العودة الى الصفحة السابقة
الخمر

الخمر

اعرف عنها وتجنبها

القس -أ- السوسي


Bibliography

الخمر اعرف عنها وتجنبها. القس -أ- السوسي. Copyright © 2007 All rights reserved Call of Hope. الطبعة الأولى. 2004. SPB 4759 ARA. English title: Wine، Know about and keep away from!. German title: Wein - (seine) Fakten und Gefahren!. Call of Hope. P.O.Box 10 08 27 70007 Stuttgart Germany http: //www.call-of-hope.com .

الإهداء

رسالتي هذه إلى من يريد الدخول في متاهة أو هاوية الخمر العميقة. ليعلم أنّ الخروج منها بعد ذلك أمر صعب جداً.

إلى أولئك الذين دخلوا فيها فاستعبدتهم ليحاولوا إنقاذ ما يمكن إنقاذه.

إلى الذين: «ضَلُّوا بِٱلْخَمْرِ وَتَاهُوا بِٱلْمُسْكِرِ» (إشعياء 28: 7).

إلى الذين لا يعرفون أنّ: «ٱلْمُسْكِر عَجَّاجٌ» (أمثال 20: 1).

إلى الذين لا يعرفون أنّ: «اَلْخَمْر مُسْتَهْزِئَةٌ» (أمثال 20: 1).

إلى الذين لا يعرفون أنّ: «... ٱلْخَمْرَ غَادِرَةٌ» (حبقوق 2: 5).

وإلى أتباع المسيح له المجد، الذين يعملون برسالة الإنجيل في حياتهم. ويرغبون في حياة الطاعة والقداسة. ويحفظون قول الإنجيل المقدس : «لاَ تَسْكَرُوا بِٱلْخَمْرِ ٱلَّذِي فِيهِ ٱلْخَلاَعَةُ» (أفسس 5: 18).

«لاَ تَنْظُرْ إِلَى ٱلْخَمْرِ» (أمثال 23: 31).

«لاَ تَكُنْ بَيْنَ شِرِّيبِي ٱلْخَمْرِ» (أمثال 23: 20).

«لا تكن مُدْمِنِ ٱلْخَمْرِ» (تيطس 1: 7).

«لاَ بِٱلْبَطَرِ وَٱلسُّكْرِ» (رومية 13: 13).

المقدمة

لم يعد الكلام عن أضرار الخمر على الصحة، وعلى نواحٍ عديدةٍ في المجتمع أمراً جديداً، فقد كُتبت في هذا الموضوع عشرات الكتب. كما عُقدت الندوات الطبيّة الكثيرة. وكلها مجمعة على أنّ الخمر ضارة بالإنسان. ورغم أصوات الأطباء والعلماء والمصلحين ورجال الدين المتعالية والمحذّرة من أضرار الخمر، نرى الحياة تمضي في ضجيجها. والأمور تسير كما هي وكأن لا حياة لمن تنادي.

لا يوجد شيء يصيب ضرره كل شيء كالخمر، فهي تهدم القوى، وتبدّد الثروة، وتسبب العداوة والخصومة، وتذهب بالعقل، وتقضي على الحياة وتسلب الاحترام، وتشجع على الفسق والفجور. لذلك حذّر الكتاب المقدّس من السكر بالخمر كما ورد في الإهداء من هذا الكتاب.

ولأجل هذا أعددت هذا الكتاب لكي أوضح الكثير من الأشياء التي يجهلها العديد من الناس، وعلى رأس هذه الأشياء موقف المسيحية من الخمر. لأنّ الكثيرين من الناس يتّهمون المسيحية بأنّها ما هي سوى خمر وخنزير، وأنّ المسيحيين غارقون في السكر والعربدة، بل هناك من يدّعي زوراً وبهتاناً أنّ العقيدة المسيحية تشجع على السكر والعربدة.

وأرجو بعملي المتواضع هذا أن أوفّق في تفنيد تلك المزاعم الباطلة والأكاذيب التي يسعى بعض الناس من ورائها إلى تشويه صورة المسيحية في عقول البشر لكي يبعدوهم عنها.

ومن هذه الأكاذيب والأباطيل التي يشيعونها ما قاله أحدهم: «إن رجال الدين المسيحي يشربونها في كنائسهم وأعيادهم. فلماذا؟ لأنّ دينهم المنحرف أحلّ الخمر وجعله من شعائر الدين ومستلزماته» (مصطفى فوزي نافذة على الخمور. دار السلام. مصر). وصاحب كتاب «الخمر والإيمان» صبحي الطويل. ص 111 يقول: «أحد المسيحيين في قرية «لانيشيا» في جنوب إفريقيا عندما ارتد عن المسيحية قال: «إنّ المسيحيين يقدّمون لنا الإنجيل بيد وزجاجة الخمر بيدٍ حتى يحطموا أجساد وأرواح وعقول الرجل الأسود».

كثيراً ما يوّجه إليّ السؤال التقليدي: ما هو رأي المسيحية في الخمر؟ ماذا يقول الكتاب المقدس؟ هل هي حلال أم حرام؟ ولا أريد أن أجيب على هذه الأسئلة إجابة مبنيّة على رأيي الخاص أو وجهة نطري الشخصية، فأحلّل ما حرّمه الله وأحرّم ما حلّله الله. إن إجابتي ستكون مبنية على كلمة الله الموجودة في الكتاب المقدس الوحي الإلهي الكامل والنهائي لمشيئة الله. وهو المقياس الوحيد الذي يجب أن يرتكز عليه سلوكنا وعقيدتنا. ولأجل التأكد من الحقائق العلمية التي يتضمنها هذا الكتاب بخصوص الأضرار الصحية والنفسية، اعتمدت على كُتب علمية كتبها ذوو الاختصاص في الخمر وأضرارها على الصحة.

أمّا عن المسائل الاجتماعية والحقائق الأخرى بخصوص الجرائم والحوادث وصناعة الخمور الخ... فهي ليست من صنع الخيال والأوهام، بل هي حقائق ووقائع من الواقع المُعاش، حقائق نُشرت في كُتب ومجلات وجرائد عربية صادرة في مختلف بلدان العالم العربي.

وأرجو أن أكون بعملي المتواضع هذا قد وُفّقت في تصحيح تلك الأفكار الخاطئة المغلوطة والشائعة خطأ عن موقف المسيحية من الخمر وعن أضرارها الصحّية، والنفسية، والاجتماعية والروحية.

القس السوسي أ.

الفصل الأول: الخمر عبر التاريخ

لا نستطيع أن نحدد بالضبط متى اكتشف الإنسان الخمر. إلا أنّ الشيء المؤكد هو كما قال أحدهم: «إنّ اكتشاف الخمر هو عمر الإنسان ذاته».

ومهما كان الأمر، فقد عرف الجنس البشري الخمور خاصة النبيذ منذ أكثر من 4000 سنة (أربعة آلاف سنة)، فقد وجد اسم الخمر مكتوباً على ألواح من الفخار يرجع تاريخها إلى عام 2200 قبل ميلاد المسيح.

عند قدماء المصريين

«كانت الجعة هي الشراب الوطني لقدماء المصريين. فكانوا يقومون بشربها في كل مكان، في المنزل والحقول، في المركبات والحانات» (الحياة اليومية في عهد الفراعنة فهمي مرقص). والجعة المصرية كانت تُصنع من الشعير والحنطة والبلح، وكانت أدوات صناعتها تتكون من قوالب كالتي يستخدمها الخبّاز ولكن بشكل أكبر ومجموعة كبيرة من الجرار وصحاف من الفخار. وكانوا يبدأون بصنع الخبز. وكما كانوا يفعلون في المخابز، كانوا يضعون قوالب كثيرة حول الموقد، وفي الوقت نفسه كانوا يجهّزون عجيناً يُسمى (واجية) أي الطازجة ويسكبونه في قوالب شديدة الحرارة جداً، ولكنه لا يلبث في القوالب إلا وقتاً قصيراً، تلفح فيه الحرارة جانبي الرغيف. ويظل لبابه نيئاً، وهذا الخبز غير الناضج تماماً يُقطع إلى فتات ويوضع في طست كبير، ويُحفظ بالسائل السكّري، الناتج من نقيع البلح، ثم يُقلب ويصفّى، وبعد قليل يختمر السائل ولا يبقى بعد ذلك إلا تفريغه في الجرار وتغلق بطبق صغير بكمية من الجبس» (عن كتاب «الحياة اليومية في عهد الفراعنة من القرن الثالث عشر قبل الميلاد» ترجمة عزيز مرقص منصور).

جاء في كتاب «الخمر » لسامح كامل: «عصر المصريون الخمر من العنب منذ 5000 سنة، ورسموا في محارب المعابد صور الكروم والمعاصر، كما رسموها أيضاً على مدافنهم. وكانوا يجلسون في مجالس الشراب رجالاً ونساءً يطوف عليهم الغلمان والجواري بقلائد الأزهار وهم شبه عراة، إذ ليس عليهم سوى ما يستر عورتهم».

وقد استخدمت الخمر كفاتح للشهية منذ أقدم العصور واستخدمها اليونان والرومان والفرس والعرب وفتنوا فيها، كما يستخدمها اليوم الفرنسيون وغيرهم بما يُدعى عندهم ب «أبيريتيف ِ Aperitif » أي فاتح للشهية.

الخمر عند اليونان

كانت الخمر منتشرة في الحضارة اليونانية، ويتضح انتشار الخمر عند اليونان في القصة التالية: رُوي أنّ أحد الفلاسفة رفع دعواه إلى الملك فيلبّس المقدوني والد الإسكندر الكبير فحكم عليه فقال: «إنّي أستأنف الحكم». فقال فيلبّس: «إلى من تستأنف الحكم، وأنا الذي حكم عليك؟» فقال «أستأنف منك سكراناً إليك صاحياً»، فكان لكلامه وقع عظيم عند فيلبّس فسمع دعواه في اليوم التالي وحكم له.

عند الرومان

كان شرب الخمر عند الرومان قبل أن يتغلّبوا على إيطاليا واليونان مقتصراً على الرجال فقط. ومن بلغ سن الثلاثين فصاعداً. وإذا شربتها امرأة فجزاؤها القتل.

لكن عندما نشروا نفوذهم على بلاد اليونان وآسيا الصغرى انغمسوا في الملذّات واهتموا بالخمر اهتماماً لا مثيل له بين الأمم، وكانت عندهم مائة وستون نوعاً من الخمور يحلّونها بالعسل ثمّ يتركونها لتتعتّق لمدة قد تصل إلى عشرات السنين. وإذا ما تعتّقت وتجمّدت لا تُشرب بل تُغرف بملعقة.

وهكذا انتشرت عادة السكر والفجور عند الرومان رجالاً ونساءً، وصارت ولائمهم مجالس شرب وسكر. فلا عجب إذا ما دبّ الخراب والدمار في جسم الإمبراطورية الرومانية المترامية الأطراف وتغلّبت عليها قبائل الشمال.

الخمر عند العرب

كان للخمر عند العرب شأن آخر، فقد كانت عادة شرب الخمر عميقة الجذور في الجزيرة العربية، وتفنّن العرب في صفاتها وأسمائها، وأفرد لها الشعراء مكاناً بارزاً في شعرهم. وقد كان من شدة شيوع تجارة الخمر أن أصبحت عبارة «تجارة الخمر» مرادفة لبائع الخمر، وكان شرب الخمر يُعتبر إحدى صفات الرجولة وباعثاً على الشجاعة والكرم وتقديمها للضيف يُعدّ من قمة كرم الضيافة.

وقد ترك الخمر في الجاهلية طائفة من العقلاء ودعت إلى تركها. ومن هؤلاء العقلاء العرب الذين رأوا في الخمر إهداراً للكرامة والمروءة، الوليد بن المغيرة الذي كان معروفاً عنه رجاحة العقل، والمحافظة على الوقار، فكان لا يرضى لنفسه أن يُرى وهو سكراناً. ومع أنّ الخمر كانت شائعة في الجزيرة العربية، لكنّه امتنع عنها من تلقاء نفسه، وغيرة على عرضه وإنسانيته وحفظاً لكرامته.

ومن هؤلاء العقلاء كذلك قس بن عاصم، وقس بن عاصم التميمي هذا كان من سادة العرب وكان ممّن حرّم الخمر وذلك أنّه سكر يوماً فعبث بذات محرم منه فهربت منه، وفي الصباح علم بذلك فحرّم الخمر على نفسه.

