين للناس والملائكة أنك من المتقين الطائعين الأقوياء الإيمان فالكلام مجاز متفرع عن الكتابة لأن الله لا يتوقف علمه على الامتحان والاختبار إنما يتوقف علم الناس على ذلك. فلو كان الباري تقدس وتعالى إنساناً لكان ما أتاه إبراهيم برهاناً قاطعاً له على تقواه وشدة إيمانه).

13 «فَرَفَعَ إِبْرَاهِيمُ عَيْنَيْهِ وَنَظَرَ وَإِذَا كَبْشٌ وَرَاءَهُ مُمْسَكاً فِي ٱلْغَابَةِ بِقَرْنَيْهِ، فَذَهَبَ إِبْرَاهِيمُ وَأَخَذَ ٱلْكَبْشَ وَأَصْعَدَهُ مُحْرَقَةً عِوَضاً عَنِ ٱبْنِهِ».

خروج 13: 13 وعدد 3: 45 إلى 47 و18: 15 و16

وَأَخَذَ ٱلْكَبْشَ وَأَصْعَدَهُ مُحْرَقَةً عِوَضاً عَنِ ٱبْنِهِ لنا هنا تعليم الفداء والنيابة في غاية الوضوح فإن الكبش ناب عن إسحاق وكان فداء له وكان موته فعلاً رمزاً إلى موت المخلص على الجلجثة. والأمر ظاهر هنا إن الرمز واضح وتام فإن إسحاق وُضع للموت بيد أبيه وقام من الأموات. وإن الكبش كان فداء لإسحاق وكذلك المسيح كان فداء لشعبه فتمام الرمز بأمرين إسحاق والكبش. (قابل سر العصفوريَن بسر التيسين في لاويين 14: 4 و16: 8).

14 «فَدَعَا إِبْرَاهِيمُ ٱسْمَ ذٰلِكَ ٱلْمَوْضِعِ «يَهْوَهْ يِرْأَهْ». حَتَّى إِنَّهُ يُقَالُ ٱلْيَوْمَ: فِي جَبَلِ ٱلرَّبِّ يُرَى».

ع 8 و2أيام 3: 1

يَهْوَهْ يِرْأَهْ أي الرب يرى. قال إبراهيم أولاً «اللوهيم يرأه» أي الله يره. وقال هنا «يهوه يرأى» فاستعمل «يهوه» موضع «إلوهيم» وزاد هنا إن قوله جرى مثلاً «في جبل الرب يُرى». ومعنى المثل الأمر لله أي إن الله يدبر العبد يُضرب في التوكل على الله في الأمور الصعاب. وهو أيضاً نبوءة بظهور المسيح وحمله خطايا العالم (إشعياء 53: 5). والأرجح إن المثل وضعه موسى هنا عندما رتب حوادث هذا النبإ. وقيل أنه من وضع عزرا ولم يرجّح.

15 «وَنَادَى مَلاَكُ ٱلرَّبِّ إِبْرَاهِيمَ ثَانِيَةً مِنَ ٱلسَّمَاءِ».

ثَانِيَةً مِنَ ٱلسَّمَاءِ (بياناً لكون الإعلان من الله وتوكيداً لذلك).

16 - 19 «16 وَقَالَ: بِذَاتِي أَقْسَمْتُ يَقُولُ ٱلرَّبُّ، أَنِّي مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ فَعَلْتَ هٰذَا ٱلأَمْرَ، وَلَمْ تُمْسِكِ ٱبْنَكَ وَحِيدَكَ، 17 أُبَارِكُكَ مُبَارَكَةً، وَأُكَثِّرُ نَسْلَكَ تَكْثِيراً كَنُجُومِ ٱلسَّمَاءِ وَكَالرَّمْلِ ٱلَّذِي عَلَى شَاطِئِ ٱلْبَحْرِ، وَيَرِثُ نَسْلُكَ بَابَ أَعْدَائِهِ، 18 وَيَتَبَارَكُ فِي نَسْلِكَ جَمِيعُ أُمَمِ ٱلأَرْضِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِي. 19 ثُمَّ رَجَعَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى غُلاَمَيْهِ، فَقَامُوا وَذَهَبُوا مَعاً إِلَى بِئْرِ سَبْعٍ. وَسَكَنَ إِبْرَاهِيمُ فِي بِئْرِ سَبْعٍ».

مزمور 105: 9 ولوقا 1: 73 وعبرانيين 6: 13 و14 ص 15: 5 ونحميا 9: 23 وإرميا 33: 22 ص 3: 16 وإشعياء 48: 19 ص 24: 60 ص 12: 3 و18: 18 و26: 4 وأعمال 3: 25 وغلاطية 3: 8 و9 غلاطية 3: 16 و18 ع 3 و10 وص 26: 5 ص 21: 31

بِذَاتِي أَقْسَمْتُ يَقُولُ ٱلرَّبُّ الخ «يهوه» التوسط بهذا القسم الرهيب (عبرانيين 6: 17) دليل واضح على أن امتحان إيمان إبراهيم كان خارقاً للعادة وإن التعليم الرمزي فيه لا تماثل قيمته قيمة. فإنه كان لإبراهيم حينئذ أن يقول حاشا لك يا رب أن تأمر بذبح الإنسان وتقدمته محرقة وأن تأمر الأب بقتل ابنه وأن يذكر الرب بوعده المستلزم بقاء إسحاق وانتشار النسل منه ولكنه لم يلتفت إلى شيء من ذلك بل حين أمره الله أطاع وعلى خلاف الرجاء آمن بأن الوعد لا بد من أن يتم بذبح إسحاق. وما أتاه أعظم أمثلة الإيمان. وبتقديمه إسحاق ابنه تحققت الكنيسة إن ابن الله المتجسد يُقدم على ذلك الجبل عينه ذبيحة إلهية ضرورية لمغفرة الخطايا. وبركة إبراهيم هنا تمتاز عن البركة الأولى المتقدمة بثلاثة أمور:

  • الأول: إنه لم تبقَ وعداً بل صارت ميثاقاً أميناً مثبتاً بقسم.

  • الثاني: إنها صارت تأكيداً لانتصار نسل إبراهيم يحقق لإسرائيل الروحي انتصار الإنجيل إلى النهاية.

  • الثالث: عموم الوعد لنسل إبراهيم بأنه يكون بركة لكل الجنس البشري.

أولاد ناحور

20 «وَحَدَثَ بَعْدَ هٰذِهِ ٱلأُمُورِ أَنَّهُ قِيلَ لإِبْرَاهِيمَ: هُوَذَا مِلْكَةُ قَدْ وَلَدَتْ هِيَ أَيْضاً بَنِينَ لِنَاحُورَ أَخِيك».

ص 11: 29

لِنَاحُورَ أَخِيكَ كانت أخبار بيت أخيه نادرة لبعد المكان وقلة وسائل النقل فكان وصولها إليه ساراً ولعلها هي التي حملت إبراهيم على أن يطلب لابنه زوجة من عشيرته. وكان لناحور اثنا عشر ابناً ثمانية من زوجته الشرعية وأربعة من جاريته. وكان ليعقوب اثنا عشر ابناً ثمانية من زوجتيه الشرعيتين وأربعة من جاريتيه. وكان لإسماعيل اثنا عشر ابناً فالاتفاق عجيب ولكنه لا يخرج بالنبإ عن دائرة الواقع فإن الاتفاقات الغريبة وقعت في التواريخ المحققة والاختبارات اليومية.

21 «عُوصاً بِكْرَهُ، وَبُوزاً أَخَاهُ، وَقَمُوئِيلَ أَبَا أَرَامَ».

أيوب 32: 2

عُوصاً تعدد هذا الاسم في الكتاب المقدس (ص 10: 23 و36: 28) ولذلك اختلفت الأقوال في أرض عوص (أيوب 1: 1 وإرميا 25: 20).

بُوزاً لعله سلف أليهو (أيوب 32: 2). وأما بوز في (إرميا 25: 23) فالظاهر أنها كورة في أدوم.

وَقَمُوئِيلَ أَبَا أَرَامَ ليس هو بسلف الأراميين بل سلف قبيلة الراميين التي منها إليهو فإن رام وأرام اسم واحد فبوز وقموئيل من قبيلة واحدة.

22 «وَكَاسَدَ، وَحَزْواً، وَفِلْدَاشَ، وَيِدْلاَفَ، وَبَتُوئِيلَ».

ص 34: 15 و24 و25: 20 و28: 2

وَكَاسَدَ ليس هو بسلف الكسديين القدماء أو الكلدانيين وظُن أنه أبو قبيلة صغيرة من الغزاة كانت ممن نهبوا أيوب وعُرفت بالكلدانية (أيوب 1: 17) ولا أثر لبقيتها في التاريخ.

23 «وَوَلَدَ بَتُوئِيلُ رِفْقَةَ. هٰؤُلاَءِ ٱلثَّمَانِيَةُ وَلَدَتْهُمْ مِلْكَةُ لِنَاحُورَ أَخِي إِبْرَاهِيمَ».

ص 24: 15 ورومية 9: 10

رِفْقَةَ (فهي حفيدة ناحور فتكون بنت ابن عم إسحاق).

24 «وَأَمَّا سُرِّيَّتُهُ، وَٱسْمُهَا رَؤُومَةُ، فَوَلَدَتْ هِيَ أَيْضاً طَابَحَ وَجَاحَمَ وَتَاحَشَ وَمَعْكَةَ».

مَعْكَةَ يدل هذا الاسم على أنه من شعب آرامي صغير (تثنية 3: 14 ويشوع 12: 5 و2صموئيل 10: 6).

اَلأَصْحَاحُ ٱلثَّالِثُ وَٱلْعِشْرُونَ

موت سارة ودفنها

1 «وَكَانَتْ حَيَاةُ سَارَةَ مِئَةً وَسَبْعاً وَعِشْرِينَ سَنَةً، سِنِي حَيَاةِ سَارَة».

وَكَانَتْ حَيَاةُ سَارَةَ مِئَةً وَسَبْعاً وَعِشْرِينَ سَنَةً سارة هي المرأة الوحيدة التي ذُكر عمرها في الكتاب المقدس. ولا ريب في أنه كان لها هذا الإكرام لأنها أم العبرانيين (إشعياء 51: 2) وكانت يوم ولدت إسحاق في سن التسعين فكان عند وفاتها في سن السابعة والثلاثين.

2 «وَمَاتَتْ سَارَةُ فِي قَرْيَةِ أَرْبَعَ (ٱلَّتِي هِيَ حَبْرُونُ) فِي أَرْضِ كَنْعَانَ. فَأَتَى إِبْرَاهِيمُ لِيَنْدُبَ سَارَةَ وَيَبْكِيَ عَلَيْهَا».

يشوع 14: 15 وقضاة 1: 10 ص 13: 18 وع 19 وص 35: 27 و2صموئيل 5: 3 ص 27: 41 و50: 3 و10

قَرْيَةِ أَرْبَعَ هي حبرون عينها بُنيت قبل صوعر مصر بسبع سنين (عدد 13: 22). ولعل بانيها قبيلة سامية وهي راحلة إلى الذلتا وهي واقعة على الجزء الشمالي من اليهودية وعلى أمد 22 ميلاً من أورشليم جنوباً. وكانت في أول أمرها تُسمى قرية أربع وأربع أبو عناق (يشوع 15: 13). لكن معناها هنا قرية أربع من العدد. ومعنى حبرون اسمها الثاني معاهدة أو محالفة (ص 13: 18). واسمها الذي هو قرية أربع يدل على أنه بناها أربع أُسر أو طوائف وبعد تسميتها بذلك أخذ الناس يسمون بعض أولادهم بها. وكان العناقيون أيام الاستيلاء على فلسطين ساكنين هناك فالظاهر أنهم ردوا لها اسمها القديم ثم طردهم كالب (يشوع 15: 14) واستولى عليها والظاهر أنه سمى حفيده بحبرون تذكاراً لاستيلائه عليها. ولم تزل مدينة ذات شأن سكانها نحو 8000 من المسلمين و600 من اليهود.

إِبْرَاهِيمُ لِيَنْدُبَ سَارَةَ كان إبراهيم في ذلك الوقت رب أرضين كثيرة والظاهر أنه كان يومئذ في بئر سبع وترك إسحاق في حبرون يعتني بأمه والماشية فلما بلغه نبأ موتها أتى إلى حبرون.

3 «وَقَامَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ أَمَامِ مَيِّتِهِ وَقَالَ لِبَنِي حِثَّ».

وَقَامَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ أَمَامِ مَيِّتِهِ أي أمام جسد زوجته الميت. كان أول ما عمله في حبرون أنه جلس في خيمة سارة وندبها وشفى حزنه ثم قام ليسعى في دفنها.

لِبَنِي حِثَّ لم نسمع من كلمات الكتاب في حبرون إلى هنا سوى الأموريين وممرا وإخوته ولكن ظهر لنا هنا إن الأرض كانت للحثيين وإنهم قبيلة كبيرة قويت في أيام كان الإسرائيليون غرباء في مصر وصارت أهل مملكة عظيمة شديدة حتى أنها كانت قادرة أن تحارب المصريين وكانت عاصمة ملكهم حمص وهي مدينة في شمالي سورية. وقد عُرف تاريخها اليوم من أخبار المصريين التي على بعض عاديّاتهم. ووُجد في حماة منذ 30 سنة حجارة سود منحوت عليها كتابات طويلة في اللغة الحثيّة.

4، 5 «4 أَنَا غَرِيبٌ وَنَزِيلٌ عِنْدَكُمْ. أَعْطُونِي مُلْكَ قَبْرٍ مَعَكُمْ لأَدْفِنَ مَيِّتِي مِنْ أَمَامِي. 5 فَأَجَابَ بَنُو حِثَّ إِبْرَاهِيم».

ص 17: 8 ولاويين 25: 23 و1أيام 29: 15 ومزمور 105: 12 وعبرانيين 11: 9 و13 و1بطرس 2: 11 أعمال 7: 5

مُلْكَ قَبْرٍ كانوا قد سمحوا للغرباء أن يرعوا قطعانهم في مروج الأرض ومع هذا أذنوا لإبراهيم أن يكون له بينهم ملك دائم إذ رأوه ضرورياً له (ص 15: 13 و20: 15). ولم يرضَ إبراهيم إلا أن يملك الأرض بثمنها وبميثاق يتم برضى الفريقين. ورضى كل القبيلة في منتداها عند بابها فإن إبراهيم مع كل غناه وقوته لم يعتبر نفسه إلا أنه غريب في تلك الأرض وإنها لأهلها (عبرانيين 11: 9). ولا يحق له أن يستولي على مدفن لميته إلا برضاهم وذلك دليل على طاعة إبراهيم العجيبة علاوة على أنه دليل على إيمانه العظيم.

6 «اِسْمَعْنَا يَا سَيِّدِي، أَنْتَ رَئِيسٌ مِنَ ٱللهِ بَيْنَنَا. فِي أَفْضَلِ قُبُورِنَا ٱدْفِنْ مَيِّتَكَ. لاَ يَمْنَعُ أَحَدٌ مِنَّا قَبْرَهُ عَنْكَ حَتَّى لاَ تَدْفِنَ مَيِّتَكَ».

ص 13: 2 و14: 14 و24: 35

رَئِيسٌ مِنَ ٱللهِ قابل هذا «بروح الله» (ص 1: 2). و «بمصارعات الله» (ص 30: 8). و «بجبال الله» (مزمور 36: 6). و «بأرز الله» (مزمور 80: 10). و «بسبات الرب» أي النوم الثقيل (1صموئيل 26: 12).