وهكذا نجد أنّ الخمر كانت منتشرة إلى درجة أنّك تجد في اللغة العربية والأدب العربي مسميات كثيرة للخمر بأنواعها وأصنافها. كما أفردوا لها شعراً سموه ب «شعر الخمريات» كما كانت منتشرة في العصرين العباسي والفاطمي وغيرهما من العصور.

قصة الخمر

للخمر أسطورة عربية تكشف عن الخصال التي تظهر على شاربيها، وقد تناقل هذه الأسطورة الأدباء في العصر المملوكي. قيل: «إنّ «آدم» أبا البشر أراد أن يغرس كرمة ليعتصر منها خمراً طيبة وشراباً طهوراً، ولكنّ «إبليس» تسلل إلى غرس الكرمة فذبح عليها طاووساً، فشرب الغرس من دم الطاووس. ولمّا أورقت شجرة الكرمة جاء إبليس فذبح عليها قرداً حتى ارتوت من دمه، فما ظهرت الثمرات أول ما ظهرت، جاء إبليس وذبح عليها أسداً، فلما أزهرت العناقيد ذبح عليها خنزيراً، فكان دمه آخر ما شربت منه تلك الشجرة التي غرسها أبونا آدم. لهذا أصبح شارب الخمرة تصيبه الخصال التي تتميز بها تلك الأنواع المختلفة من الحيوانات. فتراه مزهوّاً أول ما يشربها كالطاووس، فإذا أخذ في السكر لعب وصفّق كما يفعل القرد، أمّا إذا قوي سكره فإنّه يصدر منه عنف وحدة وسطوة كشأن الأسد، ثمّ في آخر الأمر ينقعص (ينثني) وينقبض ويتمرّغ، وقد انحلت عرى قوّته وبطل نشاطه وتملكه الخمور واستسلم للرقاد، مثله مثل الخنزير» .

صناعة الخمر

تعود صناعة الخمر إلى أكثر من 4000 سنة قبل الميلاد كما ورد سابقاً. لم يترك الإنسان أيّ شيء إلا وأساء استعماله ودنّسه. فقد استخرج الخمر المسكرة من الشعير، والبلح ، والدوم، والأرز. فالعناصر الأساسية لصناعة الخمر هي: سكر - ماء - حرارة معتدلة. فأصل الخمر نباتي. وهكذا تتنوّع الخمور حسب تنوّع مصادر السكّر، فالبيرة تأتي من سكّر الشعير. والنبيذ من سكّر العنب، والويسكي من بعض الحبوب وخصوصاً الشعير.

وهكذا تجد أيها القارئ العزيز، أنّ الشعير، والعنب، والأرز، والبلح التي هي منتوجات زراعية صالحة للأكل ومغذية للجسد استغلها الإنسان استغلالاً سيئاً وحوّلها إلى كحول قاتل.

تحضير الخمور

تحضير الخمور يتم بطريقتين:

التحضير بالتخمير:

وذلك ببلّ ثمار هذه النباتات بقليل من الماء، ثم تركها في الهواء وقتاً لتختمر بمفعول فطر الخميرة أو البكتيريا. وبالتخمير يتغيّر المذاق والطعم والرائحة. وإذا أُضيف قليل من الماء يتحوّل إلى سائل يُسمّى الخمر. و هذه الطريقة تُسمّى التخمير البسيط تمييزاً لها عن التخمير بالتقطير.

التخمير بالتقطير:

يتمّ ذلك بغلي الثمار وأخذ البخار وتكثيفه وتقطيره في أوعية خاصة، وهذا البخار يُسمّى بروح الثمار وهو الكحول. ولهذا سُمّي المسكر بالمشروبات الروحية أو الكحولية. هذا النوع من الخمر المسكر يُصنع بتقطير الكحول من المحلول المخمّر، ثمّّ يخفف هذا الكحول بالماء المقطّر وتُضاف إليه بعض المواد التي تكسبه الطعم والرائحة والشكل المطلوب، وتزداد هذه الخواص والمميزات بالتعتيق وذلك بأن تُخزن لمدة قد تصل لعشرات السنين.

ولهذا النوع من الخمر تأثير قويّ على شاربه حتى ولو كانت الكمية المشروبة قليلة، أو كما قال أحد القسيسين: «فمهما كان المقدار المشروب منه ضئيلاً يكون تأثيره قوياً. وإذا كان هكذا فكيف يكون الإنسان لو شرب منه مقداراً كبيراً «(ألفي باخوم في كتابه عن الخمر» أنت تشربها وهي تهزأ بك»).

انتشار الخمر

لا يوجد مكان في الدنيا خالٍ من الخمر، فحتى الدول التي أصدرت قوانين تمنع دخول الخمر إلى بلدانها، تبقى تلك القوانين حبراً على ورق. فمواطن تلك الدول إذا لم يتمكن من الحصول عليها في بلده الأصلي انتهز فرصة السفر إلى الخارج، فيبدأ في شرب الخمر وهو على متن الطائرة، ولا يصل إلى البلد الذي يقصده حتى يكون ثملاً أو شبه سكران.

في اجتماع عُقد في عام 1979 لبعض ممثلي الدول الأعضاء في المكتب الإقليمي لشرقي البحر الأبيض المتوسط، التابع لمنظمة الصحة العالمية: «أعلن كل الحاضرين عن ارتفاع نسبة الاستهلاك الكحولي في الدول التي يمثلونها وهي : أفغانستان، بنغلادش، مصر، الهند، إيران، العراق، لبنان، باكستان والسودان» (الخمر والإدمان الكحولي، الدكتور الطويل).

وفي الولايات المتحدة الأمريكية، ومن خلال مسح صحّي، ظهر أنّ عدد المدمنين الأمريكيين هو عشرة ملايين مدمن. ويأتي الإدمان الكحولي في أمريكا في المرتبة الرابعة من قائمة مشاكل الصحة العامة.

وأعلى نسبة للمدمنين على الخمر في العالم هي بين أبناء شمال فرنسا والسودان وبولونيا. أمّا «في اليمن فتستنزف الخمر وحدها نحو 2000000 مليون ريال شهرياً رغماً أنّها محرّمة وممنوعة بأمر الدولة» (الدكتور عبد الملك أبو عوف. العربي، عدد 205 ديسمبر كانون الأول 1977).

وجاء في الدراسة التي قام بها المكتب الدولي لمكافحة الجريمة في عشر دول عربية هي: مصر، ليبيا، العراق، سوريا، لبنان، اليمن الشمالية آنذاك، الكويت إمارة رأس الخيمة، الأردن والبحرين. إنّ المسكرات هي الشراب الذي يفسد العقول والوعي، ويحدث السكر نتيجة تأثر الخلايا المخيّة بالكحول، وإنّها من أهم أسباب الجريمة (جريدة المسلمون، العدد 22-122 يونيو حزيران 1987).

جاء في النشرة الإخبارية (لشهر أبريل نيسان 1990) للبنك المغربي للتجارة الخارجية أنّ المغرب استورد سنة 1988 أكثر من 1،162 طنّاً من الخمور بمبلغ 42،544 درهم سنة 1988، إلا أنّ استيراد هذه المادة سنة 1988 ارتفع ليصل إلى 5،083 طن بمبلغ 65،496 درهم سنة 1990.

وهذه الخمور استوردها المغرب من الدول التالية:

- الجزائر: 3،303 طنّاً.

- بريطانيا: 958 طنّاً.

- فرنسا: 661 طنّاً.

- إسبانيا: 62 طنّاً.

(عن جريدة العلم 2/8/1990).

وبهذا الخصوص كتب الأستاذ عبد الكريم غلاب في جريدة العلم بتاريخ 4/8/1990 يقول: «المغرب يشهد «تنمية مهمة» في استيراد الخمور، بحيث لم يكفه ما تنتجه أرضه من عنب وتين فالتجأ إلى الخارج.

فهكذا استورد المغرب من الخمور في السنة الماضية 5،083 طنّاً، بينما كان الاستيراد سنة 1988 قد بلغ 1167 طنّاً، أي أننا ضاعفنا استيراد هذه المادة أكثر من أربع مرات في سنة واحدة.

- كم من أموال صرفها في استيراد الكتب أو وسائل المعرفة والثقافة؟

- كم من هذه الأموال صرفها في الدواء والغذاء للمرضى؟

- كم من هذه الأموال سنصرفها في دفن الموتى وعلاج المدمنين الذين تغتصب عقولهم الخمور.

ويختم كلامه بقوله: «ولكنّها الخمر تفعل بالرؤوس ما لا يجدي معه سؤال ولا يستقيم معه جواب».

وقبل هذا بتاريخ 31/8/1986 كتبت جريدة العلم «في كثير من المجتمعات المغربية بدأت الكأس الأولى لتصبح ثانية وثالثة وإذا لم نضع هذه المشكلة في حسابنا لمعالجتها علمياً وليس وعظياً فلن يمرّ وقت طويل حتى تضطر الدولة إلى رصد ملايين الدولارات لمحاربة الإدمان. ومن الضروري أن نشير إلى انتشارها في البادية أكثر من المدن ولذلك فحملة الحد من انتشار الخمور يجب أن تشمل البادية أيضاً».

في دراسة أجراها الدكتور الصدّيق عمر الباقر حسن في الخرطوم على 49210 من الشباب السوداني «تبيّن أنّ نسبة 2،45٪ منهم يشربون الكحول. وكان 87٪ من الشاربين يتعاطونه (الشراب الاجتماعي)!! و33٪ من فئة السكّيرين. وكانت نسبة المدمنين 18 في الألف وهي نسبة أعلى من نسبة المدمنين في إنجلترا 2،6 في الألف» (عن أطروحة الدكتوراه، للدكتور عمر الباقر حسن 1976. وهو المدير العام لدائرة الإحصاء في وزارة الصحة بالخرطوم).

دول حاولت تحريم الخمر

في سنة 1900 منع إمبراطور الحبشة دخول الخمر إلى بلاده. وبعده قامت الولايات المتحدة الأمريكية بتحريم الخمر. وفي هذه الواقعة قصة عجيبة فيها درس وعبرة.

ففي 16 يناير كانون الثاني 1919، أقر الكونغرس الأمريكي بالإجماع تقريباً، قانوناً يمنع الخمر. يبتدئ تنفيذه في يناير كانون الثاني 1920، وهو القانون المشهور باسم «التعديل الثامن عشر»، ويحرّم القانون صناعة الخمر سراً وجهراً وبيعها وتصديرها واستيرادها ونقلها وحيازتها. وكل من يخالف ذلك يُعاقب بالسجن أو الغرامة أو بهما معاً.

وقد وافق الكونغرس على هذا القانون بعد دراسة معمّقة قدّمها الأطباء وعلماء الاجتماع ورجال الدين المسيحي والسياسيون عن أضرار الخمر.

وبُذلت جهود جبّارة في التوعية بأضرار المخدرات والخمر وذلك عن طريق حملة واسعة النطاق في جميع وسائل الإعلام وفي المدارس والمصانع. وصار تدريس موضوع أضرار الخمر جزءاً من المواد الدراسية التي يدرسها التلاميذ في المدارس الابتدائية والطلاب في المدارس الثانوية والجامعات.

أمّا عدد الصفحات التي كُتبت حول هذا الموضوع فكان تسعة ملايين صفحة تبيّن أضرار الخمر من الناحية الطبية والاجتماعية والأخلاقية، وبلغت تكاليف الحملة الإعلامية في ذلك العام فقط خسمة وستون مليون دولاراً.

ولم يمض على إصدار هذا القانون وهذه الحملة سوى وقت قصير حتى ابتدأت تنتشر آلاف الحانات السرّية، وأُطلق عليها اسم «الخنازير العمياء».

وبعد مدة لم تتجاوز بضعة أشهر زاد عدد شاربي الخمر أكثر مما كان عليه قبل المنع، فحاول القانون أن يفرض المنع بالقوّة وقدّم إلى المحاكمة ملايين الأشخاص. سُجن مليون شخص بتهمة شرب الخمر أو الاتّجار بها أو حيازتها وذلك في الفترة بين يناير كانون الثاني 1920 إلى أكتوبر تشرين الأول 1933 أي فترة المنع التي دامت 13 سنة.

كما صدرت أحكام بالإعدام على 200 شخص من كبار المجرمين الذين ارتكبوا الجرائم بسبب الخمر. كما قامت الحكومة بمصادرة مصانع الخمر السرية وإغلاق الحانات، وبلغت قيمة الأموال المصادرة أربعة مائة مليون دولار. ورعم هذا المنع والجهود الجباّرة التي قامت بها الحكومات المتعاقبة على الحكم في الولايات المتحدة في فترة المنع 1920/1933 فإنّ كل تلك الجهود ذهبت أدراج الرياح وباءت بالفشل. وصار على الحكومة الأمريكية أن تعيد النظر في قرار المنع، خصوصاً بعدما وجدت الحكومة الأمريكية أنّ ملايين الأمريكيين قد أقبلوا على شراء الخمور الرديئة سرّاً، وزاد الإقبال عليها وخاصة بين الشباب. وظهرت مصانع الخمور السرّية التي تصنع خموراً رديئة ومسمومة أدت إلى قتل 7500 شخصاً وإصابة 11000 بأمراض مختلفة، وذلك في سنة 1927 وحدها.

وفي أبريل نيسان 1933 أصدر الكونغرس الأمريكي قانوناً جديداً يبيح بيع البيرة والنبيذ فقط أي الخمور التي لا تحتوي على أكثر من 3٪ من الكحول فقط. ولم تمض أكثر من سبعة أشهر حتى رُفع قرار المنع بصفة نهائية في شهر ديسمبر كانون الأول 1933.

وإن دلّ هذا على شيء فإنما يدلّ على أنّ حل مشكل تعاطي الخمور لا يكون بإصدار القوانين والشرائع، لأن القوانين والشرائع وحدها لا تنفع. فإذا كان قلب الإنسان فارغاً من الإيمان الحي بالمسيح المخلّص، الإيمان الاختياري، فلا يقدر أن يمتنع عن ارتكاب خطايا أفظع من خطية السكر بالخمر.

وفي وقتنا الحاضر هناك دول عديدة تمنع الخمر، لكنّ هذا المنع جعل الناس يبتعدون عن الخمر ولا يتعاطونها عندما يكونون تحت المراقبة وتحت سلطة القانون، إلا أنّهم حين يسافرون إلى دول أخرى تبيح شرب الخمر، فلا يتورعون عن شرب الخمر حتى الثمالة. فالعيب ليس في القوانين، بل العيب كل العيب في الإنسان نفسه. فالإنسان الذي ينحرف عن السراط المستقيم، سراط المسيح المخلّص، ولا يطيع الله، فكيف تريد منه أن يطيع كلام الناس وقوانينهم؟

فالقانون صالح، متى وُجد الإنسان الصالح الذي يريد أن يطبّق ويطيع هذا القانون عن طيب خاطر وطواعية، أمّا الإكراه على فعل الشيء فينفّر ويولّد ردة فعل معاكسة. إنّ الإنسان يتحدى ويتمادى في الانحراف، يقول الأستاذ صادق محمد خليل، مدرّس أزهري: «إنّ تحريم الخمر ومنع بيعها لا يحتاج إلى قرارات وقوانين فهي إرادة داخل الشخص ذاته. وهو قرار شخصيّ يجب أن يصدره كل إنسان لصالح نفسه ومجتمعه» (المسلمون عدد 22/122 يونيو حزيران 1987). فمهما كانت نوايا أصحاب القانون صادقة والجهود مخلصة فإنّ الإنسان يبقى هو المشكلة. إذاً الحل هو في الإيمان الصادق بالمسيح الذي هو الحل الإلهي للمشاكل البشرية.

- فالإيمان العقلي لا يكفي.

- الإيمان الموروث (إن كان هنالك من إيمان موروث) لا يكفي.

- إنّ مجرّد الانتماء للمسيحية لا يكفي.

- وإنّ حمل اسم المسيح والذهاب إلى كنيسة يوم الأحد لا يكفي.

- التديّن الشكلي والانتماء الطائفي لا ينفع.

الذي ينفع هو الإيمان الصادق والتوبة الصادقة والاتّكال التام على الرب، وتطبيق وصاياه في الحياة.

قديماً قال أحد الشعراء:

«المجاديف وحدها لا تستطيع أن تبلغ الشاطئ البعيد إنّما على الريح أن تملأ الشراع وإلا ضاع كل جهد سدى».

الفصل الثاني: المراحل التي يعبرها السكّير

عندما يشرب الإنسان الخمر حتى درجة السكر، يمرّ بعدة مراحل وهي:

- النشوة: في هذه المرحلة يشعر شارب الخمر بأنّه نشيط جسماً وفكراً، وأنّ همومه ذهبت وآلامه خمدت، وينطق لسانه بأمورٍ هي من قبيل الأسرار، قد يكون قبل تناوله الخمر حريصاً كثيراً على كتمانها، وقد يدفعه شعوره بالنشاط الزائد إلى شرب المزيد من الخمر.

- الثمالة: وهي مرحلة الدور الذي يتبع النشوة. وفي هذه المرحلة يفتر النشاط الفكري والانفعال، ويتخدّر الحس والشعور والضوابط الأخلاقية.

- السكر: في هذه المرحلة تظهر على السكّير ظواهر وأعراض التسمّم في أعصاب الحركة فيختل توازنه، ويصيبه الجمود الفكري، وتعتريه رعشة واضطراب، فلا يتحكم في حركاته وتوازنه.

- السبات: هذه المرحلة هي مرحلة التخدير وقمّتها ويصل السكير فيها إلى درجة النوم. وهذا إثبات على أن الخمر مخدّرة وليست منبّهة كما يعتقد البعض. وفي هذه الحالة من السبات يصبح فيها السكّير خائر القوى وضعيف القوة منحني الرأس، لا يقوى حتى على رفع أجفان عيونه.

- الفالج: عندما يصل السكّير إلى هذه الدرجة يصبح كأنه جثة هامدة، بحيث لا يقدر على التحكم في عضلاته، ولهذا تصبح رائحته كريهة، إذ يتقيّأ ويتبوّل بشكلٍ لا إراديّ نتيجة تأثير الخمر على العضلات والأعصاب التي فقد السيطرة عليها.

الإدمان والمدمن

هناك عدة تعريفات للإدمان والمدمن وهي كالتالي:

- المدمن: هو من يشرب الخمر بشكل متقطع أو بشكل مستمر يؤدّي في نهاية المطاف إلى الاعتماد والتعود عليها، هو شخص يسرف في تعاطي الشراب (أي الخمر) إلى الحد الذي يؤذي صحته ويغيّر وضعيته الشخصية والاجتماعية.

مدمن الخمر هو الشخص الذي يتناول كميات كبيرة من الخمر أكثر من أيّ شخص آخر، وتعاطيه للخمر نابعٌ من دافعٍ قهريّ لا يستطيع التغلب عليه أو منعه أو تأجيله. وهو لا يستطيع أن يواجه وقائع الحياة ومواقفها اليوميّة إلا وهو تحت تأثير الخمر.

المدمن هو ذلك الفرد الذي يستهلك في اليوم الواحد 120 غراماً من الكحول أيّاً كان نوع الشراب الذي يشربه سواء كان «ويسكي» أو «براندي» أو «بيرة» أو أيّ مسكرٍ آخر.

المدمن هو ذلك الشخص الذي حدث له تغيير في السلوك وأصبح غير قادرٍ على السيطرة على مقادير الكحول التي يتناولها رغم أي ضغوط أو نصائح عائلية أو اجتماعية من أجل إيقاف تعاطي الخمر.

أسباب الإدمان

تقول نظرية علم النفس المعروفة بـ «النفسية الدينامية»: «إنّ كل إنسان له حاجة ودوافع تؤثر على عواطفه وسلوكه، وقد يكون من هذه الدوافع الجهد لإرضاء النفس، الأمان والحب، النجاح والإنجاز، وعندما تؤمّن هذه الحاجات والدوافع يحس الفرد بالراحة والرضاء والاسترخاء النفسي. وإذا لم تؤمّن يُصاب بالخيبة والقلق وانشغال البال. وإذا استمر هذا التوتر والقلق لمدة طويلة يمكن حدوث اضطرابات في الشخصية، وعند ذلك يمكن أن يكون شرب الخمر طريقة لمواجهة هذه الضغوط» (الخمر والإدمان الكحولي. ص 64).

أسباب الإدمان كثيرة ومتنوعة ونذكر أهمها:

ضعف الإرادة: يظنّ البعض أنّهم أقوياء الإرادة، وأنّ باستطاعتهم الاعتدال في الشرب، زاعمين أنهم يشربون ولا يسكرون، لكن وللأسف الشديد إنّ العادة تسيطر عليهم فيصبحون مدمنين، حينئذ تضعف إرادتهم ولا يستطيعون التخلّص من عادة السكر.

الشخص الذي يدّعي بأنّه صاحب إرادة قوية وأنه سوف يكتفي بكأس أو ثلاثة من الخمر لكي يحصل على نشاطه فقط أو ردّ المزاج كما يُقال، فإنّه لا يدري بأنه عندما يشرب كأساً أو ثلاثة لا يعود يتحكّم في إرادته. بل الكحول هو الذي يتحكم فيه، وأنّ الكأس الأولى تتبعها كؤوس أخرى.

البيئة: ممّا يساعد على انتشار ظاهرة الخمرة والإدمان عليها هو توافرها ووجودها في كل مكان وسهولة الحصول عليها بأسعار رخيصة، ومدى تقبّل المجتمع إلى تعاطي الخمر، وتساهله واستعماله في المناسبات كالأفراح والأعياد الخ...

ولهذا فإنّ انتشار الخمر وعدم وجود روادع على سلوك المدمنين، يشجع على الإدمان وانتشار عادة السكر في المجتمع.

رفاق السوء: لا أحد ينكر تأثير الأصدقاء ورفاق السوء في السلوك. ولهذا نقول أنّ على المؤمن ألاّ يخالط أصدقاء السوء وألا يصاحب السكّيرين، فإنّهم لن يرضوا عنه حتى يستدرجوه ويوقعوه فيما هم عليه، وأنّهم لن يهدأ لهم بال ولن يطمئنّ لهم حال حتى يجرّوه ويدخلوه إلى جماعتهم وحزبهم. أو زمرتهم. ولهذا حذّرنا الكتاب المقدس من هؤلاء بقوله عن الإنسان البار: «وَفِي مَجْلِسِ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ لَمْ يَجْلِسْ» (مزمور 1: 1).

كما نقرأ في كورنثوس الأولى 15: 33 «ٱلْمُعَاشَرَاتِ ٱلرَّدِيَّةَ تُفْسِدُ ٱلأَخْلاَقَ ٱلْجَيِّدَةَ».

الإشهار: أصبح الإشهار اليوم فلسفة وصناعة، ولا توجد صناعة لا تقوم بالإشهار. والخمور من البضائع التي تعتمد على الإشهار، والشركات المنتجة للخمور في عصرنا هذا تنفق بسخاء على الإشهار. ففي سنة 1972 أنفقت الشركات المنتجة للخمور مبلغ 900 مليون دولار. وإذا كان هذا في سنة 1972 فكيف تكون الحالة اليوم، حيث يطال الإشهار صفحات المجلات والصحف والإذاعة والتلفزة والإنترنت والشوارع؟

هناك إعلانات تقول:

- الشراب (أي الخمر) يعني الشعور بدفء الحياة.

- الشراب (أي الخمر) يعني الوصول إلى النجاح.

التقليد: أغلب الناس اليوم يعيشون في فراغٍ روحي، وعصرنا هذا مليء بالعادات السيّئة. ولهذا فالناس على استعداد لتقليد وتقبّل كل ما يرونه أمامهم سواء في اللباس أو العادات كعادة شرب الخمر، ولا يخلو فيلم من الأفلام من خمر أو سيجارة، وغالباً ما يكون بطل أو بطلة الفيلم القدوة، خصوصاً عند الأطفال والشباب المراهق، بل أسوأ من هذا نجد بعض الآباء والأمهّات يشربون الكحول أمام أعين أطفالهم. إذن لماذا لا يفعل الأولاد كذلك؟

يؤكّد الباحثون وأهل الاختصاص أنّ القدوة أهم العوامل التي تؤثّر في الإنسان، خصوصاً المراهق. وقد تبيّن من عدة أبحاث أنّ أغلبية المراهقين الذين تربّوا وكبروا ووجدوا والديهم يمتنعون عن شرب الخمر لا يشربونها.

البعد عن الله: عندما لا يهتم الإنسان بالله ويهمل تعاليم الإنجيل المقدس، ويفقد الشركة مع الله، فإنّ ذلك يجعله يعاقر الخمر إذ يشعر بالفراغ واليأس وضجر الحياة وجفافها، فتضيق به الحياة فلا يجد أمامه سوى الخمر ظاناً منه أنّها ستخفف عنه مشاكله فيضل وهكذا يصدق بمثل هؤلاء قول الكتاب المقدس «وَلَكِنَّ هٰؤُلاَءِ أَيْضاً ضَلُّوا بِٱلْخَمْرِ وَتَاهُوا بِٱلْمُسْكِرِ» (إشعياء 28: 7).