أَفْضَلِ قُبُورِنَا كان الخطاب بين إبراهيم والحثيين في أعلى درجات اللطف والكياسة.

7، 8 «7 فَقَامَ إِبْرَاهِيمُ وَسَجَدَ لِشَعْبِ ٱلأَرْضِ لِبَنِي حِثَّ، 8 وَقَالَ: إِنْ كَانَ فِي نُفُوسِكُمْ أَنْ أَدْفِنَ مَيِّتِي مِنْ أَمَامِي فَٱسْمَعُونِي، وَٱلْتَمِسُوا لِي مِنْ عِفْرُونَ بْنِ صُوحَرَ».

عيّن إبراهيم المكان الذي يريده مدفناً وأظهر حاجته إليه وإرادته أن يشتريه بماله لا أن يوهب له.

9 «أَنْ يُعْطِيَنِي مَغَارَةَ ٱلْمَكْفِيلَةِ ٱلَّتِي لَهُ، ٱلَّتِي فِي طَرَفِ حَقْلِهِ. بِثَمَنٍ كَامِلٍ يُعْطِينِي إِيَّاهَا فِي وَسَطِكُمْ مُلْكَ قَبْرٍ».

2صموئيل 24: 24 و1أيام 21: 22 إلى 25

مَغَارَةَ ٱلْمَكْفِيلَةِ أي المغارة المضاعفة أو المزدوجة. المرجّح أنها كانت كهفين أحدهما داخل الآخر وسُميّت الأرض حولها «حقل المكفيلة» (ص 49: 30 و50: 13). وظن بعضهم إن المكان كان وادياً مزدوجاً بل المرجّح أنه سمي بذلك بإضافته إلى تلك المغارة. قيل ولم تزل عظام سارة وإبراهيم في تلك المغارة إلى اليوم في الخليل وهي حبرون القديمة وسُميت بالخليل وخليل الرحمان وهو إبراهيم لذلك.

بِثَمَنٍ كَامِلٍ في العبراني «بفضة كاملة» وكذا جاءت في (1أيام 21: 22) والمعنى كما في الترجمة.

فِي وَسَطِكُمْ مُلْكَ قَبْرٍ لم يرد أنه يرغب في أن يكون قبر سارة بين قبورهم بل أن يكون إعطاء صاحب المغارة إياها لإبراهيم بالثمن الكامل أمام عيونهم (أو وهو بينهم).

10 «وَكَانَ عِفْرُونُ جَالِساً بَيْنَ بَنِي حِثَّ. فَأَجَابَ عِفْرُونُ ٱلْحِثِّيُّ إِبْرَاهِيمَ فِي مَسَامِعِ بَنِي حِثَّ، لَدَى جَمِيعِ ٱلدَّاخِلِينَ بَابَ مَدِينَتِهِ».

ص 34: 20 و24 وراعوث 4: 1

وَكَانَ عِفْرُونُ جَالِساً بَيْنَ بَنِي حِثَّ كان لكل من وُلد حراً في الوطن أن يجلس في باب المدينة فإن هنالك كان منتدى القوم وهنالك كانت الأمور تُعقد وتُحل أمام الجميع. وإذ كان عفرون هو صاحب المغارة توقف مبيعها على رضاه ولذلك اجتهد إبراهيم في أن يقف على قوله أولاً فما كان من عفرون إلا ما يسره في مسامع بني حث لدى جميع الداخلين باب مدينته.

11 «لاَ يَا سَيِّدِي، ٱسْمَعْنِي. اَلْحَقْلُ وَهَبْتُكَ إِيَّاهُ، وَٱلْمَغَارَةُ ٱلَّتِي فِيهِ لَكَ وَهَبْتُهَا. لَدَى عُيُونِ بَنِي شَعْبِي وَهَبْتُكَ إِيَّاهَا. ٱدْفِنْ مَيِّتَكَ».

اَلْحَقْلُ وَهَبْتُكَ إِيَّاهُ طلب إبراهيم المغارة فقط فوهب له عفرون المغارة والحقل معاً إذ رأى ذلك ضرورياً له.

12 «فَسَجَدَ إِبْرَاهِيمُ أَمَامَ شَعْبِ ٱلأَرْضِ.

فَسَجَدَ إِبْرَاهِيمُ كان السجود يومئذ علامة الإكرام والشكر على إجابة السؤل.

13 «وَقَالَ لِعِفْرُونَ فِي مَسَامِعِ شَعْبِ ٱلأَرْضِ: بَلْ إِنْ كُنْتَ أَنْتَ إِيَّاهُ فَلَيْتَكَ تَسْمَعُنِي. أُعْطِيكَ ثَمَنَ ٱلْحَقْلِ. خُذْ مِنِّي فَأَدْفِنَ مَيِّتِي هُنَاكَ».

بَلْ إِنْ كُنْتَ أَنْتَ إِيَّاهُ ترجم بعضهم هذه العبارة بقوله «بل إن كنت تريد أن تعطيه». وترجمها آخر «بل إن أردت» وأظهر بذلك شدة رغبته في أن يصغي عفرون إليه ويسمح له بالطلبة الثانية. وأرى المعنى أنك أهل لذلك. وهذا نصها في العبرانية.

(אך אם אתה) (اك ام اته). ولا ريب في أنه حُذف شيء من العبارة وقُدّر عقلاً والمعنى أنك أنت كريم أو أنك أهل لأن تعطي بلا ثمن. وهذا المعنى هو المناسب هنا لسياق الكلام والقرينة. وهذه العبارة مثل يُضرب في الأهلية أي في كون الإنسان أهلاً للأمر الذي يدعيه أو يُدعى له فيكون مقصود إبراهيم أنت أهل لذلك يا عفرون. فإن عفرون أعلن له أنه يعطيه الحقل والمغارة هبة فقال له لا ريب في أنك أهل لمثل هذا الكرم. ومثله في الأمثال العربية «أنت لها فكن ذا مرة» أي أنت الذي خُلقت لها فكن ذا قوة. ولا يناسب أن يحارب عفرون على كلامه المعلن ووفرة الإكرام لإبراهيم والكرم منه بأن يقال «إن كنت إياه» فإن هذا الكلام هنا يفيد الشك وإن جواب الشرط ينفيه أي يكون دليلاً على صدق عفرون. وكلام عفرون وإبراهيم هنا مما أُلف في البيع والشراء بين الناس يومئذ ولا يزال إلى هذه الساعة بين العامة والخاصة فيقول المشتري كم ثمن هذه السلعة فيقول البائع هي لك بلا ثمن في قول المشتري شكراً لك أنت لها. وتقول العامة في مثل هذا «عشت كثر الله خيرك أنت أمها وأبوها أو أنت قدها وزيادة». ومثل هذا المعنى هو اللائق بإبراهيم وعفرون حينئذ لما أبداه كل منهما من اللطف والاحترام للآخر فتأمل).

فَلَيْتَكَ تَسْمَعُنِي (أي تقبل طلبتي وتسمح لي أن أعطيك ثمن الحقل).

14، 15 «14 فَأَجَابَ عِفْرُونُ إِبْرَاهِيمَ: 15 يَا سَيِّدِي ٱسْمَعْنِي. أَرْضٌ بِأَرْبَعِ مِئَةِ شَاقِلِ فِضَّةٍ، مَا هِيَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ؟ فَٱدْفِنْ مَيِّتَكَ».

خروج 30: 13 وحزقيال 45: 12 إرميا 32: 9

ٱسْمَعْنِي أي أقبل مني ما أقول.

بِأَرْبَعِ مِئَةِ شَاقِلِ أو نحو خمسين ليرة وذلك كثير بالنسبة إلى غلاء الفضة في تلك الأيام.

16 «فَسَمِعَ إِبْرَاهِيمُ لِعِفْرُونَ، وَوَزَنَ إِبْرَاهِيمُ لِعِفْرُونَ ٱلْفِضَّةَ ٱلَّتِي ذَكَرَهَا فِي مَسَامِعِ بَنِي حِثَّ. أَرْبَعَ مِئَةِ شَاقِلِ فِضَّةٍ جَائِزَةٍ عِنْدَ ٱلتُّجَّارِ».

وَزَنَ إِبْرَاهِيمُ لِعِفْرُونَ ٱلْفِضَّةَ كانت النقود يومئذ قطعاً من الفضة أو الذهب تُزان بالميزان إذ لم تكن المسكوكات معروفة.

جَائِزَةٍ عِنْدَ ٱلتُّجَّارِ المرجّح إن تلك القطع كانت موسومة بسمة الصحة في الجوهر والقيمة.

17 «فَوَجَبَ حَقْلُ عِفْرُونَ ٱلَّذِي فِي ٱلْمَكْفِيلَةِ ٱلَّتِي أَمَامَ مَمْرَا، ٱلْحَقْلُ وَٱلْمَغَارَةُ ٱلَّتِي فِيهِ، وَجَمِيعُ ٱلشَّجَرِ ٱلَّذِي فِي ٱلْحَقْلِ ٱلَّذِي فِي جَمِيعِ حُدُودِهِ حَوَالَيْهِ».

ص 25: 9 و49: 30 إلى 32 و50: 13

أَمَامَ مَمْرَا الحرَم الذي فيه جسدا إبراهيم وسارة على عدوة الوادي الشرقية فتكون غابة البلوط التي كانت لإبراهيم على العدوة الغربية. وقد تبيّن لبعض العلماء إن موقع حبرون تغير على توالي الأيام فكان أولاً فوق الوادي وحبرون أو الخليل اليوم في الوادي.

ٱلْحَقْلُ وَٱلْمَغَارَةُ كان مثل هذا نسق حجة المبيع في تلك الأيام. وقد تبيّن مثل هذا في الآثار الكلدانية التي وُجدت في أُور مسقط رأس إبراهيم.

18، 19 «18 لإِبْرَاهِيمَ مُلْكاً لَدَى عُيُونِ بَنِي حِثَّ بَيْنَ جَمِيعِ ٱلدَّاخِلِينَ بَابَ مَدِينَتِهِ. 19 وَبَعْدَ ذٰلِكَ دَفَنَ إِبْرَاهِيمُ سَارَةَ ٱمْرَأَتَهُ فِي مَغَارَةِ حَقْلِ ٱلْمَكْفِيلَةِ أَمَامَ مَمْرَا (ٱلَّتِي هِيَ حَبْرُونُ) فِي أَرْضِ كَنْعَانَ».

معنى هاتين الآيتين إن الأرض أي الحقل والمغارة صارت ملكاً شرعياً لإبراهيم ثابتاً بشهود كثيرة.

20 «فَوَجَبَ ٱلْحَقْلُ وَٱلْمَغَارَةُ ٱلَّتِي فِيهِ لإِبْرَاهِيمَ مُلْكَ قَبْرٍ مِنْ عِنْدِ بَنِي حِثَّ».

راعوث 4: 7 إلى 10 وإرميا 32: 10 و11

فَوَجَبَ الخ في هذه الآية شبهة تناقض لقول استفانوس في سفر الأعمال (فانظر تفسير أعمال 7: 16) ودفع الشبهة هناك. والمرجّح أن إبراهيم عند أول دخوله أرض كنعان لما بنى مذبحاً في شكيم ابتاع أرضاً لأجل ذلك حتى لا يقدم للرب مما لم يكلفه شيئاً كقول داود «لاَ أُصْعِدُ لِلرَّبِّ إِلٰهِي مُحْرَقَاتٍ مَجَّانِيَّةً» (2صموئيل 24: 24).

اَلأَصْحَاحُ ٱلرَّابِعُ وَٱلْعِشْرُونَ

زواج إسحاق ورفقة

1 «وَشَاخَ إِبْرَاهِيمُ وَتَقَدَّمَ فِي ٱلأَيَّامِ. وَبَارَكَ ٱلرَّبُّ إِبْرَاهِيمَ فِي كُلِّ شَيْءٍ».

ص 18: 11 و21: 5 ص 12: 2 وع 35 ومزمور 112: 1 و3 وأمثال 10: 22

شَاخَ إِبْرَاهِيمُ كان إسحاق ابن سبع وثلاثين سنة يوم ماتت سارة (ص 23: 1) وابن أربعين سنة يوم تزوج (ص 25: 20). وكان إبراهيم ابن مئة سنة يوم وُلد له إسحاق فكان سنّه نحو مئة وأربعين سنة يوم زيجة إسحاق وبقي حياً خمساً وثلاثين سنة بعد تلك الزيجة لأنه عاش 175 سنة (ص 25: 7) فيكون قد رأى ابني إسحاق عيسو ويعقوب شابين.

2 «وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ لِعَبْدِهِ كَبِيرِ بَيْتِهِ ٱلْمُسْتَوْلِي عَلَى كُلِّ مَا كَانَ لَهُ: ضَعْ يَدَكَ تَحْتَ فَخْذِي».

ص 15: 2 ع 10 وص 39: 4 و6 ص 47: 29

لِعَبْدِهِ كَبِيرِ بَيْتِهِ أي وكيل بيته الكبير. لا ريب في أن هذا العبد كان كبير السن ولكنه كان قوياً وإلا لم يرسله إبراهيم إلى تلك البلاد البعيدة ويكلفه ذلك السفر الشاق فإن أليعازر كان قد قام بخدمة نظير هذه لإبراهيم منذ نحو خمس وخمسين سنة (ص 15: 2) وهو صغير واسمه أليعازر الدمشقي كما مر. وكان الوكيل المعيّن يوم شاخ إبراهيم رجلاً أصغر من أليعازر.

ضَعْ يَدَكَ تَحْتَ فَخْذِي كان هذا أسلوب القسم المُعتبر في ذلك العصر وقد سأل يعقوب يوسف أن يقسم له على هذا الأسلوب (ص 47: 29). وما ترجم «بفخذي» هنا في العبرانية «يركي» أي وركي والورك ما فوق الفخذ كالكتف فوق العضد. وتُرجمت اللفظة في (ص 46: 26 وخروج 1: 5) «بالصلب» بمعنى أنه مصدر النسل. واختلف المفسرون في علّة اختيار ذلك الأسلوب للقسم ورجّح بعضهم إن اليد بذلك تكون قُرب مكان الختان لأن الختان كان عهد الله لإبراهيم.

3 - 5 «3 فَأَسْتَحْلِفَكَ بِٱلرَّبِّ إِلٰهِ ٱلسَّمَاءِ وَإِلٰهِ ٱلأَرْضِ أَنْ لاَ تَأْخُذَ زَوْجَةً لٱبْنِي مِنْ بَنَاتِ ٱلْكَنْعَانِيِّينَ ٱلَّذِينَ أَنَا سَاكِنٌ بَيْنَهُمْ، 4 بَلْ إِلَى أَرْضِي وَإِلَى عَشِيرَتِي تَذْهَبُ وَتَأْخُذُ زَوْجَةً لٱبْنِي إِسْحَاقَ. 5 فَقَالَ لَهُ ٱلْعَبْدُ: رُبَّمَا لاَ تَشَاءُ ٱلْمَرْأَةُ أَنْ تَتْبَعَنِي إِلَى هٰذِهِ ٱلأَرْضِ. هَلْ أَرْجِعُ بِٱبْنِكَ إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي خَرَجْتَ مِنْهَا؟».

ص 14: 22 وتثنية 6: 13 ويشوع 2: 12 ص 26: 34 و35 و27: 46 و28: 1 و خروج 34: 16 وتثنية 7: 3 ص 12: 1 ص 28: 2

الكلام في هذه الآيات أوضح من أن يُفسر.