كيف تتعرّف على المدمن؟

يستطيع أيّ شخص أن يميّز مدمن الخمر إذا لاحظ:

  1. فساداً في الملكات العقلية والأخلاقية.

  2. انحداراً مستمراً في عدم الاعتناء بالمظهر الخارجي وإهمالاً في شكل الهندام.

  3. عيوناً حمراء زائغة.

  4. رجفة في اليدين وصعوبة في الكتابة.

  5. نرفزة وتوتراً ومزاجاً متغيّراً.

  6. صعوبة في الاندماج مع الناس ممّا يؤدّي للوحدة والعزلة.

  7. نقصاً في نضج الشخصية.

  8. اعتماداً على الغير.

  9. شعوراً عدائياً تجاه من حوله.

  10. فقدان الاحترام الذاتي مقنَّع بمظاهر الاستعلاء على الآخرين.

ويقول الدكتور ممدوح يوسف الجاسر في كتابه «الخمر بين الطب والقضاء» ص 34: «الغيرة والحسد سيقتلانه قتلاً، والأنانية تعذّبه تعذيباً. وكم يحلو له أن يتبجّح ويثني على نفسه وسلفه وخلفه، إنّه دائماً يشعر بأنه مفضّل على العالمين».

الأضرار الصحية

للخمر أضرار كثيرة على الصحة البدنية للإنسان وعلى عقله، من هذه الأضرار أو الآثار:

- أثر الخمر على المخ البشري: هناك العديد من الناس الذين يعتقدون خطأً أنّ تناول الخمر يعيد إليهم حيويّتهم، ويزيد من نشاطهم. بل ويزيد من طاقاتهم الفعالة. وذلك الاعتقاد باطل ووهم ولا أساس له من الصحة.

في البداية عندما يتناول المرء الخمر يشعر بنوع من الارتياح والارتخاء، لكن سرعان ما يزول ذلك الشعور، وذلك لأنّ الخمر تعمل في المخ عمل المخدّر. كما تضعف من نشاطه. يقول الدكتور أحمد عكاشة في كتابه «الإدمان خطر» ص 77 «إنّه يخدّر الجهاز العصبي ويضعف سيطرة الإنسان على الانفعالات والمهارات الحركية المختلفة. ومع زيادة كميّة الخمر يمتدّ التأثير إلى جزء معيّن من المخّ (المخيخ) فيفقد المتعاطي سيطرته على التوازن والكلام وهكذا يهتزّ إذا مشى».

أمّا الدكتور محمد نجيب عمور في كتابه «ما لا تعرفه عن الخمر» صفحة 17 فيقول: «إنّ تناول الخمر بكميّات كبيرة له تأثير بالغ الضرر على خلايا المخّ وأنسجته، إذ يؤدي إلى ضمور هذه الخلايا وموتها، حيث يفقد الإنسان القدرة على تذكّر الأحداث التي يمر بها، بل ويفقد القدرة على الحكم السليم على الأمور».

ويضيف في نفس الصفحة قائلا: «معروف علمياً أنّ خلايا المخّ من النوع الذي لا يستطيع الجسم تعويضه. فإذا ماتت فقد قُضي عليها إلى الأبد».

- أثر الخمر على العقل: إنّ الخمر تضعف الشخصية وتذهب بعقل الإنسان الذي يميّزه عن الحيوان الأعجم، فإذا ذهب العقل تحوّل الإنسان إلى حيوانٍ شريرٍ تصدر عنه المعاصي والذنوب ما لا حدّ له من انحراف أخلاقي، والقتل والعدوان وانتهاك الحرمات وخيانة الأوطان والأديان.

فالإدمان على الخمر يطفئ نور العقل وشعلة الذهن ونور البصيرة، «أنت تشربها وهي تهزأ بك»، بل إنّ الخمرة تقود إلى الجنون وفقدان العقل وهو أفضل ما يملك الإنسان.

فالإنسان العاقل، المؤمن المسيحي، لا يضيّع ماله فيما يضلّه ويذلّه ويمرضه ويفقره.

الغريب في الأمر أنّ شارب الخمر يعلم مسبقاً أنّه حين يشربها سيودع العقل إلى أن يستفيق من تأثير الكحول. والسكّير يعلم مقدّما بخبرته أنّ الخمر تغيّب العقل لكنه يتجاهل ذلك. وصدق من قال «الخمر تقتل العقل».

- أثر الخمر على الجهاز العصبي: لا أحد يستطيع أن ينكر تأثير الخمر على الجهاز العصبي، فالذين نشاهدهم في الطرقات وقد ذهب منهم الحياء أصبحوا لا يتحكمون في أنفسهم، يتخبطون ذات اليمين وذات الشمال وكلامهم بذيء. كل هذا يكون نتيجة تأثير الخمر على الجهاز العصبيّ.

- أثر الخمر على القلب: في الماضي كان الجدل قائماً حول مدى تأثير الخمر على القلب والأوعية الدموية، وظهرت آراء تؤيّد شرب كأس أو كأسين من الخمر يومياً، لأنّه يحمي القلب من الأزمات القلبية. وفي الجانب المقابل نجد آراء صائبة تحذّر من نتائج الانسياق وراء هذه التبريرات والنصائح. وبعد التطور العلمي الذي حدث في ميدان الأبحاث الطبية في السنوات الأخيرة، تأكد مما لا يقبل الشك أنّ الخمر ضارة بالقلب.

لنرى ما يقوله بهذا الصدد الدكتور تيموثي ريكان Timothy Regan من كلية الطب في نيوجرسي الأمريكية يقول: «إنّ القدرة على الانقباض تقل بدرجة خطيرة عند أولئك الذين يتعاطون ست أوقيات من الخمر يومياً، ويزيد من نسبة الوفيّات بينهم لمجرد التعرّض للإصابات الطفيفة» (ما لا تعرفه عن الكحول ص 21).

فهذه الحقائق علمية لا تقبل الشك. وهذا اتحاد أمراض القلب الأمريكي يحذّر من الجمع بين ارتفاع ضغط الدم وشرب الخمر. فالأشخاص الذين يعانون من ارتفاع ضغط الدم يعرّضون أنفسهم للمتاعب إذا شربوا الخمر.

- أثر الخمر على الكبد: يقع الكبد في الجزء العلوي الأيمن من البطن، ومهمته تكسير الدهون والبروتين الذي نتناوله. وتحويلها إلى مواد بسيطة يمكن استخدامها في الجسم. ويُعدّ الكبد من أكثر أعضاء الجسم تأثراً بالكحول.

ويشبه الكبد في الجسم مدير المختبرات، والمسؤول على التخزين، ويقوم بذلك بطريقة في منتهى الدقّة وبطريقة طبيعية. ومن أهم الأمراض التي تسببها الخمر للكبد، الالتهاب الحاد المعروف بـ «تليّف الكبد»، و «تشمّع الكبد».

وممّا استجد في أمر تأثير الخمر على الكبد ما جاء في هذا القول: «ظهر أن الكحول يمنع الكبد من تحضير وتوزيع السكّر في الدورة الدموية بالأسلوب الطبيعي. ويتوقف أيضاً الجهاز الذي يحمي الجسم من هبوط شديد في عيار السكّر في الدم في فترات الجوع الشديد» (الخمر والإدمان للدكتور صبحي الطويل).

ويجمع الأطبّاء على أنّه إذا كنت تشرب الكحول وكانت لديك احتمالات الإصابة بأحد أمراض الكبد، فأنت حتماً ستعجّل بظهور المرض، وإنّ فرصتك في النجاة ضعيفة.

- أثر الخمر على المعدة: تسبب الخمرة قرحة المعدة التي تسبب ألماً في البطن. والغثيان، والقيء بشكل دوريٍّ، وقرحة الإثني عشر وألماً في أعلى البطن يوقظ المريض من النوم. وقد تسبّب القرحة النزيف وتنفجر في بعض الأحيان.

فالمعدة تُصاب بالآلام والاضطرابات وذلك نتيجة لتناول الكحول. وقبل أن يدخل الكحول المعدة يتلقاه المريء، وسرعان ما تضطرب متأثرة بهذا السائل الحار الحارق «الخمر» الذي ألهب أولاً الفم والحلق، ويؤدي ذلك إلى الأضرار التي ذكرت سابقاً ولا يستطيع أحد أن يقدّر خطورتها في أول الأمر إذ ربما يصل الضرر إلى باقي الأعضاء بشكل تدريجيّ.

كما تسبّب الخمر في سوء الهضم، وتزيد في الإفرازات الحمضية في المعدة، مما قد يتسبب في زيادة الحموضة، وهذا كله خطر واضح على المعدة.

وكما قال أحد الأطباء: «إنّ المعدة التي سوف تتحمل سموم الكحول يجب أن تكون من حديد مسبوك».

- أثر الخمر على البنكرياس: البنكرياس هو غدة تقع خلف المعدة، وتقوم بإفراز مادة الإنسولين، العصارة البنكرياسية التي تحفظ دم الإنسان من الإصابة بمرض السكّر، بحيث تعمل على إبقاء معدل السكر في الدم في مستواه الطبيعي اللازم للعمليات الغذائية المتعددة. وقد تبيّن من خلال الدراسات والأبحاث التي أُجريت على مدمني الخمر «أنّ تناول الكحوليات بكثرة يسبّب الإصابة بالتهابات في البنكرياس». وتقول الدكتورة مانويلا مونروها Manuella Monrouha عضوة التدريس بكلية الطب ببرشلونة: «إنّ تناول الكحوليات ولو بمعدّلات بسيطة جداً وبشكل منتظم ينتج عنه في النهاية تراكم الدهون حول البنكرياس».

هذا تحذير لنا من عواقب مواصلة الشراب مهما قلّت المقادير.

- أثر الخمر على الكُلى: لا تستطيع الكُلى الإفلات من الإصابة بالتسمم الكحولي، لماذا؟

لأنّ الكلية هي التي تقوم بتصفية الدم وتنقيته، والحفاظ على التبوّل، «ولا تسلم الكليتان من أخطار الكحوليات، وقد أثبتت الأبحاث وجود علاقة وثيقة بين إصابة الكبد بتراكم الدهون وهبوط كفاءة الكليتين الوظيفية. وسبب ذلك أنّ الكبد أيضاً أحد أعضاء الترشيح والتنقية ويساعد الكليتين على تحمّل العبء» (ما لا تعرفه عن الخمر، ص 27). كما أنّ الخمر تزيد من إفرازات حامض اللاكتيك Lactic Acid في الدم. وعندما تحدث هذه الزيادة في جسم الإنسان تضطرب الكليتان، بل قد يصل الأمر إلى توقفهما عن وظيفتهما الرئيسية في التخلص من حامض البوليك السام. ونتيجة لهذا التوقف تبدأ آلام المفاصل ومتاعب عدة.

- أثر الخمر على العظام: نشرت جريدة الشرق الأوسط في عددها الصادر يوم 9/6/1989 «إنّ تناول المشروبات الروحية يؤدّي إلى هشاشة العظام وسرعة انكسارها لدى الرجال والنساء». وقد جاء هذا في المجلة الطبيّة الأمريكية.

ويأتي هذا الاستنتاج العلميّ بعد الدراسة المستفيضة التي أجراها الدكتور تيراس دياموند وزملاؤه في مستشفى رويال نورث شور في مدينة سيدني الأسترالية.

وتضمّن برنامج الدراسة تقييم كثافة الأملاح المعدنية في العظام لدى فئتين من المرضى المدمنين على الكحول والشاكين من مرض الكبد. وجاءت النتيجة لتؤكّد أنّ الكحول يعطّل بشكل مباشر نشاط الخلايا العظمية النامية. ونتيجة لذلك تصبح عظام المدمنين على الكحول أكثر عرضة للانكسار نظراً لهشاشتها.

بالإضافة إلى كل ما ذكرناه عن أثر الخمر على جسم الإنسان، أضيف أنّ الخمر تتسبب في أمراض كثيرة منها: سرطان الفم والبلعوم وضعف البصر، والشلل. وقد ورد في صحيفة الأخبار المصرية العدد الصادر يوم 21/5/1989 أنّ الطب أثبت أنّ شرب الخمر يسبب 25 مرضاً خطيراً.

ولكي نبيّن أهمية هذا الأمر، دعني أقدم لك هذه القصة التي توضح لنا مدى العلاقة بين الشيطان والخمر والسلوك، وفيها نجد كيف تقدر الخمر أن تغيّر طبع وسلوك الإنسان.

يُقال في إحدى أساطير الأولين إنّ إنساناً اتفق على أن يبيع نفسه للشيطان مدّة محددة بموجب شروط متفق عليها بينهما. وقد التزم الشيطان بذلك ونفذّ كل الشروط التي عليه ولبّى كل طلبات هذا الإنسان، وطلب الشيطان بالمقابل منه أموراً وهي: أن يعلن الشيطان إلهه ويلعن الله فرفض الإنسان. وأخيراً تساهل معه وطلب منه أن يسكر ولو مرة واحدة، وإلا فسخ العقد المبرم بينهما. فوافق الإنسان وشرب الخمر إلى أن سكر، وفي أثناء رجوعه إلى البيت قابله أبوه ووبخه على فعله الرديء هذا، فاغتاظ ولعن الكتب والأديان والله، واستل خنجره وطعن والده طعنة قاتلة. ولمّا أفاق من سكره أدرك خطأه فطعن نفسه وأسلم للشيطان روحه. أليس هذا ما يفعله الشيطان بالذات إلى يومنا هذا؟ إنّ الخمر يسيطر على الإنسان ويغير سلوكه كما يشاء.

- ومن الخمر ما قتل: جاء في جريدة المسلمون العدد 122 اليوم 12 يونيو حزيران 1997 أنّه في حادث تسمم كحوليّ في مصر، بلغ عدد ضحايا الخمور السامة 53 قتيلاً و72 مصاباً بالتسمم الكحوليّ الحاد خلال ثلاثة أشهر.

ذلك أنّ الخمور التي شربوها صُنعت من الكحول المثيلي السام، إذ بلغت نسبة الكحول في العيّنات المضبوطة 90٪.

كما نشرت جريدة العلم في عددها 16486 الصادر يوم 17 يونيو حزيران 1995 خبراً يقول: «وفي الملّف الثالث توبع ستة أشخاص بتهم الضرب والجرح المؤدّي إلى القتل، وعدم التبليغ وممارسة الدعارة. وكان مسرح وقائع هذا الملف إحدى حانات سيدي بو عثمان بإقليم قلعة السراغنة حيث وقع خصام على إحدى العاهرات، ليتحوّل الأمر إلى جريمة قتل أُدين فيها المتهم الرئيسي بعشرين سنة حبساً من أجل تهمة عدم التبليغ، وصدر الحكم بثلاثة أشهر سجناً في حق ثلاث نساء بتهمة الدعارة».

الأضرار الروحية

لقد تناولنا في الصفحات السابقة الأضرار الصحية والمادية والنفسية للخمر، والآن نتناول الأضرار الروحية.

يحلو لكثير من الناس الذين يجهلون معاني ومقاصد كلمة الله، ترديد المقولة المدسوسة إلى الكتاب المقدس التي لا أساس لها من الصحة. وهذه العبارة هي: «قليل من الخمر تفرح القلب»، فهذه كلمة دخيلة ولا توجد أيّ آية في الكتاب المقدس بهذا الشكل والآية التي وردت بهذا الصدد هي: «خَمْر تُفَرِّحُ قَلْبَ ٱلْإِنْسَانِ» (مزمور 104: 15). وهذا النوع من الخمر هو عصير العنب غير المختمر.

فالأمر الإلهي في الكتاب المقدس واضح وصريح ولا يحتاج إلى تأويل أو تمطيط، فشرب الخمر والمسكرات هو خطية. وكل خطية مهما كانت صغيرة فهي ضد الله.

الخمر والجرائم

من المؤكد (وكما ورد سابقاً) أنّ للخمر تأثيراً سريعاً على السلوك، يتمثّل في إزالة الحياء والحشمة لأنها تخدّر مخ الإنسان. وعندما يتخدّر المخ ينفلت الإنسان من سلطة الأخلاق والمُثل العليا، فيتحول إلى حيوان يتصرّف كالبهيمة، ويفسد في الأرض وفي أي مكان يوجد فيه. ولهذا تكثر الجرائم المختلفة خصوصاً المتعلقة بالجنس وهتك العرض والاغتصاب، بل وارتكاب الفاحشة حتى مع المحارم من الأقارب. «لأن الخمر أزالت الكوابح وحطمت الحواجز الأخلاقية وأطلقت للشهوات عنانها. لأن المسكر يبلّد خلايا الدماغ التي تتحكم بالجهاز الأخلاقي ويوقظ الخلايا المتحكمة في الغرائز الدنيا» (الطريق ص 155) فالإنسان في حالة السكر الواضح قد يتورّط في بعض الجنح أو الجرائم الجنسية، بل قد يصل الأمر به إلى ارتكاب جريمة القتل. هذا ما تطلعنا عليه بعض الجرائد والمجلات التي تنشر أخبار الحوادث والمحاكم.

الخمر وحوادث السير

لا أحد يستطيع أن ينكر العلاقة الوثيقة بين الخمر والسرعة وجسم الإنسان، وحوادث السير، فكلّما دخل الكحول الجسم ارتفعت نسبته في الدم، فتظهر على الشارب علامات الغباء والبلادة. فبالرغم من أنّ أغلبية البلاد العربية كانت في الماضي ترفض أن تعترف أن السكر من أسباب حوادث السير، فينسبون أسباب حادث السير إلى السرعة المفرطة، عدم صلاحية الفرامل (الكوابح) أو للحالة السيئة للسيارة، أو حالة الطرق. إلا أنه مؤخراً ابتدأت بعض الصحف تشير في أخبار حوادث السير إلى مسألة السكر، وأنّ الكثيرين من سائقي وسائل النقل من حافلات وسيارات أجرة، وشاحنات، يسوقون وهم في حالة سكر، فتأتي بأفعالهم الطائشة الكوراث وتُزهق أرواح الأبرياء.

ربّان طائرة مخمور:

شُرب الخمر لا يقتصر فقط على سائقي الشاحنات والحافلات، وسيارات الأجرة والسيارات العادية. بل تعدّاه الأمر إلى ربّان طائرة وهكذا أوردت جريدة الشرق الأوسط في عددها 7719 الصادر يوم 16 يناير كانون الثاني سنة 2000 خبراً تحت عنوان «منع طائرة من الإقلاع لأنّ قبطانها المغربي كان مخموراً جداً».

وأعلنت الشرطة الهولندية أنّها رفضت السماح لقبطان الطائرة بقيادة طائرة «بوينع 737» في مطار أمستردام بعد أن ظهرت عليه علامات السكر الواضح، وكان من المفترض أن تتوجه الطائرة إلى مدينة طنجة وعلى متنها 125 راكباً اضطروا إلى قضاء ليلة إضافية في هولاندا.

وفي هذا الشأن يقول الدكتور آدمز Anthony Adams أستاذ البصريات بجامعة كاليفورنيا: «إذا نحن حرّكنا شيئاً أمام أيّ شارب للخمر بسرعة فإنّه يجد صعوبة في متابعته».

والشخص الذي يشرب الكحول بنسبة ثلاث كؤوس من الويسكي أو خمس أوقيات نبيذ أحمر أو اثنتي عشرة أوقية نبيذ آخر أو ثلاثة أكواب من البيرة، ينصحه الأطباء بعدم قيادة السيارة أو الدّراجة أو أيّ شيء أخر قبل مرور أربع ساعات من تناول المادة الكحولية. وذلك لكي يستطيع السائق أن يتابع ويتأكد من الأشياء المتحركة والثابتة التي تقابله في الطريق. فالضوء الساطع مثلاً لا يستطيع السائق المخمور أن يحس به ولا يقدر أن يتجنبّه.

فكلما زادت نسبة الكحول في جسم الإنسان زاد تعرّضه للحوادث والمشاكل الأخرى. فلا تقل إنّ قليلاً من الخمر لا بأس به أو أنّك لا تشرب سوى البيرة، فالقيادة الخطرة قد تكون سبب كارثة لك وللآخرين لأنّك لست وحدك في الطريق.

وكثيراً ما نشاهد في الطريق، أو نقرأ في الجرائد عن حوادث سير مفجعة حدثت بسبب تعاطي المسكرات. وفي البلاد العربية هناك تزايد في تعاطي المسكرات والمخدّرات بين بعض سائقي السيارات، خصوصاً الشاحنات وغيرها من وسائل النقل وهذا مما يسبّب حوادث مؤلمة ومفزعة.

لماذا حرّم الكتاب المقدس الخمر واعتبر السكر به خطيّة؟

السكر بالخمر خطيّة:

لأن الوحي الإلهي نهى عن ذلك بقوله: «خَمْراً وَمُسْكِراً لاَ تَشْرَبْ أَنْتَ وَبَنُوكَ مَعَكَ... لِكَيْ لاَ تَمُوتُوا» (لاويين 10: 9).

ويقول أيضاً: «وَلاَ تَسْكَرُوا بِٱلْخَمْرِ ٱلَّذِي فِيهِ ٱلْخَلاَعَةُ» (أفسس 5: 18).

هل من الممكن أن يكون السكّير حكيماً؟

أين نحن من قول الكتاب المقدس: «ٱحْتَرِسُوا مِنْ أَنْ تَنْقَادُوا بِضَلاَلِ ٱلأَرْدِيَاءِ» (بطرس الثانية 3: 17).

واسمع قول حكيم الأجيال سليمان الحكيم: «اِسْمَعْ أَنْتَ يَا ٱبْنِي وَكُنْ حَكِيماً وَأَرْشِدْ قَلْبَكَ... لاَ تَكُنْ بَيْنَ شِرِّيبِي ٱلْخَمْرِ، بَيْنَ ٱلْمُتْلِفِينَ أَجْسَادَهُمْ» (أمثال 23: 1920).

الخمرة خطيّة لأنها تسبّب عدم الحكمة:

يقول الوحي الإلهي: «اَلْخَمْرُ مُسْتَهْزِئَةٌ. ٱلْمُسْكِرُ عَجَّاجٌ، وَمَنْ يَتَرَنَّحُ بِهِمَا فَلَيْسَ بِحَكِيمٍ» (أمثال 20: 1).

فماذا نقول أمام كلمة الله الصريحة من جهة الخمر؟ «من يترنح بها فليس بحكيم».

«يَتَمَايَلُونَ وَيَتَرَنَّحُونَ مِثْلَ ٱلسَّكْرَانِ، وَكُلُّ حِكْمَتِهِمِ ٱبْتُلِعَتْ» (مزمور 107: 27).

وتقول أيضاً كلمة الله: «ٱلذَّكِيُّ يُبْصِرُ ٱلشَّرَّ فَيَتَوَارَى» (أمثال 27: 12).

الخمر خطيّة لأنّها تثير الشهوة الجسدية:

فالسكّير كل ما يهمه هو الكأس وحضور موائد الخلاعة وحولها الأشرار، موائد تقول عليها كلمة الله: «فَإِنَّ جَمِيعَ ٱلْمَوَائِدِ ٱمْتَلَأَتْ قَيْئاً وَقَذَراً» (إشعياء 28: 8).

والوحي الإلهي يحذّر المؤمنين بالمسيح بقوله: «وَإِنَّمَا أَقُولُ ٱسْلُكُوا بِٱلرُّوحِ فَلاَ تُكَمِّلُوا شَهْوَةَ ٱلْجَسَدِ» (غلاطية 5: 16).

ويقول كذلك: «اَلزِّنَى وَٱلْخَمْرُ وَٱلسُّلاَفَةُ تَخْلِبُ ٱلْقَلْبَ» (هوشع 4: 11).

شرب الخمر خطيّة لأن السكّير يسير في الظلام:

كلنا نعرف أنّ محلات بيع الخمور من مقاهٍ ومحلات تجارية تفتح بالنهار. لكنّ أغلب المقاهي والحانات وعلب الليل توجد في الأقبية أسفل العمارات وفي أماكن مظلمة، ولا يقبل عليها السكارى بكثرة إلا في الليل. لأنّهم تعوّدوا أن يسهروا ويسكروا ليلاً. والمؤمن المسيحي «ليس ابن الظلام لَسْنَا مِنْ لَيْلٍ وَلاَ ظُلْمَةٍ...» (تسالونيكي الأولى 5: 5-10).