6 «فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: ٱحْتَرِزْ مِنْ أَنْ تَرْجِعَ بِٱبْنِي إِلَى هُنَاكَ».

ٱحْتَرِزْ الخ ذُكرت زيجة إسحاق ورفقة بالتفصيل لأن فيها مبدأين من المبادئ ذات الشأن في نسل إبراهيم الأول أن لا يختلط بالكنعانيين بل يبقى شعباً ممتازاً ولا يوافق ذلك إلا أن تكون زوجة إسحاق من عشيرته فليس المقصود منها وضع شريعة أن لا يتزوج الإنسان زوجة من غير عشيرته. والثاني أن لا يرجع إسحاق إلى ما بين النهرين بل يقيم هو وامرأته بالأرض التي وعد الله بأن تكون لإبراهيم ونسله. ويظهر من الآية الثامنة إن الثاني كان عند إبراهيم أهم من الأول لأنه لو أخذ إسحاق زوجة من الفلسطينيين لأمكن أن يبقى نسله شعباً ممتازاً لكن يخشى فساد عقائده ولكن لو رجع إلى فدان أرام رجّح كل الترجيح اختلاط نسله بالقوم وزوال المميزات ولم يكن له أن ينظر إلى غير النصيب الذي نظر إليه نسل لابان.

7 «اَلرَّبُّ إِلٰهُ ٱلسَّمَاءِ ٱلَّذِي أَخَذَنِي مِنْ بَيْتِ أَبِي وَمِنْ أَرْضِ مِيلاَدِي، وَٱلَّذِي كَلَّمَنِي وَٱلَّذِي أَقْسَمَ لِي قَائِلاً: لِنَسْلِكَ أُعْطِي هٰذِهِ ٱلأَرْضَ، هُوَ يُرْسِلُ مَلاَكَهُ أَمَامَكَ، فَتَأْخُذُ زَوْجَةً لٱبْنِي مِنْ هُنَاكَ».

ص 12: 1 ص 12: 7 و13: 15 و15: 18 و17: 8 وخروج 32: 13 وتثنية 1: 8 و34: 4 وأعمال 7: 5 ص 16: 9 وخروج 23: 20 و23 و33: 2 وعبرانيين 1: 14

أَرْضِ مِيلاَدِي أي أُور الكلدانيين ولا ريب في أنه كان لإبراهيم أقرباء هناك وكان على أليعازر الدمشقي أن يسافر إلى هنالك لانتخاب زوجة لإسحاق ولا يخفى ما في ذلك من المشقة.

8، 9 «8 وَإِنْ لَمْ تَشَإِ ٱلْمَرْأَةُ أَنْ تَتْبَعَكَ، تَبَرَّأْتَ مِنْ حَلْفِي هٰذَا. أَمَّا ٱبْنِي فَلاَ تَرْجِعْ بِهِ إِلَى هُنَاكَ. 9 فَوَضَعَ ٱلْعَبْدُ يَدَهُ تَحْتَ فَخْذِ إِبْرَاهِيمَ مَوْلاَهُ، وَحَلَفَ لَهُ عَلَى هٰذَا ٱلأَمْرِ».

يشوع 2: 17 و20

(يظهر من هذا أن ذلك العبد كان ذا سلطان وتأثير في بيت إبراهيم وشيء من الإمرة على إسحاق وإنه رجل حكيم يوثق به وتُلقى عليه الأمور المهمة مع أنه كان عبداً لإبراهيم فالحكمة والأمانة تسوّدان العبد على بيت سيده).

10 «ثُمَّ أَخَذَ ٱلْعَبْدُ عَشَرَةَ جِمَالٍ مِنْ جِمَالِ مَوْلاَهُ، وَمَضَى وَجَمِيعُ خَيْرَاتِ مَوْلاَهُ فِي يَدِهِ. فَقَامَ وَذَهَبَ إِلَى أَرَامِ ٱلنَّهْرَيْنِ إِلَى مَدِينَةِ نَاحُورَ».

ع 2 تثنية 23: 4 وقضاة 3: 8 ص 27: 43

ثُمَّ أَخَذَ ٱلْعَبْدُ لماذا لم يذهب إسحاق نفسه ويفتش عن زوجة. والجواب أنه يجب هنا أن لا نستنتج من ذلك إن الأمر كان على غير رضا إسحاق بل أن نذكر أن إسحاق كان الوارث وإن من عادات الشرقيين أن يرسل العظماء معتمدين يخطبون لهم. والأمور الخاصة ذات الشأن في النبإ بٌعد الشقة التي كان على العبد أن يقطعها وتقييد اختياره بعشيرة معينة وأن كلا الأمرين ناشئ عن ملاحظة دينية. إن يعقوب نفسه ذهب لاختيار زوجة لنفسه لكن يجب أن نذكر أن رفقة كانت قد سألت له مكان الأمن وإلا كانت أرسلت إلى بيت لابان أخيها رسولاً يطلب ابنته زوجة لابنها.

جَمِيعُ خَيْرَاتِ مَوْلاَهُ فِي يَدِهِ كان من الضروري أن يأخذ العبد معه تلك الخيرات لا لمجرد راحته وراحة العروس بل ليبين غنى إبراهيم بالهدايا الوافرة.

أَرَامِ ٱلنَّهْرَيْنِ معنى أرام نجد أي أرض عالية ولكنهم أطلقوها على كل أرض سورية. وهي قسم من سورية بين دجلة والفرات ولا جبال فيها إلا جبال الجهة الشمالية. وسيأتي الكلام على فدان أرام في تفسير (ص 25: 20).

مَدِينَةِ نَاحُورَ هي حاران (ص 27: 43). المرجّح أن ناحور هاجر إليها من أُور لما شاخ تارح لكي يستولي على المراعي التي كان إبراهيم على وشك أن يتركها.

11 «وَأَنَاخَ ٱلْجِمَالَ خَارِجَ ٱلْمَدِينَةِ عِنْدَ بِئْرِ ٱلْمَاءِ وَقْتَ ٱلْمَسَاءِ، وَقْتَ خُرُوجِ ٱلْمُسْتَقِيَاتِ».

خروج 2: 16 و1صموئيل 9: 11 ويوحنا 4: 7

وَأَنَاخَ ٱلْجِمَالَ لكنه لم يحلّ عن الجمال حتى عرف أن الله سمع صلاته (انظر ع 32).

عِنْدَ بِئْرِ ٱلْمَاءِ وَقْتَ ٱلْمَسَاءِ، وَقْتَ خُرُوجِ ٱلْمُسْتَقِيَاتِ كانت هذه البئر للمدينة كلها وكان يُستقى منها في أوقات معيّنة ولذلك أخذ عبد إبراهيم ينتظر مجيء النساء للاستقاء. وطلب النساء الماء أو قيامها بسقي المواشي ليس من خواص النساء الشرقيات فإنه لم تزل النساء في أكثر أجزاء أوربا تقوم بذلك. وكانت رفقة تحمل الجرّة على كتفها لكن النساء في جنوبي فرنسا في أرض البَسك تحمل جرارها على رؤوسها كنساء قدماء المصريين وأكثر نساء القرى السورية.

12 - 14 «12 وَقَالَ: أَيُّهَا ٱلرَّبُّ إِلٰهَ سَيِّدِي إِبْرَاهِيمَ، يَسِّرْ لِي ٱلْيَوْمَ وَٱصْنَعْ لُطْفاً إِلَى سَيِّدِي إِبْرَاهِيمَ. 13 هَا أَنَا وَاقِفٌ عَلَى عَيْنِ ٱلْمَاءِ، وَبَنَاتُ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ خَارِجَاتٌ لِيَسْتَقِينَ مَاءً. 14 فَلْيَكُنْ أَنَّ ٱلْفَتَاةَ ٱلَّتِي أَقُولُ لَهَا: أَمِيلِي جَرَّتَكِ لأَشْرَبَ، فَتَقُولَ: ٱشْرَبْ وَأَنَا أَسْقِي جِمَالَكَ أَيْضاً، هِيَ ٱلَّتِي عَيَّنْتَهَا لِعَبْدِكَ إِسْحَاقَ. وَبِهَا أَعْلَمُ أَنَّكَ صَنَعْتَ لُطْفاً إِلَى سَيِّدِي».

ع 27 وص 26: 24 و28: 13 و32: 9 وخروج 3: 6 و15 ص 27: 20 ونحميا 1: 11 ومزمور 37: 5 ورومية 1: 10 ع 43 ص 29: 9 وخروج 2: 16 ع 43 قضاة 6: 17 و37 و1صموئيل 6: 9 و14: 10 و20: 7

أَيُّهَا ٱلرَّبُّ إِلٰهَ سَيِّدِي وفي العبرانية «يهوه إلهي أدوني» فأدوني تطلق على الرب وعلى الكبير من الناس فهي بمعنى سيد. وكذا جاءت في الآية الثامنة عشرة.

إن عبد إبراهيم كان عضواً مختوناً من أعضاء بيت إبراهيم ولذلك صلى للرب «يهوه» إله إبراهيم. وكان قد نبّه على ما في الأمر من الصعوبة (ع 5) فترك الأمر للرب الإله وسأل الله آية الفوز بمتقضى إرادته الإلهية.

ٱلْفَتَاةَ هي في العبرانية «نعر» مشتركة بين المذكر والمؤنث ومعناها الفتى أو الفتاة وكذا جاءت في ترجمة السبعين. وجاءت في العبرانية في غير هذا الموضع «نعره» (تثنية 22: 19) بعلامة التأنيث. واليهود قرأوها منذ أمد بعيد بعلامة التأنيث في مجامعهم وهذا يدل على قدم الأسفار الخمسة.

15 «وَإِذْ كَانَ لَمْ يَفْرَغْ بَعْدُ مِنَ ٱلْكَلاَمِ، إِذَا رِفْقَةُ ٱلَّتِي وُلِدَتْ لِبَتُوئِيلَ ٱبْنِ مِلْكَةَ ٱمْرَأَةِ نَاحُورَ أَخِي إِبْرَاهِيمَ، خَارِجَةٌ وَجَرَّتُهَا عَلَى كَتِفِهَا».

إشعياء 65: 24 ودانيال 9: 21 ص 11: 29 و22: 23

(هذه الآية تدل على أن الله استجاب صلاته سريعاً لأن الحال اقتضت ذلك فكانت الإجابة في الوقت المناسب وإلا فالله كثيراً ما يؤخر الإجابة إلى الوقت الذي يراه مناسباً).

16 «وَكَانَتِ ٱلْفَتَاةُ حَسَنَةَ ٱلْمَنْظَرِ جِدّاً، وَعَذْرَاءَ لَمْ يَعْرِفْهَا رَجُلٌ. فَنَزَلَتْ إِلَى ٱلْعَيْنِ وَمَلأَتْ جَرَّتَهَا وَطَلَعَتْ».

ص 26: 7

كَانَتِ ٱلْفَتَاةُ حَسَنَةَ ٱلْمَنْظَرِ جِدّاً (كسارة أم إسحاق ص 12: 11 و14).

فَنَزَلَتْ إِلَى ٱلْعَيْنِ (هذه العين هي التي سميّت بالبئر في ع 11) قال بعض المفسرين أنها ما كانت بئراً تجري إليها مياه المطر ضيقة الأعلى واسعة الأسفل كآبار الجمع المعروفة بل كانت ينبوعاً يُنزل إليه بدرج. ولم تزل هذه العين هنالك إلى هذا اليوم. ولم يزل عدة من أمثالها في سورية.

17 - 20 «17 فَرَكَضَ ٱلْعَبْدُ لِلِقَائِهَا وَقَالَ: ٱسْقِينِي قَلِيلَ مَاءٍ مِنْ جَرَّتِكِ. 18 فَقَالَتِ: ٱشْرَبْ يَا سَيِّدِي. وَأَسْرَعَتْ وَأَنْزَلَتْ جَرَّتَهَا عَلَى يَدِهَا وَسَقَتْهُ. 19 وَلَمَّا فَرَغَتْ مِنْ سَقْيِهِ قَالَتْ: أَسْتَقِي لِجِمَالِكَ أَيْضاً حَتَّى تَفْرَغَ مِنَ ٱلشُّرْبِ. 20 فَأَسْرَعَتْ وَأَفْرَغَتْ جَرَّتَهَا فِي ٱلْمَسْقَاةِ، وَرَكَضَتْ أَيْضاً إِلَى ٱلْبِئْرِ لِتَسْتَقِيَ. فَٱسْتَقَتْ لِكُلِّ جِمَالِهِ».

رومية 12: 13 و1بطرس 3: 8 و4: 9

(هذه الآيات تدل صريحاً على أن الله جعل للعبد العلامة التي طلبها حتى لم يبق أدنى ريب في نفسه إن رفقة هي الزوجة التي اختارها الله لإسحاق).

21 «وَٱلرَّجُلُ يَتَفَرَّسُ فِيهَا صَامِتاً لِيَعْلَمَ: هَلْ أَنْجَحَ ٱلرَّبُّ طَرِيقَهُ أَمْ لاَ؟».

ع 12 و56

وَٱلرَّجُلُ يَتَفَرَّسُ فِيهَا صَامِتاً لِيَعْلَمَ فعلم جيداً أنها هي نصيب ابن سيده مما ذُكر في (ع 17 - 20 انظر أيضاً ع 14).

22 «وَحَدَثَ عِنْدَمَا فَرَغَتِ ٱلْجِمَالُ مِنَ ٱلشُّرْبِ أَنَّ ٱلرَّجُلَ أَخَذَ خِزَامَةَ ذَهَبٍ وَزْنُهَا نِصْفُ شَاقِلٍ وَسِوَارَيْنِ عَلَى يَدَيْهَا وَزْنُهُمَا عَشَرَةُ شَوَاقِلِ ذَهَبٍ».

خروج 32: 2 وإشعياء 3: 19 إلى 21 وخروج 16: 11 و12 و1بطرس 3: 3

خِزَامَةَ المقصود بالخزامة هنا حلقة تُعلق بجانب الأنف أي منخره الأيسر ولم تزل نساء العرب تتحلى به وهي تُصنع من ذهب أو فضة ومرجان ولؤلؤ وصدف وقد تكون من المعادن الرخيصة كان ثقلها بين درهمين وثلاثة دراهم (هذا ما قاله الدكتور بين سمث).

وَسِوَارَيْنِ لم تزل نساء الشرق تتحلى بالإسورة وقد تلبس المرأة في كل يد إسورة كثيرة حتى تكاد تغطي بها كل ذراعها.

23 «وَقَالَ: بِنْتُ مَنْ أَنْتِ؟ أَخْبِرِينِي. هَلْ فِي بَيْتِ أَبِيكِ مَكَانٌ لَنَا لِنَبِيتَ؟».

بِنْتُ مَنْ أَنْتِ لا ريب في أن العبد عرف من العلامة التي طلبها وصنعها الله له أن رفقة من عشيرة إبراهيم لكن ذلك لا يعين له من أبوها فسؤاله كان حتى يعرف أباها فهو لم يكن عن عدم إيمان على أن جوابها كان من خير ما توقعه.