ها «قَدْ تَنَاهَى ٱللَّيْلُ وَتَقَارَبَ ٱلنَّهَارُ، فَلْنَخْلَعْ أَعْمَالَ ٱلظُّلْمَةِ وَنَلْبَسْ أَسْلِحَةَ ٱلنُّورِ. لِنَسْلُكْ بِلِيَاقَةٍ كَمَا فِي ٱلنَّهَارِ، لاَ بِٱلْبَطَرِ وَٱلسُّكْرِ...» (رومية 13: 12 و13).

ويوصي الرسول بولس المؤمنين بقوله: «وَلاَ تَشْتَرِكُوا فِي أَعْمَالِ ٱلظُّلْمَةِ غَيْرِ ٱلْمُثْمِرَةِ بَلْ بِٱلْحَرِيِّ وَبِّخُوهَا. لأَنَّ ٰالأُمُورَ ٱلْحَادِثَةَ مِنْهُمْ سِرّاً ذِكْرُهَا أَيْضاً قَبِيحٌ» (أفسس 5: 11-12).

وهكذا نجد أنّ مسؤولية المسيحي لا تقف فقط عند عدم شربه الخمر والسكر بها. بل أن يحارب عادة السكر وتعاطي الكحول.

«وَيْلٌ لِلْمُبَكِّرِينَ صَبَاحاً يَتْبَعُونَ ٱلْمُسْكِرَ، لِلْمُتَأَخِّرِينَ فِي ٱلْعَتَمَةِ تُلْهِبُهُمُ ٱلْخَمْرُ. وَصَارَ ٱلْعُودُ وَٱلرَّبَابُ وَٱلدُّفُّ وَٱلنَّايُ وَٱلْخَمْرُ وَلاَئِمَهُمْ، وَإِلَى فِعْلِ ٱلرَّبِّ لاَ يَنْظُرُونَ، وَعَمَلَ يَدَيْهِ لاَ يَرَوْنَ» (إشعياء 5: 11 و12).

الخمر خطيّة لأنها تذهب بالعقل:

فالسكّير يتصرف بغباوة نتيجة لتأثير الخمر على عقله، إذ يتخدر الجهاز العصبيّ وتضعف سيطرة الإنسان على انفعالاته وتصرّفاته. وعندما يمتدّ تأثير الكحول إلى «المخيخ» يفقد المتعاطي سيطرته على التوازن والكلام. ولأجل ذلك تقول كلمة الله: «مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ لاَ تَكُونُوا أَغْبِيَاءَ بَلْ فَاهِمِينَ مَا هِيَ مَشِيئَةُ ٱلرَّبِّ. وَلاَ تَسْكَرُوا بِٱلْخَمْرِ ٱلَّذِي فِيهِ ٱلْخَلاَعَةُ...» (أفسس 5: 17 و18).

الخمرة تذهب بالعقل « ٱلْمُسْكِرُ عَجَّاجٌ» (أمثال 20: 1). وتعني كلمة «عجّاج» أنّ السكر يسبب للإنسان ثورة داخلية تظهر على حياته فيكون هائجاً وغير متزن إذ يسلبه السكر تعقّله واتزانه، فيصير أضحوكة ويتصرف تصرفات يندم عليها عندما يصحو. والعقل هو زينة الإنسان كما يقولون، أو كما قال سامح كامل في كتابه: «كيف يقبل المسيحي أن يسكر بالخمر لكي تذهب بعقله وتجعله يظهر بمظهر المجانين».

الخمر خطيّة لأنها تدّمر الجسد:

جاء في الرسالة إلى أهل رومية 8: 13: «لأَنَّهُ إِنْ عِشْتُمْ حَسَبَ ٱلْجَسَدِ فَسَتَمُوتُونَ، وَلٰكِنْ إِنْ كُنْتُمْ بِٱلرُّوحِ تُمِيتُونَ أَعْمَالَ ٱلْجَسَدِ فَسَتَحْيَوْنَ».

فالسكّير إنسان يدمّر جسده بالمسكرات، ويتسبب في تلف وتدمير الكثير من أعضاء جسده. ولأجل هذا يقول الكتاب المقدس: «لاَ تَكُنْ بَيْنَ شِرِّيبِي ٱلْخَمْرِ، بَيْنَ ٱلْمُتْلِفِينَ أَجْسَادَهُمْ» (أمثال 23: 20).

وقد مرّ هذا في فصل سابق من هذا الكتاب عن أضرار الخمر على الجسد.

ويقول أيضاً في هوشع النبي: «... يَمْرَضُ ٱلرُّؤَسَاءُ مِنْ سَوْرَةِ ٱلْخَمْرِ» (هوشع 7: 5).

الخمر خطيّة لأنّها تسبّب الضلال:

السكّير المستعبَد للخمر يعيش في ضلال مبين، فهو بعيد عن الله وعن كلامه ووصاياه، بل ويعصي أوامره تعالى فينسى الحق ويتمسك بالباطل، ينسى واجباته تجاه أسرته ونفسه ووطنه. «وَلَكِنَّ هٰؤُلاَءِ أَيْضاً ضَلُّوا بِٱلْخَمْرِ وَتَاهُوا بِٱلْمُسْكِرِ» (إشعياء 28: 7).

الخمر خطيّة لأنّها غدّارة:

«وَحَقّاً إِنَّ ٱلْخَمْرَ غَادِرَةٌ» (حبقوق 2: 5). كم من سكّير غدرت به الخمر وانقلبت عليه الموازين، كم من سكّير وبسبب الخمر دمرّ حياته وحياة أسرته. وإذا كان في مركز السلطة والحكم يُصدر أحكاماً جائرة في حقّ الأبرياء، كما حدث لهيرودس حين لعبت الخمر برأسه وقال لسالومي ابنة هيروديا حين رقصت: «أعطيك كل ما تطلبين ولو نصف مملكتي»، فطلبت رأس النبي يوحنّا المعمدان، وكان لها ما طلبت وكانت الجريمة الشنعاء في لحظة سكر (متّى 14: 6-11). الخمر تغدر بصاحبها وتذّله أشدّ الذّل، فعندما تتمكنّ الخمر من شاربها يكون لسان حاله كما يقول سليمان الحكيم: «ضَرَبُونِي وَلَمْ أَتَوَجَّعْ. لَقَدْ لَكَأُونِي وَلَمْ أَعْرِفْ. مَتَى أَسْتَيْقِظُ أَعُودُ أَطْلُبُهَا بَعْدُ» (أمثال 23: 35).

الخمر خطيّة لأنّها تسبّب الفقر:

ممّا لا شك فيه هو وجود آلاف الأشخاص في بلدان عديدة افتقروا بعدما كانوا من الأغنياء الميسورين أو على الأقل من المستورين. فعندما ابتدأوا في السكر والإدمان على المسكرات افتقروا وأصابهم الإفلاس المادي والروحي، وهذا مصدّقاً لقول الكتاب المقدس: «لأَنَّ ٱلسِّكِّيرَ وَٱلْمُسْرِفَ يَفْتَقِرَانِ» (أمثال 23: 21).

«مُحِبُّ ٱلْخَمْرِ وَٱلدُّهْنِ لاَ يَسْتَغْنِي» (أمثال 21: 17).

إنّ الإنسان الذي يعاني من الجوع والعطش والفقر الروحي، يعاني بالتالي من الفراغ ومن اليأس لذلك يعتقد أنّه بالتجائه إلى الخمر سوف يشبع وسوف يهنأ.

قال جون سيمون: «من المشاهد المؤلمة التي تجرح فؤادي منظر نساء جائعات واقفات خارج الحانات مع أطفالهن الصغار وهم يبكون برداً وجوعاً وآباؤهم يعاقرون الخمر في الداخل» (سامح كامل).

فإذا كان المؤمن المسيحي غنياً فهناك مجالات عديدة لصرف أمواله، كتسديد احتياجات الفقراء والمساكين، والأرامل والأيتام، ونشر رسالة الإنجيل في الأماكن التي لم تصل إليها بعد.

الخمر خطيّة لأنّها تسبّب الهلاك:

لا عبادة للسكّير إذ كيف يمكن للسكّير الغائب عن الوعي أن يعبد الله بخشوع؟ ولذلك يحذّرنا الكتاب المقدس بقوله: «إِنْ كَانَ أَحَدٌ مَدْعُوٌّ أَخاً زَانِياً أَوْ طَمَّاعاً أَوْ عَابِدَ وَثَنٍ أَوْ شَتَّاماً أَوْ سِكِّيراً أَوْ خَاطِفاً، أَنْ لاَ تُخَالِطُوا وَلاَ تُؤَاكِلُوا مِثْلَ هٰذَا... فَٱعْزِلُوا ٱلْخَبِيثَ مِنْ بَيْنِكُمْ» (كورنثوس الأولى 5: 11-13). فيا ليت أولئك الذين يحملون اسم المسيح يحفظون هذه الآية ويعملون بها. وللأسف الشديد فقد رأيت بعض المؤمنين بالمسيح كلّما غادروا الكنيسة بعد فترة العبادة يوم الأحد يذهبون لبيوتهم ثم يشربون الخمر. وهذا ضلال مبين وانحراف عن صراط المسيح المستقيم، فكلام الله واضح وصريح، اسمع ماذا يقول: «أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ... لاَ زُنَاةٌ... وَلاَ سِكِّيرُونَ... يَرِثُونَ مَلَكُوتَ ٱللّٰهِ» (كورنثوس الأولى 6: 9-10).

الخمر خطيّة لأنّ السكّير لا يكترث إلى توعد الله له بالويل:

الوحي الإلهي ينذر من يشرب الخمر ويصب عليه ويلاته ويتوعّده بعذاب أليم وبئس المصير.

«لِمَنِ ٱلْوَيْلُ؟ لِمَنِ ٱلشَّقَاوَةُ؟ لِمَنِ ٱلْمُخَاصَمَاتُ؟ لِمَنِ ٱلْكَرْبُ، لِمَنِ ٱلْجُرُوحُ بِلاَ سَبَبٍ؟ لِمَنِ ٱزْمِهْرَارُ ٱلْعَيْنَيْنِ؟ لِلَّذِينَ يُدْمِنُونَ ٱلْخَمْرَ، ٱلَّذِينَ يَدْخُلُونَ فِي طَلَبِ ٱلشَّرَابِ ٱلْمَمْزُوجِ» (أمثال 23: 29 و30).

«ويل... ٱلشَّارِبُونَ مِنْ كُؤُوسِ ٱلْخَمْرِ» (عاموس 6: 6).

«وَيْلٌ لإِكْلِيلِ فَخْرِ سُكَارَى أَفْرَايِمَ، وَلِلزَّهْرِ ٱلذَّابِلِ جَمَالِ بَهَائِهِ ٱلَّذِي عَلَى رَأْسِ وَادِي سَمَائِنَ، ٱلْمَضْرُوبِينَ بِٱلْخَمْرِ» (إشعياء 28: 1).

«وَيْلٌ لِلأَبْطَالِ عَلَى شُرْبِ ٱلْخَمْرِ وَلِذَوِي ٱلْقُدْرَةِ عَلَى مَزْجِ ٱلْمُسْكِرِ» (إشعياء 5: 22).

«وَيْلٌ لِلْمُبَكِّرِينَ صَبَاحاً يَتْبَعُونَ ٱلْمُسْكِرَ، لِلْمُتَأَخِّرِينَ فِي ٱلْعَتَمَةِ تُلْهِبُهُمُ ٱلْخَمْرُ» (إشعياء 5: 11).

«اُصْحُوا أَيُّهَا ٱلسَّكَارَى، وَٱبْكُوا وَوَلْوِلُوا يَا جَمِيعَ شَارِبِي ٱلْخَمْرِ» (يوئيل 1: 5).

أخي المؤمن المسيحي، هلاّ فهمت الآن لماذا يحذّر الكتاب المقدس من السكر بالخمر، انتبه لكي لا تكون سبب عثرة للآخر. لأنّ سلوك السكّير هو سلوك غير مرضي عنه، فهو في سكره يتخبّط يميناً ويساراً، ويتلفّظ بألفاظ غير لائقة، فيكون سبب عثرة للآخرين وخاصة أهل بيته، فتهتز صورته أمامهم. وإذا كان الشخص يُسمّي نفسه مسيحياً، فبسكره بالخمرة يجلب اللوم على العقيدة المسيحية وعلى اسم المسيح الكريم الذي يحمله.

ولمّا كانت القداسة بالنسبة للمسيحي فعلاً وليست شعاراً، فالمؤمن المسيحي مدعوّ لكي يسلك في القداسة والطهارة، طهارة القلب والفكر والعمل. فلا يجب أن يكون هناك ما يشوب هذا السلوك. لكنّ الشيطان يحارب في المؤمن وباستمرار جانب القداسة والطهارة، ويحاول وبكل الوسائل الإيقاع بالمؤمن في حبائله. ومن الشباك والوسائل التي يستعملها الخمر.