24 - 27 «24 فَقَالَتْ لَهُ: أَنَا بِنْتُ بَتُوئِيلَ ٱبْنِ مِلْكَةَ ٱلَّذِي وَلَدَتْهُ لِنَاحُورَ. 25 وَقَالَتْ لَهُ: عِنْدَنَا تِبْنٌ وَعَلَفٌ كَثِيرٌ، وَمَكَانٌ لِتَبِيتُوا أَيْضاً. 26 فَخَرَّ ٱلرَّجُلُ وَسَجَدَ لِلرَّبِّ، 27 وَقَالَ: مُبَارَكٌ ٱلرَّبُّ إِلٰهُ سَيِّدِي إِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي لَمْ يَمْنَعْ لُطْفَهُ وَحَقَّهُ عَنْ سَيِّدِي. إِذْ كُنْتُ أَنَا فِي ٱلطَّرِيقِ هَدَانِي ٱلرَّبُّ إِلَى بَيْتِ إِخْوَةِ سَيِّدِي».

ص 22: 23 ع 52 وخروج 4: 31 و12: 27 وعدد 22: 31 خروج 18: 10 وراعوث 4: 14 و1صموئيل 25: 32 و2صموئيل 18: 28 ولوقا 1: 68 ص 32: 10 ومزمور 98: 3 ع 48

بَتُوئِيلَ ٱبْنِ مِلْكَةَ ٱلَّذِي وَلَدَتْهُ لِنَاحُورَ ذكرت رفقة اسم أم أبيها مع اسم أبيها لتبيين أنه ابنة أب كريم الجدين. فسرّ الخادم أو العبد بأم أبيها كما سر بأبيها لأنها ابنة عم إسحاق لأن ملكة بنت حاران أخي إبراهيم ولما عرف ذلك رأى الشروط تامة من كل وجه فأعطاها الحُلي وسجد لله وأثنى عليه.

28 «فَرَكَضَتِ ٱلْفَتَاةُ وَأَخْبَرَتْ بَيْتَ أُمِّهَا بِحَسَبِ هٰذِهِ ٱلأُمُورِ».

فَرَكَضَتِ ٱلْفَتَاةُ وَأَخْبَرَتْ بَيْتَ أُمِّهَا كان لامرأة كبير القوم موضع بعينه ولعل علة ذلك إن الرجل يأخذ غير امرأة فيكون لكل امرأة بيت معين لها وبقيت هذه العادة بينهم سواء كان للرجل امرأة واحدة أو امرأتان أو أكثر (انظر ع 67). ومن عادة البنات أن يلجأن إلى الأمهات في أمورهن. ونجد هنا أنه كان للابان سلطان في الأمر كما كان لبتوئيل. ولابان هو أخو رفقة (ع 29). والظاهر أن بتوئيل لم يحكم بالأمر إلا بعد ان حكمت به أم رفقة وأخوها (ع 50).

29، 30 «29 وَكَانَ لِرِفْقَةَ أَخٌ ٱسْمُهُ لاَبَانُ. فَرَكَضَ لاَبَانُ إِلَى ٱلرَّجُلِ خَارِجاً إِلَى ٱلْعَيْنِ. 30 وَحَدَثَ أَنَّهُ إِذْ رَأَى ٱلْخِزَامَةَ وَٱلسِّوَارَيْنِ عَلَى يَدَيْ أُخْتِهِ، وَإِذْ سَمِعَ كَلاَمَ رِفْقَةَ أُخْتِهِ قَائِلَةً: «هٰكَذَا كَلَّمَنِي ٱلرَّجُلُ» جَاءَ إِلَى ٱلرَّجُلِ، وَإِذَا هُوَ وَاقِفٌ عِنْدَ ٱلْجِمَالِ عَلَى ٱلْعَيْنِ».

ص 28: 2 و29: 5

لم يركض إلا بعد أن وقف على كلام رفقة المذكور في (ع 30) والمرجّح أن أم لابان دعته إلى خبائها وأرته هنالك رفقة الخزامة والإسوارين.

31، 32 «31 فَقَالَ: ٱدْخُلْ يَا مُبَارَكَ ٱلرَّبِّ. لِمَاذَا تَقِفُ خَارِجاً وَأَنَا قَدْ هَيَّأْتُ ٱلْبَيْتَ وَمَكَاناً لِلْجِمَالِ؟ 32 فَدَخَلَ ٱلرَّجُلُ إِلَى ٱلْبَيْتِ وَحَلَّ عَنِ ٱلْجِمَالِ. فَأَعْطَى تِبْناً وَعَلَفاً لِلْجِمَالِ، وَمَاءً لِغَسْلِ رِجْلَيْهِ وَأَرْجُلِ ٱلرِّجَالِ ٱلَّذِينَ مَعَهُ».

ص 26: 29 وقضاة 17: 2 وراعوث 3: 10 ومزمور 115: 15 ص 43: 24 وقضاة 19: 21

ٱدْخُلْ يَا مُبَارَكَ ٱلرَّبِّ الخ كان لا بد من مثل هذا القول في دعوة الضيف في الشرق على أن لابان ربما زاد ترحيبه به من حُسن الحلي الذهبية التي رآها على أخته رفقة. وقال له «يا مبارك الرب» (وفي العبرانية يهوه) لأنه كان من الموحدين بدليل ما في سفر يشوع (يشوع 24: 2) فإنه بيّنة على أن التوحيد لم يزل في سلالة ناحور. ولم يكونوا مجرد عبدة أوثان و «الألهة الأخرى» التي أكرموها ربما كانت الترافيم لأنه ذُكرت ألهة لابان في (ص 31: 30). على أن هذه أيضاً كانت من الخرافات التي اعترتهم من الأمم وعقلاء بيت حاران كانوا يحرمون إكرامها ولعهلهم على توالي الأيام رأوها وسطاء صغيرة. وهذه الخرافة تفشت بعد سنين كثيرة بين الإسرائيليين ولامهم الله عليها شديد اللوم (هوشع 3: 4).

33 « وَوُضِعَ قُدَّامَهُ لِيَأْكُلَ. فَقَالَ: لاَ آكُلُ حَتَّى أَتَكَلَّمَ كَلاَمِي. فَقَالَ: تَكَلَّمْ».

أيوب 23: 12 ويوحنا 4: 34 وأفسس 6: 5 إلى7

لاَ آكُلُ حَتَّى أَتَكَلَّمَ كَلاَمِي هنا أمران من أمور الشرقي الأول إيجابه الضيافة حيث لا خان لأبناء السبيل. والثاني أن يحمل كل شيء ويسلم بكل شيء دون أن ترفض ضيافته. فعبد إبراهم أبى أن يذوق خبز لابان وملحه قبل أن يسمع طلبته وبعد ذلك يصير ضيفاً للابان ويكون حينئذ للابان أن يفعل ما أراد.

34 - 49 «34 فَقَالَ: أَنَا عَبْدُ إِبْرَاهِيمَ. 35 وَٱلرَّبُّ قَدْ بَارَكَ مَوْلاَيَ جِدّاً فَصَارَ عَظِيماً، وَأَعْطَاهُ غَنَماً وَبَقَراً وَفِضَّةً وَذَهَباً وَعَبِيداً وَإِمَاءً وَجِمَالاً وَحَمِيراً. 36 وَوَلَدَتْ سَارَةُ ٱمْرَأَةُ سَيِّدِي ٱبْناً لِسَيِّدِي بَعْدَ مَا شَاخَتْ، فَقَدْ أَعْطَاهُ كُلَّ مَا لَهُ. 37 وَٱسْتَحْلَفَنِي سَيِّدِي قَائِلاً: لاَ تَأْخُذْ زَوْجَةً لٱبْنِي مِنْ بَنَاتِ ٱلْكَنْعَانِيِّينَ ٱلَّذِينَ أَنَا سَاكِنٌ فِي أَرْضِهِمْ، 38 بَلْ إِلَى بَيْتِ أَبِي تَذْهَبُ وَإِلَى عَشِيرَتِي، وَتَأْخُذُ زَوْجَةً لٱبْنِي. 39 فَقُلْتُ لِسَيِّدِي: رُبَّمَا لاَ تَتْبَعُنِي ٱلْمَرْأَةُ. 40 فَقَالَ لِي: إِنَّ ٱلرَّبَّ ٱلَّذِي سِرْتُ أَمَامَهُ يُرْسِلُ مَلاَكَهُ مَعَكَ وَيُنْجِحُ طَرِيقَكَ، فَتَأْخُذُ زَوْجَةً لٱبْنِي مِنْ عَشِيرَتِي وَمِنْ بَيْتِ أَبِي. 41 حِينَئِذٍ تَتَبَرَّأُ مِنْ حَلْفِي حِينَمَا تَجِيءُ إِلَى عَشِيرَتِي. وَإِنْ لَمْ يُعْطُوكَ فَتَكُونُ بَرِيئاً مِنْ حَلْفِي. 42 فَجِئْتُ ٱلْيَوْمَ إِلَى ٱلْعَيْنِ، وَقُلْتُ: أَيُّهَا ٱلرَّبُّ إِلٰهُ سَيِّدِي إِبْرَاهِيمَ، إِنْ كُنْتَ تُنْجِحُ طَرِيقِي ٱلَّذِي أَنَا سَالِكٌ فِيهِ، 43 فَهَا أَنَا وَاقِفٌ عَلَى عَيْنِ ٱلْمَاءِ، وَلْيَكُنْ أَنَّ ٱلْفَتَاةَ ٱلَّتِي تَخْرُجُ لِتَسْتَقِيَ وَأَقُولُ لَهَا: ٱسْقِينِي قَلِيلَ مَاءٍ مِنْ جَرَّتِكِ 44 فَتَقُولَ لِيَ: ٱشْرَبْ أَنْتَ، وَأَنَا أَسْتَقِي لِجِمَالِكَ أَيْضاً، هِيَ ٱلْمَرْأَةُ ٱلَّتِي عَيَّنَهَا ٱلرَّبُّ لٱبْنِ سَيِّدِي. 45 وَإِذْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أَفْرَغْ بَعْدُ مِنَ ٱلْكَلاَمِ فِي قَلْبِي، إِذَا رِفْقَةُ خَارِجَةٌ وَجَرَّتُهَا عَلَى كَتِفِهَا، فَنَزَلَتْ إِلَى ٱلْعَيْنِ وَٱسْتَقَتْ. فَقُلْتُ لَهَا: ٱسْقِينِي. 46 فَأَسْرَعَتْ وَأَنْزَلَتْ جَرَّتَهَا عَنْهَا وَقَالَتِ: ٱشْرَبْ وَأَنَا أَسْقِي جِمَالَكَ أَيْضاً. فَشَرِبْتُ، وَسَقَتِ ٱلْجِمَالَ أَيْضاً. 47 فَسَأَلْتُهَا: بِنْتُ مَنْ أَنْتِ؟ فَقَالَتْ: بِنْتُ بَتُوئِيلَ بْنِ نَاحُورَ ٱلَّذِي وَلَدَتْهُ لَهُ مِلْكَةُ. فَوَضَعْتُ ٱلْخِزَامَةَ فِي أَنْفِهَا وَٱلسِّوَارَيْنِ عَلَى يَدَيْهَا. 48 وَخَرَرْتُ وَسَجَدْتُ لِلرَّبِّ، وَبَارَكْتُ ٱلرَّبَّ إِلٰهَ سَيِّدِي إِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي هَدَانِي فِي طَرِيقٍ أَمِينٍ لآخُذَ ٱبْنَةَ أَخِي سَيِّدِي لٱبْنِهِ. 49 وَٱلآنَ إِنْ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ مَعْرُوفاً وَأَمَانَةً إِلَى سَيِّدِي فَأَخْبِرُونِي، وَإِلاَّ فَأَخْبِرُونِي لأَنْصَرِفَ يَمِيناً أَوْ شِمَالاً».

ص 13: 2 وع 1 ص 21: 2 ص 21: 10 و25: 5 ع 3 ع 4 ع 5 ع 7 ص 17: 1 ع 8 ع 12 ع 13 ع 15 و1صموئيل 1: 13 أمثال 11: 22 وإشعياء 3: 21 وحزقيال 16: 12 ع 26 ص 22: 23 ص 47: 29 ويشوع 2: 14

(ما في الآيات الأولى من هذه الآيات أي ع 34 إلى ع 36 يدل على أن بيت بتوئيل لم يكن لهم علم بأحوال إبراهيم لبعد المسافة وعدم وسائل المنابأة على البُعد. والآيات 37 - 48 قصّ ما تقدم ذكره بمعناه وأكثر ألفاظه. والآية التاسعة والاربعون طلبه رفقة وبت الحكم).

50 - 52 «50 فَأَجَابَ لاَبَانُ وَبَتُوئِيلُ: مِنْ عِنْدِ ٱلرَّبِّ خَرَجَ ٱلأَمْرُ. لاَ نَقْدِرُ أَنْ نُكَلِّمَكَ بِشَرٍّ أَوْ خَيْرٍ. 51 هُوَذَا رِفْقَةُ قُدَّامَكَ. خُذْهَا وَٱذْهَبْ. فَلْتَكُنْ زَوْجَةً لٱبْنِ سَيِّدِكَ كَمَا تَكَلَّمَ ٱلرَّبُّ. 52 وَكَانَ عِنْدَمَا سَمِعَ عَبْدُ إِبْرَاهِيمَ كَلاَمَهُمْ أَنَّهُ سَجَدَ لِلرَّبِّ إِلَى ٱلأَرْضِ».

مزمور 118: 23 ومتّى 21: 42 ومرقس 12: 11 ص 31: 24 ص 20: 15 ع 26

فَأَجَابَ لاَبَانُ وَبَتُوئِيلُ ذُكر لابان قبل أبيه بتوئيل لأنه سبق إلى بت الأمر بينه وبين أليعازر في بيت أمه لأنه كان الابن يفترق عن أبيه في بيت أمه لتعدد الزوجات كما عرفت في تفسير الآية الثامنة والعشرين. وكان أولاد كل زوجة مع أمهم بيتاً مستقلاً ولهذا انتقم لدينة أخواها ابنا أمها شمعون ولاوي (ص 34: 13 - 25). ولثامار أخوها أبشالوم (2صموئيل 13: 22 - 30) وكان من الضروري أن يُنبأ بتوئيل بذلك لأنه رئيس البيت فرضي ما رضوا وترك الأمر للمرأة وابنها ولم يُذكر بعد (ع 53 - 55). وقولهما «بشر أو خير» عبارة عن عدم الاعتراض بشيء (انظر تفسير ص 31: 24).

53، 54 «53 وَأَخْرَجَ ٱلْعَبْدُ آنِيَةَ فِضَّةٍ وَآنِيَةَ ذَهَبٍ وَثِيَاباً وَأَعْطَاهَا لِرِفْقَةَ، وَأَعْطَى تُحَفاً لأَخِيهَا وَلأُمِّهَا. 54 فَأَكَلَ وَشَرِبَ هُوَ وَٱلرِّجَالُ ٱلَّذِينَ مَعَهُ وَبَاتُوا. ثُمَّ قَامُوا صَبَاحاً فَقَالَ: ٱصْرِفُونِي إِلَى سَيِّدِي».

خروج 3: 22 و 11: 2 و12: 35 و2أيام 21: 3 وعزرا 1: 6 ع 56 و59

آنِيَةَ فِضَّةٍ وَآنِيَةَ ذَهَبٍ كانت المرأة تُشترى في العصور القديمة (ص 34: 12) فلم تكن الهدايا مجرد الحلي بل كانت مع ذلك عدة أدوات نافعة ثمينة. وكانت تلك الهدايا تُقسم على العروس وأهلها وكان قسم الأهل لأم رفقة وأخيها. ومن تقاليد اليهود في هذا النبإ أن بتوئيل كان مريضاً ومات في يوم وصول أليعازر لكن أسلوب كلام إسحاق في بتوئيل لا يدل على أنه كان قد مات (ص 28: 2).

55 «فَقَالَ أَخُوهَا وَأُمُّهَا: لِتَمْكُثِ ٱلْفَتَاةُ عِنْدَنَا أَيَّاماً أَوْ عَشَرَةً، بَعْدَ ذٰلِكَ تَمْضِي».

1صموئيل 29: 3

أَيَّاماً أَوْ عَشَرَةً فسرّ بعضهم ذلك بسنة أو عشرة أشهر. وقال آخر المرجّح إن العشرة كانت عندهم اسماً للجزء الثالث من الشهر. (والعرب قسموا الشهر إلى ثلاث عشرات العَشر الأُول والعَشر الوُسط والعَشر الأواخر). ومن غريب الاتفاق إن عشيرة تارح قسمت الوقت إلى عشرات كعادة المصريين في تاريخهم.

56 - 58 « 56 فَقَالَ لَهُمْ: لاَ تُعَوِّقُونِي وَٱلرَّبُّ قَدْ أَنْجَحَ طَرِيقِي. اِصْرِفُونِي لأَذْهَبَ إِلَى سَيِّدِي. 57 فَقَالُوا: نَدْعُو ٱلْفَتَاةَ وَنَسْأَلُهَا شِفَاهاً. 58 فَدَعَوْا رِفْقَةَ وَقَالُوا لَهَا: هَلْ تَذْهَبِينَ مَعَ هٰذَا ٱلرَّجُلِ؟ فَقَالَتْ: أَذْهَبُ».

هَلْ تَذْهَبِينَ مَعَ هٰذَا ٱلرَّجُلِ لم يكن حينئذ للمرأة في الشرق إلا قليل من الاختيار في أمر زيجتها فكانت رفقة هنا كأبيها وأخيها في أنها نظراً لأدلة عناية الله الواضحة رأت من القبيح أن تأتي شيئاً يصعب الأمر (ع 50) فأعلنت رضاها واستعدادها للذهاب حالاً مع أنها كانت لا تتوقع أن ترى أقرباءها بعد ذلك.

59 «فَصَرَفُوا رِفْقَةَ أُخْتَهُمْ وَمُرْضِعَتَهَا وَعَبْدَ إِبْرَاهِيمَ وَرِجَالَهُ».

ص 35: 8

أُخْتَهُمْ هذا دليل أنه كان لبتوئيل أبناء غير لابان لكن لم يُذكر أحد منهم سوى لابان.

مُرْضِعَتَهَا اسم هذه المرضعة دبورة وكانت محبوبة إلى رفقة ثم إلى يعقوب كما يظهر من نوحه عليها (ص 35: 8).

60، 61 «60 وَبَارَكُوا رِفْقَةَ وَقَالُوا لَهَا: أَنْتِ أُخْتُنَا. صِيرِي أُلُوفَ رَبَوَاتٍ، وَلْيَرِثْ نَسْلُكِ بَابَ مُبْغِضِيهِ. 61 فَقَامَتْ رِفْقَةُ وَفَتَيَاتُهَا وَرَكِبْنَ عَلَى ٱلْجِمَالِ وَتَبِعْنَ ٱلرَّجُلَ. فَأَخَذَ ٱلْعَبْدُ رِفْقَةَ وَمَضَى».

ص 17: 16 ص 22: 17

أُلُوفَ رَبَوَاتٍ الربوة عشرة آلاف ويراد «بألوف ربوات» هنا مجرد الكثرة. وهذه البركة قسمان الأول الإثمار والنمو على وفق الوصية القديمة (ص 1: 28). والثاني الانتصار في الحرب (انظر ص 22: 17).

62 «وَكَانَ إِسْحَاقُ قَدْ أَتَى مِنْ وُرُودِ بِئْرِ لَحَيْ رُئِي إِذْ كَانَ سَاكِناً فِي أَرْضِ ٱلْجَنُوبِ».

ص 16: 14 و25: 11

لَحَيْ رُئِي هي بئر هاجر (ص 16: 14) وكانت في جنوبي البلاد (ص 12: 9) وهنالك جرعاء (واحة) كانت مقاماً محبوباً إلى إسحاق (ص 25: 11) في جوار بئر سبع حيث كان إبراهيم يوم موت سارة (ص 23: 2). ولا بد من أن أليعازر شغل بالسفر أشهراً وكانت قطعان إبراهيم تجول من مكان إلى آخر في تلك المدة لكن أليعازر كان يعرف أين هي في كل وقت لمعرفته السابقة زمان نقل القطعان من الجبال إلى السهول ومن السهول إلى الجبال.

63 «وَخَرَجَ إِسْحَاقُ لِيَتَأَمَّلَ فِي ٱلْحَقْلِ عِنْدَ إِقْبَالِ ٱلْمَسَاءِ، فَرَفَعَ عَيْنَيْهِ وَنَظَرَ وَإِذَا جِمَالٌ مُقْبِلَةٌ».

يشوع 1: 8 ومزمور 1: 2 و77: 12 و119: 15 و143: 5 خروج 14: 27 وتثنية 23: 11

لِيَتَأَمَّلَ فِي ٱلْحَقْلِ فسّر كثيرون من مفسري اليهود التأمل هنا بالصلاة العقلية وكان هذا موافقاً لصلاة اليهود المسائية. وهذا موافق لسجية إسحاق رمز حمل الله الذي سيق إلى الذبح لم يفتح فاه (ص 22: 7).

64 «وَرَفَعَتْ رِفْقَةُ عَيْنَيْهَا فَرَأَتْ إِسْحَاقَ فَنَزَلَتْ عَنِ ٱلْجَمَلِ».

يشوع 15: 18 و1صموئيل 25: 23

فَنَزَلَتْ عَنِ ٱلْجَمَلِ لم تزل العادة في الشرق إلى هذا اليوم إن الإنسان الراكب إذا التقى بمن هو أسمى منه ترجّل ومشى إليه على قدميه فلو لم تترجّل رفقة لظُنت متكبرة غير معترفة بأن إسحاق أسمى منها وأنه سيدها (كما كان إبراهيم سيد سارة). فهنا يظهر لنا إن رفقة كانت فوق كونها جميلة جداً على غاية اللطف والتواضع والخضوع للعناية الإلهية.

65، 66 «65 وَقَالَتْ لِلْعَبْدِ: مَنْ هٰذَا ٱلرَّجُلُ ٱلْمَاشِي فِي ٱلْحَقْلِ لِلِقَائِنَا؟ فَقَالَ ٱلْعَبْدُ: هُوَ سَيِّدِي. فَأَخَذَتِ ٱلْبُرْقُعَ وَتَغَطَّتْ. 66 ثُمَّ حَدَّثَ ٱلْعَبْدُ إِسْحَاقَ بِكُلِّ ٱلأُمُورِ ٱلَّتِي صَنَعَ».

فَأَخَذَتِ ٱلْبُرْقُعَ وَتَغَطَّتْ كانت العروس في الشرق تُزف على زوجها محجبة الجسد كله وكان برقعها حينئذ أحمر والبرقع العادي أي في غير أيام الزفاف أزرق أو أبيض فأظهرت رفقة بذلك لإسحاق أنها عروسه. وكان بعد الزواج يندر أن العروس تتبرقع ولهذا رأى المصريون وأبيمالك سارة فعرفوا أنها جميلة جداً.

67 «فَأَدْخَلَهَا إِسْحَاقُ إِلَى خِبَاءِ سَارَةَ أُمِّهِ، وَأَخَذَ رِفْقَةَ فَصَارَتْ لَهُ زَوْجَةً وَأَحَبَّهَا. فَتَعَزَّى إِسْحَاقُ بَعْدَ مَوْتِ أُمِّهِ».

ص 38: 12

خِبَاءِ سَارَةَ وكذا كان لكل من ليئة وراحيل خباء خاص (ص 31: 33 وانظر أيضاً ع 28 وتفسيره).

اَلأَصْحَاحُ ٱلْخَامِسُ وَٱلْعِشْرُونَ

تزوج إبراهيم قطورة

1 «وَعَادَ إِبْرَاهِيمُ فَأَخَذَ زَوْجَةً ٱسْمُهَا قَطُورَةُ».

ص 16: 3 وع 6 و1أيام 1: 32

وَعَادَ إِبْرَاهِيمُ فَأَخَذَ زَوْجَةً المفهوم أن إبراهيم تزوج قطورة بعد موت سارة ومع أن هذا هو المرجّح ولا يعترضه قوله و «عاد إبراهيم فأخذ» الخ إذ هذا القول لا يُعين الوقت وإبراهيم كان ابن 137 سنة يوم موت سارة وعاش 175 سنة وتُرك وحده بعد زواج إسحاق فتزوج قطورة وولد له منها ستة بنين. إنما الاعتراض الوحيد على ذلك قوله في (ص 17: 17) ما يفيد أنه على خلاف الطبيعة أن يولد ابن لابن مئة سنة فبالأولى أن يكون على خلاف الطبيعة أن يولد له بنون بعد نحو أربعين سنة من ذلك. والذين رأوا أنه تزوج قطورة قبل موت سارة استدلوا على ذلك بذكر أسماء حفدة إبراهيم من قطورة في (ع 3 و4) وإن ذلك لا يكون إلا بعد زمان طويل. ولكن هذا الدليل ضعيف لاحتمال أن الكاتب ذكرهم هنا لبيان السلالة لا لبيان أنهم كانوا حينئذ. وندفع الإشكال بأن الله لم يرجع عن هبته القوة لإبراهيم بعد موت سارة فأبقاها عليه كل تلك المدة. ودفع الإشكال مفسرو اليهود بقولهم إن قطورة هي هاجر عينها فإن إبراهيم ردها إليه بدليل قول الكتاب «وعاد» أي وعاد إبراهيم وتزوج هاجر وكان اسمها حينئذ قطورة ولكن في ع 6 إشارة إلى أن هاجر وقطورة كانتا من جملة سراري إبراهيم. وفي سفر أخبار الأيام الأول أوضح بيان على أن هاجر غير قطورة لذكر نسل كل منهما على حدة (1أيام 1: 32). ونزيد على ذلك إن إسماعيل كان ابن 14 سنة يوم وُلد إسحاق فكان يوم زواج إسحاق ابن أربع وخمسين سنة فتكون هاجر قد كبرت وجاوزت سن الولادة والذي ذُكر أن قطورة ولدت لإبراهيم ستة بنين.

2 «فَوَلَدَتْ لَهُ زِمْرَانَ، وَيَقْشَانَ، وَمَدَانَ، وَمِدْيَانَ، وَيِشْبَاقَ، وَشُوحاً».

1أيام 1: 32 و33 ص 37: 28 و36 خروج 3: 1 وقضاة 6: 1 وإشعياء 60: 6 أيوب 2: 11

زِمْرَانَ رأى يوسيفوس وجيروم أن و طن نسل إبراهيم من قطورة اليمن المعروفة بفيلكس العربية أي العربية السعيدة لكن ذلك لم يؤيَّد بدليل قاطع.

مَدَانَ كان من عظماء أبناء قطورة واشتهر نسله بالتجارة (ص 37: 28). ودعوا في (ص 37: 36) بالعبرانية مدانيين فالظاهر أن نسل مدان اختلط بنسل مديان وصار النسلان قبيلة واحدة. وكان من المديانيين يثرون حمو موسى (خروج 2: 15 و16) ولنجاحهم بالتجارة غنوا وقووا وصاروا رهبة للإسرائيليين (قضاة ص 6 و7 و8).

شُوحاً لعل بلدد الشوحي صديق أيوب من نسله (أيوب 2: 11).

3 - 5 «3 وَوَلَدَ يَقْشَانُ: شَبَا وَدَدَانَ. وَكَانَ بَنُو دَدَانَ: أَشُّورِيمَ وَلَطُوشِيمَ وَلأُمِّيمَ. 4 وَبَنُو مِدْيَانَ: عَيْفَةُ وَعِفْرُ وَحَنُوكُ وَأَبِيدَاعُ وَأَلْدَعَةُ. جَمِيعُ هٰؤُلاَءِ بَنُو قَطُورَةَ. 5 وَأَعْطَى إِبْرَاهِيمُ إِسْحَاقَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ».

أيوب 1: 15 و6: 19 إشعياء 21: 13 وإرميا 25: 23 و49: 8 وحزقيال 25: 13 حزقيال 27: 23 إشعياء 60: 6 ص 24: 36

وَوَلَدَ يَقْشَانُ: شَبَا وَدَدَانَ لكن ذكر قبلاً إن شبا وددان ابنا رعمة بن كوش (ص 10: 7) فلنا هنا برهان على أن هذه الجداول النسبية تشير إلى أماكن معينة وإن هذه الأماكن كانت آهلة بالحاميين ثم غلبهم الساميون واستولوا عليها وكانوا يدعون أنهم نسل إبراهيم فيرجّح كل الترجيح أن شبا وددان هنا ليسا باسمي رجلين فهما فريقان من ابني يقشان استوليا على أرص حام ودُعيا باسم سبا وددان لأنهما من نسلهما وقد بُيّن أنهما أرضان في (إرميا 6: 20 و49: 8 وحزقيال 25: 13 و27: 15 و22 و38 - 13 الخ).

أَشُّورِيمَ وَلَطُوشِيمَ وَلأُمِّيمَ هذه ليست بأسماء أشخاص بل هي أسماء قبائل انقسم إليها الددانيون.

6 «وَأَمَّا بَنُو ٱلسَّرَارِيِّ ٱللَّوَاتِي كَانَتْ لإِبْرَاهِيمَ فَأَعْطَاهُمْ إِبْرَاهِيمُ عَطَايَا وَصَرَفَهُمْ عَنْ إِسْحَاقَ ٱبْنِهِ شَرْقاً إِلَى أَرْضِ ٱلْمَشْرِقِ وَهُوَ بَعْدُ حَيٌّ».

ع 1 ص 21: 14 قضاة 6: 3

أَرْضِ ٱلْمَشْرِقِ أي بلاد العرب والقسم الجنوبي مما بين النهرين فقووا على أهل تلك البلاد واستولوا عليها. ولم تزل البدو إلى هذا اليوم يفعلون فعل إبراهيم فإنهم متى كبر أولادهم إعطوا كل ولد نصيبه من الأملاك أو المال (لوقا 15: 21) فيذهب كل إلى جهة ويتركون الأكبر في البيت.

7 «وَهٰذِهِ أَيَّامُ سِنِي حَيَاةِ إِبْرَاهِيمَ ٱلَّتِي عَاشَهَا: مِئَةٌ وَخَمْسٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً».

مِئَةٌ وَخَمْسٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً كان إبراهيم ابن خمس وسبعين سنة يوم ترك حاران (ص 12: 4) فسكن أرض كنعان نحو قرن كامل شغل ربعه في امتحان إيمانه الطويل قبل أن يولد له إسحاق وإذ كان عيسو ويعقوب وُلدا لإسحاق وهو ابن ستين سنة (ع 26) كان كل منهما عند وفاة إبراهيم في سن الخامسة عشرة فيرجح أنهما نظرا جدهما إبراهيم مراراً كثيرة وحصلا على بركته.

8 «وَأَسْلَمَ إِبْرَاهِيمُ رُوحَهُ وَمَاتَ بِشَيْبَةٍ صَالِحَةٍ، شَيْخاً وَشَبْعَانَ أَيَّاماً، وَٱنْضَمَّ إِلَى قَوْمِهِ».