الخمر خطيّة لأنّها تدنّس:

إنّ الذين يؤمنون، والذين يريدون أن يخدموا الله ويريدون أن تصبح أجسادهم هيكلاً يحلّ فيه روح الله، كيف يمكن أن تكون أجسادهم مقدّسة وطاهرة، وأفكارهم صاحية ومتزّنة، وقراراتهم صائبة إذا كانت أجسادهم مدنّسة بالخمر؟

يقول الوحي الإلهي: «لأَنَّ ٱللّٰهَ لَمْ يَدْعُنَا لِلنَّجَاسَةِ بَلْ فِي ٱلْقَدَاسَةِ» (تسالونيكي الأولى 4: 7).

الله اختار المؤمنين ليكونوا مسكناً للروح القدس. وهل يتعايش الروح القدس والكحول معاً؟

الفصل الثالث: شبهات واعتراضات

هناك العديد من الناس الذين يتساءلون حول تحويل المسيح الماء إلى خمر في عرس قانا الجليل (إنجيل يوحنّا 2: 1-11). ويقولون إنّه ما دام قد حوّل الماء إلى خمرٍ، فإذن لا مانع من شربها؟!

ردّاً على هذا السؤال والاعتراض، نقول إنّ الخمر التي صنعها المسيح له المجد لم تكن خمراً مسكراً، إنّها كانت كعصير العنب الطازج المقطوف حديثاً من الكرمة.

إضافة إلى ذلك فإننا لا نعترض على تحويل الماء إلى خمر. فإذا استطاعت مصانع الخمور أن تتخلّى عن الكحول وعمليّة التخمير واستعمال المواد الكيماوية، وتصنع الخمر من الماء فقط، فلا اعتراض على ذلك. وسيكون خمرهم المصنوع من الماء فقط معجزة وآنذاك نشربها.

إنّ المسيح له المجد لم يصنع الخمر من الماء لكي يشجّع الناس على السكر، حاشا. فلو كان كذلك، لقلنا إنّ الله خلق الكروم والعنب لكي يشجّع الناس على السكر. وخلق النار لكي يشجع الناس على الاحتراق بها، وإنّه خلق بعض الأدوية ليتخدّر بها الناس أو ينتحروا بها.

وهذا ما يجب أن يذكرنا بأنّ الشيطان يوجد في الزجاجة والكأس، وأنّ الخمر وسيلة من الوسائل التي يستخدمها ليدّمر الإنسان ولا بأس من أن ألفت انتباه القارئ الكريم إلى القصة التي سأوردها بالصفحة اللاحقة.

عندما حرّم الله الخمر لم يحرّمها لكونها نجسة، لكنّه حرّمها للنتائج السيئة التي تجلبها على الناس والمحرّمات نوعان: محرّمات قطعية حرّمت كلية كالسرقة والزنا والقتل، وأخرى حرّمت لنتائجها كالخمر والطمع والكذب.

الشرب القليل

يعترض بعض الناس على قولنا بأنّ الكتاب المقدس نهى عن شرب الخمرة التي تقود للسكر والعربدة. ويقولون في اعتراضهم: إنّنا لا نشرب سوى مقادير قليلة لفتح الشهية.

ولهؤلاء نقول إنّ أكبر الحرائق من مستصغر الشرر، كما يُقال. وأكبر المدمنين بدأوا بكؤوس ومقادير صغيرة، فقد يتحوّل هذا القليل مع مرور الوقت إلى عادة وإدمان. ومعظم العادات السيّئة بدأت من مبدأ مرّة واحدة أو مرّتين، وإنّ الذي يقول إنّه سيكتفي بكأس واحدة أو اثنتين، ليحصل على النشاط والانتعاش فقط، فهو يجهل أنّ هذه الكأس سوف تلعب بعقله، وتجرّه إلى كأس أخرى وهكذا دواليك. فشارب الخمر يضعف أمام إغرائها وجاذبيتها.

إذا نصحت أحدهم بالامتناع عن شرب الخمر يجيبك بقوله: «أنا لست سكّيراً مدمناً». وقد نسي هؤلاء أنّ المصيبة الكبرى تبدأ من الكأس الأولى. وبالمناسبة أدرج هنا جزءاً من قصة (الكأس الأولى) للأديب المشهور مصطفى المنفلوطي:

ثمّ تقدّمت نحو سرير المريض، فكشفت كتله البالية عن خيال لم يبق منه إلا إهاب لاصق بعظم ناحل، فقلت:

«أيّها الخيال الشاخص ببصره إلى السماء قد كان لي في إهابك هذا صديق محبوب، فهل لك أن تدلّني عليه؟».

فبعد لأي ما، حرّك شفتيه وقال:

هل أسمع صوت فلان؟

قلت: نعم، ممّ تشكو؟

فزفر زفرة كادت تتساقط لها أضلاعه وأجاب: أشكو الكأس الأولى!..

قلت: أي كأس تريد؟

قال: أريد الكأس التي أودعتها مالي، وعقلي، وصحّتي، وشرفي، ها أنذا اليوم أودعها حياتي.

قلت: قد كنت نصحتك ووعظتك، وأنذرتك بهذا المصير الذي صرت إليه، فما أجديت عليك شيئاً!

قال: ما كنت تعلم حين نصحتني من غوائل هذا العيش النكد أكثر مما أعلم، ولكنني كنت شربت الكأس الأولى، فخرج الأمر من يدي، وكلّ كأس شربتها جنتها عليّ الكأس الأولى، أمّا هي فلم يجنها عليّ غير ضعفي وقصور عقلي عن إدراك الأصدقاء والخلطاء.

لم تكن شهوة الشراب مركّبة في الإنسان كبقية الشهوات، فيعذر في الانقياد إليها، كما يعذر في الانقياد إلى غيرها من االشهوات الغريزية، فلا سلطان لها عليه إلا بعد أن يتناول الكأس الأولى. فَلِمَ يتناولها؟! يتناولها لأنّ الخونة الكاذبين من خلاّنه وعشرائه خدعوه عن نفسه في أمرها ليستكملوا بانضمامه إليهم لذّتهم التي لا تتمّ إلا بقراع الكؤوس وضوضاء الاجتماع. ولو علمت كيف خدعوه، وزيّنوا له الخروج عن طبعه ومألوفه، وأيّ ذريعة تذرّعوا بها إلى ذلك، لتحقق إنّه أبله إلى النهاية من البلاهة.. وضعيف إلى الغاية التي ليس وراءها غاية.

إنّي ذلك الأبله.. وذلك الضعيف.. فاسمع كيف خدعني الأصدقاء، وزيّنوا لي ما يزيّنه الشيطان للإنسان.

قالوا: إنّ حياتك حياة هموم وأكدار، ولا دواء لهذه الأدواء إلا الشراب!... الشراب!... وقالوا: إنّ الشراب يزيد في رونق الجسم، ويبعث نشاطه، وإنّه يفتق اللسان، ويعلّم الإنسان البيان!.. وإنّه يشجّع الجبان!.. ويبعث في القلب الجرأة والإقدام!.. هذا ما سمعته فصدقّته.. وخُدعت به.

صدقّت أنّ في الشراب أربع مزايا: السعادة، والصحة، والفصاحة والإقدام!.. فوجدت فيه أربع رزايا: الفقر، والمرض، والسقوط، والجنون!..

غرّهم من الصحة ذلك اللون الأحمر الذي يتركه الشراب وراءه في الأعضاء، وهو يتغلغل في الأحشاء.. ومن الفصاحة الهذر والهذيان، وهجو القول، وبذاءة اللسان.. ومن الإقدام العربدة التي لا تسكن إلاّ في غرفة السجن.. ومن السعادة اللحظات القليلة التي يغشى فيها على عقل الشارب، فيعمى عن رؤية ما يحيط به من الأشياء كما هي، فتنعكس في نظره الحقائق حتى يتخيّل الشتم طرفة!.. والصفع تحيّة!.. فيضحكه ذلك ما يضحك الأطفال والممرورين.

أيّ سرور لمن يعيش في منزل لا يزور الابتسام ثغراً من ثغور ساكنيه.

أيّ سرور لمن يودّعه أهله كل يوم في صباحه بالحسرات، ويستقبلونه في مسائه بالزفرات؟

أيّ سعادة لمن يمشي دائماً في طريقه متلوّياً متخلجاً (يتحرّك باضطرابٍ) يتسرّب في المنعطفات والأزقّة، ويعوذ بألواذ الجدر والأسوار، فراراً من نظرات الجزار، وتهكّمات العطار، وصرخات الخمّار؟!

ولقد كنت أرى هؤلاء الأشقياء في فاتحة حياتي التعسة، فكان يمرّ بخاطري ما يمرّ بخاطر أمثالي من أنّهم قتلى الإدمان.. لا قتلى الشراب، وكنت أقدر لنفسي القصد فيه إن قدر لي في أمره شيء حتى لا أبلغ مبلغهم، ولا أنزل منزلتهم. فلمّا أشرب أخطئ العد، وضاع الحساب، وفسد التدبير. واختلف التقدير، وغلبت على أمري كما يغلب على أمره كل مخدوع بمثل ما خُدعت به.. ولولا الكأس الأولى ما هلكت، ولا شكوت الذي شكوت!.. ولولاها ما عافني الأصدقاء، ولا وهد فيّ الأقرباء، فكن أنت وحدك صديق السرّاء والضرّاء.. فعاهدته على ذلك ثم تركته في حاله:

تصمُّ السميع وتعمي البصير ويسأل من مثلها العافية.

إذاً يا أخي القارئ، لماذا يشرب الإنسان الخمر أصلاً؟ هل تخلّصه من همومه إلى الأبد؟ ربما ينساها للحظات، وبعدها سيعود إلى مشاكله ويزيد عليها مشاكل جديدة سببها الخمر. فلا تشرب الخمر قليلها أو كثيرها، فهي خمرة على كل حال.

كيف تتجنّب الخمر؟

كثيرون من الناس الذين اقتنعوا بأنّ الخمرة مضرّة يسألون: ماذا نفعل لكي نقلع عن شرب الخمر؟

يقول الباحثون وأهل الاختصاص إنّ العلاج يعتمد أساساً على مراقبة شارب الخمر لنفسه. مثلاً يسأل نفسه: لماذا يشرب الخمر؟ ومتى يشربها؟ و ما مقدار ذلك؟ فإذا وجد نفسه أنّه يشربها لكي ينسى همومه ويرتاح من مشاكله اليومية في الحياة، عليه أن يعرف أنّ هذا الاعتقاد هو خطأ ووهم وتعطيل لبعض مراكز الإحساس في المخ، وأنّ المشاكل، بعدما يختفي تأثير الخمر، تزداد تراكماً إن لم نقل إنّها تزداد تعقداً. فالخمر تشبه العقاقير التي تخفف الألم بشكل مؤقت ولكنّها لا تقضي على سبب الألم.

إذا كان شارب الخمر يشربها عندما يغضب، فعليه أن يعرف أنّ الخمر ليست مهدئة كما هو شائع بين الناس، بل هي عامل مثير ومهيّج، وهي ليست أيضاً حلاً لمشكلة الغضب والتوتّر.

- عندما تواجهك مشكلة الخمر تذكّر وعدك بالامتناع، تذكّر الأضرار التي تسببها، وتذكّر قول كلمة الله: «وَلاَ تَسْكَرُوا بِٱلْخَمْرِ ٱلَّذِي فِيهِ ٱلْخَلاَعَةُ» (أفسس 5: 18).

- وكن حكيماً واعمل بقول الكتاب المقدس: «اِسْمَعْ أَنْتَ يَا ٱبْنِي وَكُنْ حَكِيماً... لاَ تَكُنْ بَيْنَ شِرِّيبِي ٱلْخَمْرِ» (أمثال 23: 19 و20).

- تجنّب معاشرة أصدقاء السوء. «فَإِنَّ ٱلْمُعَاشَرَاتِ ٱلرَّدِيَّةَ تُفْسِدُ ٱلأَخْلاَقَ ٱلْجَيِّدَةَ» (كورنثوس الأولى 15: 33).

- لا تنظر إلى الخمر. «لاَ تَنْظُرْ إِلَى ٱلْخَمْرِ إِذَا ٱحْمَرَّتْ حِينَ تُظْهِرُ حِبَابَهَا فِي ٱلْكَأْسِ وَسَاغَتْ مُرَقْرِقَةً. فِي ٱلآخِرِ تَلْسَعُ كَٱلْحَيَّةِ وَتَلْدَغُ كَٱلأُفْعُوانِ» (أمثال 23: 31 و32).