ص 15: 15 ص 35: 29 و49: 29 و33

إِبْرَاهِيمُ... ٱنْضَمَّ إِلَى قَوْمِهِ هذا يدل على الحياة الأخرى بعد انفصال النفس عن الجسد لأن قومه لم يكونوا مدفونين في أرض كنعان حيث دُفن فالمعنى إن نفسه الخالدة انضمت إلى نفوسهم (انظر تفسير ص 15: 15 وعبرانيين 11: 16)

9، 10 «9 وَدَفَنَهُ إِسْحَاقُ وَإِسْمَاعِيلُ ٱبْنَاهُ فِي مَغَارَةِ ٱلْمَكْفِيلَةِ فِي حَقْلِ عِفْرُونَ بْنِ صُوحَرَ ٱلْحِثِّيِّ ٱلَّذِي أَمَامَ مَمْرَا 10 ٱلْحَقْلِ ٱلَّذِي ٱشْتَرَاهُ إِبْرَاهِيمُ مِنْ بَنِي حِثٍّ. هُنَاكَ دُفِنَ إِبْرَاهِيمُ وَسَارَةُ ٱمْرَأَتُهُ».

ص 35: 29 و50: 13 ص 23: 9 ص 23: 17 و18 ص 49: 31

إِسْحَاقُ وَإِسْمَاعِيلُ ٱبْنَاهُ كان إسحاق يومئذ في سن الخامسة والسبعين وإسماعيل في سن التاسعة والثمانين فتلاقى هذا الشيخان صديقين على قبر أبيهما بعد العداوة سنين كثيرة. وكان أبناء قطورة في أقصى بلاد العرب على ما يظهر وكان وطن إسماعيل فاران (ص 21: 21) غير بعيد عن وطن إسحاق الذي عند بئر لحي رُئي.

11 «وَكَانَ بَعْدَ مَوْتِ إِبْرَاهِيمَ أَنَّ ٱللهَ بَارَكَ إِسْحَاقَ ٱبْنَهُ. وَسَكَنَ إِسْحَاقُ عِنْدَ بِئْرِ لَحَيْ رُئِي».

ص 16: 14 و24: 62

أَنَّ ٱللهَ بَارَكَ إِسْحَاقَ ٱبْنَهُ بهذه البركة تم الكلام على مواليد تارح وهو جزء نافع ثمين من أجزاء كتاب الله وأساس تعليم الإنجيل وفيه أسلوب إتمام الوعد الذي في (ص 3: 15) أو بيان أصل الجنس المختار وامتحان الإيمان وتمهيد السبيل إلى إعطاء الشريعة ونمو نور النبوءة بالقرب الذي به سار إبراهيم مع الله.

مواليد إسماعيل

12 «وَهٰذِهِ مَوَالِيدُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، ٱلَّذِي وَلَدَتْهُ هَاجَرُ ٱلْمِصْرِيَّةُ جَارِيَةُ سَارَةَ لإِبْرَاهِيمَ».

ص 16: 15

وَهٰذِهِ مَوَالِيدُ إِسْمَاعِيلَ لم يترك الله اسم إسماعيل منسياً فذكر نسله بمقابلة نسل الذي يأتي منه المسيح حسب الجسد بياناً إن المسيح مخلص للجميع لا لليهود فقط.

13 - 15 «13 وَهٰذِهِ أَسْمَاءُ بَنِي إِسْمَاعِيلَ بِأَسْمَائِهِمْ حَسَبَ مَوَالِيدِهِمْ: نَبَايُوتُ بِكْرُ إِسْمَاعِيلَ، وَقِيدَارُ، وَأَدَبْئِيلُ، وَمِبْسَامُ، 14 وَمِشْمَاعُ، وَدُومَةُ، وَمَسَّا، 15 وَحَدَارُ، وَتَيْمَا، وَيَطُورُ، وَنَافِيشُ، وَقِدْمَةُ».

أيوب 1: 29 إلى 31 ص 29: 9 و36: 3 وإشعياء 60: 7 نشيد الأنشاد 1: 5 وإشعياء 42: 11 و60: 7 وإرميا 49: 28 وحزقيال 27: 21 إشعياء 21: 11 أيوب 6: 19 وإشعياء 21: 14 وإرميا 25: 23 و1أيام 5: 19 ولوقا 3: 1 و1أيام 5: 19

وَهٰذِهِ أَسْمَاءُ بَنِي إِسْمَاعِيلَ وهم قبائل من العرب منهم «نبايوت وقيدار» وهاتان القبيلتان من الرعاة الكثيري القطعان (إشعياء 21: 11). «وتيما» ووصفت هذه القبيلة بالكرم والضيافة (إشعياء 21: 14) وكانت مجتهدة في التجارة (إرميا 25: 23) ويطور ونافيش وغيرهما من نسل إبراهيم من هاجر المصرية حاربهم رأوبين وأحلافه وغلبهوهم (1أيام 5: 19). وغُيّر اسم يطور فصار أيطورية (لوقا 3: 1). ومن أراد الكلام على كل بني إسماعيل فعليه بمعجم الكتاب المقدس لسمث وأمثاله. وكان وطن القبائل الاثني عشرة التي من إسماعيل القسم الشمالي من بلاد العرب فامتدت هنالك على توالي الزمان وسادت اليقطانيين حتى لم يبق لهم ذكر (ص 10: 26 - 30). ودُعي أبناء إسماعيل أمراء أو رؤساء. فلنا من ذلك أنه نشأ عن إسماعيل نسل سامي كبير كان يتقدم إلى مصر فاستولى إسماعيل بهم على فاران وتركها لهم ميراثاً (ص 12: 15).

16 «هٰؤُلاَءِ هُمْ بَنُو إِسْمَاعِيلَ، وَهٰذِهِ أَسْمَاؤُهُمْ بِدِيَارِهِمْ وَحُصُونِهِمْ. ٱثْنَا عَشَرَ رَئِيساً حَسَبَ قَبَائِلِهِمْ».

ص 17: 20

بِدِيَارِهِمْ وَحُصُونِهِمْ كانت ديارهم قرى وخياماً فمنهم بدو ومنهم حضر (لاويين 25: 31 ومزمور 10: 8 وإشعياء 42: 11 وعدد 10: 1 و1أيام 6: 54 وحزقيال 25: 4).

17 «وَهٰذِهِ سِنُو حَيَاةِ إِسْمَاعِيلَ: مِئَةٌ وَسَبْعٌ وَثَلاَثُونَ سَنَةً. وَأَسْلَمَ رُوحَهُ وَمَاتَ وَٱنْضَمَّ إِلَى قَوْمِهِ».

ع 8

مِئَةٌ وَسَبْعٌ وَثَلاَثُونَ سَنَةً فيكون إسحاق في سن المئة والثالثة والعشرين عند وفاة إسماعيل وتوفي إسحاق ابن مئة وثمانين فيكون قد عاش بعد وفاة إسماعيل سبعاً وخمسين سنة.

18 «(وَسَكَنُوا مِنْ حَوِيلَةَ إِلَى شُورَ ٱلَّتِي أَمَامَ مِصْرَ حِينَمَا تَجِيءُ نَحْوَ أَشُّورَ). أَمَامَ جَمِيعِ إِخْوَتِهِ نَزَلَ».

1صموئيل 15: 7 ص 16: 12

حَوِيلَةَ في الجنوب عند خليج العجم (انظر ص 10: 29).

شُورَ كانت شور تخمهم الغربي من جهة مصر وهي أرض عماليق عينها (1صموئيل 15: 7).

حِينَمَا تَجِيءُ نَحْوَ أَشُّورَ ليس المعنى أن شور كانت في الطريق إلى أشور بل أنها الحد الغربي للأرض التي سكنها بنو إسماعيل.

أَمَامَ جَمِيعِ إِخْوَتِهِ أي شرقي أرض كل إخوته. كانت أشور شمالي فلسطين وكانت بلاد العرب إلى الشرق.

مواليد إسحاق ع 19 إلى 29

ميلاد ابني إسحاق

19 «وَهٰذِهِ مَوَالِيدُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ: وَلَدَ إِبْرَاهِيمُ إِسْحَاقَ».

متى 1: 2

وَلَدَ إِبْرَاهِيمُ إِسْحَاقَ لعلّه كانت مواليد إسحاق بين الناس يومئذ من سام إلى آخر ما ذُكر هنا لكن المؤرخ الملهم ذكر منها ما هو ضروري لبيان قصد الله من فداء البشر.

20 «وَكَانَ إِسْحَاقُ ٱبْنَ أَرْبَعِينَ سَنَةً لَمَّا اتَّخَذَ لِنَفْسِهِ زَوْجَةً، رِفْقَةَ بِنْتَ بَتُوئِيلَ ٱلأَرَامِيِّ، أُخْتَ لاَبَانَ ٱلأَرَامِيِّ مِنْ فَدَّانِ أَرَامَ».

ص 22: 23 ص 24: 29 ص 28: 2 و31: 18 و33: 18

ٱلأَرَامِيِّ أي الذي هو من نسل أرام (انظر ص 10: 22 و23) واسم البلاد فدان أرام فهي ليست بأرام النهرين التي ذُكرت في (ص 24: 10) بل هي الأرض المجاورة لحاران.

21 «وَصَلَّى إِسْحَاقُ إِلَى ٱلرَّبِّ لأَجْلِ ٱمْرَأَتِهِ لأَنَّهَا كَانَتْ عَاقِراً، فَٱسْتَجَابَ لَهُ ٱلرَّبُّ، فَحَبِلَتْ رِفْقَةُ ٱمْرَأَتُهُ».

1أيام 5: 20 و2أيام 33: 13 وعزرا 8: 23 ورومية 9: 10

وَصَلَّى إِسْحَاقُ إِلَى ٱلرَّبِّ (كما كان يصلي أبوه إبراهيم).

لأَجْلِ ٱمْرَأَتِهِ لأَنَّهَا كَانَتْ عَاقِراً (كأمه سارة) وبقيت عاقراً 20 سنة لأنها ولدت وإسحاق ابن ستين سنة (ع 26). ولا ريب في أن إسحاق كان قلقاً لذلك لكنه كان متكلاً على وعد الرب الذي فداه من الموت في جبل يهوه يرى. ولما ولدت رفقة علم الوالدان أن نسلهما يكون ممتازاً وإنهما يجب عليهما أن يعتنيا بتريبة الولدين.

22 «وَتَزَاحَمَ ٱلْوَلَدَانِ فِي بَطْنِهَا، فَقَالَتْ: إِنْ كَانَ هٰكَذَا فَلِمَاذَا أَنَا؟ فَمَضَتْ لِتَسْأَلَ ٱلرَّبَّ».

ص 27: 46 1صموئيل 9: 9 و10: 22

وَتَزَاحَمَ ٱلْوَلَدَانِ قام من إبراهيم أمتان مختلفتان من أمين مختلفتين لكن قام من إسحاق أمتان مختلفتان من أم واحدة ووقع الخصام بينهما قبل أن يولداً.

إِنْ كَانَ هٰكَذَا فَلِمَاذَا أَنَا قال بعضهم المعنى لماذا أبقى حية. وقال آخر المرجّح إن المعنى إن كان حبلي إجابة لصلاة زوجي فلماذا أنا أُعذب وأتألم على هذا الأسلوب الغريب فأرادت أن تعرف العلة فسألت الرب.

فَمَضَتْ لِتَسْأَلَ ٱلرَّبَّ لم تمض إلى سام ولا إلى ملكي صادق كما ظن كثيرون ولا إلى إبراهيم الذي كان حياً يومئذ بل مضت إلى مذبح الأسرة الإبراهيمية كما قال ثيودورت. وكان لإسحاق عدة منازل والمرجح إن ذلك المذبح كان عند المنزل الذي هو بيت إيل أُقيم في أول دخول إبراهيم أرض الموعد (ص 12: 7) ولذلك كان ممتازاً بالقداسة على غيره وإن كان إبراهيم قد كان هنالك يومئذ فلا ريب في أنه صلى مع رفقة.

23، 24 «23 فَقَالَ لَهَا ٱلرَّبُّ: فِي بَطْنِكِ أُمَّتَانِ، وَمِنْ أَحْشَائِكِ يَفْتَرِقُ شَعْبَانِ: شَعْبٌ يَقْوَى عَلَى شَعْبٍ، وَكَبِيرٌ يُسْتَعْبَدُ لِصَغِيرٍ 24 فَلَمَّا كَمَلَتْ أَيَّامُهَا لِتَلِدَ إِذَا فِي بَطْنِهَا تَوْأَمَانِ».

عدد 24: 18 و2صموئيل 8: 14 ص 27: 29 و40 وملاخي 1: 2 و3 ورومية 9: 12 و13

فَقَالَ لَهَا ٱلرَّبُّ لم يقل لها بفم إبراهيم ولا في حلم بل قال لها رأساً كما كان يخاطب آدم وحواء. ولا نعلم هل ظهر لها كما ظهر لإبراهيم عند بلوطات ممرا أو على غير أسلوب ولا نقدر أن نخترع أسلوباً من أنفسنا لأن الاسلوب لم يُعلن ويكفي أن نعلم إن يهوه كان يكلم الناس قديماً.

فِي بَطْنِكِ أُمَّتَانِ الجواب في العبرانية شعر وخلاصته إن الولدين في رحمها يختلفان في السجايا ويكون من كل منهما شعب يتعاديان ويكون الشعب من المولود أولاً عبداً للشعب من المولود ثانياً.

25 «فَخَرَجَ ٱلأَوَّلُ أَحْمَرَ، كُلُّهُ كَفَرْوَةِ شَعْرٍ، فَدَعَوْا ٱسْمَهُ عِيسُوَ».

ص 27: 11 و23

أَحْمَرَ وفي العبرانية «ادموني» وهو علة ثانية لاسم أدوم (ع 30).

كُلُّهُ كَفَرْوَةِ شَعْرٍ أي كفروة ذات شعر مثل جلد المعزى.

عِيسُوَ معناه أشعر أو شعراني أي كثير الشعر طويله.

26 «وَبَعْدَ ذٰلِكَ خَرَجَ أَخُوهُ وَيَدُهُ قَابِضَةٌ بِعَقِبِ عِيسُو، فَدُعِيَ ٱسْمُهُ يَعْقُوبَ. وَكَانَ إِسْحَاقُ ٱبْنَ سِتِّينَ سَنَةً لَمَّا وَلَدَتْهُمَا».

هوشع 12: 3 ص 27: 36

وَيَدُهُ قَابِضَةٌ بِعَقِبِ عِيسُو يغلب أن يكون بين ولادة أحد التوأمين والآخر ساعة أو أكثر لكن هنا وُلد يعقوب على أثر عيسو بلا تأخر وهذا معنى العبارة أي وُلد كأنه ماسك بعقبه حتى لم يكن بين المولدين زمان يُذكر فهي كناية أو تمثيل.

فَدُعِيَ ٱسْمُهُ يَعْقُوبَ أي يعقب أو يتعقب أو عاقب أو متعقب وجعله عيسو اسماً رديئاً (ص 27: 36).

بيان سجايا كل من عيسو ويعقوب وبيع عيسو بكوريته

27 «فَكَبِرَ ٱلْغُلاَمَانِ. وَكَانَ عِيسُو إِنْسَاناً يَعْرِفُ ٱلصَّيْدَ، إِنْسَانَ ٱلْبَرِّيَّةِ. وَيَعْقُوبُ إِنْسَاناً كَامِلاً يَسْكُنُ ٱلْخِيَامَ».

ص 27: 3 و4 أيوب 1: 1 و8 و2: 3 ومزمور 37: 37 عبرانيين 11: 9

فَكَبِرَ ٱلْغُلاَمَانِ فظهرت بالكبر سجايا كل منهما فكان عيسو ماهراً في الصيد بدوياً يسكن البادية غير المفلوحة (انظر ص 4: 8) وكان يعقوب يسعى وراء الكمال.

يَسْكُنُ ٱلْخِيَامَ وعيسو كان يسكن الخيام أيضاً لكن يعقوب كان يقيم بأرض واحدة كأهل الحضر والمدر لا كأهل الوبر والترحال يعتني بمواشيه وقطعانه ومراعيه ولهذا كان محبوباً إلى أمه. فاختلاف الولدين في السجايا أنشأ اختلاف الشعور في قلوب الولدين من جهتهما فأحب إسحاق عيسو كما أحبت رفقة يعقوب.

28 «فَأَحَبَّ إِسْحَاقُ عِيسُوَ لأَنَّ فِي فَمِهِ صَيْداً، وَأَمَّا رِفْقَةُ فَكَانَتْ تُحِبُّ يَعْقُوبَ».

ص 27: 3 و19 و25 و31 ص 27: 6

لأَنَّ فِي فَمِهِ صَيْداً أي لأنه كان في فم إسحاق كطعام من صيد عيسو ولحم الصيد مما يلذ لشيوخ العرب كثيراً وكان إسحاق يومئذ شيخاً.

29 - 33 «29 وَطَبَخَ يَعْقُوبُ طَبِيخاً، فَأَتَى عِيسُو مِنَ ٱلْحَقْلِ وَهُوَ قَدْ أَعْيَا. 30 فَقَالَ عِيسُو لِيَعْقُوبَ: أَطْعِمْنِي مِنْ هٰذَا ٱلأَحْمَرِ لأَنِّي قَدْ أَعْيَيْتُ. (لِذٰلِكَ دُعِيَ ٱسْمُهُ أَدُومَ). 31 فَقَالَ يَعْقُوبُ: بِعْنِي ٱلْيَوْمَ بَكُورِيَّتَكَ. 32 فَقَالَ عِيسُو: هَا أَنَا مَاضٍ إِلَى ٱلْمَوْتِ، فَلِمَاذَا لِي بَكُورِيَّةٌ؟ 33 فَقَالَ يَعْقُوبُ: ٱحْلِفْ لِيَ ٱلْيَوْمَ. فَحَلَفَ لَهُ. فَبَاعَ بَكُورِيَّتَهُ لِيَعْقُوبَ».

ص 36: 1 عبرانيين 12: 16

ًطَبَخَ يَعْقُوبُ طَبِيخا كان عيسو قد تعب في البرية ورجع إلى البيت جائعاً فلما شمّ رائحة الطبيخ اشتهاه كثيراً وكان ذلك الطبيخ طبيخ العدس الأحمر وكان مما يختص بيعقوب فألح عليه بأن يطعمه فرأى يعقوب فرصة حينئذ لأن يستولي على البكورية ويكون هو الوارث الوحيد للوعد الإلهي المقدس.

لِذٰلِكَ دُعِيَ ٱسْمُهُ أَدُومَ أي أحمر. كان لعيسو أن يدعى أدوم قبل ذلك للونه عند ولادته لكن هنا صار ذلك اسماً مشهوراً له.

34 «فَأَعْطَى يَعْقُوبُ عِيسُوَ خُبْزاً وَطَبِيخَ عَدَسٍ، فَأَكَلَ وَشَرِبَ وَقَامَ وَمَضَى. فَٱحْتَقَرَ عِيسُو ٱلْبَكُورِيَّةَ».

جامعة 8: 15 وإشعياء 22: 13 و1كورنثوس 15: 32

فَأَكَلَ وَشَرِبَ وَقَامَ وَمَضَى أي لم يكترث بالبكورية وهي من أحسن البركات فآثر عليها أكلة من العدس وبعد ذلك لم يشعر بحزن أو ندم على ما فعل كأنه لم يخسر شيئاً. نعم إن يعقوب كان بذلك محتالاً لم يسلك سنن الحق لكنه أبان أنه كان يحسب البكورية أمراً مقدساً ذا شأن ومع ذلك جوزي على احتياله وعوقب عقاباً شديداً. نعم صار أبا شعب الموعد الجنس المختار الذي جاء المسيح منه لكنه مع هذا كانت حياته كثيرة البلايا والأخطار. فإنه هرب من أخيه ولقي ما لقي عقاباً على خداعه. لكنه رجع عن ذلك أخيراً وتاب توبة خالصة وجرى على سنن الحق حتى بُدل اسمه العالمي يعقوب باسمه الروحي إسرائيل. وقد ظهر بعد ذلك أنه كان مملوءاً من التوكل على الله والإيمان به معتزلاً حب العالم والذات ذا لطف ومحبة وحنو مطهراً من آثامه السابقة آسفاً على صدورها منه متقدماً في سنن القداسة حتى استحق الاسم الجديد الذي معناه «أمير مع الله».

اَلأَصْحَاحُ ٱلسَّادِسُ وَٱلْعِشْرُونَ

ذهاب إسحاق إلى جرار

1 « وَكَانَ فِي ٱلأَرْضِ جُوعٌ غَيْرُ ٱلْجُوعِ ٱلأَوَّلِ ٱلَّذِي كَانَ فِي أَيَّامِ إِبْرَاهِيمَ، فَذَهَبَ إِسْحَاقُ إِلَى أَبِيمَالِكَ مَلِكِ ٱلْفِلِسْطِينِيِّينَ إِلَى جَرَارَ».

ص 12: 10 ص 20: 2

فَذَهَبَ إِسْحَاقُ... إِلَى جَرَارَ جرياً على سنن المهاجرة السامية (ص 12: 15). كان إسحاق يقصد أن يذهب إلى مصر لكن الله أمره أن يقيم بأرض كنعان وبذلك حقق له أنه يرثها بمقتضى الوعد لأبيه. وكان إسحاق يومئذ ساكناً عند بئر «لحي رئي». وهذا المحل لم يعرف حق المعرفة اليوم ولكنه كان بعيداً إلى الجنوب لأن إسحاق ذهب منه إلى جرار على الطريق المؤدية إلى مصر.

2 «وَظَهَرَ لَهُ ٱلرَّبُّ وَقَالَ: لاَ تَنْزِلْ إِلَى مِصْرَ. ٱسْكُنْ فِي ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي أَقُولُ لَكَ».

ص 12: 1

وَظَهَرَ لَهُ ٱلرَّبُّ هذه المرة فقط ما عدا ظهوره له في الآية الرابعة والعشرين وقد مر ستون سنة على ظهوره لإبراهيم في (ص 12). على أن ظهوره لغير إبراهيم من الآباء كان قليلاً نعم إنه كان يعتني بكل أمورهم ولكنه ما كان يظهر لهم إلا عند الضرورة لتقوية إيمانهم.

3 - 6 «3 تَغَرَّبْ فِي هٰذِهِ ٱلأَرْضِ فَأَكُونَ مَعَكَ وَأُبَارِكَكَ، لأَنِّي لَكَ وَلِنَسْلِكَ أُعْطِي جَمِيعَ هٰذِهِ ٱلْبِلاَدِ، وَأَفِي بِٱلْقَسَمِ ٱلَّذِي أَقْسَمْتُ لإِبْرَاهِيمَ أَبِيكَ. 4 وَأُكَثِّرُ نَسْلَكَ كَنُجُومِ ٱلسَّمَاءِ، وَأُعْطِي نَسْلَكَ جَمِيعَ هٰذِهِ ٱلْبِلاَدِ، وَتَتَبَارَكُ فِي نَسْلِكَ جَمِيعُ أُمَمِ ٱلأَرْضِ، 5 مِنْ أَجْلِ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ سَمِعَ لِقَوْلِي وَحَفِظَ مَا يُحْفَظُ لِي: أَوَامِرِي وَفَرَائِضِي وَشَرَائِعِي. 6 فَأَقَامَ إِسْحَاقُ فِي جَرَارَ».

ص 20: 1 ومزمور 39: 12 وعبرانيين 11: 9 ص 28: 15 ص 12: 2 ص 13: 15 و15: 18 ص 22: 16 ومزمور 105: 9 ص 15: 5 و22: 17 ص 12: 3 و22: 18 ص 22: 16 و18

هٰذِهِ ٱلأَرْضِ الخ ذُكر سكان هذه الأرض في (ص 15: 19 - 21). وذُكر الكلام على القَسم في تفسير (ص 12: 16). وعلى التمثيل بالنجوم في تفسير (ص 15: 5).

7 «وَسَأَلَهُ أَهْلُ ٱلْمَكَانِ عَنِ ٱمْرَأَتِهِ،ؤ فَقَالَ: هِيَ أُخْتِي. لأَنَّهُ خَافَ أَنْ يَقُولَ «ٱمْرَأَتِي» لَعَلَّ أَهْلَ ٱلْمَكَانِ «يَقْتُلُونَنِي مِنْ أَجْلِ رِفْقَةَ» لأَنَّهَا كَانَتْ حَسَنَةَ ٱلْمَنْظَرِ».

فَقَالَ هِيَ أُخْتِي جرى إسحاق في هذا على سنن أبيه (ص 20: 2) وكانت علته علة أبيه عينها ولكن ملك جرار لم يأخذ هنا رفقة كما أخذ الذي قبله سارة ولم يُعط هذا إسحاق كما أعطى ذاك إبراهيم. وعرف هذا بعد ذلك إن رفقة امرأة إسحاق وأخيراً طرده من أرضه فبعد عنه ثم صار بينهما صداقة وسلام.

8 «وَحَدَثَ إِذْ طَالَتْ لَهُ ٱلأَيَّامُ هُنَاكَ أَنَّ أَبِيمَالِكَ مَلِكَ ٱلْفِلِسْطِينِيِّينَ أَشْرَفَ مِنَ ٱلْكُوَّةِ وَنَظَرَ، وَإِذَا إِسْحَاقُ يُلاَعِبُ رِفْقَةَ ٱمْرَأَتَهُ».

قضاة 5: 28 وأمثال 7: 6

أَبِيمَالِكَ هذا اسم لكل ملك من ملوك الفلسطينيين (انظر تفسير ص 21: 22). كان قد مضى ثمانون سنة على تغرب إبراهيم في جرار فيرجح كل الترجيح ان أبيمالك إسحاق غير أبيمالك إبراهيم. وكانت فلسطين مملكة ضعيفة لكنها قويت أخيراً وكانت من شر أعداء الإسرائيليين في نهاية عصر القضاة.

9 - 11 «9 فَدَعَا أَبِيمَالِكُ إِسْحَاقَ وَقَالَ: إِنَّمَا هِيَ ٱمْرَأَتُكَ! فَكَيْفَ قُلْتَ: هِيَ أُخْتِي؟ فَقَالَ لَهُ إِسْحَاقُ: لأَنِّي قُلْتُ: لَعَلِّي أَمُوتُ بِسَبَبِهَا. 10 فَقَالَ أَبِيمَالِكُ: مَا هٰذَا ٱلَّذِي صَنَعْتَ بِنَا؟ لَوْلاَ قَلِيلٌ لٱضْطَجَعَ أَحَدُ ٱلشَّعْبِ مَعَ ٱمْرَأَتِكَ فَجَلَبْتَ عَلَيْنَا ذَنْباً. 11 فَأَوْصَى أَبِيمَالِكُ جَمِيعَ ٱلشَّعْبِ: ٱلَّذِي يَمَسُّ هٰذَا ٱلرَّجُلَ أَوِ ٱمْرَأَتَهُ مَوْتاً يَمُوتُ».

ص 20: 9 مزمور 105: 15

في هذه الآيات دليل قاطع على حسن أخلاق أبيمالك وعظيم مروءته وبيان أن علة كذب إسحاق كانت كعلة كذب إبراهيم أبيه.

12، 13 «12 وَزَرَعَ إِسْحَاقُ فِي تِلْكَ ٱلأَرْضِ فَأَصَابَ فِي تِلْكَ ٱلسَّنَةِ مِئَةَ ضِعْفٍ، وَبَارَكَهُ ٱلرَّبُّ. 13 فَتَعَاظَمَ ٱلرَّجُلُ وَكَانَ يَتَزَايَدُ فِي ٱلتَّعَاظُمِ حَتَّى صَارَ عَظِيماً جِدّاً».

ص 24: 1 و45 وع 3 وأيوب 42: 12 ص 24: 35 ومزمور 1112: 3 وأمثال 10: 22

وَزَرَعَ إِسْحَاقُ فِي تِلْكَ ٱلأَرْضِ غرس إبراهيم اثلاً في بئر سبع (ص 21: 33) فأعلن إن الموضع مقام دائم يستحق أن يزين بالغروس ويُزاد حسناً. وإسحاق ويعقوب تقدماً في إعلان ذلك شيئاً إذ حرثا الأرض وزرعاها. ولم يكن إسحاق في أول أمره كأحد شيوخ البلاد في هذا العصر. فإن أهل البادية كثيراً ما يرون أرضاً مزروعة فينتظرون أن ينضج زرعها ويجنونه غنيمة باردة لأن حرث الأرض وزرعها عار عندهم وإسحاق لما اضطر إلى ذلك حرث وزرع ولعله أخذ الميل إلى الزرع عن أبيه إبراهيم في بئر سبع. وكان قبل يشتري الحبوب لا ينهبها. ولم يذهب إسحاق إلى جرار إلا من الجوع ويرجح أنه كان قد فقد أكثر مواشيه وقطعانه وكثيراً من قومه حتى اضطر إلى الزرع وبارك الله زرعه فنما وأغناه. ثم رجع إلى بئر سبع وصار منذ ذلك العهد يزرع تلك الأرض.

14 «فَكَانَ لَهُ مَوَاشٍ مِنَ ٱلْغَنَمِ وَمَوَاشٍ مِنَ ٱلْبَقَرِ وَعَبِيدٌ كَثِيرُونَ. فَحَسَدَهُ ٱلْفِلِسْطِينِيُّونَ».

ص 12: 16 ص 37: 11 وجامعة 4: 4

عَبِيدٌ كَثِيرُونَ يعتنون بالبقر والغنم والزرع.

15، 16 «15 وَجَمِيعُ ٱلآبَارِ، ٱلَّتِي حَفَرَهَا عَبِيدُ أَبِيهِ فِي أَيَّامِ إِبْرَاهِيمَ أَبِيهِ، طَمَّهَا ٱلْفِلِسْطِينِيُّونَ وَمَلأُوهَا تُرَاباً. 16 وَقَالَ أَبِيمَالِكُ لإِسْحَاقَ: ٱذْهَبْ مِنْ عِنْدِنَا لأَنَّكَ صِرْتَ أَقْوَى مِنَّا جِدّاً».

ص 21: 30 خروج 1: 9

ٱلآبَار الخ يُعتبر حفر الآبار في الشرق من أحسن أعمال الإحسان لكن الفلسطينيين طموا الآبار التي حفرها إبراهيم. ولعل الذي حملهم على ذلك ملكه إياها لما كان بينه وبين أبيمالك من العهد (ص 21: 23) وحسبوا ذلك اختلاساً لحقوقهم لأنهم أهل الأرض فوق ما اتقد في قلوبهم من نيران الحسد. ولما رأوا وفرة غناه عزموا على طرده من أرضهم وكان من أحسن الوسائل إلى ذلك طم الآبار التي بدونها تهلك كل بهائمه. ثم أمره الملك بالذهاب وأبان له العلة وهي أنه صار أقوى منهم.

17 «فَمَضَى إِسْحَاقُ مِنْ هُنَاكَ. وَنَزَلَ فِي وَادِي جَرَارَ وَأَقَامَ هُنَاكَ».