- اقرأ الكتاب المقدس، كلمة الله الهادية المنعشة.

- صلِّ للرب لكي يعينك، فهو يرشد ويعلّم ويساعد الذين يطلبونه من كلّ قلوبهم.

- اتكل على الرب في حل كل مشاكلك فهو أكيد سيساعدك «أَلْقِ عَلَى ٱلرَّبِّ هَمَّكَ فَهُوَ يَعُولُكَ» (مزمور 55: 22).

- اتخذ قراراً وتصميماً مثلما فعل دانيال النبي: «أَمَّا دَانِيآلُ فَجَعَلَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ لاَ يَتَنَجَّسُ بِأَطَايِبِ ٱلْمَلِكِ وَلاَ بِخَمْرِ مَشْرُوبِهِ» (دانيال 1: 8).

ومثل الركابيين الذين امتنعوا عن شرب الخمر قائلين: «لاَ نَشْرَبَ خَمْراً كُلَّ أَيَّامِنَا نَحْنُ وَنِسَاؤُنَا وَبَنُونَا وَبَنَاتُنَا» (إرميا 35: 8).

الإقلاع عن شرب الخمر

الحقيقة التي يجب أن يعرفها الجميع، هي أنّ التحصين الوحيد ضد داء الإدمان على الخمر والأمل في تحقيقه هو الإيمان بالمسيح. لأن قوّة الله في المسيح هي وحدها التي تقدر أن تخلّص الإنسان وتحرره من كل خطية وكل عادة سيئة. فلا الترهيب ولا الترغيب ينفعان، بل الإيمان بالمسيح له المجد لأنه وحده هو الدواء الشافي.

قال الدكتور تويني في مجلة منظمة الصحة العالمية عدد يوليو تموز 1979: «رغم كل المساعي الإدارية التي دعمتها الاتفاقية الدولية التي ترعاها الأمم المتحدة، فالحقيقة تبقى وهي أنّ أرقى التدابير الوقائية التي تقررها سلطة خارجية غير قادرة على تحرير الإنسان، ومجتمع ما من شروره الاجتماعية، ما لم يكن هناك رغبة في التحرير وإرادة لتنفيذ هذه الرغبة بعمل طوعي في المجتمع نفسه».

وقال باسكال الفيلسوف والعالم الطبيعي المشهور: «هناك فراغٌ في حياة كل إنسان لا يمكن أن يُملأ بأيّ مجهود بشريّ إلاّ بالله وحده».

وقال القديس أغسطينوس: «يا الله لقد خلقتنا لك وأنّ قلوبنا أبداً قلقة حتى تجد راحتها فيك».

الحلّ إذاً أيّها القارئ العزيز، هو الحلّ الإلهي الذي هو الإيمان بالمسيح الشافي والعامل بروحه القدوس في حياة الإنسان. فلا القوانين ولا المواعظ تنفع، بل الإيمان والتوبة والرجوع إلى الله.

شهادة سكّير سابق

كان سكّير سابق يستمع إلى محاضرة يلقيها أحد الملحدين بعنوان «ضلالة المسيحية» فقام هذا الرجل الذي كان سكّيراً سابقاً، وقال: أشكر الله على هذه الضلالة التي أضلّتني وجعلتني أنقطع عن شرب الخمر والسكر. لقد حاولت سابقاً أن أهجر الخمر حسب نصائح وإرشادات الناس، لكن بدون جدوى. حاولت أن أتركها وعجزت. لكن بفضل عمل المسيح فيّ قد تغيّرت حياتي وهجرت الخمر ورجعت لبيتي وكسوت أطفالي وأطعمتهم، وإذا كانت المسيحيّة ضلالة كما تقول، فليرسل الله هذه الضلالة إلى كل المستعبَدين للخمر، لأن عبوديّة الخمر حقيقة واقعية وليست ضلالة».

وأنا شخصياً أعرف العديد من الأشخاص الذين كانوا سابقاً مدمنين على الخمر والتدخين. لكن بعد إيمانهم بالمسيح وتوبتهم، أصبحوا خليقة جديدة وتخلّصوا من كل ما كان يستعبدهم من ذنوبٍ ومعاصٍ وعاداتٍ سيّئة.

وصايا الكتاب المقدس للملوك والعظماء

والكتاب المقدس، كلمة الله الحيّة، يوصي الملوك والعظماء بالابتعاد عن شرب الخمر ويحذّرهم من نتائج السكر به.

«لَيْسَ لِلْمُلُوكِ أَنْ يَشْرَبُوا خَمْراً، وَلاَ لِلْعُظَمَاءِ ٱلْمُسْكِرُ. لِئَلاَّ يَشْرَبُوا وَيَنْسَوْا ٱلْمَفْرُوضَ، وَيُغَيِّرُوا حُجَّةَ كُلِّ بَنِي ٱلْمَذَلَّةِ» (أمثال 31: 4 و5).

ويحدّثنا التاريخ عن ملوك وأمراء تصرّفوا بحماقة، وذلك نتيجة لشرب الخمر. لقد قهر الإسكندر ممالك كثيرة لكنّ الخمر قهرته وأذلّته، لأنه كان سكّيراً مدمناً.

فإنّه كان ذات مرة أقام مجلساً للخمر والشراب والتسلية فأصابته حمّى قضت عليه وهو في سن الثانية والثلاثين من عمره، ومات وهو في مجلس الخمر.

ويخبرنا الكتاب المقدس عن الملك بلشاصر الذي شرب الخمر واعتدى على الهيكل، بيت الله. وكذلك عن إيلة بن بعشا الملوك الأول 16: 8-10 «وَفِي ٱلسَّنَةِ ٱلسَّادِسَةِ وَٱلْعِشْرِينَ لآسَا مَلِكِ يَهُوذَا مَلَكَ أَيْلَةُ بْنُ بَعْشَا عَلَى إِسْرَائِيلَ فِي تِرْصَةَ سَنَتَيْنِ. فَفَتَنَ عَلَيْهِ عَبْدُهُ زِمْرِي رَئِيسُ نِصْفِ ٱلْمَرْكَبَاتِ، وَهُوَ فِي تِرْصَةَ يَشْرَبُ وَيَسْكَرُ فِي بَيْتِ أَرْصَا ٱلَّذِي عَلَى ٱلْبَيْتِ فِي تِرْصَةَ. فَدَخَلَ زِمْرِي وَضَرَبَهُ، فَقَتَلَهُ».

وهكذا نجد أنّ كلمة الله تحذّر من عواقب السكر والعربدة، وأنّ نتائج السكر نتائج وخيمة سواء على المسؤولين أو على الأشخاص العاديين. والخمر لا تفرّق بين إنسان عظيم وآخر بسيط، بين غنيّ وفقير بين مسؤول ومواطن، فهي تستعبد الكل، وتأثيرها يتساوى فيه الكل.

قالوا في الخمر

«الخمر وسيلة شيطانية وأداة إثم يستخدمها الشيطان لإفساد مملكة الله وهدم الكيان الإنساني الذي أحبّه الله وبذل المسيح لأجل خلاصه» (سامح كامل).

«إنني أمتنع كلياً عن تناول المشروبات الكحولية، لأن لرأسي وظيفة أخرى أفضل!» (توماس أديسون).

«إنّ وضع الكحول في الجسم كوضع الرمل في أجزاء الماكينة» (أديسون).

«الكحول لن يساعد الإنسان على ابتكارٍ أو اختراعٍ لكنّه يفقده عقله ويعجزه» (شلر الشاعر الألماني).

«الإنسان إذا سكر لا تكون له معرفة ولا خوف الله، ويعدم التمييز ويزول من وجهه ماء الحياء ولا يعرف قريبه من غريبه. ويكون كالبهيمة شهوته هائجة بلا عقل. وما أقبح خطية السكر، لأنّها تفسد صورة الله في الإنسان التي هي العقل، وتجعل الإنسان بهيمة لا يعلم ما يقول وما يفعل» (القدّيس يوحنّا فم الذهب).

«إنّ الخمر داء يتلف الجسد وهي تتلفه بقدر ما فيها من الكحول، فكلّما زادت نسبة الكحول زاد ضررها تبعاً لذلك. والمعروف أنّه إذا وضعت حيّة سامة في الكحول فإنّها تموت، فإنّ كان الكحول يستطيع أن يقتل حيّة كلها سم، فكم بالأحرى بالنسبة لأعضاء جسم الإنسان» (البابا شنودة الثالث بابا الكنيسة القبطية الأرثوذكسية المصرية).

«الدين المسيحي يحرّم الخمر، ولا يرى في منعها أيّ اعتداء على الحريّة الشخصية، بل يرى في هذا المنع احتراماً لحرية الجماعة وصوناً من عدوان السكارى والمدمنين على غيرهم».

ولقد قال أحد المطارنة في جمهورية مصر العربية، «إنّه لا يجوز مطلقاً للمؤمنين بدين المسيح تعاطي المسكر ومعاقرة بنت الحان، لأنّها تفتك بأرواح بني الإنسان وتجلب عليهم غضب الله» (إسماعيل الخطيب في كتابه المسكرات بين الشرائع السماوية والقوانين الجنائية).

«قيل لأعرابي ما لك لا تشرب الخمر؟ فقال لثلاث صفات فيها» فهي متلفة للمال، مذهبة بالعقل، مسقطة للمروءة».

كلمة ختاميّة

إلى هنا نكون قد وصلنا إلى خاتمة موضوعنا حول الخمر، ولعلك أيّها القارئ العزيز، قد خرجت بفائدة كبيرة مما أوردناه من حقائق علميّة وأدلّة من كلمة الله ومن الواقع المُعاش، عن أضرار الخمر والمصائب الكبيرة التي تسببها.

وبدون شك أنّك اقتنعت بأنّ المسيحية تحرّم الخمر، ولا يوجد دين آخر على الأرض يحتوي كتابه على مثل هذا الكمّ الهائل الذي يحتويه كتاب المسيحيين من تحذيرات وتنبيهات عن الخمر وأضرارها.

أيّها القارئ العزيز، إنّ الروح معرّضة إلى المعاناة والضغوط من جرّاء الانفعالات في هذه الحياة، لأنّ النفس تتعرّض لإغراءات اللذة. وتجربة اللذة تقود إلى ميول لا شعورية، تؤدّي بدورها إلى خلق شعور وميول تدفع الإنسان إلى السقوط في التجربة، وهكذا دواليك. وبما أنّ النفس أمّارة بالسوء كما يُقال ومعرّضة للزلل والسقوط، فإنّنا نحتاج إلى قوّة روحيّة وقويّة تستطيع أن تحرّرنا من سيطرة الميول والشهوات، وهذه القوّة هي الروح القدس الذي يقدر أن ينال عونه أيّ شخص، مهما كانت حالته والعادة المسيطرة عليه، وكيفما كانت مشكلته، وذلك شريطة أن يؤمن بالمسيح المنقذ الإلهي، سيّداً ومخلّصاً، وأن تكون عنده رغبة في العلاج، ويقتنع بأنّ الخمرة غدّارة وهي سبب مصائب وكوارث جمّة.

فإذا كنت أيّها القاري العزيز، لا تزال بعيداً عن الله وعن الإيمان بالمسيح، فالآن وقت التوبة والإيمان. فتقدم بعزم صادق، وتوبة نصوح صادقة إلى الله، طالباً منه الصفح والغفران، وسلّمه حياتك تسليماً تاماً، وسوف ترى النتيجة العجيبة التي سوف تحدث في حياتك. وتذكّر يا صديقي هذه الأقوال من كلمة الله:

«لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَدْعُو بِٱسْمِ ٱلرَّبِّ يَخْلُصُ» (رومية 10: 13).

«لأَنَّ مَنْ يَزْرَعُ لِجَسَدِهِ فَمِنَ ٱلْجَسَدِ يَحْصُدُ فَسَاداً» (غلاطية 6: 8).

«لأَنَّ ٱهْتِمَامَ ٱلْجَسَدِ هُوَ مَوْتٌ» (رومية 8: 6).

«لأَنَّ أُجْرَةَ ٱلْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ» (رومية 6: 23).

«أَمَّا هِبَةُ ٱللّٰهِ فَهِيَ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ» (رومية 6: 23).


Call of Hope 
P.O.Box 10 08 27 
D-70007
Stuttgart
Germany