وَادِي جَرَارَ هذا الوادي مضيق يجري فيه الماء صيفاً في عدة مواضع وإذا حفر هضمه خرج الماء منه. وسار إسحاق إلى هناك لأنه ظن الوادي بعيداً عن جرار فيقيم به بسلام لكنه أخطأ بذلك وإن مر عليه فيه مدة وهو في راحة وأمن.

18 - 22 «18 فَعَادَ إِسْحَاقُ وَنَبَشَ آبَارَ ٱلْمَاءِ ٱلَّتِي حَفَرُوهَا فِي أَيَّامِ إِبْرَاهِيمَ أَبِيهِ، وَطَمَّهَا ٱلْفِلِسْطِينِيُّونَ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ، وَدَعَاهَا بِأَسْمَاءٍ كَٱلأَسْمَاءِ ٱلَّتِي دَعَاهَا بِهَا أَبُوهُ. 19 وَحَفَرَ عَبِيدُ إِسْحَاقَ فِي ٱلْوَادِي فَوَجَدُوا هُنَاكَ بِئْرَ مَاءٍ حَيٍّ. 20 فَخَاصَمَ رُعَاةُ جَرَارَ رُعَاةَ إِسْحَاقَ قَائِلِينَ: لَنَا ٱلْمَاءُ. فَدَعَا ٱسْمَ ٱلْبِئْرِ «عِسِقَ» لأَنَّهُمْ نَازَعُوهُ. 21 ثُمَّ حَفَرُوا بِئْراً أُخْرَى وَتَخَاصَمُوا عَلَيْهَا أَيْضاً، فَدَعَا ٱسْمَهَا سِطْنَةَ. 22 ثُمَّ نَقَلَ مِنْ هُنَاكَ وَحَفَرَ بِئْراً أُخْرَى وَلَمْ يَتَخَاصَمُوا عَلَيْهَا، فَدَعَا ٱسْمَهَا «رَحُوبُوتَ» وَقَالَ: إِنَّهُ ٱلآنَ قَدْ أَرْحَبَ لَنَا ٱلرَّبُّ وَأَثْمَرْنَا فِي ٱلأَرْضِ».

ع 15 ص 21: 31 نشيد الأنشاد 4: 15 وإرميا 2: 13 وزكريا 14: 8 ويوحنا 4: 10 ص 21: 25 تثنية 33: 20 و2صموئيل 22: 20 ص 17: 6 و28: 3 و41: 52 وخروج 1: 7

فَعَادَ إِسْحَاقُ وَنَبَشَ آبَارَ ٱلْمَاءِ هذا العمل جدّد ملكه في أرض الفلسطينيين وكانت بئره الأولى في وادي جرار وكانت ذات قيمة عظيمة لا لبقاء مائها فقط بل لكونها كانت تمد من الينابيع المجاورة بدليل أنها «بئر ماء حي» (ع 19). فخاصمه الفلسطينيون فتركها بغية السلام مع أنه كان يحق له أن يملكها بناء على العهد الذي كان بين أبيه وملك جرار لكنه تركها كارهاً ولذلك سماها «عسق» أي نزاعاً (ع 20). ولما اضطر أن يترك البئر الثانية دعاها «سطنة» أي خصاماً أو عداوة فإنهم شددوا الاضطهاد له حينئذ. ولما سئم الخصام وتعب منه أبعد عنهم كثيراً فبلغوا غايتهم وكفوا عنه. فحفر بئراً أخرى ودعا اسمها «رحوبوت» أي رحباً أو موضعاً واسعاً. وهي البئر المعروفة اليوم في وادي رحيبة قطرها في الأصل اثنتا عشر قدماً يحيط بها حجر عظيم كمحيط الدائرة وهي جنوبي بئر سبع على أمد خمسة وعشرين ميلاً من جرار.

23 - 25 «23 ثُمَّ صَعِدَ مِنْ هُنَاكَ إِلَى بِئْرِ سَبْعٍ. 24 فَظَهَرَ لَهُ ٱلرَّبُّ فِي تِلْكَ ٱللَّيْلَةِ وَقَالَ: أَنَا إِلٰهُ إِبْرَاهِيمَ أَبِيكَ. لاَ تَخَفْ لأَنِّي مَعَكَ، وَأُبَارِكُكَ وَأُكَثِّرُ نَسْلَكَ مِنْ أَجْلِ إِبْرَاهِيمَ عَبْدِي. 25 فَبَنَى هُنَاكَ مَذْبَحاً وَدَعَا بِٱسْمِ ٱلرَّبِّ. وَنَصَبَ هُنَاكَ خَيْمَتَهُ. وَحَفَرَ هُنَاكَ عَبِيدُ إِسْحَاقَ بِئْراً».

ص 17: 7 و24: 12 و28: 13 وخروج 3: 6 وأعمال 7: 32 ص 15: 1 ع 3 و4 ص 12: 7 و13: 18 مزمور 116: 17

إِلَى بِئْرِ سَبْعٍ كان ذلك شاقاً على إسحاق وضاراً له فإنه بعد أن أمن من الأعداء بالبعد عنهم رجع إلى الموضع الذي ليس بينه وبين جرار سوى خمسة عشر ميلاً فلو عاد اضطهادهم إياه وخصامهم لالتظت نار الحرب ولم يرجع إلى «لحي رئي» مع أنه أقام بها مدة طويلة بل عاد إلى بئر سبع وطن أبيه المحبوب. وكان ملكه الشرعي لأنه ورثه عن أبيه إبراهيم. وفي تلك الليلة ظهر له الرب وقال له «لا تخف» وجدد له الوعد بحقوق ميلاده.

إِبْرَاهِيمَ عَبْدِي (ع 24) هذا من ألقاب الشرف والسمو لقب به موسى ويشوع (يشوع 24: 29) وإسرائيل (إشعياء 41: 8) والمسيح (إشعياء 52: 3).

فَبَنَى هُنَاكَ مَذْبَحاً (ع 25) لما رجع إسحاق إلى بئر سبع رأى أنه في موضع هو فيه عرضة للخطر مع أنه بمقتضى العهد بين أبيه وأبيمالك كان ملكه ولما حقق الله له الوعد أعاد العبادة لله في الموضع الذي عبده فيه أبوه وأقام فيه مذبحه (ص 21: 33).

26 «وَذَهَبَ إِلَيْهِ مِنْ جَرَارَ أَبِيمَالِكُ وَأَحُزَّاتُ مِنْ أَصْحَابِهِ وَفِيكُولُ رَئِيسُ جَيْشِهِ».

1ملوك 4: 5 و1أيام 27: 33 ص 21: 22

أَبِيمَالِكُ كان رجوع إسحاق إلى بئر سبع أمراً ذا شأن عند أبيمالك. وكان الفلسطينيون أنفسهم حلفاء. وكانت المحالفة بين إسحاق وإسماعيل وغيره من النسل السامي قد انتهت بعد طردهم من البلاد. وكان إبراهيم نفسه حليف الأموريين (ص 14: 13) وصديقاً للحثيين (ص 23: 6) وكانا من أقوياء الكنعانيين ومستعدين أن يساعدوا ابنه. فلما رجع إسحاق إلى وطن أبيه ولم يعلم أبيمالك قصده بذلك أسرع إلى عقد الصداقة والولاء بينه وبين إسحاق وتجديد العهد القديم الذي كان بين إبراهيم وأهل جرار.

أَحُزَّاتُ لا نعلم أعلم شخصي هذا أم اسم جماعة من الأصحاب على ما في الترجوم وما قاله جيروم فإن كان علم شخص كان ذلك الشخص من حلفائه أو كاتم أسراره.

فِيكُولُ (انظر تفسير ص 21: 22).

27 «فَقَالَ لَهُمْ إِسْحَاقُ: مَا بَالُكُمْ أَتَيْتُمْ إِلَيَّ وَأَنْتُمْ قَدْ أَبْغَضْتُمُونِي وَصَرَفْتُمُونِي مِنْ عِنْدِكُمْ؟».

قضاة 11: 7 ع 16

مَا بَالُكُمْ أَتَيْتُمْ إِلَيَّ أراد إسحاق البحث والنظر في المسئلة وكان على أبيمالك حينئذ أن يبين أللسلام أتى أم للحرب.

28، 29 «28 فَقَالُوا: إِنَّنَا قَدْ رَأَيْنَا أَنَّ ٱلرَّبَّ كَانَ مَعَكَ، فَقُلْنَا: لِيَكُنْ بَيْنَنَا حَلْفٌ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ، وَنَقْطَعُ مَعَكَ عَهْداً: 29 أَنْ لاَ تَصْنَعَ بِنَا شَرّاً، كَمَا لَمْ نَمَسَّكَ وَكَمَا لَمْ نَصْنَعْ بِكَ إِلاَّ خَيْراً وَصَرَفْنَاكَ بِسَلاَمٍ. أَنْتَ ٱلآنَ مُبَارَكُ ٱلرَّبِّ!».

ص 21: 22 و23 ص 24: 31 ومزمور 115: 15

لِيَكُنْ بَيْنَنَا حَلْفٌ كان ذلك الحلف أن يسأل الله أن يضربه إن نكث العهد.

نَقْطَعُ مَعَكَ عَهْداً (انظر تفسير ص 15: 10 و18).

مُبَارَكُ ٱلرَّبِّ (ع 29) الرب هنا «يهوه» في العبرانية وهو اسم الواجب الوجود عند العبرانيين خاصة. وأبيمالك كان يستعمل اسم «إلوهيم» اي الله فكيف استعمل هنا اسم «يهوه» فالظاهر أن الفلسطينيين بمجاورة إبراهيم وإسحاق إياهم صاروا يعرفون دين الآباء. ولكن بقي هنا إن يهوه لم يكن اسم الله المعتاد (خروج 6: 3) فكيف عرفه أبيمالك ومن معه. فما لنا هنا إلا أن نقول كما قال روسنمولر إن موسى كتب «يهوه» موضع الاسم الذي تلفظ به إبيمالك. ومما يجب الالتفات إليه هنا ان أبيمالك لم يستعمل اسم إلهٍ من آلهة الفلسطينيين بل اختار إله الآباء وإله عهدهم ولعله أتى ذلك احتراماً وإكراماً.

30، 31 «30 فَصَنَعَ لَهُمْ ضِيَافَةً. فَأَكَلُوا وَشَرِبُوا، 31 ثُمَّ بَكَّرُوا فِي ٱلْغَدِ وَحَلَفُوا بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، وَصَرَفَهُمْ إِسْحَاقُ. فَمَضَوْا مِنْ عِنْدِهِ بِسَلاَمٍ».

ص 19: 3 ص 21: 31

(أتى ذلك إثباتاً للعهد وتوثيقاً للصداقة التي حلفوا عليهما).

32 «وَحَدَثَ فِي ذٰلِكَ ٱلْيَوْمِ أَنَّ عَبِيدَ إِسْحَاقَ جَاءُوا وَأَخْبَرُوهُ عَنِ ٱلْبِئْرِ ٱلَّتِي حَفَرُوا، وَقَالُوا لَهُ: قَدْ وَجَدْنَا مَاءً».

ع 25

وَجَدْنَا مَاءً لا نعلم أبئراً جديدة حفروا أم بئراً قديمة نبشوا.

33 «فَدَعَاهَا «شِبْعَةَ». لِذٰلِكَ ٱسْمُ ٱلْمَدِينَةِ بِئْرُ سَبْعٍ إِلَى هٰذَا ٱلْيَوْمِ».

ص 21: 31

لِذٰلِكَ ٱسْمُ ٱلْمَدِينَةِ بِئْرُ سَبْعٍ أي جدد إسحاق اسمها القديم فثبت.

تزوج عيسو امرأتين كنعانيتين

34، 35 «34 وَلَمَّا كَانَ عِيسُو ٱبْنَ أَرْبَعِينَ سَنَةً اتَّخَذَ زَوْجَةً: يَهُودِيتَ ٱبْنَةَ بِيرِي ٱلْحِثِّيِّ، وَبَسْمَةَ ٱبْنَةَ إِيلُونَ ٱلْحِثِّيِّ. 35 فَكَانَتَا مَرَارَةَ نَفْسٍ لإِسْحَاقَ وَرِفْقَةَ».

ص 36: 2 ص 27: 46 و28: 1 و8

كَانَ عِيسُو ٱبْنَ أَرْبَعِينَ سَنَةً الخ خالف عيسو بذلك سنة إبراهيم (ص 24: 3) ولذلك كان ما في (ع 35).

مَرَارَةَ نَفْسٍ أي حزناً ممزوجاً بغيظ. ويظهر من اسمي المرأتين أن الحثيين كانوا يتكلمون باللغة السامية لأن يهوديت مؤنث يهودا أي ممدوح. ومعنى «بسمة» في العبرانية عطرة وسُميت بنت سليمان به (1ملوك 4: 15) وبهذا تمم عيسو رفضه للبكورية.

اَلأَصْحَاحُ ٱلسَّابِعُ وَٱلْعِشْرُونَ

احتيال يعقوب للحصول على بركة البكورية

1، 2 «1 وَحَدَثَ لَمَّا شَاخَ إِسْحَاقُ وَكَلَّتْ عَيْنَاهُ عَنِ ٱلنَّظَرِ، أَنَّهُ دَعَا عِيسُوَ ٱبْنَهُ ٱلأَكْبَرَ وَقَالَ لَهُ: يَا ٱبْنِي. فَقَالَ لَهُ: هَئَنَذَا. 2 فَقَالَ: إِنَّنِي قَدْ شِخْتُ وَلَسْتُ أَعْرِفُ يَوْمَ وَفَاتِي».

ص 48: 10 و1صموئيل 3: 2 أمثال 27: 1 ويعقوب 4: 14

وَحَدَثَ أهمية هذا الأصحاح أظهر من أن تبين والمماثلة بين إبراهيم وإسحاق وابنَي الأول وابنَي الثاني كذلك. فإن إسماعيل كان أكبر من إسحاق لكن إسحاق كان وارث العهد على غير قصد إبراهيم. وعيسو كان أكبر من يعقوب لأنه وُلد أولاً لكن يعقوب كان الوارث على غير قصد إسحاق. وكان إسماعيل قوياً يختار سكنى الصحراء ويولع بالصيد وكان عيسو كذلك. وكان إسحاق يحب الروحيات وكان يعقوب كذلك. وكانت وراثة كل من إسحاق ويعقوب لبركة البكورية وحرمان كل من إسماعيل وعيسو بقصد الله واختياره (رومية 11: 10 - 13). والذي ظهر من النبإ إن عيسوا آثر الخير الجسدي على الخير الروحي ويعقوب آثر الخير الروحي على الخير الجسدي لكنه أخطأ بالاحتيال ولو ترك الأمر للرب لأتم الله قصده بغير احتياله ولذلك عوقب عليه. وكان عيسو أخيراً حزيناً جداً على أنه كان يحب أباه كثيراً وكان مع كل قوته رقيق القلب لطيفاً بأخيه حتى أنه وقع على عنقه وقبله بدموع (ص 33: 4).

ولا شك في أن يعقوب لم يكن يطلب بما أتاه الخير الأرضي ولم يطمع في ما كان يصيب أخاه من غنى أبيه فإن ذلك كله تركه لعيسو وقصد أبواب الرزق من جهة أخرى ولم يكن يوم عاد بأمواله التي حصلها في فدان آرام بمبارٍ لأخيه عيسو (ص 33: 1) مع أن إسحاق كان حياً. ولما تعدى عيسو سنة إبراهيم في أسرته كان يعقوب حريصاً على مراعاة ت